الشيعة بعد علي بن الحسين
توفي علي بن الحسين وهو على ولاء كامل ووفاء تام لحكام بني أمية وخلفائه حتى إنه تجنب مساعدة ومناصرة كل من قام ضدهم في المدينة أو في مكة " (2) "
الزيدية
وخلف علي بن الحسين أولادأً كثيرين، منهم محمد المكنى بأبي جعغر الباقر وزيد وعمر وغيرهم، فاختلف الشيعة في أمر محمد بن علي وزيد بن علي، فقوم إتبعوا محمداً، وقوم منهم زيداً كما ذكر المؤرخ الشيعي:
إن الزيدية قالوا بإمامة علي ثم ابنه الحسن ثم أخيه الحسين ثم ابنه زين العابدين، ثم ابنه زيد بن علي، وهو صاحب هذا المذهب، وخرج بالكوفة داعياً إلى الإمامة، فُقتل وصُلب بالكناسة.
وقال الزبدية بإمامة
(1) - الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ص183 وما بعد.
(2) - انظر لذلك كتب التاريخ للشيعة والسنة ===================ابنه يحيى من بعده، فمضى إلى خراسان وُقتل بالجوزجان بعد أن أوصى إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن السبط.
فخرج بالحجاز فُقتل، وعهد إلى أخيه إبراهيم، فقام بالبصرة ومعه عيسى بن زيد، فوجه إليهم المنصور عساكره، فقتل إبراهيم وعيسى .... وذهب آخرون من الزيدية، إلى أن الإمام بعد يحيى هو أخوه عيسى، ونقلوا الإمامة في عقبه، وقال آخرون منهم أن الإمام بعد محمد بن عبد الله هو أخوه إدريس الذي فر إلى المغرب ومات هناك، وقام بأمره ابنه إدريس واختط مدينة فاس.
وكان عقبه ملوك المغرب، وكان منهم الداعي الذي ملك طبرستان، وأخوه محمد.
ثم قام بهذه الدعوة في الديلم، الناصر الأطروش منهم، وأسلموا على يده (1).
وأما النوبختي فكتب:
الزيدية، الأقوياء منهم والضعفاء.
فأما الضعفاء منهم فسموا العجلية، وهم أصحاب هارون سعيد العجلي، وفرقة منهم يسمون البترية، وهم أصحاب كثير النواء والحسن بن صالح بن حي وسالم بن أبي حفصة والحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل وأبي المقدام ثابت الحداد، وهم الذين دعوا الناس إلى ولاية علي عليه السلام، ثم خلطوها بولاية أبي بكر وعمر، فهم عند العامة أفضل هذه الأصناف، وذلك أنهم يفضلون علياً، ويثبتون إمامة أبي بكر، وينتقصون عثمان وطلحة والزبير، ويرون الخروج مع كل ولد علي عليه السلام، يذهبون في ذلك إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويثبتون لمن خرج من ولد علي الإمامة عند خروجه، ولا يقصدون في الإمامة قصد رجل بعينه حتى يخرج، كل ولد علي عندهم على السواء، من أي بطن كان.
(1) الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزين ص70،71،72، ومثل ذلك في شيعة دار سلام فارسي لمحمد حسين الطباطبائي ط قم. ص 34.====================وأما الأقوياء منهم فمنهم أصحاب (أبي الجارود) وأصحاب (أبي خالد الواسطي) وأصحاب (فضيل الرسان) و"منصور بن أبي الأسود ".
وأما (الزيدية) الذين يدعون (الحسينية) فإنهم يقولون: من دعا إلى الله عز وجل من آل محمد، فهو مفترض الطاعة. وكان (علي بن أبي طالب) إماماً في وقت ما دعا الناس وأظهر أمره، ثم كان بعد " الحسين " إماماً عند خروجه وقبل ذلك إذا كان مجانباً لمعاوية ويزيد بن معاوية حتى ُقتل، ثم زيد بن علي بن الحسين المقتول في الكوفة، أمه أم ولد. ثم يحيى بن زيد بن علي المقتول بخراسان وأمه ريطة بنت أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، ثم ابنه الآخر عيسى بن زيد بن علي، وأمه أم ولد، ثم محمد بن عبد الله بن الحسن وأمه هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن العزي بن قصي، ثم من دعا إلى طاعة الله من آل محمد صلى الله عليه وآله فهو إمام " (1).
ولقد ذكر الشهرستاني عند ذكر فرق الشيعة واختلافهم في الآراء:
الزيدية، أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي عليه السلام، ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة عليها السلام ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي خرج بالإمامة يكون إماماً واجب الطاعة، سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين، وعن هذا قالت طائفة منهم بإمامة محمد وإبراهيم الإمامين ابني عبد الله بن الحسن بن الحسين الذين خرجا في أيام المنصور، وُقتلا على ذلك.
وجوزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال، ويكون كل واحد منهما واجب الطاعة.
وزيد بن علي لما كان مذهبه هذا المذهب، أراد أن يحصل على الأصول والفروع حتى يتحلى بالعلم،
(1) فرق الشيعة للنوبختي ص77 إلى 80
==================فتتلمذ في الأصول واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة، مع اعتقاد واصل بأن جده علي بن أبي طالب في حروبه التي جرت بينه وبين أصحاب الجمل وأصحاب الشام، ما كان على يقين من الصواب، وأن أحد الفريقين منهما كان على خطأ لا بعينه.
فاقتبس منه الاعتزال، وصارت أصحابه كلها معتزلة.
وكان من مذهبه جواز إمامه المفضول مع قيام الأفضل، فقال: كان علي بن أبي طالب أفضل الصحابة، إلا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة،
وتطييب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريبا، وسيف أمير المؤمنين علي عليه السلام عن دماء المشركين من قريش لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي، فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد، وكانت المصلحة أن يكون القيام بهذا الشأن من عرفوه باللين والتودد، والتقدم بالسن، والسبق في الإسلام، والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ألا ترى أنه لما أراد في مرضه الذي مات فيه تقليد الأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، زعق الناس وقالوا: لقد وليت علينا فظاً غليظاً، فما كانوا يرضون بأمير المؤمنين عمر لشدة وصلابة وغلظة له في الدين، وفظاظة على الأعداء، حتى سكنهم أبو بكر رضي الله عنه.
وكذلك يجوز أن يكون المفضول إماماً والأفضل قائم، فيرجع إليه في الأحكام، ويحكم بحكمه في القضايا. ولما سمعت شيعة أهل الكوفة هذه المقالة منه، وعرفوا أنه لا يتبرأ من الشيخين، رفضوه، حتى أتى قدره عليه، فسميت رافضة. وجرت بينه وبين أخيه محمد الباقر مناظرة لا من هذا الوجه، بل من حيث كان يتلمذ لواصل بن عطاء، ويقتبس العلم ممن يجوّز الخطاء على جده في قتال الناكثين والقاسطين، ومن يتكلم في القدر على=================غير ما ذهب إليه أهل البيت. ومن حيث إنه يشترط الخروج شرطاً في كون الأمام إماما. حتى قال له يوماً: على قضية مذهبك والدك ليس بإمام، لأنه لم يخرج قط، ولا تعرض للخروج.
ولما قتل زيد بن علي، قام بالإمامة بعده يحيى بن زيد، ومضى إلى خراسان ... فزيد بن علي قتل بكناسة الكوفة، قتله هشام بن عبد الملك، ويحيى بن زيد قتل في خراسان، قتله أميرها، ومحمد الأمام قتله بالمدينة عيسى بن ماهان، وإبراهيم الإمام قتل بالبصرة، أمر بقتلهما المنصور. ولم ينتظم أمر الزيدية بعد ذلك حتى ظهر بخراسان ناصر الأطروش، فطلب مكانه ليقتل، فاختفى واعتزل إلى بلاد الديلم، والجبل لم يتحلوا بدين الإسلام بعد، فدعى الناس دعوة الإسلام على مذهب زيد بن علي، فدانوا بذلك، ونشأوا عليه.
وبقيت الزيدية في تلك البلاد ظاهرين، وكان يخرج واحد بعد واحد من الأئمة، ويلي أمرهم، وخالفوا بني أعمامهم من الموسوية في مسائل الأصول، ومالت أكثر الزيدية بعد ذلك عن القول بإمامة المفضول، وطعنت في الصحابة طعن الإمامية، وهم أصناف ثلاثة:
جارودية وسليمانية وبترية، والصالحية منهم والبترية على مذهب واحد.
الجارودية، أصحاب أبي الجارود، زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على عليّ عليه السلام بالوصف دون التسمية، والإمام بعده علي، والناس قصروا، لم يتعرفوا الوصف ولم يطلبوا الموصوف، وإنما نصبوا أبا بكر باختيارهم، فكفروا بذلك. وقد خالف أبو الجارود في هذه المقالة، إمامه زيد ين علي، فإنه لم يعتقد بهذا الاعتقاد.
واختلف الجارودية في التوقف والسوق، فساق بعضهم الإمامة من علي إلى الحسن ثم إلى الحسين ثم إلى علي بن الحسين زين==================العابدين، ثم إلى زيد بن علي، ثم منه إلى الإمام محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين ... والذين قالوا بإمامة محمد الإمام إختلفوا، فمنهم من قال: إنه لم يُقتل وهو بعد حي، وسيخرج فيملأ الأرض عدلاً، ومنهم من أقر بموته وساق الإمامة إلى محمد بن القاسم بن علي بن الحسين بن علي بن صاحب الطالقان. وقد أسر في أيام المعتصم، وحُمل إليه، فحبسه في داره حتى مات.
ومنهم من قال بإمامة يحيى بن عمر صاحب الكوفة، فخرج ودعا الناس، واجتمع عليه خلق كثير، وُقتل في أيام المستعين، وُحمل رأسه إلى محمد بن عبد الله بن ظاهر، حتى قال فيه بعض العلوية:
قتلت أعز من ركب المطايا ... وجئتك استلينك في الكلام
وعزّ عليّ أن ألقاك إلا ... وفيما بيننا حد الحسام
وهو يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين زيد بن علي.
وأما أبو الجارود، فكان ُيسمى سرحوب. سماه بذلك أبو جعفر محمد بن علي الباقر رضي الله عنه. وسرحوب، شيطان أعمى يسكن البحر " (1).
وذكر القاضي النعمان الزيدية في أرجوزته بقوله:
وقالت الطائفة الزيدية ... مقالة لم تكُ بالمرضية
بأن كل قائم يقوم من ... نسل الحسين بن علي والحسن
بسيفه يدعو إلى التقدم ... فهو الإمام دون من لم يقم
منهم ومن كل إمرئ في وقته ... مستتراً قد انزوى في بيته
واتبعوا زيداً على ما رتبوا ... من الدعاوي، وإليه نسبوا
حتى إذا ُقتل قاموا بعده ... مع الحسين، حين قام وحده
(1) الملل والنحل ج 1 ص207 ومابعد، ومثل ذلك في مقالات الاسلاميين ج1 ص28 ومابعد، ومقدمة إبن خلدون ص179، الفرق بين الفرق ص 29، والتبصير ص 32، الفصل ج 4 ص179، ومقاتل الطالبيين للأصفهاني الشيعي ص127 ومابعد.================واتبعوا يحيى بن زيد إذ بدا ... ثم تولوا بعده محمدا
أعني ابن عبد الله من نسل حسن ... وكلهم ظل قتيلاً مرتهن
فهؤلاء عندهم أئمة ... ومن يقوم بعدهم للأمة
وكل من سواهم الرعية ... كسائر الأمة بالسوية (1).
وقبل أن ننتهي من الكلام فيهم، نريد أن نذكر شيعة الكوفة، وجبنهم وتخاذلهم القديم. الكوفة التي وضعوا فيها روايات مختلقة كثيرة عن علي رضي الله عنه أنه قال:
" كأني بك يا كوفة تمدين مد الأديم العكاظي، تعركين بالنوازل، وتركبين بالزلازل، وإني لأعلم أنه ما أراد بك جبار سوء إلا ابتلاه الله بشاغل، أو رماه بقاتل " (2).
وقال:
أنه ُيحشر من ظهورها يوم القيامة سبعون ألفاً، وجوههم على صورة القمر. وقوله عليه السلام: هذه مدينتنا ومحلتنا، ومقر شيعتنا.
وقول جعفر بن محمد عليه السلام: اللهم ارم من رماها، وعاد من عاداها.
وقوله عليه السلام: تربة تحبنا ونحبها " (3).
نذكر في هذه الكوفة، عبارتين عن إمامي الشيعة الكبار، فإن المسعودي روى أن زيد بن علي بن الحسين الذي استشهد في سنة إحدى وعشرين ومائة، أو إثنتين وعشرين ومائة:
" شاور أخاه أبا جعفر بن علي إبن الحسين بن علي، فأشار عليه بأن لا يركن إلى أهل الكوفة، إذ كانوا أهل غدر ومكر، وقال له: بها ُقتل
(1) الأرجوزة المختارة للقاضي النعمان ص214 ط مونتريال - كندا.
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 3 ص197.
(3) أيضا ص198.
====================جدك علي، وبها ُطعن عمك الحسن، وبها ُقتل أبوك الحسين، وأعمالها شتمنا أهل البيت " (1).
وأما الثاني، فهو المفيد يكتب وهو يذكر زيد بن علي:
إنه لم يكره قوم قط حد السيف إلا ذلوا. فلما وصل إلى الكوفة، إجتمع إليه أهلها، فلم يزالوا به حتى بايعوه على الحرب، ثم نقضوا وأسلموه فقتل، وصلب بينهم أربع سنين لا ينكر أحد منهم ولا يعينوه بيد ولسان " (2)
هذا كان أمر الزيدية (3) وهؤلاء كانوا هم.
وهناك فرق أخرى افترقوا وتفرعوا إلى فرق وفروع أخرى غير الزيدية، مثل الذين قالوا بإمامة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حسن المثنى بن علي بن أبي طالب المقتول بها،
" وزعموا أنه القائم وأنه الإمام المهدي وأنه ُقتل، وقالوا إنه حي لم يمت مقيم بجبل يقال له العلمية، وهو الجبل الذي في طريق مكة ونجد، الحاجز عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، وهو الجبل الكبير، وهو عنده مقيم فيه حتى يخرج، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: القائم المهدي إسمه إسمي، واسم أبيه إسم أبي.
وكان أخوه (إبراهيم بن عبد الله بن الحسن) خرج بالبصرة، ودعا إلى إمامة أخيه (محمد بن عبد الله) واشتدت شوكته، فبعث إليه المنصور بالخيل، فُقتل بعد حروب كانت بينهم. وكان (المغيرة بن سعد) قال بهذا القول لما توفي أبو جعفر محمد بن علي، وأظهر المقالة بذلك، فبرئت منه الشيعة أصحاب (أبي عبد الله جعفر بن محمد) عليهما السلام، ورفضوه، فزعم أنهم رافضة وأنه هو الذي سماهم بهذا الاسم، ونصب
(1) مروج الذهب ج3 ص206.
(2) الإرشاد المفيد ص269.
(3) ولقد اختصرنا القول في الزيدية لقصدنا اصدار كتاب مستقل إن شاء الله.
====================أصحاب المغيرة إماماً، وزعم أن الحسين بن علي أوصى إليه ثم أوصى إليه علي بن الحسين، ثم زعم أن أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام وعلى آبائه السلام أوصى إليه، فهو الإمام إلى أن يخرج المهدي.
وأنكروا إمامة أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام، وقالوا لا إمامة في بني علي بن أبي طالب بعد أبي جعفر محمد بن علي، وأن الإمامة في (المغيرة بن سعيد) إلى خروج المهدي، وهو عندهم (محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن) وهو حي لم يمت ولم يُقتل، فسموا هؤلاء (المغيرية)، بإسم المغيرة بن سعيد، مولى خالد بن عبد الله القسري. ثم ترقى الأمر بالمغيرة، إلى أن زعم أنه رسول نبي، وأن جبرئيل يأتيه بالوحي من عند الله. فأخذه خالد بن عبد الله القسري فسأله عن ذلك، فأقر به، ودعا خالداً إليه، فاستتابه خالد، فأبى أن يرجع عن قوله، فقتله وصلبه، وكان يدّعي أنه يحيي الموتى، وقال بالتناسخ، وكذلك قول أصحابه إلى اليوم " (1).
وطائفة إعتقدت الإمامة لمحمد الباقر بن علي زين العابدين، وقالوا إنه هو الإمام بعد أبيه بنص منه (2).
وبعد وفاة محمد الباقر سنة أربعة عشرة بعد المائة، إجتمعت الشيعة حول إبنه جعفر، البقية الذين بقوا على إمامته لأن البعض منهم رجعوا ومالوا عن إمامته كما ذكر النوبختي:
" وأما الذين ثبتوا على إمامة علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين، ثم لعلي بن الحسين عليه السلام، ثم نزلوا إلى القول بإمامة أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين باقر العلم عليه السلام، فأقاموا على إمامته إلى أن توفى، غير نفر يسير منهم، فإنهم سمعوا رجلاً منهم ُيقال له (عمر بن رياح) زعم أنه سأل أبا جعفر عليه السلام عن مسألة،
(1) فرق الشيعة للنوبختي ص82، 83، 84.
(2) الكافي للكليني ج1 ص304.
===================فأجابه فيها بجواب، ثم عاد إليه في عام آخر فسأله عن تلك المسألة بعينها فأجابه فيها بخلاف الجواب الأول، فقال لأبي جعفر: هذا خلاف ما أجبتني في هذه المسألة العام الماضي، فقال له: إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية. فشك في أمره وإمامته.
فلقي رجلاً من أصحاب أبي جعفر ُيقال له (محمد بن قيس) فقال له: إني سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني فيها بجواب، ثم سألته عنها في عام آخر فأجابني فيها بخلاف جوابه الأول، فقلت له لم فعلت ذلك فقال فعلته للتقية، وقد علم الله أني ما سألته عنها إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتيني به، فلا وجه لاتقائه إياي وهذه حالي. فقال له محمد بن قيس: فلعله حضرك من اتقاه. فقال له: ما حضر
مجلسه في واحدة من المسألتين غيري، لا، ولكن جوابيه جميعاً خرجا على وجه التبكيت، ولم يحفظ ما أجاب به في العام الماضي فيجيب مثله.
فرجع عن إمامته وقال: لا يكون إماماً من يفتي بالباطل على شيئ بوجه من الوجوه، ولا في حال من الأحوال، ولا يكون إماماً من يفتي تقية بغير ما يجب عند الله، ولا من يرخي ستره ويغلق بابه، ولا يسع الإمام إلا الخروج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فمال بسببه إلى قول البترية، ومال معه نفر يسير" (1).
الشيعة أيام جعفر بن الباقر
وفي أيامه كمل التطور في التشيع والتغير الجذري والتبدل التام الذي شمل عامة الشيعة، والذي كان بدؤه بعد مقتل الحسين رضي الله عنه وعلى أيدي السبئية، فإنهم استطاعوا بعد ستين سنة من قتله وبعد تسعين سنة من نشأتهم، فصل طائفة من الناس عن المسلمين في معظم
(1) فرق الشيعة للنوبختي ص80، 81.
====================المعتقدات وجل العقائد. الطائفة الكاملة التي تنسب إلى التشيع لعلي وأولاده رضي الله عنهم بجميع فرقها وطوائفها مع اختلاف القادة والزعماء واتجاهاتهم ومطامعهم، أغراضهم وأهدافهم، من حيث استغلوا النقمة المتوارثة والغضب الشديد المتنقل من الآباء إلى الأبناء من المحن والآلام والأوجاع نتيجة معارضة الحكام ومخالفة ولاة الأمور، والمقاتلة ضدهم والخروج عليهم والتشريد والتقتيل، زيادة على ذلك الدسائس والمؤامرات التي تدبر ويحكم نسيجها من وراء الأستار والتسميم الذهني والفكري، والاختلاط مع الشعوب الأجنبية بأفكارها وآرائها، المقهورة والمهزومة والمتغلب عليها وعلى بلادها وأمورها، والموتورة على الولاة وعساكرها الغازية المنصورة وجيوشها المظفرة المتغلبة، ثم واجتماع الفرس والموالي من البابليين والعاشوريين والكلدانيين وغيرهم من أصحاب الحضارات القديمة والثقافات الراقية - حسب زعمهم - واحتياجهم إلى منظمة ثائرة على الحكم والحكام، والناقمة على كل ما صدر منهم أو يصدر من الآراء والأفكار وحتى العقائد والمعتقدات.
هذه الأشياء كلها جعلت التشيع يتقلب في قالب جديد، والشيعة تكون كتلة مختلفة عن الحكام والآخذين في زمام الأمور، إختلافا كاملا في جميع ما يذهبون إليه ويعتقدون به، وتشهد على ذلك رواية مروية عن جعفر أنه قال: إن كل حكم يخالف العامة يؤخذ به ويترك ما يوافقهم. فسأله سائل: جعلت فداك، أرأيت إن كان فقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة، ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفاً لهم، بأي الخبرين يؤخذ؟
قال: ماخالف العامة ففيه الرشاد.
فقلت: جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جميعاً؟==================قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم وقضاتهم، فيترك ويؤخذ بالآخر" (1).
فيجب أن يكون هناك خلافاً، ويجب أن تكون مخالفة ولو على حساب القرآن والسنة، ولو على حساب الدين والمذهب. ولما كانت الأفكار السبئية والعقائد المختلقة منهم تناوئ الإسلام وتعاليمه، وكانت تلك العقائد والأفكار المختلقة المخترعة صادرة من الذين ادعوا التشيع لعلي، فكان الأجدر والأليق أن تتبنى و ُيتمسك بها، لأنها تخالف معتقدات العامة وصدرت من الذين انتحلوا حب علي ومودته.
وبدأ الشيعة يتجاهرون، وبدأت الشيعة تصوغ وتصنع في ضوء العقائد السبئية المسائل والفتاوى في العبادات والمعاملات، وتشرع في العقائد والمعاملات، وتنسبها إلى أئمة أهل بيت علي رضي الله عنه، لتأسيس مذهب جديد وتكوين دين مستقل، له تشريعه وفقهه، وأصوله وأسسه، وقواعده وقوانينه، منفصلة عن الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وقدمه للبشر كافة، واعتنقه أول ما
اعتنق به أصحابه الأخيار ورفاقه الكرام البررة، ونقلوه عنه وتعاليمه التي أعطاها إياهم من القرآن وإرشادات الرسول الناطق بالوحي.
وصار التشيع قائماً على أقاويل الرجال وأفعالهم سواء صدرت هذه الأقوال منهم أم لا ولكنها تكفي بأنها نسبت إليهم.
وإن عارضها أو ناقضها أي هذه الأقوال والأفعال قول وفعل ثابت عنهم قالوا: لم يكن هذا إلا تقية. وإن خالفها الكتاب المنزل من السماء قالوا: إن الكتاب حصل فيه التغيير والتبديل. وإن عارضتها السنة الثابتة قالوا: إنها لم تنقل إلا عن المرتدين - عياذاً بالله - لأن أصحاب الرسول كلهم ارتدوا بعده إلا ثلاثة (2) فالقرآن مغيّر ومبدّل،
(1) الأصول من الكافي، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث ج1 ص68.
(2) انظر لتفصيل ذلك كتابنا (الشيعة والسنة) و (الشيعة أهل البيت) و (الشيعة والقرآن).
===================والحديث رواته كفرة مرتدون، فلا عبرة بهما. لأن القرآن والحديث يناصران العامة ونحن على خلاف ما يقوله العامة.
ولأجل ذلك نبه أولاد علي رضي الله عنه، الطيبون منهم، على كذب وافتراء هؤلاء المنتحلين المدعين حبهم.
كما روي عن جعفر بن الباقر - الإمام السادس المعصوم عند الشيعة - أنه قال: " لقد أمسينا وما أحد أعدى لنا ممن ينتحل مودتنا " (1).
عنه أيضا أنه قال:
" إنا أهل بيت صادقون، لا نخلوا من كذاب يكذب علينا، فيسقط صدقنا بكذبه عند الناس، كان رسول الله أصدق الله لهجة وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين (ع) أصدق من برأ الله من بعد رسول الله، وكان الذي يكذب عليه من الكذب عبد الله بن سبأ لعنه الله، وكان أبو عبد الله الحسين بن علي (ع) قد ابتلي بالمختار، ثم ذكر أبو عبد الله الحارث الشامي والبنان فقال: كانا يكذبان على علي بن الحسين (ع)، ثم ذكر المغيرة بن سعيد وبزيعا والسري وأبا الخطاب ومعمراًُ وبشار الأشعري وحمزة اليزيدي وصائب النهدي - أي أصحابه - فقال: لعنهم الله، إنا لا نخلوا من كذاب يكذب علينا، كفانا الله مؤنة كل كذاب وأذاقهم الله حر الحديد " (2).
وعن حفيده علي الرضا - الإمام الثامن المعصوم حسب زعمهم - أنه قال: كان بنان يكذب على علي بن الحسين (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان المغيرة بن سعيد يكذب على إبن جعفر (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان محمد بن بشر يكذب على إبن الحسن علي بن موسى
(1) رجال الكشي ص259 تحت ترجمة أبي الخطاب.
(2) أيضا ص257، 258.
======================الرضى (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان أبو الخطاب يكذب على أبي عبد الله (ع) فأذاقه الله حر الحديد، والذي يكذب علي، محمد بن الفرات (1).
وعن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال: " لعن الله بنان البيان، وإن بنان لعنه الله كان يكذب على أبي، أشهد أن أبي كان عبداً صالحاً " (2).
وبدءوا يتبرءون منهم، ويمنعون متبعيهم من الوقوع في شراكهم وحبائلهم، كما نقل الكشي عن جعفر أنه ذكر عنده جعفر بن واقد ونفر من أصحاب أبي الخطاب فقيل: أنه صار إليهم يتردد وقال فيهم:
وهو الذي في السماء إله، وفي الأرض إله، قال هو الإمام، فقال أبو عبد الله (ع): لا والله لا يأويني وإياه سقف بيت أبدا، هم شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا، والله ما صغر عظمة الله تصغيرهم شيئاً قط، وإن عزيراً جال في صدره ما قالت اليهود، فمحى الله إسمه من النبوة. والله لو أن عيسى أقّر بما قالت فيه النصارى، لأورثه الله صمماً إلى يوم القيامة، والله لو أقررت بما يقول فيّ أهل الكوفة لأخذتني الأرض، وما أنا إلا عبد مملوك لا أقدر على ضر شيئ ولا نفع شيئ.
محمد بن مسعود قال: حدثني علي بن محمد قال: حدثني محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عيسى عن زكريا عن ابن مسكان عن قاسم الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: " قوم يزعمون أني لهم إمام، والله ما أنا لهم بإمام، مالهم لعنهم الله كلما سترت ستراً هتكوه، هتك الله سترهم، أقول كذا، يقولون إنما يعني كذا، أنا إمام من أطاعني " (3).
(1) أيضا ص256.
(2) رجال الكشي ص255.
(3) رجال الكشي ص254، 255.
====================ولكن باءت الجهود المخلصة بالفشل، وزادت الشيعة في غلوائهم وغيهم لكثرة ما وجد في ذلك الزمان من الكذابين ومن المنتحلين مودة أهل البيت، والمدعين موالاتهم ومشايعتهم من أبي الخطاب وأبي البصير المرادي وزرارة بن أعين وجابر الجعفي ومغيرة بن سعيد والهشامين وأبي الجارود وغيرهم. فكثرت الآراء وتشعبت، وزادت الفرق وتفرقت، ذهب بعضها إلى المذاهب البعيدة، وزاد حتى على السبئية مؤسسي بنيانها وواضعي نواتها، وقربت البعض منها، وأحصرت على تلقي ما لقنته السبئية وألقته إليهم، وقلل الأخذ بعض منها وأكثر البعض، ولقد أقر بذلك مؤرخ شيعي حيث قال:
" ولم يتمكن الصادق - في تلك الظروف القاسية التي ظهرت فيها الزيدية - على أن يناظرهم غالباً في شيئ من أمر الإمامة، لأنه كان يتكتم فيها، ويتقي ملوك عصره، ويحذر من وشاتهم وجواسيسهم الكثيرة، ومع تكتمه الشديد قد أحضره المنصور وقال له: قتلني الله إن لم أقتلك، أتلحد في سلطاني؟ فقال له الصادق (ع): والله ما فعلت ولا أردت، وإن كان بلغك، فمن كاذب " (1).
فمن الذين اختلفوا أول الأمر على جعفر وأخذوا عليه في حياته، من ذكرهم النوبختي:
" وأما الفرقة الأخرى من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام، فنزلت إلى القول بإمامة أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام، فلم تزل ثابتة على إمامته أيام حياته غير نفر منهم يسير، فإنهم لما أشار جعفر بن محمد إلى إمامة إبنه إسماعيل، ثم مات إسماعيل في حياة أبيه،
(1) الشيعة في االتاريخ ص107، 108.
====================رجعوا عن إمامة جعفر، وقالوا كذبنا ولم يكن إماماً، لأن الإمام لا يكذب ولا يقول مالا يكون، وحكموا على جعفر أنه قال: إن الله عز وجل بداله في إمامة إسماعيل، فأنكروا "البداء " والمشيئة من الله، وقالوا هذا باطل لا يجوز، ومالوا إلى مقالة (البترية) ومقالة سليمان بن جرير، وهو الذي قال لأصحابه بهذا السبب أن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبداُ، وهما القول بالبداء وإجازة التقية. فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون، والإخبار بما يكون في غد، وقالوا لشيعتهم أنه سيكون في غد وفي غابر الأيام كذا وكذا، فإن جاء ذلك الشيئ على ما قالوه، قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون، فنحن نعلم من قِبَل الله عز وجل ما علمته الأنبياء، وبيننا وبين الله عز وجل مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت. وإن لم يكن ذلك الشيئ الذي قالوا إنه يكون على ما قالوا لشيعتهم، بدا لله في ذلك بكونه.
وأما التقية، فإنه لما كثرت على أئمتهم مسائل شيعتهم في الحلال والحرام وغير ذلك من صنوف أبواب الدين، فأجابوا فيها، وحفظ عنهم شيعتهم جواب ما سألوهم وكتبوه ودونوه، ولم يحفظ أئمتهم تلك الأجوبة لتقادم العهد، وتفاوت الأوقات، لأن مسائلهم لم ترد في يوم واحد ولا في شهر واحد، بل في سنين متباعدة، وأشهر متباينة، وأوقات متفرقة. فوقع في أيديهم في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة متضادة، وفي مسائل مختلفة أجوبة متفقة. فلما وقفوا على ذلك منهم، ردوا إليهم هذا الإختلاف والتخليط في جواباتهم، وسألوهم عنه، وأنكروا عليهم فقالوا: من أين هذا الإختلاف؟ وكيف جاز ذلك؟ قالت لهم أئمتهم: إنما أجبنا بهذا للتقية، ولنا أن نجيب بما أجبنا، وكيف شئنا، لأن ذلك إلينا، ونحن نعلم بما يصلحكم وما فيه====================بقاؤكم، وكف عدوكم عنا وعنكم.
فمتى يظهر من هؤلاء على كذب؟ ومتى يعرف لهم حق من باطل؟.
فمال إلى سليمان بن جرير هذا لهذا القول، جماعة من أصحاب أبي جعفر، وتركوا القول بإمامة جعفر عليه السلام " (1).
وهنا آخران من أهل البيت إدعيا الإمامة في حياة جعفر، وهما عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي.
وهو الذي كان يقول: ولدني رسول الله صلى الله عليه وآله مرتين " (2).
والذي قال عنه الأصفهاني الشيعي:
" كان عبد الله بن الحسن بن الحسن شيخ بني هاشم والمقدم فيهم، وذا الكثير منهم فضلاً وعلماً وكرماً" (3).
والثاني إبنه محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية، هو الذي كتب فيه الأصفهاني الشيعي:
" وكان محمد بن عبد الله الحسن، من أفضل أهل بيته، وأكبر أهل زمانه في زمانه في علمه بكتاب الله، وحفظه له، وفقهه في الدين، وشجاعته، وجوده، وبأسه، وكل أمر يجمل بمثله، حتى لم يشك أحد أنه المهدي، وشاع ذلك له في العامة، وبايعه رجال من بني هاشم جميعاً، من آل أبي طالب، وآل العباس، وسائر بني هاشم " (4).
وقد ذكر الكليني في (كافيه) إدعاءهما الإمامة زمن جعفر ودعوتهما إياه إليهما، حيث ذكر أن عبد الله بن الحسن دخل على جعفر بن الباقر وقال:
(1) فرق الشيعة للنوبختي ص84إلى 87.
(2) مقاتل الطالبيين للأصفهاني ص181.
(3) الأغاني لأبي فرج الأصفهاني ج1 ص205، مقاتل ص180.
(4) مقاتل ص233.
======================" قد علمت جُعلت فداك أن السن لي عليك، وأن في قومك من هو أسن منك، ولكن الله عز وجل قد قدم لك فضلاً ليس هو لأحد من قومك، وقد جئتك معتمداً لما أعلم من برّك، واعلم - فديتك - إنك إذا أجبتني لم يتخلف عني أحد من أصحابك، ولم يختلف علي إثنان من قريش ولا غيرهم. فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إنك تجد غيري أطوع لك مني ولا حاجة لك فيّ، فوالله إنك لتعلم أني أريد البادية أو أهم بها فأثقل عنها، وأريد الحج فما أدركه إلا بعد كد وتعب ومشقة على نفسي، فاطلب غيري وسله ذلك ولا تعلمهم أنك جئتني. فقال له: إن الناس مادون أعناقهم إليك، وإن أجبتني لم يتخلف عني أحد، ولك أن لا تكلف قتالاً ولا مكروهاً. قال: وهجم علينا ناس فدخلوا وقطعوا كلامنا، فقال أبي: جعلت فداك ما تقول؟. فقال: نلتقي إن شاء الله. فقال: أليس على ما أحب؟. فقال: على ما تحب إن شاء الله من إصلاحك ... فقال له أبوعبد الله عليه السلام: يا ابن عم، إني أعيذك بالله من التعرض لهذا الأمر الذي أمسيت فيه، وإني لخائف عليك أن يكسبك شرا. فجرى الكلام بينهما، حتى أفضى إلى ما لم يكن يريد. وكان من قوله: بأي شيئ كان الحسين أحق بها من الحسن؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: رحم الله الحسن، ورحم الحسين، وكيف ذكرت هذا؟ قال: لأن الحسين عليه السلام، كان ينبغي له إذا عدل أن يجعلها في الأسن من ولد الحسن ... فقام أبي يجر ثوبه مغضباً، فلحقه أبو عبد الله عليه السلام، فقال له: أخبرك أني سمعت عمك وهو خالك يذكر أنك وبني أبيك ستقتلون، فإن أطعتني ورأيت أن تدفع بالتي هي أحسن فافعل، فوالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الكبير المتعال على خلقه، لوددت أني فديتك بولدي وبأحبهم إلي بأحب أهل بيتي================إلي، وما يعدلك عندي شيئ، فلا ترى أني
غششتك. فخرج أبي من عنده مغضباً أسفا ... ثم أتى محمد بن عبد الله بن حسن، فأخبر أن أباه وعمومته قتلوا - قتلهم أبو جعفر- إلا حسن بن جعفر وطباطبا وعلي بن ابراهيم وسليمان بن داوود بن حسن وعبد الله بن داود، قال: فظهر محمد بن عبد الله عند ذلك، ودعى الناس لبيعته، قال: فكنت ثالث ثلاثة بايعوه واستوثق الناس لبيعته، ولم يختلف عليه قرشي ولا أنصاري ولا عربي، قال: وشاور عيسى بن زيد وكان من ثقاته وكان على شرطه، فشاوره في البعثة إلى وجوه قومه، فقال له عيسى بن زيد: إن دعوتهم دعاء يسيراً لم يجيبوك، أو تغلظ عليهم، فخلني وإياهم، فقال له محمد: إمض إلى من أردت منهم، فقال: إبعث إلى رئيسهم وكبيرهم - يعني أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام - فإنك إذا أغلظت عليه علموا جميعاً أنك ستمرهم على الطريق التي أمررت عليها أبا عبد الله عليه السلام، قال: فوالله ما لبثنا أن أتى بأبي عبد الله عليه السلام حتى أوقف بين يديه، فقال له عيسى بن زيد: أسلم تسلم، فقال له عبد الله عليه السلام: أحدثت نبوة بعد محمد صلى الله عليه وآله؟ فقال له محمد: لا، ولكن بايع تأمن على نفسك ومالك وولدك ولا تكلفن حرباً، فقال له أبوعبد الله عليه السلام: ما فيّ حرب ولا قتال، ولقد تقدمت إلى أبيك وحذرته الذي حاق به، ولكن لا ينفع حذر من قدر، يابن أخي عليك بالشباب، ودع عندك الشيوخ. فقال له محمد: ما أقرب ما بيني وبينك في السن، فقال له أبوعبد الله عليه السلام: إني لم أعازّك ولم أجيئ لأتقدم عليك في الذي أنت فيه. فقال له محمد: لا والله لابد من أن تبايع. فقال له أبوعبد الله عليه السلام: ما فيّ ياابن أخي طلب ولا حرب، وإني لأريد الخروج الى البادية=================فيصدني ذلك ويثقل علي حتى تكلمني في ذلك الأهل غير مرة، ولا يمنعني منه إلا
الضعف، والله والرحم أن تدبر عنّا ونشقى بك. فقال له: يا أبا عبد الله قد والله مات أبو الدوانيق - يعني أبا جعفر - فقال له أبو عبد الله عليه السلام: وما تصنع بي وقد مات؟ قال: أريد الحمال بك، قال: ما إلى ما تريد السبيل، لا والله ما مات أبو الدوانيق إلا أن يكون مات موت النوم. قال: والله لتبايعني طائعا ً أو مكرها ولا تحمد في بيعتك. فأبى عليه إباء شديداً، وأمر به إلى الحبس. فقال له عيسى بن زيد: أما إن طرحناه في السجن وقد خرب السجن وليس عليه اليوم غلق، خفنا أن يهرب منه. فضحك أبو عبد الله عليه السلام، ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أوتراك تسجنني؟ قال: نعم والذي أكرم محمد صلى الله عليه وآله بالنبوة، لأسجننك ولأشددّن عليك. فقال عيسى بن زيد: إحبسوه في المخبأ - وذلك دار ريطة اليوم - فقال له أبو عبد الله عليه السلام: أما والله إني سأقول ثم أصدق. فقال له عيسى بن زيد: لو تكلمت لكسرت فمك. فقال له أبوعبد الله عليه السلام: أما والله يا أكشف يا أزرق، لكأني بك تطلب لنفسك جحراً تدخل فيه، وما أنت في المذكورين عند اللقاء، وإني لأظنك إذا صفق خلفك، طرت مثل الهيق النافر. فنفر عليه محمد بانتهار: إحبسه وشدد عليه وأغلظ عليه. فقال له أبو عبد الله عليه السلام: أما والله لكأني بك خارجاً من سدة أشجع إلى بطن الوادي وقد حمل عليك فارس معلم في يده طرّادة نصفها أبيض ونصفها أسود، على فرس كميت أقرح، فطعنك فلم يصنع فيك شيئاً وضربت خيشوم فرسه فطرحته، وحمل عليك آخر خارج من زقاق آل أبي عمار الدئليين عليه غديرتان مضفورتان، وقد خرجتا من تحت بيضة، كثير شعر الشاربين، فهو والله صاحبه، فلا رحم الله رمته. فقال له محمد:==========يا أبا عبد الله، حسبت فأخطأت. وقام إليه السراقي بن سلخ الحوت، فدفع في ظهره حتى أدخل السجن واصطفى ما كان له من مال وما كان لقومه ممن لم يخرج مع محمد " (1).
هذا ما حصل في حياة جعفر بن الباقر من افتراق الشيعة وتحزبهم بأحزاب مختلفة، وتشعبهم بفرق متعددة.
الشيعة بعد وفاة جعفر
وأما بعد وفاته سنة ثمان وأربعين ومائة، حصل الإختلاف العظيم، وافترق الشيعة إلى فرق عديدة، ولقد عدها الكاتب الشيعي المشهور النوبختي، وهو الأوائل من كتب في الفرق من القوم، ست فرق فقال:
" فلما توفي أبو عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام، إفترقت الشيعة بعده ست فرق ... ودفن في القبر الذي دفن فيه أبوه وجده في البقيع ... وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمهما أسماء (2). بنت عبد الرحمن بن أبي بكر " (3).
والفرق الستة التي عدّها، الأولى منها:
" الناووسية: وهي التي قالت إن جعفر بن محمد حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر ويلي أمر الناس، وأنه هو المهدي. وزعموا أنهم رووا عنه أنه قال: إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه، فإني صاحبكم. وإنه قال لهم: إن جاءكم من يخبركم عني أنه مرضني وغسلني وكفنني، فلا تصدقوه، فإني صاحبكم صاحب السيف.===========
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق