الشيعة بعد وفاة جعفر
وأما بعد وفاته سنة ثمان وأربعين ومائة، حصل الإختلاف العظيم، وافترق الشيعة إلى فرق عديدة، ولقد عدها الكاتب الشيعي المشهور النوبختي، وهو الأوائل من كتب في الفرق من القوم، ست فرق فقال:
" فلما توفي أبو عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام، إفترقت الشيعة بعده ست فرق ... ودفن في القبر الذي دفن فيه أبوه وجده في البقيع ... وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمهما أسماء (2). بنت عبد الرحمن بن أبي بكر " (3).
والفرق الستة التي عدّها، الأولى منها:
" الناووسية: وهي التي قالت إن جعفر بن محمد حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر ويلي أمر الناس، وأنه هو المهدي. وزعموا أنهم رووا عنه أنه قال: إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه، فإني صاحبكم. وإنه قال لهم: إن جاءكم من يخبركم عني أنه مرضني وغسلني وكفنني، فلا تصدقوه، فإني صاحبكم صاحب السيف.
وهذه الفرقة(1) الأصول من الكافي، كتاب الحجة ج1 ص358 ومابعد.
(2) وعلى ذلك كان يقول: لقد ولدني أبو بكر مرتين (كشف الغمة للأربلي الشيعي ج2ص161)
(3) فرق الشيعة للنوبختي ص 7 ====================تسمى الناووسية. وُسميت بذلك لرئيس لهم من أهل البصرة يُقال له فلان بن فلان الناووس " (1).
" وزعم قوم أن الذي يتبدى للناس لم يكن جعفرا، وإنما تصور لناس في تلك الصورة. وانظم إلى هذه الفرقة قوم من السبئية، فزعموا جميعاً أن جعفراً كان عالماً بجميع معالم الدين من العقليات والشرعيات، فإذا قيل للواحد منهم: ماتقول في القرآن أو في الرؤية أو في غير ذلك من أصول الدين أو في فروعه؟ يقول: أقول فيها ما كان يقوله جعفر الصادق، يقلدونه " (2).
هذا ما حصل في حياة جعفر بن الباقر من افتراق الشيعة وتحزبهم بأحزاب مختلفة وتشعبهم في فرق متعددة.
والفرقة الثانية: السمطية أو الشميطية: وهم القائلون إن الإمام بعد جعفر بن محمد إبنه محمد بن جعفر، وذلك لأن أباه جعفر وصي له في صباه، وكان يقول: إنه يشبه أبي محمد الباقر وجدي رسول الله، فجعل هؤلاء الإمامة في محمد بن جعفر وولده من بعده.
وهذه الفرقة تسمى السمطية وتنسب إلى يحيى بن أبي السميط أو أبي الشميط " (3).
والجدير بالذكر أن محمد بن جعفر هذا خرج أيام المأمون، ودعا الناس إلى نفسه: وبايع له أهل المدينة بإمرة المؤمنين " (4).(1) أيضاً ص87 - 88
(2) الفرق بين الفرق ص61، مقالات الإسلاميين ج1ص97، إعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص53، الملل والنحل للشهرستاني ج2ص3،2 الحور العين ص162، التبصير للإسفرائيني ص40، الفصل في الملل والأهواء والنحل لإبن حزم ج4ص
180، الخطط للمقريزي ج 4ص 174.
(3) أنظر فرق الشيعة ص98، مقالات الإسلاميين ج1 ص99، الفرق بين الفرق ص 61، 62، إعتقادات للرازي ص54، التبصير ص41، الحور العين ص163، الملل لإبن حزم ج2 ص3.
(4) مقاتل للأصفهاني ص357، الإرشاد ص 286، تاريخ بغداد ج2 ص114.================فحصلت بينه وبين جيوش المأمون بقيادة هارون بن المسيب معارك عديدة.
ثم وجه إليه هارون خيلا فحاصرته في موضعه، لأنه كان موضعا حصينا لا يوصل إليه، فلما بقوا في الموضع ثلاثا ونفد زادهم وماؤهم، جعل أصحابه يتفرقون ويتسللون يمينا وشمالا، فلما رأى ذلك لبس بردا ونعلا، وصار إلى مضرب هارون فدخل إليه وسأله الأمان لأصحابه، ففعل هارون ذلك " (1).
وذكر المفيد بأنه كان يرى رأى الزيدية في الخروج بالسيف، ولذلك اتبعه كثير من الزيدية الجارودية (2).
والفرقة الثالثة: الفطحية: فلقد ذكرها الكشى تحت عنوان الفطحية بقوله:
" هم القائلون بإمامة عبد الله بن جعفر بن محمد، وسموا بذلك لأنه قيل أنه كان أفطح الرأس، وقال بعضهم: كان أفطح الرجلين، وقال بعضهم: إنهم نسبوا إلى رئيس من أهل الكوفة يقال له: عبد الله بن فطيح، والذين قالوا بإمامته عامة مشائخ العصابة وفقهائها، مالوا إلى هذه المقالة فدخلت عليهم الشبهة لما روى عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى إمام ... ثم إن عبد الله مات بعد أبيه بسبعين يوما، فرجع الباقون إلا شاذا منهم عن القول بإمامته إلى القول بإمامة أبي الحسن (ع) ورجعوا إلى الخبر الذي روى: إن الإمامة لا يكون في الآخوين بعد الحسن والحسين (ع) " (3).
وذكر مثل هذا النوبختي الشيعي وزاد:
" ومال إلى هذه الفرقة جل مشائخ الشيعة وفقهائها، ولم يشكوا في(1) مقاتل ص540، الإرشاد ص 286.
(2) الإرشاد للمفيد ص286.
(3) رجال الكشى ص===================أن الإمامة في محمد بن جعفر وفي ولده من بعده، فمات عبد الله ولم يخلف ذكرا " (1).
وأما المفيد فقال:
" وكان عبد الله بن جعفر أكبر إخوته بعد إسماعيل، ولم تكن منزلته عند أبيه كمنزلة غيره من ولده في الإكرام، وكان متهما بالخلاف على أبيه في الإعتقاد، ويقال أنه كان يخالط الحشوية، ويميل إلى مذهب
المرجئة. وادعى بعد أبيه الإمامة، واحتج بأنه أكبر إخوته الباقين، فاتبعه(1) فرق الشيعة للنوبختي ص99.=على قوله جماعة من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام. ثم رجع أكثرهم بعد ذلك إلى القول بإمامة أخيه موسى عليه السلام، لما تبينوا ضعف دعواه وقوة أمر أبي الحسن (ع)، ودلالة حقه وبراهين إمامته. وأقام نفر يسير منهم على أمرهم، ودانوا بإمامة عبد الله بن جعفر، الطائفة الملقبة بالفطحية " (1).
وقد ذكرهم الأربلي أيضاً في كشف الغمة (2).
وُيسمون العمارية أيضاً كما ذكره الأشعري في (مقالات الإسلاميين) نسبة إلى رئيس لهم يُعرف بعمار (3).
والجدير بالذكر أن الشيعة يروون روايات عن أئمتهم المعصومين حسب زعمهم بأن الإمامة في أكبر الأبناء كما روى الكليني:
" عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن الأمر في الكبير ما لم تكن به عاهة " (4).
وبذلك استدل على إمامته " واحتج بأنه أكبر الإخوة الباقين، فاتبعه جماعة من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام " (5).
ثم ومع هذا كيف يعدلون عنه ولم يكن به عاهة؟
اللهم إلا أنهم يذكرون أنه كان يخالف أباه في العقائد (6).
ونريد أن نلفت الأنظار، إلى أن ابن جعفر الآخر وهومحمد أيضاً، كان منكِراً لإمامة أبيه جعفر ومخالفاً لأفكاره وآرائه، كما ذكره الطوسي والمفيد (7).
والفرقة الرابعة: الذين قالوا بإمامة موسى بن جعفر، وأنكروا إمامة عبد الله، وخطؤوه في فعله وجلوسه مجلس أبيه، وادعائه الإمامة (8).
فسنذكر تفاصيل واختلافات هؤلاء فيما بعد، تحت أيام موسى الملقب بالكاظم.=================الإسماعيلية
وأما الفرقة الخامسة والسادسة التي حدثت ونشأت من بين الشيعة، فهي الإسماعيلية. فأولاً نذكرهم من الشيعة أنفسهم، فيقول النوبختي:
"وفرقة زعمت أن الإمام بعد جعفر بن محمد إبنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه، وقالوا: كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه على الناس لأنه خاف فغيبه عنهم، وزعموا أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض يقوم بأمر الناس، وأنه هو القائم، لأن أباه أشار إليه بالإمامة من بعده، وقلدهم ذلك له، وأخبرهم أنه صاحبه، والإمام لا يقول إلا الحق. فلما ظهر موته، علمنا أنه قد صدق، وأنه القائم، وأنه لم يمت.(1) الإرشاد ص285، 286.
(2) ج2 ص393.
(3) ج1ص99.
(4) كتاب الحجة من الكافي في الأصول ج1ص357.
(5) الإرشاد للمفيد ص285.
(6) كشف الغمة للأربلي ج2ص393.
(7) أظر أعلام الورى ص291، الإرشاد للمفيد ص286.
(8) فرق الشيعة للنوبختي ص1=================وهذه الفرقة هي الإسماعيلية الخالصة " (1).
ثم لهم فرق كثيرة، نذكر بعضها بالإختصار. فذكر المفيد تحت عنوان: أولاد أبي عبد الله وعددهم وأسماؤهم وطرف أخبارهم:
" وكان إسماعيل أكبر الأخوة، وكان أبو عبد الله عليه السلام شديد المحبة له والإشفاق عليه، وكان قوم من الشيعة يظنون أنه القائم بعد أبيه والخليفة له من بعده، إذ كان أكبر إخوته سناً، ولميل أبيه إليه،
وإكرامه له. فمات في حياة أبيه عليه السلام بالعريض، وحُمل على رقاب الرجال إلى أبيه بالمدينة حتى دفن بالبقيع.
وروي أن أبا عبد الله عليه السلام جزع عليه جزعاً شديداً، وحزن عليه حزناً عظيماً، وتقدم سريره بغير حذاء ولا رداء، وأمر بوضع سريره على الأرض قبل دفنه مراراً كثيرة، وكان يكشف وجهه وينظر إليه، يريد بذلك تحقيق أمر وفاته عند الظانين خلافته له من بعده، وإزالة الشبهة عنهم في حياته.
ولما مات إسماعيل (رحمه الله)، إنصرف عن القول بإمامته من بعد أبيه من كان يظن ذلك فيعتقده من أصحاب أبيه، وأقام على حياته شرذمة لم تكن من خاصة أبيه، ولا من الرواة عنه، وكانوا من الأباعد والأطراف.
فلما مات الصادق عليه السلام انتقل فريق منهم إلى القول بإمامة موسى بن جعفر عليه السلام، وافترق الباقون فريقين، فريق منهم رجعوا عن حياة إسماعيل وقالوا بإمامة إبنه محمد بن إسماعيل، لظنهم أن الإمامة كانت في أبيه، وأن الإبن أحق بمقام الإمامة من الأخ.
وفريق ثبتوا على حياة إسماعيل، وهم اليوم شذاذ لا يُعرف منهم================أحد يومى إليه. وهذان الفريقان يسميان بالإسماعيلية. والمعروف منهم الآن من يزعم أن الإمامة بعد إسماعيل في ولده وولد ولده إلى آخر الزمان " (1).
وذكر مثل ذلك في كتب الشيعة الأخرى مثل (شرح إبن أبي الحديد) و (أعيان الشيعة) و (الشيعة في التاريخ).
ولقد ذكر الإسماعيلية من السنة، كل من الأشعري والبغدادي والأسفرائيني والرازي والشهرستاني وغيرهم من المتقدمين، كما ذكرهم كثير من المتأخرين السنة، ولكن نذكر ما ذكره ابن خلدون، فيقول:
" فأما الإسماعيلية فقالوا بإمامة إسماعيل الإمام بالنص من أبيه جعفر، وفائدة النص عليه عندهم وإن كان قد مات قبل أبيه، إنما هو بقاء الإمامة في عقبه، كقصة هارون مع موسى صلوات الله عليهما، قالوا: ثم انتقلت الإمامة من إسماعيل إلى إبنه محمد المكتوم، وهو أول الأئمة المستورين، لأن الإمام عندهم قد لا يكون له شوكة فيستتر، وتكون دعاته ظاهرين إقامة للحجة على الخلق، وإذا كانت له شوكة، ظهر وأظهر دعوته، قالوا: وبعد محمد المكتوم إبنه جعفر الصادق وبعده إبنه محمد الحبيب، وهو آخر المستورين، وبعده إبنه عبد الله المهدي الذي أظهر دعوته أبو عبد الله الشيعي في كتامة، وتتابع الناس على دعوته، ثم أخرجه من معتقله بسجلماسة، وملك القيروان والمغرب، وملك بنوه من بعد مصر، كما هو معروف في أخبارهم. ويسمى هؤلاء نسبة إلى القول بإمامة إسماعيل، ويسمون أيضاً بالباطنية، نسبة إلى قولهم بالإمام الباطن، أي المستور. ويسمون أيضاً الملحدة، لما في ضمن مقالاتهم من الإلحاد. ولهم مقالات قديمة، ومقالات جديدة دعا إليها الحسن بن محمد الصباح(1) الإرشاد للمفيد ص285،284==============في آخر المائة الخامسة، وملك حصوناً بالشام والعراق، ولم تزل دعوته فيها إلى أن توزعها الهلاك بين ملوك الترك بمصر، وملوك التتر في العراق " (1).
وذكرهم الشهرستاني بقوله:
" الإسماعيلية قالوا: إن الإمام بعد جعفر إسماعيل نصاً عليه باتفاق من أولاده، إلا أنهم اختلفوا في موته في حال حياة أبيه، فمنهم من قال: لم يمت إلا أنه أظهر موته تقية من خلفاء بني العباس، وعقد محضراً وأشهد عليه عامل المنصور بالمدينة.
ومنهم من قال: الموت صحيح، والنص لا يرجع القهقري، والفائدة في النص بقاء الإمامة في أولاد المنصوص عليه دون غيره، فالإمام بعد إسماعيل محمد بن إسماعيل، وهؤلاء يقال لهم: المباركية. ثم
منهم من وقف على محمد بن إسماعيل، وقال برجعته بعد غيبته. ومنهم من ساق الإمامة في المستورين منهم، ثم في الظاهرين القائمين من بعدهم " (2).
ثم ساق أدلتهم لإثباتهم إمامة إسماعيل بن جعفر بقوله:
"إسماعيل بن جعفر وهو إبنه الأكبر المنصوص في بدء الأمر، وقالوا: لم يتزوج الصادق على أمه بواحدة من النساء، ولا اشترى جارية، كسنة رسول الله في حق خديجة، وكسنة علي في حق فاطمة. وذكرنا اختلافهم في موته في حال حياة أبيه، فمنهم من قال: إنه مات، وإنما فائد النص عليه، انتقال الإمامة منه إلى أولاده خاصة، كما نص موسى إلى هارون عليهما السلام، ثم مات هارون في حال حياة أخيه، وإنما فائدة النص انتقال الإمامة منه إلى أولاده، فإن النص لا يرجع القهقري، والقول بالبدأ محال، ولا ينص الإمام على واحد من ولده إلا بعد السماع من آبائه، والتعيين لا يجوز على الإبهام والجهالة================ومنهم من قال: إنه لم يمت، لكن أظهر موته تقية عليه، حتى لا يقصد بالقتل. ولهذا القول دلالات: منها أن محمد كان صغيراً، وهو أخوه لأمه، مضى إلى السرير الذي كان إسماعيل نائماً عليه، ورفع الملاءة، فأبصره وهو قد فتح عينه، وعاد إلى أبيه مفزعاً وقال: عاش أخي، عاش أخي. قال والده: إن أولاد الرسول كذا يكون حالهم في الآخرة. قالوا: وما السبب في الإشهاد على موته؟.
وعن هذا لما رفع إلى المنصور أن إسماعيل بن جعفر رؤي بالبصرة على مقعد فدعى فبرئ بإذن الله، بعث المنصور إلى الصادق أن إسماعيل في الأحياء، وأنه رؤي بالبصرة، أنفذ السجل إليه وعليه شهادة عامله بالمدينة.
قالوا: وبعد إسماعيل، محمد بن إسماعيل السابع التام، وإنما تم دور السبعة به. ثم ابتدى منه بالأئمة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد، ويظهرون الدعاة جهراً، قالوا: ولن تخلوا الأرض قط من إمام حيّ، إما ظاهر مكشوف، وإما باطن مستور. فإذا كان الإمام ظاهراً، يجوز أن يكون حجته مستورة، وإذا كان الإمام مستوراً فلابد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين، وقالوا: إنما الأئمة تدور أحكامهم على سبعة كأيام الأسبوع والسموات السبع والكواكب السبع. والنقباء تدور أحكامهم على أثنى عشر، قالوا: وعن هذا وقعت الشبهة للإمامية القطعية حيث قرروا عدد النقباء للأئمة، ثم بعد الأئمة المستورين كان ظاهر المهدي والقائم بأمر الله وأولادهم نصاً بعد نص على إمام بعد إمام. ومذهبهم أن من مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية، وكذلك من مات ولم يكن في عنقه بيعة إمام، مات ميتة جاهلية ... وأشهر ألقابهم الباطنية، وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنا، ولكل تنزيلاً تأويلا.
ولهم ألقاب غير هذا من القرامطة والمزدكية والملحدة.
وهم===يقولون: نحن إسماعيلية لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الإسم .. ثم أصحاب الدعوة الجديدة تنكبوا هذه الطريقة، حين أظهر الحسن بن الصباح دعوته وقصر عن الإلزامات كلمته واستظهر بالرجال وتحصن بالقلاع. وكان بدؤ صعوده إلى قلعة الموت في شعبان سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وذلك بعد أن هاجر إلى بلاد إمامه، وتلقى منه كيفية الدعوة لأبناء زمانه. فعاد ودعا الناس أول دعوة إلى تعيين إمام صادق قائم في كل زمان، وتمييز الفرقة الناجية من سائر الفرق بهذه النكتة، وهو أن لهم إماماً وليس لغيرهم إمام " ===================القرامطة
وتفرعت على الإسماعيلية فرق عديدة، والمشهور منها:
القرامطة المنسوبون إلى حمدان الأشعث المعروف بقرمط لقصر قامته ورجليه وتقارب خطوه، في سنة أربع وستين ومائتين 264هـ. وكان ظهوره بسواد الكوفة، فاشتهر مذهبه بالعراق، وقام ببلاد الشام
صاحب الحال، والمدثرالمطوق. وقام أبو سعيد الجنابي بالبحرين، وعظمت دولته ودولة بنيه، حتى أوقعوا بعساكر الخلفاء العباسيين، وغزوا بغداد والشام ومصر والحجاز، وانتشرت دعاتهم بأقطار الأرض.
فدخل جماعة من الناس في دعوتهم، ومالوا إلى قولهم الذي سموه علم الباطن، وهو تأويل شرائع الإسلام، وصرفها عن ظواهرها إلى أمور زعموها من عند أنفسهم، فضلوا وأضلوا عالماً كثيرا.
وقيل غير ذلك في تاريخ ظهور حمدان هذا في تسمية بقرمط، يقول الوطواط " ظهر في أيام خلافة المعتمد سنة 278هـ من سواد الكوفة،(1) الملل والنحل ج2 ص33،32==========رجل أحمر العينين يسمى كرميته، فاستثقلوا هذه اللفظة، فخففوها وقالوا قرمط. ثم ذكر أنواع تعاليمه وبدعه الفاسدة، وذكر أن المعز الفاطمي وقائده جوهر، قد حاربا القرامطة حروباً دامية سنة 362هـ ".
ويقول إبن خلكان: " والقرامطة نسبتهم إلى رجل من سواد الكوفة، يقال له قِرمط بكسر القاف، ولهم مذهب مذموم، وكانوا قد ظهروا في سنة 281هـ في خلافة المعتضد، وقيل كان ظهورهم في سنة 278هـ ".
ويرى أبو الفداء " أن ظهورهم كان في هذه السنة أي سنة 278هـ في سواد الكوفة، وأن الرجل الذي دعاهم إلى مذهبه كان شيخاً وقد تمرض بقرية من سواد الكوفة، فحمله رجل من أهل القرية يقال له كرميته لحمرة عينيه وهو بالنبطية إسم لحمرة العين. فلما تعافى الشيخ المذكور سمي بإسم ذلك الرجل الذي آواه ومرضه. ثم ُخفف فقالوا قِرمط. ودعا قوماً من أهل البادية ممن ليس لهم دين ولا عقل إلى دينه، فأجابوه ".
ولايهمنا أكان الرجل الذي دعا القرامطة هو نفس الرجل المسمى بقرمط أو غيره، ولكنه سمي بإسم قرمط، وإنما يهمنا أن نعرف تاريخ ظهورهم في أي سنة كان، لنعرف أكان في زمن الأئمة من أهل البيت أم لا. وقد رأيت إختلاف الروايات في تحديد زمان ظهورهم. والأرجح أنه كان في سنة 278هـ، أي بعد انقضاء زمن الأئمة الميامين، وفي أثناء الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر " (1).
وقد ذكرهم الأشعري بقوله:
" القرامطة يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي بن أبي طالب، وأن علياً نص على إمامة إبنه الحسن، وأن الحسن بن علي نص على(1) الشيعة في التاريخ ص231 - 234================إمامة أخيه الحسين بن علي، وأن الحسين بن علي نص على إمامة إبنه علي بن الحسين، وأن علي بن الحسين نص على إمامة إبنه محمد بن علي، ونص محمد بن علي على إمامة إبنه جعفر، ونص جعفر على إمامه إبنه محمد بن إسماعيل، وزعموا أن محمد بن إسماعيل حي إلى اليوم لم يمت، ولا يموت حتى يملك الأرض، وأنه هو المهدي الذي تقدمت البشارة به، واحتجت في ذلك بأخبار رووها عن أسلافهم، يخبرون فيها أن سابع الأئمة قائمهم " (1).
كما ذكرهم الآخرون:
ومنهم المباركية وغيرها، والموجود المشهور منها فرق ثلاثة:
الآغاخانية أو النزارية أتباع آغاخان، والبهرة أو المستعلية والسليمانية.
ولكل واحدة منها عقائد وآراء متفقة في بعضها ومختلفة في البعض الأخرى منها، ولنا فيهم في جميع فرقهم وعقائدهم، آرائهم وأفكارهم والأسس التي قامت عليها معتقادتهم، وفي تاريخهم وفي بداية أمرهم، كلام مستقل طويل ناقشنا فيه آراء المستشرقين والكتاب المصريين والإسماعيليين، السوريين منهم والهنديين، وفندنا بعض الآراء التي ابتنوها عن هؤلاء القوم وأثبتنا أخطاءهم الفاحشة، التاريخية منها والعقائدية. كما أوردنا في بحثنا ذاك معلومات جديدة حقيقية عن معتقدات القوم الأصلية من كتبهم العتيقة القديمة، المخطوطة منها والمطبوعة. وأثبتنا فيه جهالات كثيرة للأسماء الكبيرة وللأشخاص المشهورة المعروفة، وحتى من يتربع على زعامة الإسماعيلية ويدعي أنه من أكابرها، وهذا في كتاب مستقل (2).
ولأجل ذلك تجنبنا إطالة القول في(1) مقالات الإسلاميين ج1 ص98
(2) وسيصدر هذا الكتاب عما قريب إن شاء الله بعد صدور هذا الكتاب، وكنا ننوي اصداره قبل هذا حيث كنا قد جمعنا كل شئ عن الاسماعيلية ولكننا تأخرنا بعدما سمعنا بوجود بعض المخطوطات الأخرى التي لم نحصل عليها حتى الآن، فأردنا أن لا ينقصنا شئ من ذلك، ويكون البحث كاملاً شاملاً وجامعاً مانعاً قدر الاستطاعة وما ذلك على الله بعزيز.
وإننا لنرى بأن هذا الكتاب سيثير ضجة كبرى في الأوساط العلمية العالمية حيث اكتشفنا فيه بعض الحقائق المستورة التي لم يهتد إليها من اشتهر وعرف في العالم بتخصصه من المستشرقين والمصريين، وحتى من الإسماعيلية أنفسهم، كما كشفنا فيه النقاب عن بعض البديهيات التي خفيت على هؤلاء الفئة من الناس فهناك وفيه الملتقى إن شاء الله في التفصيل.=كتابنا هذا عنهم وعن عقائدهم، واكتفينا بنقل الأقوال وسرد العبارات عمن كتب في الفرق من الشيعة والسنة، كيلا نخرج عن أصل الموضوع ولا يطول بنا الحديث.=======رب المشرقين، ورب المغربين، وإله الأصلين والفرعين، منشئ الناطق والأساس، مظهر الصورة الكاملة بنوره، الذي على العرش استوى، وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى، وآمنت به، وهو رب الرجعى، وله الأولى والآخرة، وهو الظاهر والباطن.
وآمنت بأولى العزم من الرسل، ذوي مشارق التجلي المبارك حولها وبحاملي العرش الثمانية، وبجميع الحدود، وأؤمن عاملاً قائماً بكل أمر ومنع ينزل من لدن مولانا الحاكم، وقد سلمت نفسي وذاتي وذواتي، ظاهراً وباطناً، علماً وعملاً، وأن أجاهد في سبيل مولانا سراً وجهراً بنفسي ومالي وولدي وما ملكت يميني، قولاً وعملاً، وأشهدت على هذا الإقرار جميع ما خلق بمشارقي ومات بمغاربي.
وقد التزمت وأوجبت على هذا نفسي وروحي بصحة من عقلي وعقيدتي، وإني أقّر بهذا غير مكره أو منافق، وإنني أشهد مولاي الحق الحاكم، من هو في السماء إله وفي الأرض إله، وأشهد مولاي هادي المستجيبين، المنتقم من المشركين المرتدين، حمزة بن علي بن أحمد، من به أشرقت الشمس الأزلية، ونطقت فيه وله سحب الفضل: أنني قد برئت وخرجت من جميع الأديان والمذاهب والمقالات والإعتقادات قديمها وحديثها، وآمنت بما أمر به مولانا الحاكم الذي لا أشرك في عبادته أحداً في جميع أدواري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق