ثم دخلت سنة أربع وستين)))
حصار ابن الزبير
ترجمة يزيد بن معاوية
ذكر أولاد يزيد بن معاوية وعددهم
إمارة معاوية بن يزيد بن معاوية
إمارة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه
ذكر بيعة مروان بن الحكم
وقعة مرج راهط ومقتل الضحاك بن قيس الفهري رضي الله عنه
قتل النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري
من أحداث سنة أربع وستين هجرية
ذكر هدم الكعبة وبنائها في أيام ابن الزبير
)) )دخلت سنة خمس وستين)ثم دخلت سنة ست وستين ثم دخلت سنة ست وستين== ثم
المطالبة بثأر الحسين ممن قتله
وقعة عين وردة
ترجمة مروان بن الحكم جد خلفاء بني أمية الذين كانوا بعده
خلافة عبد الملك بن مروان
===
وثوب المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب بالكوفة ليأخذ بثأر الحسين بن علي
تتبع المختار لقتلة الحسين
ذكر مقتل شمر بن ذي الجوشن ، أمير السرية التي قتلت حسينا
مقتل خولي بن يزيد الأصبحي الذي احتز رأس الحسين
مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الجيش الذين قتلوا الحسين
مصانعة المختار ابن الزبير يريد خداعه
شخوص إبراهيم بن الأشتر إلى عبيد الله بن زياد
======================================================
ففيها في أول المحرم منها سار مسلم بن عقبة - بعد فراغه من حرب أهل المدينة - إلى مكة قاصدا قتال ابن الزبير ومن التف عليه من الأعراب على مخالفة يزيد بن معاوية ، واستخلف عليها روح بن زنباع ، فلما بلغ ثنية هرشى بعث إلى رءوس الأجناد فجمعهم ، فقال : إن أمير المؤمنين عهد إلي إن حدث بي حدث الموت أن أستخلف عليكم حصين بن نمير السكوني ، ووالله لو كان الأمر لي ما فعلت . ثم دعا به فقال : انظر يابن بردعة الحمار فاحفظ ما أوصيك به . ثم أمره إذا وصل مكة أن يناجز ابن الزبير قبل ثلاث ، ثم قال : اللهم إني لم أعمل عملا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله أحب إلي من قتلي أهل المدينة ولا أرجى عندي في الآخرة ، وإن دخلت النار بعد ذلك إني لشقي . ثم مات ، قبحه الله ، ودفن بالمشلل . فيما قاله [ ص: 634 ] الواقدي .
وسار حصين بن نمير بالجيش نحو مكة ، فانتهى إليها لأربع بقين من المحرم فيما قاله الواقدي . وقيل : لسبع مضين منه . وقد تلاحق بابن الزبير جماعات ممن بقي من أشراف أهل المدينة وانضاف إليه أيضا نجدة بن عامر الحنفي من أهل اليمامة في طائفة من أهلها ; ليمنعوا البيت من أهل الشام ، فنزل حصين بن نمير ظاهر مكة ، وخرج إليه ابن الزبير في أهل مكة ومن التف معه ، فاقتتلوا ذلك اليوم قتالا شديدا ، وتبارز المنذر بن الزبير ورجل من أهل الشام فقتل كل واحد منهما صاحبه ، وحمل أهل الشام حملة صادقة ، فانكشف أهل مكة ، وعثرت بغلة عبد الله بن الزبير به ، فكر عليه المسور بن مخرمة ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف وطائفة ، فقاتلوا دونه حتى قتلوا جميعا ، وصابرهم ابن الزبير حتى الليل ، فانصرفوا عنه ، ثم اقتتلوا في بقية شهر المحرم وصفرا بكماله ، فلما كان يوم السبت ثالث ربيع الأول سنة أربع وستين ، نصبوا المجانيق على الكعبة ، ورموها حتى بالنار ، فاحترق جدار البيت في يوم السبت - هكذا قال الواقدي - وهم يقولون :
[ ص: 635 ]
خطارة مثل الفنيق المزبد نرمي بها أعواد هذا المسجد
وجعل عمرو بن حوطة السدوسي يقول :
كيف ترى صنيع أم فروه تأخذهم بين الصفا والمروه
وأم فروة اسم المنجنيق ، وقيل : إنما احترقت ; لأن أهل المسجد جعلوا يوقدون النار وهم حول الكعبة ، فعلقت النار في بعض أستار الكعبة ، فسرت إلى أخشابها وسقوفها فاحترقت . وقيل : إنما احترقت لأن ابن الزبير سمع التكبير على بعض جبال مكة في ليلة ظلماء ، فظن أنهم أهل الشام ، فرفعت نار على رمح لينظروا من هؤلاء الذين على الجبل ، فأطارت الريح شررة من رأس الرمح إلى ما بين الركن اليماني والأسود من الكعبة ، فعلقت في أستارها وأخشابها ، فاحترقت واسود الركن ، وانصدع في ثلاثة أمكنة منه .
واستمر الحصار إلى مستهل ربيع الآخر ، وجاء الناس نعي يزيد بن معاوية ، وأنه قد مات لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين ، وهو ابن خمس أو ثمان أو تسع وثلاثين سنة ، فكانت ولايته ثلاث سنين وستة أو ثمانية أشهر ، فحينئذ خمدت الحرب وطفئت نار الفتنة ، ويقال : إنهم مكثوا يحاصرون ابن الزبير بعد موت يزيد أربعين ليلة . ويذكر أن ابن الزبير [ ص: 636 ] علم بموت يزيد قبل أهل الشام ، فنادى فيهم : يا أهل الشام ، قد أهلك الله طاغيتكم ، فمن أحب منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فليفعل ، ومن أحب أن يرجع إلى شامه فليرجع . فلم يصدق الشاميون أهل مكة فيما أخبروهم به ، حتى جاء ثابت بن قيس بن المنقع بالخبر اليقين . ويذكر أن حصين بن نمير دعاه ابن الزبير ليحدثه بين الصفين ، فاجتمعا حتى اختلفت رءوس فرسيهما ، وجعلت فرس حصين تنفر ويكفها ، فقال له ابن الزبير : ما لك ؟ فقال : إن الحمام تحت رجلي فرسي تأكل من الروث ، فأكره أن أطأ حمام الحرم . فقال له : تفعل هذا وأنت تقتل المسلمين ؟ ! فقال له حصين : فأذن لنا فلنطف بالكعبة ثم نرجع إلى بلادنا . فأذن لهم فطافوا .
وذكر ابن جرير أن حصينا وابن الزبير اتعدا ليلة أن يجتمعا ، فاجتمعا بظاهر مكة ، فقال له حصين : إن كان هذا الرجل قد هلك فأنت أحق الناس بهذا الأمر بعده ، فهلم فارحل معي إلى الشام ، فوالله لا يختلف عليك اثنان .
[ ص: 637 ] فيقال : إن ابن الزبير لم يثق منه بذلك ، وأغلظ له في المقال ، فنفر منه ابن نمير ، وقال : أنا أدعوه إلى الخلافة ، وهو يغلظ لي في المقال ؟ ! ثم كر بالجيش راجعا إلى الشام ، وقال : أعده بالملك ويتواعدني بالقتل ؟ ! ثم ندم ابن الزبير على ما كان منه إليه من الغلظة ، فبعث إليه يقول له : أما الشام فلست آتيه ، ولكن خذ لي البيعة على من هناك ، فإني أؤمنكم وأعدل فيكم ، فبعث إليه يقول له : إن من يبتغيها من أهل هذا البيت بالشام لكثير . فرجع فاجتاز بالمدينة ، فطمع فيه أهلها وأهانوهم إهانة بالغة ، وأكرمهم علي بن الحسين ، وأهدى لحصين بن نمير قتا وعلفا ، وارتحلت بنو أمية مع الجيش إلى الشام ، فرجعوا إليه وقد استخلف بدمشق معاوية بن يزيد بن معاوية عن وصية من أبيه له بذلك . والله سبحانه أعلم بالصواب)))))))))))))))))))))))=ذكر أولاد يزيد بن معاوية وعددهم
فمنهم معاوية بن يزيد بن معاوية يكنى أبا ليلى ، وهو الذي يقول فيه الشاعر :
[ ص: 661 ]
إني أرى فتنة قد حان أولها والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
وخالد بن يزيد ، يكنى أبا هاشم ، كان يقال : إنه أصاب علم الكيمياء . وأبو سفيان ، وأمهم أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، وقد تزوجها بعد يزيد مروان بن الحكم وهي التي يقول فيها الشاعر :
انعمي أم خالد رب ساع لقاعد
وعبد الله بن يزيد ، ويقال له : الأسوار . وكان من أرمى العرب ، وأمه أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر وهو الذي يقول فيه الشاعر :
زعم الناس أن خير قريش كلهم حين يذكر الأسوار
وعبد الله الأصغر ، وأبو بكر ، وعتبة ، وعبد الرحمن ، والربيع ، ومحمد ، لأمهات أولاد شتى==================================إمارة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه
وعند ابن حزم وطائفة أنه أمير المؤمنين آنذاك
قد قدمنا أنه لما مات يزيد أقلع الجيش عن مكة ، وهم الذين كانوا يحاصرون ابن الزبير وهو عائذ بالبيت ، مع أميرهم حصين بن نمير السكوني ورجعوا عن مكة إلى الشام واستفحل أمر عبد الله بن الزبير بالحجاز وما والاها ، وبايعه الناس بعد يزيد بيعة عامة هناك ، واستناب على المدينة أخاه عبيدة بن الزبير ، وأمره بإجلاء بني أمية عن المدينة ، فأجلاهم فرحلوا إلى الشام ، وفيهم مروان وابنه عبد الملك ، ثم بعث أهل البصرة إلى ابن الزبير بعد حروب جرت بينهم وفتن كثيرة يطول استقصاؤها ، غير أنهم في أقل من ستة أشهر أقاموا عليهم نحوا من أربعة أمراء من بينهم ، ثم اضطربت أمورهم ، ثم بعثوا إلى ابن الزبير ، وهو بمكة يجلبونه إلى أنفسهم ، فكتب إلى أنس بن مالك ليصلي بهم .
[ ص: 667 ] وبعث ابن الزبير إلى أهل الكوفة عبد الله بن يزيد الأنصاري على الصلاة ، وإبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله على الخراج ، واستوثق له المصران جميعا ، وأرسل إلى أهل مصر فبايعوه . واستناب عليها عبد الرحمن بن جحدم ، وأطاعت له الجزيرة . وبعث على البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة ، وبعث إلى اليمن فبايعوه ، وإلى خراسان فبايعوه ، وإلى الضحاك بن قيس بالشام فبايع ، وقيل : إن أهل دمشق وأعمالها من بلاد الأردن لم يبايعوه ; لأنهم بايعوا مروان بن الحكم لما رجع الحصين بن نمير من مكة إلى الشام ، وكان قد التف على عبد الله بن الزبير جماعة من الخوارج يدافعون عنه ; منهم نافع بن الأزرق وعبد الله بن إباض ، وجماعة من رءوسهم ، فلما استقر أمره في الخلافة قالوا فيما بينهم : إنكم قد أخطأتم ; لأنكم قاتلتم مع هذا الرجل ، ولم تعلموا رأيه في عثمان بن عفان . وكانوا ينتقصون عثمان ، فاجتمعوا إليه فسألوه عن عثمان ، فأجابهم فيه بما يسوءهم ، وذكر لهم ما كان متصفا به من الإيمان والتصديق ، والعدل والإحسان والسيرة الحسنة ، والرجوع إلى الحق إذا تبين له ، فعند ذلك نفروا عنه ، وفارقوه ، وقصدوا بلاد العراق وخراسان ، فتفرقوا فيها بأبدانهم وأديانهم ومذاهبهم [ ص: 668 ] ومسالكهم المختلفة المنتشرة ، التي لا تنضبط ولا تنحصر ; لأنها مفرعة على الجهل وقوة النفوس ، والاعتقاد الفاسد ، ومع هذا استحوذوا على كثير من البلدان والكور ، حتى انتزعت منهم بعد ذلك ، على ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله====================================وقعة مرج راهط ومقتل الضحاك بن قيس الفهري ، رضي الله عنه
قد تقدم أن الضحاك كان نائب دمشق لمعاوية بن أبي سفيان ، وكان يصلى عنه إذا اشتغل أو غاب ، ويقيم الحدود ، ويسد الأمور ، فلما مات معاوية قام بأعباء بيعة يزيد ابنه ، ثم لما مات يزيد بايع الناس لمعاوية بن يزيد ، فلما مات معاوية بن يزيد بايعه أهل دمشق حتى يجتمع الناس على إمام ، فلما اتسعت البيعة لابن الزبير عزم على المبايعة له ، فخطب الناس يوما وتكلم في يزيد بن معاوية وذمه ، فقامت فتنة في المسجد الجامع ، حتى اقتتل الناس فيه بالسيوف ، فسكن الناس ، ثم دخل دار الإمارة من الخضراء ، وأغلق عليه الباب ، ثم اتفق مع بني أمية على أن يركبوا إلى حسان بن مالك بن بحدل وهو بالأردن ، فيجتمعوا عنده على من يراه أهلا للإمارة على الناس ، وكان حسان يريد أن يبايع لابن أخته خالد بن يزيد ، ويزيد ابن ميسون ، وميسون بنت بحدل ، فلما ركب الضحاك معهم انخذل بأكثر الجيش ، فرجع إلى دمشق ، فامتنع بها ، وبعث إلى أمراء الأجناد ، فبايعهم لابن الزبير ، وسار بنو أمية ومعهم مروان بن الحكم ، وعمرو بن سعيد ، وخالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية ، حتى اجتمعوا بحسان بن مالك بن بحدل بالجابية ، وليس لهم قوة طائلة بالنسبة إلى الضحاك بن قيس ، فعزم مروان على الرحيل إلى ابن الزبير ليبايعه ، ويأخذ أمانا منه لبني أمية ، فإنه كان قد أمر [ ص: 674 ] بإجلائهم عن المدينة ، فسار حتى وصل إلى أذرعات ، فلقيه عبيد الله بن زياد مقبلا من العراق ، فاجتمع به ، ومعه حصين بن نمير ، وعمرو بن سعيد بن العاص ، فحسنوا له أن يدعو إلى نفسه ; فإنه أحق بذلك من ابن الزبير الذي قد فارق الجماعة ، وخلع ثلاثة من الخلفاء ، فلم يزالوا بمروان حتى أجابهم إلى ذلك ، وقال له عبيد الله بن زياد : وأنا أذهب لك إلى الضحاك إلى دمشق ، فأخدعه لك وأخذل أمره . فسار إليه وجعل يركب إليه كل يوم ، ويظهر له الود والنصيحة والمحبة ، ثم حسن له أن يدعو إلى نفسه ، ويخلع ابن الزبير ، فإنك أحق بالأمر منه ; لأنك لم تزل في الطاعة مشهورا بالأمانة ، وابن الزبير خارج عن الناس . فدعا الضحاك الناس إلى نفسه ثلاثة أيام ، فلم يصعد معه ، فرجع إلى الدعوة لابن الزبير ، ولكن انحط بها عند الناس ، ثم قال له ابن زياد : إن من يطلب ما تطلب لا ينزل المدن والحصون ، وإنما ينزل الصحراء ، ويدعو بالجنود . فبرز الضحاك إلى مرج راهط فنزله ، وأقام عبيد الله بن زياد بدمشق ومروان وبنو أمية بتدمر ، وخالد وعبد الله عند خالهم حسان بالجابية ، فكتب ابن زياد إلى مروان يأمره أن يظهر دعوته ، فدعا إلى نفسه ، وتزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية ، وهي أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة ، فعظم أمره [ ص: 675 ] وبايعه الناس ، واجتمعوا عليه ، وسار إلى مرج راهط نحو الضحاك بن قيس ، وركب إليه عبيد الله بن زياد وأخوه عباد بن زياد ، حتى اجتمع مع مروان ثلاثة عشر ألفا ، وبدمشق من جهته يزيد بن أبي النمس ، وقد أخرج عامل الضحاك منها ، وهو يمد مروان بالسلاح والرجال وغير ذلك - ويقال : كان نائبه على دمشق يومئذ عبد الرحمن بن أم الحكم - وجعل مروان على ميمنته عبيد الله بن زياد ، وعلى ميسرته عمرو بن سعيد بن العاص ، وبعث الضحاك إلى النعمان بن بشير ، فأمده النعمان بأهل حمص عليهم شرحبيل بن ذي الكلاع ، وركب إليه زفر بن الحارث الكلابي في أهل قنسرين ، فكان الضحاك في ثلاثين ألفا ، على ميمنته زياد بن عمرو العقيلي ، وعلى ميسرته زكريا بن شمر الهلالي ، فتصافوا ، وتقاتلوا بالمرج عشرين يوما ، يلتقون في كل يوم فيقتتلون قتالا شديدا ، ثم أشار عبيد الله بن زياد على مروان أن يدعوهم إلى الموادعة خديعة ; فإن الحرب خدعة ، وأنت وأصحابك على الحق ، وهم على الباطل . فنودي في الناس بذلك ، ثم غدر أصحاب مروان ، فمالوا يقتلونهم قتلا شديدا ، وصبر أصحاب الضحاك صبرا بليغا ، فقتل الضحاك بن قيس في المعركة ، قتله رجل يقال له : زحمة بن عبد الله . من بني كلب ، طعنه بحربة ، فأنفذه ولم يعرفه . وصبر [ ص: 676 ] مروان وأصحابه صبرا شديدا حتى فر أولئك بين يديه ، فنادى : لا يتبع مدبر . ثم جيء برأس الضحاك ، ويقال : إن أول من بشره بقتله روح بن زنباع الجذامي . واستقر ملك الشام بيد مروان بن الحكم . وروي أنه بكى على نفسه يوم مرج راهط ، فقال : أبعد ما كبرت وضعفت صرت إلى أن أقتل الناس بالسيوف على الملك ؟ !
قلت : ولم تطل مدته في الملك إلا تسعة أشهر على ما سنذكره .
وقد كان الضحاك بن قيس بن خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك ، أبو أنيس الفهري ، أحد الصحابة على الصحيح ، وقد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه أحاديث عدة ، وروى عنه جماعة من التابعين ، وهو أخو فاطمة بنت قيس وكانت أكبر منه بعشر سنين ، وكان أبو عبيدة بن الجراح عمه . حكاه ابن أبي حاتم . وزعم بعضهم أنه لا صحبة له ، وقال الواقدي : أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه قبل البلوغ . وفي رواية عن الواقدي أنه قال : ولد الضحاك قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين .
[ ص: 677 ] وقد شهد فتح دمشق وسكنها وله بها دار عند حجر الذهب ، مما يلي نهر بردى ، وكان على أهل دمشق يوم صفين مع معاوية . ولما أخذ معاوية الكوفة استنابه بها في سنة أربع وخمسين .
وقد روى البخاري في " التاريخ " أن الضحاك قرأ سورة " ص " في الصلاة بالناس بالكوفة ، فسجد فيها فلم يتابعه علقمة وأصحاب ابن مسعود في السجود .
ثم استنابه معاوية عنده على دمشق ، فلم يزل عنده حتى مات معاوية ، وتولى ابنه يزيد ، ثم ابن ابنه معاوية بن يزيد ثم صار أمره إلى ما ذكرنا .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عفان بن مسلم ، ثنا حماد بن سلمة ، أنبأنا علي بن زيد ، عن الحسن ، أن الضحاك بن قيس كتب إلى قيس بن الهيثم حين مات يزيد بن معاوية : سلام عليك ، أما بعد ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم ، فتنا كقطع الدخان ، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه ، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، يبيع أقوام خلاقهم ودينهم بعرض من الدنيا قليل " . وإن يزيد بن معاوية قد مات ، وأنتم إخواننا وأشقاؤنا فلا تسبقونا حتى نختار لأنفسنا .
[ ص: 678 ] وقد روى الحافظ ابن عساكر من طريق ابن قتيبة ، عن العباس بن الفرج الرياشي ، عن يعقوب بن إسحاق بن بويه ، عن حماد بن زيد قال : دخل الضحاك بن قيس على معاوية فقال معاوية :
تطاولت للضحاك حتى رددته إلى حسب في قومه متقاصر
فقال الضحاك : قد علم قومنا أننا أحلاس الخيل . فقال : صدقت ، أنتم أحلاسها ونحن فرسانها . يريد : أنتم راضة وساسة ، ونحن الفرسان . وأرى أصله من الحلس ، وهو كساء يكون تحت البردعة ، أي يلزم ظهورها ، كما يلزم الحلس ظهر البعير .
وروى أيضا أن مؤذن دمشق قال للضحاك بن قيس : والله أيها الأمير إني لأحبك في الله . فقال له الضحاك : ولكني والله أبغضك في الله . قال : ولم ؟ أصلحك الله . قال : لأنك تتراءى في أذانك ، وتأخذ أجرا على تعليمك .
قتل الضحاك ، رحمه الله ، يوم مرج راهط ، وذلك للنصف من ذي الحجة ، سنة أربع وستين . قاله الليث بن سعد ، وأبو عبيد ، والواقدي ، وابن زبر ، والمدائني ======================================وفي هذه السنة - أعنى سنة أربع وستين - جرت حروب كثيرة وفتن منتشرة ببلاد المشرق
واستحوذ على بلاد خراسان رجل يقال له عبد الله بن خازم . وقهر عمالها وأخرجهم منها ، وذلك بعد موت يزيد وابنه معاوية ، قبل أن يستقر ملك ابن الزبير على تلك النواحي ، وجرت بين عبد الله بن خازم هذا وبين عمرو بن مرثد حروب يطول ذكرها وتفصيلها ، اكتفينا بذكرها إجمالا ; إذ لا يتعلق بتفصيلها كبير فائدة ، وهي حروب فتنة وقتال بغاة بعضهم في بعض ، وبالله المستعان .
وقال الواقدي : وفي هذه السنة - بعد موت معاوية بن يزيد - بايع أهل خراسان سلم بن زياد بن أبيه ، وأحبوه حتى إنهم سموا باسمه في تلك السنة أكثر من ألف غلام مولود ، ثم نكثوا واختلفوا ، فخرج عنهم سلم ، وترك عليهم المهلب بن أبي صفرة .
[ ص: 684 ] وفيها اجتمع ملأ الشيعة على سليمان بن صرد بالكوفة ، وتواعدوا النخيلة ; ليأخذوا بثأر الحسين بن علي ، رضي الله عنه ، وما زالوا في ذلك مجدين ، وعليه عازمين ، من بعد مقتل الحسين بكربلاء في العاشر من المحرم سنة إحدى وستين ، وقد ندموا على ما كان منهم من بعثهم إليه ، فلما حصل ببلادهم خذلوه وتخلوا عنه ولم ينصروه .
فجادت بوصل حين لا ينفع الوصل
فاجتمعوا في دار سليمان بن صرد وهو صحابي جليل ، وكان رءوس القائمين في ذلك خمسة ; سليمان بن صرد الصحابي ، والمسيب بن نجبة الفزاري أحد كبار أصحاب علي ، وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي ، وعبد الله بن وال التيمي ، ورفاعة بن شداد البجلي ، وكلهم من أصحاب علي ، رضي الله عنه ، فاجتمعوا كلهم بعد خطب ومواعظ على تأمير سليمان بن صرد عليهم ، فتعاهدوا وتعاقدوا ، وتواعدوا النخيلة ; أن يجتمع من يستجيب لهم إلى ذلك الموضع بها في سنة خمس وستين ، ثم جمعوا من أموالهم وأسلحتهم شيئا كثيرا وأعدوه لذلك .
[ ص: 685 ] وكتب سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة بن اليمان ، وهو بالمدائن يدعوه إلى ذلك ، فاستجاب له ، ودعا إليه سعد من أطاعه من أهل المدائن فبادروا إليه بالاستجابة والقبول ، وتمالئوا عليه وتواعدوا النخيلة في التاريخ المذكور . وكتب سعد إلى سليمان بذلك ، ففرح أهل الكوفة من موافقة أهل المدائن لهم على ذلك ، وتنشطوا لأمرهم الذي تمالئوا عليه ، فلما مات يزيد بن معاوية وابنه معاوية بعده بقليل ، طمعوا في الأمر ، واعتقدوا أن أهل الشام قد ضعفوا ، ولم يبق من يقيم لهم أمرا ، فغدوا إلى سليمان ، واستشاروه في الظهور وأن يخرجوا إلى النخيلة قبل الأجل ، فمنعهم من ذلك حتى يأتي الأجل الذي واعدوا إخوانهم فيه . ثم هم في الباطن يعدون السلاح والقوة ، ولا يشعر بهم جمهور الناس ، وحينئذ عمد جمهور أهل الكوفة إلى عمرو بن حريث نائب عبيد الله بن زياد على الكوفة ، فأخرجوه من القصر ، واصطلحوا على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الملقب دحروجة ، فبايع لعبد الله بن الزبير ، فهو يسد الأمور حتى تأتي نواب ابن الزبير ، فلما كان يوم الجمعة لثمان بقين من رمضان من هذه السنة - أعني سنة أربع وستين - قدم أميران إلى الكوفة من جهة ابن الزبير ; أحدهما عبد الله بن يزيد الخطمي على الحرب والثغر ، والآخر إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي على الخراج ، وقد كان قدم قبلهما إلى [ ص: 686 ] الكوفة بجمعة واحدة للنصف من هذا الشهر المختار بن أبي عبيد - وهو المختار الثقفي الكذاب - فوجد الشيعة قد التفت على سليمان بن صرد ، وعظموه تعظيما زائدا ، وهم معدون للحرب ، فلما استقر المختار عندهم ، دعا في الباطن إلى إمامة محمد ابن الحنفية ، ولقبه المهدي ، فاتبعه كثير من الشيعة ، وفارقوا سليمان بن صرد وصارت الشيعة فرقتين ; الجمهور منهم مع سليمان يريدون الخروج على الناس للأخذ بثأر الحسين ، وفرقة أصحاب المختار يريدون الخروج للدعوة إلى إمامة محمد ابن الحنفية وذلك عن غير أمر ابن الحنفية ورضاه ، وإنما يتقولون عليه ليروجوا على الناس به ، وليتوصلوا إلى أغراضهم الفاسدة ، وجاءت العين الصافية إلى عبد الله بن يزيد الخطمي نائب ابن الزبير بما تمالأ عليه فرقتا الشيعة على اختلافهما ; من الخروج على الناس والدعوة إلى ما يريدون ، وأشار من أشار عليه بأن يبادر إليهم ، ويحتاط عليهم ، ويبعث الشرط والمقاتلة فيقمعهم عما هم مجمعون عليه من إرادة الشر والفتنة ، فقام خطيبا في الناس ، وذكر في خطبته ما بلغه عن هؤلاء القوم ، وما أجمعوا عليه من الأمر ، وأن منهم من يريد الأخذ بثأر الحسين ، ولقد علموا أني لست ممن قتله ، وإني والله لممن أصيب بقتله ، رحمه الله ولعن قاتله ، وإني لا أتعرض لأحد قبل أن يبدأني بالشر ، وإن كان هؤلاء يريدون الأخذ بثأر الحسين ، فليعمدوا إلى عبيد الله بن زياد ، . فإنه هو الذي قتل الحسين وخيار أهله ; فليأخذوا منه بالثأر ; ولا يخرجوا بسيوفهم على أهل بلدهم ، فيكون فيه حتفهم واستئصالهم . فقام إبراهيم بن محمد بن طلحة الأمير الآخر فقال : أيها الناس ، لا يغرنكم من أنفسكم كلام هذا المداهن ، إنا والله قد استيقنا أن قوما يريدون الخروج علينا ، [ ص: 687 ] ولنأخذن الوالد بالولد والولد بالوالد ، والحميم بالحميم ، والعريف بما في عرافته ، حتى يدينوا بالحق ويذلوا للطاعة . فوثب إليه المسيب بن نجبة الفزاري فقطع عليه كلامه ، فقال : يابن الناكثين أتهددنا بسيفك وغشمك ؟ ! أنت والله أذل من ذلك ، إنا لا نلومك على بغضنا وقد قتلنا أباك وجدك ، وإنا لنرجو أن نلحقك بهما قبل أن تخرج من هذا القصر . وساعد المسيب بن نجبة بعض أصحابه ، ورد عن إبراهيم بن محمد بن طلحة جماعة من العمال ، وجرت فتنة وشر كثير في المسجد ، فنزل عبد الله بن يزيد الخطمي عن المنبر ، وحاولوا أن يوقعوا بين الأميرين ، فلم يتفق لهم ذلك ، ثم ظهرت الشيعة أصحاب سليمان بن صرد بالسلاح ، وأظهروا ما كان في أنفسهم من الخروج على الناس ، وركبوا مع سليمان بن صرد فقصدوا نحو الجزيرة ، فكان من أمرهم ما سنذكره .
وأما المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب فإنه قد كان بغيضا إلى الشيعة من يوم طعن الحسن ، وهو ذاهب إلى الشام بأهل العراق ، فلجأ إلى المدائن ، فأشار المختار على عمه ، وهو نائب المدائن بأن يقبض على الحسن ويبعثه إلى معاوية ، فيتخذ بذلك عنده اليد البيضاء ، فامتنع عمه من ذلك ، فأبغضته الشيعة بسبب ذلك ، فلما كان من أمر مسلم بن عقيل ما كان ، وقتله ابن زياد ، كان المختار يومئذ بالكوفة ، فبلغ ابن زياد أنه يقول : لأقومن بنصرة مسلم ، ولآخذن بثأره . [ ص: 688 ] فأحضره بين يديه ، وضرب عينه بقضيب كان بيده فشترها ، وأمر بسجنه ، فلما بلغ أخته سجنه بكت وجزعت عليه ، وكانت تحت عبد الله بن عمر بن الخطاب ، فكتب ابن عمر إلى يزيد بن معاوية يشفع عنده في إخراج المختار من السجن ، فبعث يزيد إلى ابن زياد أن ساعة وقوفك على هذا الكتاب تخرج المختار بن أبي عبيد من السجن ، فلم يمكن ابن زياد غير ذلك ، فأخرجه وقال له : إن وجدتك بالكوفة بعد ثلاثة أيام ضربت عنقك . فخرج المختار إلى الحجاز وهو يقول : والله لأقطعن أنامل عبيد الله بن زياد ولأقتلن بالحسين بن علي عدد من قتل على دم يحيى بن زكريا . فلما استفحل أمر عبد الله بن الزبير بمكة بايعه المختار بن أبي عبيد ، وكان من كبار الأمراء عنده ، ولما حاصره الحصين بن نمير وأهل الشام قاتل المختار دونه أشد القتال ، فلما بلغه موت يزيد بن معاوية واضطراب أهل العراق ، نقم على ابن الزبير في بعض الأمر ، وخرج من الحجاز ، فقصد الكوفة فدخلها في يوم جمعة ، والناس يتهيئون للصلاة ، فجعل لا يمر بملأ من الناس إلا سلم ، وقال : أبشروا بالنصر والظفر بالأعداء . ودخل المسجد فصلى إلى سارية هنالك ، حتى أقيمت الصلاة ، ثم صلى من بعد الصلاة حتى صليت العصر ، ثم انصرف فسلم عليه الناس ، وأقبلوا إليه وعليه وعظموه ، وجعل يدعو إلى إمامه المهدي محمد ابن الحنفية ، ويظهر الانتصار لأهل البيت ، وأنه بصدد أن يقيم شعارهم ، ويظهر منارهم ، ويستوفي ثأرهم ، ويقول للناس الذين قد اجتمعوا على سليمان بن صرد من الشيعة ، وقد خشي أن يبادروا إلى الخروج مع سليمان ، فجعل يخذلهم ويستميلهم إليه ، ويقول لهم : إني [ ص: 689 ] قد جئتكم من قبل ولي الأمر ، ومعدن الفضل ، ووصي الوصي ، والإمام المهدي ، بأمر فيه الشفاء ، وكشف الغطاء ، وقتل الأعداء ، وتمام النعماء ، وأن سليمان بن صرد يرحمنا الله وإياه ، إنما هو عشمة من العشم ، وشن بال ، ليس بذي تجربة للأمور ، ولا له علم بالحروب ، إنما يريد أن يخرجكم فيقتل نفسه ويقتلكم ، وإني إنما أعمل على مثل قد مثل لي ، وأمر قد بين لي ، فيه عز وليكم ، وقتل عدوكم ، وشفاء صدوركم ، فاسمعوا مني وأطيعوا أمري ، ثم أبشروا وتباشروا ، فإني لكم بكل ما تأملون وتحبون كفيل . فالتف عليه خلق كثير من الشيعة ، ولكن الجمهور منهم مع سليمان بن صرد ، فلما خرجوا مع سليمان إلى النخيلة قال عمر بن سعد بن أبي وقاص وشبث بن ربعي وغيرهما لعبد الله بن يزيد نائب الكوفة : إن المختار بن أبي عبيد أشد عليكم من سليمان بن صرد . فبعث إليه الشرط فأحاطوا بداره ، فأخذه فذهب به إلى السجن مقيدا . وقيل : بغير قيد . فأقام به مدة ومرض فيه .
قال أبو مخنف : فحدثني يحيى بن أبي عيسى أنه قال : دخلت إليه مع حميد بن مسلم الأزدي نعوده ونتعاهده ، فسمعته يقول : أما ورب البحار ، والنخيل والأشجار ، والمهامه والقفار ، والملائكة الأبرار ، والمصطفين الأخيار ، [ ص: 690 ] لأقتلن كل جبار ، بكل لدن خطار ، ومهند بتار ، وجموع من الأنصار ، ليسوا بميل أغمار ، ولا بعزل أشرار ، حتى إذا أقمت عمود الدين ، وجبرت صدع المسلمين ، وشفيت غليل صدور المؤمنين ، وأدركت ثأر أولاد النبيين ، لم أبك على زوال الدنيا ، ولم أحفل بالموت إذا دنا . قال : وكان كلما أتيناه وهو في السجن يردد علينا هذا القول حتى خرج====================================================================================
وفيها وثب المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب بالكوفة ؛ ليأخذ بثأر الحسين بن علي - فيما يزعم - وأخرج عنها عاملها عبد الله بن مطيع ، وكان سبب ذلك أنه لما رجع أصحاب سليمان بن صرد مغلوبين إلى الكوفة وجدوا المختار بن أبي عبيد الكذاب مسجونا ، فكتب إليهم يعزيهم ويعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ، وقال لهم فيما كتب به إليهم خفية : أبشروا ، فإني لو قد خرجت إليكم جردت فيما بين المشرق والمغرب من أعدائكم السيف ، فجعلتهم بإذن الله ركاما ، وقتلتهم فذا وتوأما ، فرحب الله بمن قارب منكم واهتدى ، ولا يبعد الله إلا من أبى وعصى . فلما وصلهم الكتاب [ ص: 6 ] قرءوه سرا وردوا إليه : إنا كما تحب ، فمتى أحببت أخرجناك من محبسك . فكره أن يخرجوه من مكانه على وجه القهر لنواب الكوفة ، فتلطف فكتب إلى زوج أخته صفية - وكانت امرأة صالحة - وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب يسأله أن يشفع في خروجه من محبسه عند نائبي الكوفة عبد الله بن يزيد ، و إبراهيم بن محمد بن طلحة ، فكتب ابن عمر إليهما يشفع عندهما فيه فلم يمكنهما رده ، وكان فيما كتب إليهما ابن عمر : قد علمتما ما بيني وبينكما من الود وما بيني وبين المختار من القرابة والصهر ، وأنا أقسم عليكما لما خليتما سبيله ، والسلام . فاستدعيا به فضمنه جماعة من أصحابه ، واستحلفه عبد الله بن يزيد إن هو بغى للمسلمين غائلة فعليه ألف بدنة ينحرها تجاه الكعبة ، وكل مملوك له - من عبد وأمة - حر ، فالتزم لهما بذلك ، ولزم منزله ، وجعل يقول : قاتلهما الله ، أما حلفي بالله ، فإني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني ، وأتيت الذي هو خير ، وأما إهدائي ألف بدنة فيسير ، وأما عتقي مماليكي فوددت أنه قد استتم لي هذا الأمر ولا أملك مملوكا واحدا .
واجتمعت الشيعة عليه ، وكثر أصحابه وبايعوه في السر . وكان الذي يأخذ البيعة له ويحرض الناس عليه خمسة ; وهم السائب بن مالك الأشعري ، و يزيد بن أنس ، و أحمر بن شميط ; ورفاعة بن شداد ، و عبد الله بن شداد الجشمي ، ولم يزل أمره يقوى ويشتد ويستفحل ويرتفع ، حتى عزل [ ص: 7 ] عبد الله بن الزبير عن الكوفة عبد الله بن يزيد ، و إبراهيم بن محمد بن طلحة ، وبعث عبد الله بن مطيع نائبا عليها ، وبعث الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة نائبا على البصرة .
فلما دخل عبد الله بن مطيع المخزومي إلى الكوفة ، في رمضان سنة خمس وستين ، خطب الناس ، وقال في خطبته : إن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير أمرني أن أسير فيكم بسيرة عمر بن الخطاب ، و عثمان بن عفان . فقام إليه السائب بن مالك الأشعري فقال : لا نرضى إلا بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا ، ولا نريد سيرة عثمان - وتكلم فيه - ولا سيرة عمر ، وإن كان لا يريد للناس إلا خيرا . وصدقه على ما قال بعض أمراء الشيعة ، فسكت الأمير وقال : إني سأسير فيكم بما تحبون من ذلك .
وجاء صاحب الشرطة ، وهو إياس بن مضارب العجلي إلى ابن مطيع فقال له : إن هذا الذي رد عليك من رءوس أصحاب المختار ، ولست آمن المختار ، فابعث إليه فاردده إلى السجن ، فإن عيوني قد أخبروني أن أمره قد استجمع له ، وكأنك به وقد وثب بالمصر . فبعث إليه عبد الله بن مطيع زائدة بن قدامة ، وأميرا آخر معه ، فدخلا على المختار فقالا له : أجب الأمير . فدعا بثيابه وأمر بإسراج [ ص: 8 ] دابته ، وتهيأ للذهاب معهما ، فقرأ زائدة بن قدامة وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك الآية . فألقى المختار نفسه وأمر بقطيفة أن تلقى عليه ، وأظهر أنه مريض ، وقال : أخبرا الأمير بحالي ، فرجعا إلى ابن مطيع فاعتذرا عنه ، فصدقهما ولها عنه .
فلما كان المحرم من هذه السنة عزم المختار على الخروج لطلب ثأر الحسين - فيما يزعم - فلما صمم على ذلك اجتمعت عليه الشيعة وثبطوه عن الخروج الآن إلى وقت آخر ، ثم أنفذوا طائفة منهم إلى محمد ابن الحنفية يسألونه عن أمر المختار وما دعاهم إليه ، فلما اجتمعوا به كان ملخص ما قال لهم : إنا لا نكره أن ينصرنا الله بمن شاء من خلقه . وقد كان المختار بلغه مخرجهم إلى محمد ابن الحنفية ، فكره ذلك ، وخشي أن يكذبه فيما أخبر به عنه ، فإنه لم يكن بإذن محمد ابن الحنفية ، وهم بالخروج قبل رجوع أولئك ، وجعل يسجع لهم سجعا من سجع الكهان بذلك ، ثم كان الأمر على ما سجع به . فلما رجعوا أخبروه بما قال ابن الحنفية ، فعند ذلك قوي أمر الشيعة على الخروج مع المختار بن أبي عبيد .
وقد روى أبو مخنف أن أمراء الشيعة قالوا للمختار : اعلم أن جميع أمراء [ ص: 9 ] الكوفة مع عبد الله بن مطيع وهم ألب علينا ، وإنه إن بايعك إبراهيم بن الأشتر النخعي وحده أغنانا عن جميع من سواه . فبعث إليه المختار جماعة من أصحابه يدعونه إلى الدخول معهم في الأخذ بثأر الحسين ، وذكروه سابقة أبيه مع علي رضي الله عنه ، فقال : قد أجبتكم إلى ما سألتم ، على أن أكون أنا ولي أمركم . فقالوا : إن هذا لا يمكن ؛ لأن المهدي قد بعث المختار إلينا وزيرا له وداعيا إليه . فسكت عنهم إبراهيم بن الأشتر ، فرجعوا إلى المختار فأخبروه ، فمكث ثلاثا ثم خرج في جماعة من رءوس أصحابه إليه ، فدخل على ابن الأشتر فقام إليه واحترمه وأكرمه وجلس إليه فدعاه المختار إلى الدخول معهم ، وأخرج له كتابا على لسان ابن الحنفية يدعوه إلى الدخول مع أصحابه من الشيعة ، فيما قاموا فيه من نصرة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، والأخذ بثأر الحسين . فقال إبراهيم بن الأشتر : إنه قد جاءتني كتب محمد ابن الحنفية بغير هذا النظام ، فقال المختار : إن هذا زمان وذاك زمان . فقال إبراهيم بن الأشتر : فمن يشهد أن هذا كتابه . فتقدم جماعة من أصحاب المختار فشهدوا بذلك . فقام ابن الأشتر من مجلسه وأجلس المختار فيه وبايعه ، ودعا لهم بفاكهة وشراب من عسل .
قال الشعبي - وكان حاضرا ذلك من أمرهم هو وأبوه - : فلما انصرف المختار ، قال لي إبراهيم بن الأشتر : يا شعبي ، وماذا ترى فيما شهد به هؤلاء ؟ فقلت : إنهم قراء وأمراء ووجوه الناس ، ولا أراهم يشهدون إلا بما يعلمون . قال : [ ص: 10 ] وكتمته ما في نفسي من اتهامهم ، ولكني كنت أحب أن يخرجوا للأخذ بثأر الحسين ، وكنت على رأي القوم .
ثم جعل إبراهيم يختلف إلى المختار في منزله هو ومن أطاعه من قومه ، ثم اتفق رأي الشيعة على أن يكون خروجهم ليلة الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من هذه السنة ; سنة ست وستين .
وقد بلغ ابن مطيع أمر القوم وما اشتوروا عليه ، فبعث الشرط في كل جانب من جوانب الكوفة ، وألزم كل أمير بحفظ ناحيته من أن يخرج منها أحد ، فلما كان ليلة الثلاثاء خرج إبراهيم بن الأشتر قاصدا إلى دار المختار في مائة رجل من قومه وعليهم الدروع تحت الأقبية ، فلقيه إياس بن مضارب فقال له : أين تريد يا ابن الأشتر في هذه الساعة ؟ إن أمرك لمريب ، فوالله لا أدعك حتى أحضرك إلى الأمير فيرى فيك رأيه . فتناول إبراهيم بن الأشتر رمحا من يد رجل فطعنه في ثغرة نحره ، فسقط وأمر رجلا فاحتز رأسه ، وذهب به إلى المختار فألقاه بين يديه ، فقال له المختار بشرك الله بخير ، فهذا طائر صالح . ثم طلب إبراهيم من المختار أن يخرج في هذه الليلة ، فأمر المختار بالنار أن ترفع ، وأن ينادى بشعار أصحابه : يا منصور أمت ، يا ثارات الحسين . ثم نهض المختار فجعل يلبس درعه وسلاحه وهو يقول : [ ص: 11 ]
قد علمت بيضاء حسناء الطلل واضحة الخدين عجزاء الكفل أني غداة الروع مقدام بطل
وخرج بين يديه إبراهيم بن الأشتر ، فجعل يتقصد الأمراء الموكلين بنواحي البلد ، فيطردهم عن أماكنهم واحدا واحدا ، وينادي بشعار المختار . وبعث المختار أبا عثمان النهدي فنادى بشعار المختار : يا ثارات الحسين . فاجتمع الناس إليه من هاهنا وهاهنا ، وجاء شبث بن ربعي فاقتتل هو والمختار عند داره وحصره حتى جاء إبراهيم بن الأشتر فطرده عنه .
فرجع شبث إلى ابن مطيع ، وأشار عليه بأن يجمع الأمراء إليه ، وأن ينهض بنفسه ، فإن أمر المختار قد قوي واستفحل ، وجاءت الشيعة من كل فج عميق إلى المختار ، فاجتمع إليه في أثناء الليل قريب من أربعة آلاف ، فأصبح وقد عبى جيشه وصلى بهم الصبح ، فقرأ فيها : والنازعات غرقا و عبس وتولى في الثانية . قال بعض من سمعه : فما سمعت إماما أفصح لهجة منه . وقد جهز ابن مطيع جيشا ؛ ثلاثة آلاف عليهم شبث بن ربعي ، وأربعة آلاف أخرى مع راشد بن إياس بن مضارب ، فوجه المختار إبراهيم بن الأشتر في ستمائة فارس وستمائة راجل إلى راشد بن إياس ، وبعث نعيم بن هبيرة في ثلاثمائة فارس وستمائة راجل إلى شبث بن ربعي . فأما إبراهيم بن الأشتر فإنه هزم قرنه راشد [ ص: 12 ] بن إياس وقتله وأرسل إلى المختار يبشره ، وأما نعيم بن هبيرة فإنه لقي شبث بن ربعي فهزمه شبث بن ربعي وقتله وجاء فأحاط بالمختار بن أبي عبيد وحصره ، وأقبل إبراهيم بن الأشتر نحو المختار بن أبي عبيد ، فاعترض له حسان بن فائد العبسي في نحو من ألفي فارس من جهة ابن مطيع ، فاقتتلوا ساعة ، فهزمه إبراهيم ، ثم أقبل نحو المختار ، فوجد شبث بن ربعي قد حصر المختار وجيشه ، فما زال حتى طردهم عنه ، وكروا راجعين . وخلص إبراهيم إلى المختار ، وارتحلوا من مكانهم ذلك إلى غيره في ظاهر الكوفة فقال له إبراهيم بن الأشتر : اعمد بنا إلى قصر الإمارة ، فليس دونه أحد يرد عنه . فوضعوا ما معهم من الأثقال وأجلسوا هنالك ضعفة المشايخ والرجال .
واستخلف المختار على من هنالك أبا عثمان النهدي ، وبعث بين يديه إبراهيم بن الأشتر ، وعبأ المختار جيشه كما كان ، وسار نحو القصر ، فبعث ابن مطيع عمرو بن الحجاج في ألفي رجل ، فبعث إليه المختار يزيد بن أنس ، وسار هو وابن الأشتر أمامه حتى دخل الكوفة من باب الكناسة ، وأرسل ابن مطيع شمر بن ذي الجوشن - الذي قتل الحسين - في ألفين آخرين ، فبعث إليه المختار سعيد بن منقذ الهمذاني ، وسار المختار حتى انتهى إلى سكة شبث ، وإذا [ ص: 13 ] نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة في خمسة آلاف ، وخرج ابن مطيع من القصر في الناس ، واستخلف عليه شبث بن ربعي ، فتقدم إبراهيم بن الأشتر إلى الجيش الذي مع نوفل بن مساحق . فهزمهم وأخذ بلجام دابة ابن مساحق فمت إليه بالقرابة ، فأطلقه ، فكان لا ينساها بعد لابن الأشتر .
ثم تقدم المختار بجيشه إلى الكناسة وحصروا ابن مطيع بقصره ثلاثا ، ومعه أشراف الناس سوى عمرو بن حريث ، فإنه لزم داره ، فلما ضاق الحال على ابن مطيع وأصحابه استشارهم فأشار عليه شبث بن ربعي أن يأخذ له ولهم من المختار أمانا ، فقال : ما كنت لأفعل هذا وأمير المؤمنين مطاع بالحجاز وبالبصرة . فقال له : فإن رأيت أن تذهب بنفسك مختفيا حتى تلحق بصاحبك فتخبره بما كان من الأمر ، وبما كان منا في نصره وإقامة دولته . فلما كان الليل خرج ابن مطيع مختفيا حتى دخل دار أبي موسى الأشعري ، فلما أصبح الناس أخذ الأمراء لهم أمانا من أميرهم ابن الأشتر فأمنهم ، فخرجوا من القصر وجاءوا إلى المختار فبايعوه ، وجاء المختار فدخل القصر فبات فيه ، وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر ، فخرج المختار إلى المسجد فصعد المنبر وخطب الناس خطبة بليغة ، ثم دعا الناس إلى البيعة وقال : فوالذي جعل السماء سقفا مكفوفا والأرض فجاجا سبلا ، ما بايعتم بعد بيعة علي أهدى منها ، ثم نزل فدخل ودخل الناس يبايعونه على كتاب الله وسنة رسوله ، والطلب بثأر الحسين وأهل البيت ، وجاء رجل إلى المختار فأخبره أن ابن مطيع في دار أبي موسى ، [ ص: 14 ] فأراه أنه لا يسمع قوله ، حتى كرر ذلك ثلاثا ، كل ذلك يريه أنه لا يسمع قوله . فسكت الرجل ، فلما كان الليل بعث المختار إلى ابن مطيع بمائة ألف درهم وقال له : اذهب فقد أخبرت بمكانك ، - وكان له صديقا قبل ذلك - فذهب ابن مطيع إلى البصرة وكره أن يرجع إلى عبد الله بن الزبير وهو مغلوب . وشرع المختار يتحبب إلى الناس بحسن السيرة ووجد في بيت المال تسعة آلاف ألف ، فأعطى الجيش الذين حضروا معه القتال نفقات كثيرة . واستعمل على شرطته عبد الله بن كامل الشاكري ، وقرب أشراف الناس فكانوا جلساءه ، فشق ذلك على الموالي الذين قاموا بنصره ، وقالوا لأبي عمرة كيسان مولى عرينة ، وكان على حرسه : قدم والله أبو إسحاق العرب وتركنا ، فأنهى ذلك أبو عمرة إليه ، فقال : بل هم مني وأنا منهم ، ثم قال إنا من المجرمين منتقمون [ السجدة : 22 ] فقال لهم أبو عمرة : أبشروا فإنه سيقتلهم ويقربكم فأعجبهم ذلك وسكتوا .
ثم إن المختار بعث الأمراء إلى النواحي والبلدان والأقاليم والرساتيق من أرض العراق وخراسان ، وعقد الألوية والرايات . وقرر الإمارة والولايات ، وجعل يجلس للناس غدوة وعشية يحكم بينهم فلما طال ذلك عليه استقضى شريحا ، [ ص: 15 ] فتكلم في شريح طائفة من الشيعة ، وقالوا إنه شهد على حجر بن عدي ، وإنه لم يبلغ عن هانئ بن عروة ما أرسله به ، وقد كان علي بن أبي طالب عزله عن القضاء ، فلما بلغ شريحا ذلك تمارض ولزم بيته ، فجعل المختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود ، ثم عزله وجعل مكانه عبد الله بن مالك الطائي قاضيا .=====================================مقتل شمر بن ذي الجوشن أمير السرية التي قتلت حسينا
وهرب أشراف الكوفة إلى البصرة إلى مصعب بن الزبير وكان ممن هرب [ ص: 20 ] لقصده شمر بن ذي الجوشن - قبحه الله - فبعث المختار في أثره غلاما له يقال له : زربي . فلما دنا منه قال شمر لأصحابه : تقدموا وذروني وراءكم بصفة أنكم قد هربتم وتركتموني حتى يطمع في هذا العلج . فساقوا وتأخر شمر فأدركه زربي فعطف عليه شمر ، فدق ظهره فقتله ، وسار شمر وتركه ، وكتب كتابا إلى مصعب بن الزبير وهو بالبصرة ينذره بقدومه عليه ، ووفادته إليه ، وكان كل من فر من هذه الوقعة يهرب إلى مصعب بالبصرة ، وبعث شمر الكتاب مع علج من علوج قرية قد نزل عندها يقال لها الكلتانية عند نهر إلى جانب تل هناك ، فذهب ذلك العلج فلقيه علج آخر فقال له : إلى أين تذهب ؟ قال : إلى مصعب . قال ممن ؟ قال من شمر . فقال : اذهب معي إلى سيدي . وإذا سيده أبو عمرة أمير حرس المختار ، وهو قد ركب في طلب شمر ، فدله العلج على مكانه فقصده أبو عمرة ، وقد أشار أصحاب شمر عليه أن يتحول من مكانه ذلك فقال لهم : هذا كله فرق من الكذاب ، والله لا أرتحل من هاهنا إلى ثلاثة أيام حتى أملأ قلوبهم رعبا ، فلما كان الليل كابسهم أبو عمرة في الخيل فأعجلهم أن يركبوا أو يلبسوا أسلحتهم ، وثار إليهم شمر بن ذي الجوشن فطاعنهم برمحه وهو عريان ، ثم دخل خيمته فاستخرج منها سيفا وهو يقول :
[ ص: 21 ]
نبهتم ليث عرين باسلا جهما محياه يدق الكاهلا لم ير يوما عن عدو ناكلا
إلا كذا مقاتلا أو قاتلا يبرحهم ضربا ويروي العاملا
ثم ما زال يناضل عن نفسه حتى قتل ، فلما سمع أصحابه ، وهم منهزمون صوت التكبير وقول أصحاب المختار : الله أكبر قتل الخبيث . عرفوا أنه قد قتل ، قبحه الله .
قال أبو مخنف ، عن يونس بن أبي إسحاق قال : ولما خرج المختار من جبانة السبيع ، وأقبل إلى القصر - يعني منصرفه من القتال - ناداه سراقة بن مرداس بأعلى صوته ، وكان في الأسرى :
امنن علي اليوم يا خير معد وخير من حل بشحر والجند
وخير من لبى وصام وسجد
قال : فبعثه إلى السجن ، فاعتقله ليلة ، ثم أطلقه من الغد ، فأقبل إلى المختار ، وهو يقول :
[ ص: 22 ]
ألا أخبر أبا إسحاق أنا نزونا نزوة كانت علينا
خرجنا لا نرى الضعفاء شيئا وكان خروجنا بطرا وحينا
نراهم في مصافهم قليلا وهم مثل الدبا حين التقينا
برزنا إذ رأيناهم فلما رأينا القوم قد برزوا إلينا
رأينا منهم ضربا وطحنا وطعنا صائبا حتى انثنينا
نصرت على عدوك كل يوم بكل كتيبة تنعى حسينا
كنصر محمد في يوم بدر ويوم الشعب إذ لاقى حنينا
فأسجح إذ ملكت فلو ملكنا لجرنا في الحكومة واعتدينا
تقبل توبة مني فإني سأشكر إذ جعلت النقد دينا
وجعل سراقة بن مرداس يحلف أنه رأى الملائكة تقاتل على الخيول البلق بين السماء والأرض ، وأنه لم يأسره إلا واحد من أولئك الملائكة ، فأمره المختار أن يصعد المنبر فيخبر الناس بذلك . فصعد المنبر فأخبر الناس بذلك ، فلما نزل خلا به المختار ، فقال له : إني قد عرفت أنك لم تر الملائكة ، وإنما أردت [ ص: 23 ] بقولك هذا أني لا أقتلك ، ولست أقتلك فاذهب حيث شئت لا تفسد علي أصحابي . فذهب سراقة إلى البصرة إلى مصعب بن الزبير وجعل يقول :
ألا أبلغ أبا إسحاق أني رأيت البلق دهما مصمتات
كفرت بوحيكم وجعلت نذرا علي قتالكم حتى الممات
رأت عيناي ما لم تبصراه كلانا عالم بالترهات
إذا قالوا أقول لهم كذبتم وإن خرجوا لبست لهم أداتي
قالوا : ثم خطب المختار أصحابه فحرضهم في خطبته تلك على تتبع من قتل الحسين من أهل الكوفة المقيمين بها ، فقال : ما ديننا ترك قوم قتلوا حسينا يمشون في الدنيا أحياء آمنين ، بئس ناصر آل محمد ، إني إذا كذاب كما سميتموني أنتم ، فإني بالله أستعين عليهم ، فالحمد لله الذي جعلني سيفا أضربهم ، ورمحا أطعنهم ، وطالب وترهم ، والقائم بحقهم ، وإنه كان حقا على الله أن يقتل من قتلهم ، وأن يذل من جهل حقهم ، فسموهم ثم اتبعوهم حتى تقتلوهم ، فإنه لا يسوغ لي الطعام والشراب حتى أطهر الأرض [ ص: 24 ] منهم ، وأنفي من في المصر منهم ، ثم جعل يتتبع من في الكوفة منهم وكانوا يأتون بهم حتى يوقفوا بين يديه ، فيأمر بقتلهم على أنواع من القتلات مما يناسب ما فعلوا ، ومنهم من حرقه بالنار ، ومنهم من قطع أطرافه وتركه حتى مات ، ومنهم من يرمى بالنبال حتى يموت ، فأتوه بمالك بن بشير ، فقال له المختار : أنت الذي نزعت برنس الحسين عنه ؟ فقال : خرجنا ونحن كارهون ، فامنن علينا . فقال : اقطعوا يديه ورجليه . ففعلوا به ذلك ، ثم تركوه يضطرب حتى مات ، وقتل عبد الله بن أسيد الجهني وغيره شر قتلة .=====================================مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الجيش الذين قتلوا الحسين
قال الواقدي : كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، جالسا ذات يوم ; [ ص: 26 ] إذ جاء غلام له ، ودمه يسيل على عقبيه ، فقال له سعد : من فعل بك هذا ؟ فقال : ابنك عمر . فقال سعد : اللهم اقتله وأسل دمه . وكان سعد مستجاب الدعوة ، فلما ظهر المختار على الكوفة استجار عمر بن سعد بعبد الله بن جعدة بن هبيرة ، وكان صديقا للمختار من قرابته من علي ، فأتى المختار فأخذ منه لعمر بن سعد أمانا ; مضمونه أنه آمن على نفسه وأهله وماله ما أطاع ولزم رحله ومصره ما لم يحدث حدثا ، وأراد المختار ما لم يأت الخلاء فيبول أو يغوط ، ولما بلغ عمر بن سعد أن المختار يريد قتله خرج من منزله ليلا يريد السفر نحو مصعب أو عبيد الله بن زياد فنمى للمختار بعض مواليه ذلك . فقال المختار : وأي حدث أعظم من هذا ؟ وقيل : إن مولاه قال له ذلك ، وقال له : تخرج من منزلك ورحلك ؟ ارجع . فرجع . ولما أصبح بعث إلى المختار يقول له : هل أنت مقيم على أمانك ؟ وقيل : إنه أتى المختار يتعرف منه ذلك ، فقال له المختار : اجلس . وقيل : إنه أرسل عبد الله بن جعدة إلى المختار يقول له : هل أنت مقيم على أمانك له ؟ فقال له المختار : اجلس . فلما جلس قال المختار : لصاحب حرسه : اذهب فأتني برأسه ، فذهب إليه فقتله ، وأتاه برأسه .
وفي رواية أن المختار قال ليلة : لأقتلن غدا رجلا عظيم القدمين ، غائر العينين ، مشرف الحاجبين ، يسر بقتله المؤمنون والملائكة المقربون ، وكان الهيثم بن الأسود حاضرا فوقع في نفسه أنه أراد عمر بن سعد ، فبعث إليه ابنه [ ص: 27 ] العريان فأنذره ، فقال : كيف يكون هذا بعدما أعطاني من العهود والمواثيق ؟ وكان المختار حين قدم الكوفة أحسن السيرة إلى أهلها أولا ، وكتب لعمر بن سعد كتاب أمان إلا أن يحدث حدثا . قال أبو مخنف : وكان أبو جعفر الباقر يقول : إنما أراد المختار إلا أن يدخل الكنيف فيحدث فيه . ثم إن عمر بن سعد قلق أيضا ، ثم جعل يتنقل من محلة إلى محلة ، ثم صار أمره أنه رجع إلى داره ، وقد بلغ المختار انتقاله من موضع إلى موضع ، فقال : كلا والله ، إن في عنقه سلسلة ترده لو جهد أن ينطلق ما استطاع ، ثم أصبح فبعث إليه أبا عمرة ، فدخل عليه ، فقال : أجب الأمير ، فقام عمر ، فعثر في جبته ، فضربه أبو عمرة بالسيف حتى قتله ، وجاء برأسه في أسفل قبائه حتى وضعه بين يدي المختار ، فقال المختار لابنه حفص بن عمر - وكان جالسا عند المختار - : أتعرف هذا الرأس ؟ فاسترجع وقال : نعم ، ولا خير في العيش بعده ، فقال : صدقت ، ثم أمر به فضربت عنقه ، ووضع رأسه مع رأس أبيه ، ثم قال المختار هذا بالحسين ، وهذا بعلي بن الحسين الأكبر ، ولا سواء ، والله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله . ثم بعث المختار برأسيهما إلى محمد ابن الحنفية وكتب إليه كتابا في ذلك :
[ ص: 28 ] بسم الله الرحمن الرحيم للمهدي محمد بن علي من المختار بن أبي عبيد سلام عليك أيها المهدي فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : فإن الله بعثني نقمة على أعدائكم ، فهم بين قتيل وأسير وطريد وشريد ، فالحمد لله الذي قتل قاتلكم ونصر مؤازركم ، وقد بعثت إليك برأس عمر بن سعد وابنه ، وقد قتلنا من شرك في دم الحسين وأهل بيته كل من قدرنا عليه ، ولن يعجز الله من بقي ، ولست بمنحجم عنهم حتى لا يبلغني أن على أديم الأرض منهم إرميا فاكتب إلي أيها المهدي برأيك أتبعه وأكن عليه ، والسلام عليك أيها المهدي ورحمة الله وبركاته .
ولم يذكر ابن جرير أن محمدا ابن الحنفية رد جوابه ، مع أن ابن جرير قد تقصى هذا الفصل وأطال شرحه ، ويظهر من غبون كلامه ونظامه قوة وجده به وغرامه ، ولهذا توسع في إيراده بروايات أبي مخنف لوط بن يحيى ، وهو متهم فيما يرويه ، ولا سيما في باب التشيع ، وهذا المقام للشيعة فيه غرام وأي غرام ، إذ فيه الأخذ بثأر الحسين وأهله من قتلتهم والانتقام منهم . ولا شك أن قتل قتلته كان متحتما ، والمبادرة إليه كان مغنما ، ولكن إنما قدره الله على يد المختار الكذاب الذي صار بدعواه إتيان الوحي إليه كافرا ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وقال تعالى في كتابه الذي هو أفضل ما يكتبه الكاتبون : وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون [ ص: 29 ] وقال بعض الشعراء :
وما من يد إلا يد الله فوقها ولا ظالم إلا سيبلى بظالم
وسيأتي في ترجمة المختار ما يدل على كذبه وافترائه ، وادعائه نصرة أهل البيت ، وهو في نفس الأمر متستر بذلك ليجمع عليه رعاعا من الشيعة الذين بالكوفة ; ليقيم لهم دولة ويصول بهم ويجول على مخالفيه صولة .
ثم إن الله تعالى سلط عليه من انتقم منه ، وهذا هو الكذاب الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث أسماء بنت الصديق إنه سيكون في ثقيف كذاب ومبير فهذا هو الكذاب ، وهو يظهر التشيع ، وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف الثقفي وقد ولي الكوفة من جهة عبد الملك بن مروان كما سيأتي ، وكان الحجاج عكس هذا ؛ كان ناصبيا جلدا ظالما غاشما ، ولكن لم يكن في طبقة هذا ، يتهم على دين الإسلام ، ودعوى النبوة ، وأنه يأتيه الوحي من العلي العلام .
قال ابن جرير وفي هذه السنة بعث المختار المثنى بن مخربة العبدي إلى البصرة يدعو إليه من استطاع من أهلها ، فدخلها وابتنى بها مسجدا يجتمع إليه فيه قومه فجعل يدعو إلى المختار ثم أتى مدينة الرزق ، فعسكر عندها فبعث إليه الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة القباع - وهو أمير البصرة قبل أن يعزل [ ص: 30 ] بمصعب - جيشا مع عباد بن الحصين أمير الشرطة ، وقيس بن الهيثم فقاتلوه وأخذوا منه المدينة ، وانهزم أصحابه ، وكان قد قام بنصرتهم بنو عبد القيس ، فبعث إليهم الجيش ، فبعثوا إليه فأرسل الأحنف بن قيس ، و عمرو بن عبد الرحمن المخزومي ليصلحا بين الناس وساعدهما مالك بن مسمع ، فانحجز الناس بعضهم عن بعض ورجع إلى المختار في نفر يسير من أصحابه مغلولا مغلوبا مسلوبا ، وأخبر المختار بما وقع من الصلح على يدي الأحنف وغيره من أولئك الأمراء ، وطمع المختار فيهم ، وكاتبهم في أن يدخلوا معه فيما هو فيه من الأمر .
وكان كتابه إلى الأحنف بن قيس : من المختار إلى الأحنف بن قيس ومن قبله ، فسلم أنتم ، أما بعد : فويل أم ربيعة من مضر ، وإن الأحنف يورد قومه سقر ، حيث لا يستطيع لهم الصدر ، وإني لا أملك لكم ما قد خط في القدر ، وقد بلغني أنكم تسموني كذابا ، وقد كذب الأنبياء من قبلي ، ولست بخير منهم .
وقال ابن جرير : حدثني أبو السائب سلم بن جنادة ، حدثنا الحسن بن حماد ، عن حبان بن علي ، عن مجالد ، عن الشعبي ، قال : دخلت البصرة فقعدت إلى حلقة فيها الأحنف بن قيس ، فقال بعض القوم : من أنت ؟ فقلت : رجل من أهل الكوفة . فقال : أنتم موال لنا . قلت : وكيف ؟ قال : قد [ ص: 31 ] أنقذناكم من أيدي عبيدكم من أصحاب المختار . قلت : تدري ما قال شيخ من همدان فينا وفيكم ؟ فقال الأحنف : وما قال ؟ قلت : قال :
أفخرتم أن قتلتم أعبدا وهزمتم مرة آل عزل
فإذا فاخرتمونا فاذكروا ما فعلنا بكم يوم الجمل
بين شيخ خاضب عثنونه وفتى أبيض وضاحا رفل
جاءنا يهدج في سابغة فذبحناه ضحى ذبح الحمل
وعفونا فنسيتم عفونا وكفرتم نعمة الله الأجل
وقتلتم بحسين منهم بدلا من قومكم شر بدل
قال : فغضب الأحنف ، وقال : يا غلام ، هات الصحيفة ، فأتي بصحيفة فيها : بسم الله الرحمن الرحيم ، من المختار بن أبي عبيد إلى الأحنف بن قيس أما بعد : فويل أم ربيعة من مضر ، فإن الأحنف يورد قومه سقر ، حيث لا يقدرون على الصدر ، وقد بلغني أنكم تكذبوني ، فإن كذبت فقد كذبت رسل من قبلي ، ولست بخير منهم ، ثم قال الأحنف : هذا منا أو منكم .=====================================فصل ( شخوص إبراهيم بن الأشتر إلى عبيد الله بن زياد )
[ ص: 37 ] قال ابن جرير : وفي هذه السنة سار إبراهيم بن الأشتر إلى عبيد الله بن زياد وذلك لثمان بقين من ذي الحجة ، وقال أبو مخنف عن مشايخه : ما هو إلا أن فرغ المختار من جبانة السبيع وأهل الكناسة ، فما نزل إبراهيم بن الأشتر إلا يومين حتى أشخصه إلى الوجه الذي كان وجهه له لقتال أهل الشام ; فخرج يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة سنة ست وستين ، وخرج معه المختار يودعه في وجوه أصحابه ، وخرج معهم خاصة المختار ، ومعهم كرسي المختار على بغل أشهب ليستنصروا به على الأعداء ، وهم حافون به يدعون ويستصرخون ويستنصرون ويتضرعون ، فرجع المختار بعد أن وصاه بثلاث ; قال : يا ابن الأشتر ، اتق الله في سرك وعلانيتك ، وأسرع السير وعاجل عدوك بالقتال . واستمر أصحاب الكرسي سائرين مع ابن الأشتر ، فجعل ابن الأشتر يقول : اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ، سنة بني إسرائيل ، والذي نفسي بيده ، إذ عكفوا على عجلهم . فلما جاوز القنطرة إبراهيم وأصحابه انصرف أصحاب الكرسي .
قال ابن جرير : وكان سبب اتخاذ هذا الكرسي ما حدثني به عبد الله بن [ ص: 38 ] أحمد بن شبويه ، حدثني أبي ، ثنا سليمان ، ثنا عبد الله بن المبارك ، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة ، حدثني معبد بن خالد ، حدثني طفيل بن جعدة بن هبيرة قال : أعدمت مرة من الورق فإني لكذلك إذ مررت بباب جار لي له كرسي قد ركبه وسخ شديد ، فخطر على بالي أن لو قلت في هذا ، فرجعت فأرسلت إليه أن أرسل إلي بالكرسي ، فأرسل به ، فأتيت المختار فقلت له : إني كنت أكتمك شيئا وقد بدا لي أن أذكره لك . قال : وما هو ؟ قال : قلت : كرسي كان جعدة بن هبيرة يجلس عليه كأنه يرى أن فيه أثرة من علم . قال : سبحان الله ! فأخرت هذا إلى اليوم ؟ ابعث إليه . قال : فجئت به وقد غسل فخرج عودا نضارا وقد تشرب الزيت ، فأمر لي باثني عشر ألفا ، ثم نودي في الناس : الصلاة جامعة . قال : فخطب المختار الناس فقال : إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة مثله ، وإنه قد كان في بني إسرائيل التابوت ينصرون به ، وإن هذا مثله . ثم أمر فكشف عنه أثوابه ، وقامت السبئية فرفعوا أيديهم وكبروا ثلاثا ، فقام شبث بن ربعي فأنكر على الناس وكاد أن يكفر من يصنع بهذا التابوت هذا التعظيم ، وأشار بأن يكسر [ ص: 39 ] ويخرج من المسجد ويرمى به في الحش ، فشكرها الناس لشبث بن ربعي فلما قيل : هذا عبيد الله بن زياد قد أقبل . وبعث المختار إبراهيم بن الأشتر بعث معه بالكرسي يحمل على بغل أشهب قد غشي بأثواب الحرير ، عن يمينه سبعة ، وعن يساره سبعة ، فلما تواجهوا مع الشاميين - كما سيأتي - وغلبوا الشاميين وقتلوا ابن زياد ، ازداد تعظيمهم لهذا الكرسي حتى بلغوا به الكفر ، قال الطفيل بن جعدة فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون . وندمت على ما صنعت . وتكلم الناس في هذا الكرسي ، وكثر عيب الناس له فغيب حتى لا يرى بعد ذلك .
وذكر ابن الكلبي أن المختار طلب من آل جعدة بن هبيرة الكرسي الذي كان علي يجلس عليه ، فقالوا : ما عندنا شيء مما يقول الأمير . فألح عليهم حتى علموا أنهم لو جاءوا بأي كرسي كان لقبله منهم ، فحملوا إليه كرسيا من بعض الدور ، فقالوا : هذا هو ، فخرجت شبام وشاكر وسائر رءوس المختار به ، وقد عصبوه بالحرير والديباج .
وحكى أبو مخنف أن أول من سدن هذا الكرسي موسى بن أبي موسى الأشعري ، ثم إنه عتب عليه في ذلك ، فدفعه إلى حوشب البرسمي ، فكان صاحبه حتى هلك المختار ، قبحه الله .
ويروى أن المختار كان يظهر أنه لا يعلم بما يعظم أصحابه هذا الكرسي . [ ص: 40 ] وقد قال في هذا الكرسي أعشى همدان :
شهدت عليكم أنكم سبئية وإني بكم يا شرطة الشرك عارف وأقسم ما كرسيكم بسكينة
وإن كان قد لفت عليه اللفائف وأن ليس كالتابوت فينا وإن سعت
شبام حواليه ونهد وخارف وإني امرؤ أحببت آل محمد
وتابعت وحيا ضمنته المصاحف وتابعت عبد الله لما تتابعت
عليه قريش شمطها والغطارف
وقال المتوكل الليثي :
أبلغ أبا إسحاق إن جئته أني بكرسيكم كافر
تنزوا شبام حول أعواده وتحمل الوحي له شاكر
محمرة أعينهم حوله كأنهن الحمص الحادر
قلت : هذا وأمثاله مما يدل على قلة عقل المختار وأتباعه وضعفه وقلة علمه وكثرة جهله ورداءة فهمه وترويجه الباطل على أتباعه وتشبيهه الباطل بالحق ليضل به الطغام ويجمع عليه جهال العوام .
قال الواقدي : وفي هذه السنة وقع في مصر طاعون هلك فيه خلق كثير من أهلها ، وفيها ضرب الدنانير عبد العزيز بن مروان بمصر وهو أول من ضربها بها .
[ ص: 41 ] قال صاحب مرآة الزمان : وفيها ابتدأ عبد الملك بن مروان ببناء القبة على صخرة بيت المقدس ، وعمارة الجامع الأقصى ، وكملت عمارته في سنة ثلاث وسبعين ، وكان السبب في ذلك أن عبد الله بن الزبير كان قد استولى على مكة ، وكان يخطب في أيام منى وعرفة ، ومقام الناس بمكة ، وينال من عبد الملك ، ويذكر مساوئ بني مروان ، ويقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الحكم وما نسل ، وإنه طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعينه ، وكان يدعو إلى نفسه ، وكان فصيحا ، فمال معظم أهل الشام إليه ، وبلغ ذلك عبد الملك فمنع الناس من الحج فضجوا ، فبنى لهم القبة على الصخرة والجامع الأقصى ; ليشغلهم بذلك عن الحج ويستعطف قلوبهم وكانوا يقفون عند الصخرة ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة ، وينحرون يوم العيد ويحلقون رءوسهم ففتح بذلك على نفسه باب تشنيع ابن الزبير عليه ، فكان يشنع عليه بمكة ويقول ضاهى بها فعل الأكاسرة في إيوان كسرى ، والخضراء كما فعل معاوية ، ونقل الطواف من بيت الله إلى قبلة بني إسرائيل ، ونحو ذلك .
ولما أراد عبد الملك بناءها سار من دمشق إلى بيت المقدس ومعه الأموال والعمال ، ووكل بالعمل رجاء بن حيوة ، ويزيد بن سلام مولاه ، وجمع الصناع والمهندسين فأمرهم فصوروا له القبة في صحن المسجد فأعجبه ، وبنى للمال بيتا شرقي القبة ، وشحنه بالمال ، وأمر رجاء بن حيوة ، ويزيد أن يفرغا [ ص: 42 ] الأموال إفراغا ، ولا يتوقفا فيه ، فبثوا النفقات وأكثروا فبنوا القبة التي هي اليوم قائمة ، وبنوا من ناحية القبلة سبع قباب ، والقبة التي باقية اليوم على المحراب هي أوسطها ، ولما تم بناء القبة عمل لها جلالين ; أحدهما من لبود أحمر للشتاء ، والآخر من أدم للصيف ، وحف الصخرة بدرابزين من الساج المطعم باليشم ، وخلف الدرابزين ستور من الديباج مرخاة بين العمد ، وكانت السدنة كل خميس واثنين يذوبون المسك ، والعنبر والماورد والزعفران ويعملون منه غالية ، ويخمرونها من الليل ثم يدخل الخدم الحمام من الليل [ ص: 43 ] فيغتسلون ويتطيبون ، ويلبسون ثياب الوشي ، ويشدون أوساطهم بالمناطق المحلاة بالذهب ويخلقون الصخرة ، ثم يضعون البخور في مجامر الذهب والفضة ، وفيها العود القماري المغلي بالمسك ، ويرخي السدنة الستور فتخرج تلك الرائحة فتملأ المدينة كلها ، ثم ينادي مناد : ألا إن الصخرة قد فتحت ، فمن أراد الزيارة فليأت ، فيقبل الناس مبادرين ، فيصلون ويخرجون ، فمن وجدت منه رائحة البخور قال الناس : هذا كان اليوم في الصخرة .
وأبواب الصخرة أربعة ، على كل باب عشرة من الحجبة ، الباب الشمالي يسمى باب الجنة ، والشرقي باب إسرائيل ، والغربي باب جبريل ، والقبلي باب الأقصى ، وكانوا يشعلونها بدهن البان ، ولا يدخلها أحد غير أيام الزيارة سوى الخدم ، وكان للحرم عشرون بابا ، وكان فيه ألف عمود من الرخام ، وفي السقوف ستون ألف خشبة من الساج المنقوش ، ومن القناديل خمسة آلاف قنديل ، وكان فيه أربعمائة سلسلة ، كل سلسلة ألف رطل شامي ، طول السلاسل ثلاثون ألف ذراع ، وكان يوقد في الصخرة كل ليلة مائة شمعة ، وكذا في الأقصى ، وكان يوقد في القناديل كل ليلة من الزيت المفتول قنطار ، وكان في الحرم خمسون قبة ، ومن ألواح الرصاص سبعون ألف لوح ، وكان في الحرم ثلاثمائة خادم ابتاعوا من بيت المال من الخمس ، كلما مات واحد قام ولده بعده مقامه ، ويقبضون أرزاقهم من بيت المال شهرا بشهر ، وكان في الحرم مائة [ ص: 44 ] صهريج ، وكانت صفائح القبة وسقف الأقصى من صفائح الذهب عوض الرصاص ، وكذلك أبواب القبة صفائحها ، وذلك أنه لما كمل البناء فضل من المال ثلاثمائة ألف دينار ، وقيل ستمائة ألف . وكتب رجاء بن حيوة ، و يزيد إلى عبد الملك يعرفانه بذلك ، فكتب إليهما : قد جعلته لكما عوضا عن تعبكما . فكتبا إليه : إنما قمنا بهذا البيت لله تعالى ، فلا نقبل على ذلك عرض الدنيا ، ولوددنا أن نزيد فيه من حلي نسائنا . فكتب إليهم إذا أبيتم ذلك فأفرغاه على القبة والأبواب ، فما كان أحد يستطيع أن يتأمل القبة مما عليها من الذهب . فلما كان في خلافة أبي جعفر المنصور قدم القدس سنة أربعين ومائة فوجد الأقصى وقبابه تشكو من الخراب ، فأمر بقلع الصفائح التي على القبة والأبواب ، وأن يعمر بها ما تشعث في الحرم ، ففعلوا ذلك ، وكان المسجد طويلا فأمر أن يؤخذ من طوله ويزاد في عرضه ، ولما كمل البناء كتبوا على القبة مما يلي الباب القبلي من جهة الأقصى بالنص بعد البسملة : بنى هذه القبة عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين سنة اثنتين وسبعين من الهجرة النبوية ، وكان طول المسجد من القبلة إلى الشمال سبعمائة وخمسة وستين ذراعا ، وعرضه أربعمائة وستين ذراعا ، وكان فتح القدس سنة ست عشرة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
====================فصل ( تتبع المختار لقتلة الحسين )
ثم شرع المختار يتتبع قتلة الحسين من شريف ووضيع فيقتله ، وكان سبب ذلك أن عبيد الله بن زياد كان قد جهزه مروان بن الحكم من دمشق ليدخل الكوفة ، فإن هو ظفر بها فليبحها ثلاثة أيام ، وجعل له ما غلب عليه من البلاد ، فسار ابن زياد قاصدا الكوفة فلقي جيش التوابين بعين الوردة - كما ذكرنا - ثم سار حتى انتهى إلى الجزيرة فوجد بها قيس عيلان ، وهو من أنصار ابن الزبير ، وقد كان مروان أصاب منهم قتلى كثيرة يوم مرج راهط ، وهم ألب عليه ، وعلى ابنه عبد الملك من بعده ، فتعوق عن المسير سنة وهو محاصر قيس عيلان بالجزيرة ، ثم وصل إلى الموصل ، فانحاز نائبها عنه إلى تكريت ، وكتب [ ص: 16 ] إلى المختار يعلمه بذلك ، فندب المختار يزيد بن أنس في ثلاثة آلاف اختارها ، وقال له : إني سأمدك بالرجال بعد الرجال . فقال له لا تمدني إلا بالدعاء ، وخرج معه المختار إلى ظاهر الكوفة فودعه ودعا له ، وقال له : ليكن خبرك في كل يوم عندي ، وإذا لقيت عدوك فناجزهم ، ولا تؤخر فرصة .
ولما بلغ خبر مخرجهم من الكوفة عبيد الله بن زياد جهز بين يديه سريتين إحداهما مع ربيعة بن مخارق ثلاثة آلاف ، والأخرى مع عبد الله بن حملة ثلاثة آلاف ، وقال : أيكم سبق فهو الأمير ، وإن سبقتما معا فالأمير على الناس أسنكما ، فسبق ربيعة بن مخارق إلى يزيد بن أنس فالتقيا في طرف أرض الموصل مما يلي الكوفة ، فتواقفا هنالك ، ويزيد بن أنس مريض مدنف ، وهو مع ذلك يحرض قومه على الجهاد ويدور على الأرباع وهو محمول مضنى راكب على حمار ، وهو يقول لقومه : يا شرطة الله ، اصبروا تؤجروا ، وقاتلوا عدوكم تظفروا ، ثم نزل فوضع له سريره بين الصفين ، وقال لقومه : قاتلوا عن أميركم إن شئتم أو فروا عنه ، وقال للناس : إن هلكت فالأمير على الناس عبد الله بن ضمرة العذري رأس الميمنة ، فإن هلك فسعر بن أبي سعر رأس الميسرة . وكان ورقاء بن عازب الأسدي على الخيل ، وهو وهؤلاء ، الثلاثة أمراء [ ص: 17 ] الأرباع ، وكان ذلك في يوم عرفة من سنة ست وستين عند إضاءة الصبح ، فاقتتلوا هم والشاميون قتالا شديدا ، واضطربت كل من الميمنتين والميسرتين ، ثم حمل ورقاء على الخيل فهزمها ، وفر الشاميون ، وقتل أميرهم ربيعة بن مخارق ، واحتاز جيش المختار ما في عسكرهم ، ورجع فرارهم فلقوا الأمير الآخر عبد الله بن حملة فقال : ما خبركم ؟ فأخبروه فرجع بهم وسار بهم نحو يزيد بن أنس فانتهى إليهم عشاء ، فبات الناس متحاجزين ، فلما أصبحوا تواقفوا على تعبئتهم وذلك يوم الأضحى من سنة ست وستين ، فاقتتلوا قتالا شديدا فهزم جيش المختار جيش الشاميين أيضا ، وقتلوا أميرهم عبد الله بن حملة ، واحتووا على ما في معسكرهم ، وأسروا منهم ثلاثمائة أسير ، فجاءوا بهم إلى يزيد بن أنس وهو على آخر رمق ، فأمر بضرب أعناقهم .
ومات يزيد بن أنس من يومه ذلك ، وصلى عليه خليفته ورقاء بن عامر ودفنه ، وسقط في أيدي أصحابه وجعلوا يتسللون راجعين إلى الكوفة ، فقال لهم ورقاء : يا قوم ماذا ترون ؟ إنه قد بلغني أن ابن زياد قد أقبل في ثمانين ألفا من الشام ، ولا أرى لكم بهم طاقة ، وقد هلك أميرنا وتفرق عنا طائفة من الجيش من أصحابنا ، فلو انصرفنا راجعين إلى بلادنا ونظهر أنا إنما انصرفنا حزنا منا على أميرنا لكان خيرا لنا من أن نلقاهم فيهزمونا ، ونرجع مغلوبين . فاتفق رأي الأمراء على ذلك ، فرجعوا إلى الكوفة .
فلما بلغ خبرهم أهل الكوفة وأنهم قد كروا راجعين ، وبلغهم أن يزيد بن أنس قد هلك ، أرجف أهل الكوفة بالمختار ، وقالوا : قتل يزيد بن أنس في المعركة [ ص: 18 ] وانهزم جيشه وعما قليل يقدم عليكم ابن زياد فيستأصلكم ويشتف خضراءكم ، ثم تمالئوا على الخروج على المختار وقالوا : هو كذاب ، واتفقوا على حربه وقتاله وإخراجه من بين أظهرهم ، وقالوا : هو كذاب قد قدم موالينا على أشرافنا ، وزعم أن محمد ابن الحنفية قد أمره بالأخذ بثأر الحسين ، وهو لم يأمره بشيء ، وإنما هو متقول عليه . وانتظروا بخروجهم عليه أن يخرج من الكوفة إبراهيم بن الأشتر فإنه قد عينه المختار أن يخرج في سبعة آلاف للقاء ابن زياد فلما خرج إبراهيم بن الأشتر اجتمع أشراف الناس ممن كان في جيش قتلة الحسين وغيرهم في دار شبث بن ربعي وأجمعوا أمرهم على قتال المختار ، ثم وثبوا فركبت كل قبيلة مع أميرها في ناحية من نواحي الكوفة وقصدوا قصر الإمارة ، وبعث المختار عمرو بن توبة بريدا إلى إبراهيم بن الأشتر ليرجع إليه سريعا ، وبعث المختار إلى أولئك يقول لهم : ماذا تنقمون ؟ فإني أجيبكم إلى جميع ما تطلبون ، وإنما يريد أن يثبطهم عن مناهضته حتى يقدم إبراهيم بن الأشتر وقال : إن كنتم لا تصدقوني في أمر محمد ابن الحنفية فابعثوا من جهتكم وأبعث من جهتي من يسأله عن ذلك . ولم يزل يطاولهم حتى قدم إبراهيم بن الأشتر بعد ثلاث ، فانقسم هو والناس فرقتين فتكفل المختار بأهل اليمن ، وتكفل إبراهيم بن الأشتر [ ص: 19 ] بمضر ، وعليهم شبث بن ربعي ، وكان ذلك بإشارة المختار ، حتى لا يتولى ابن الأشتر النخعي قتال قومه من أهل اليمن فيحنو عليهم ، وكان المختار شديدا عليهم .
ثم اقتتل الناس في نواحي الكوفة قتالا عظيما ، وكثرت القتلى بينهم من الفريقين وجرت فصول وأحوال حربية يطول استقصاؤها ، وقتل جماعة من الأشراف ؛ منهم عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الكندي ، وسبعمائة وثمانون رجلا من قومه ، وقتل من مضر بضعة عشر رجلا ، ويعرف هذا اليوم بجبانة السبيع . وكان ذلك يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة ست وستين ثم كانت النصرة للمختار عليهم ، وأسر منهم خمسمائة أسير ، فعرضوا على المختار فقال : انظروا من كان منهم شهد مقتل الحسين فاقتلوه ، فقتل منهم مائتان وأربعون رجلا ، وقتل أصحابه منهم من كان يؤذيهم ويسيء إليهم بغير أمر المختار ، ثم أطلق الباقين ، وهرب عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وكان ممن شهد قتل الحسين فلا يدرى أين ذهب من الأرض . ======================================مقتل خولي بن يزيد الأصبحي الذي احتز رأس الحسين
بعث إليه المختار أبا عمرة صاحب حرسه ، فكبس بيته ، فخرجت إليهم امرأته ، فسألوها عنه ، فقالت : لا أدري أين هو . وأشارت بيدها إلى المكان الذي هو مختف فيه ، وكانت تبغضه من ليلة قدم برأس الحسين معه إليها ، وكانت تلومه على ذلك ، واسمها العيوف بنت مالك بن نهار بن عقرب الحضرمي ، فدخلوا عليه فوجدوه قد وضع على رأسه قوصرة ، فحملوه إلى المختار ، فأمر بقتله قريبا من داره وأن يحرق بعد ذلك .
[ ص: 25 ] وبعث المختار إلى حكيم بن فضيل السنبسي - وكان قد سلب العباس بن علي بن أبي طالب يوم قتل الحسين - فأخذ ، فذهب أهله إلى عدي بن حاتم فركب ليشفع فيه عند المختار ، فخشي أولئك الذين أخذوه أن يسبقهم عدي إلى المختار فيشفعه فيه ، فقتلوا حكيما قبل أن يصل إلى المختار ، فدخل عدي فشفع فيه فشفعه فيه ، فلما رجعوا وقد قتلوه شتمهم عدي ، وقام متغضبا عليهم ، وقد تقلد منة المختار ، وبعث المختار إلى زيد بن رقاد ، وكان قد قتل عبد الله بن مسلم بن عقيل ، فلما أحاط الطلب بداره خرج فقاتلهم فرموه بالنبل والحجارة حتى سقط ، ثم حرقوه وبه رمق الحياة ، وطلب المختار سنان بن أنس ، الذي كان يدعي أنه قتل الحسين ، فوجدوه قد هرب إلى البصرة أو الجزيرة فهدمت داره . وكان محمد بن الأشعث بن قيس ممن هرب إلى مصعب فأمر المختار بهدم داره ، وأن يبنى بها دار حجر بن عدي التي كان زياد هدمها . ====================================== ] فصل ( مصانعة المختار ابن الزبير يريد خداعه )
ولما علم المختار أن ابن الزبير لا ينام عنهم ، وأن جيش الشام من قبل عبد الملك بن مروان يقصدونه مع عبيد الله بن زياد في جمع كثير لا يرام ، شرع يصانع ابن الزبير ، يريد خداعه والمكر به ، فكتب إليه إني كنت بايعتك على السمع والطاعة والنصح لك ، فلما رأيتك قد أعرضت عني تباعدت عنك ، فإن كنت على ما أعهد منك فأنا على السمع والطاعة لك . والمختار يخفي هذا كل الإخفاء عن الشيعة ، فإذا ذكر له أحد شيئا من ذلك أظهر لهم أنه أبعد الناس من ذلك . فلما وصل كتابه إلى ابن الزبير أراد أن يعلم أصادق أم كاذب ؟ فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ، فقال له : تجهز إلى الكوفة فقد وليتكها . فقال : وكيف وبها المختار ؟ فقال : إنه يزعم أنه سامع لنا مطيع ، وأعطاه قريبا من أربعين ألفا يتجهز بها ، فسار ، فلما كان ببعض الطريق لقيه زائدة بن قدامة من جهة المختار في خمسمائة فارس ملبسة ، ومعه سبعون ألفا من المال ، وقد تقدم إليه المختار فقال له : أعطه المال ، فإن هو انصرف وإلا فأره الرجال فقاتله حتى ينصرف ، فلما رأى عمر بن عبد الرحمن الجد قبض المال وسار إلى البصرة فاجتمع هو وابن مطيع بها عند أميرها الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة وذلك قبل وثوب المثنى بن مخربة - كما تقدم - وقبل وصول مصعب بن الزبير إليها .
وبعث عبد الملك بن مروان ابن عمه عبد الملك بن الحارث بن الحكم في جيش إلى وادي القرى ; ليأخذوا المدينة من نواب ابن الزبير وكتب المختار إلى [ ص: 33 ] ابن الزبير : إن أحببت أن أمدك بمدد ، وإنما يريد المختار خديعته ومكايدته فكتب إليه ابن الزبير إن كنت على طاعتي فلست أكره ذلك ، فابعث بجند إلى وادي القرى ليكونوا مددا لنا على قتال الشاميين فجهز المختار ثلاثة آلاف عليهم شرحبيل بن ورس الهمداني ليس فيهم من العرب إلا سبعمائة ، وقال له : سر حتى تدخل المدينة فإن دخلها فاكتب إلي حتى يأتيك أمري ، وإنما يريد أخذ المدينة من ابن الزبير ، ثم يركب بعد ذلك إلى مكة ليحاصر ابن الزبير بها ، وخشي ابن الزبير أن يكون المختار بعث ذلك الجيش مكرا فبعث العباس بن سهل بن سعد الساعدي في ألفين وأمره أن يستعين بالأعراب وقال لهم : إن رأيتموهم في طاعتي وإلا فكايدوهم حتى نهلكهم .
فأقبل العباس بن سهل حتى لقي ابن ورس بالرقيم وقد تعبى ابن ورس في جيشه ، فاجتمعا على ماء هنالك فقال له العباس : ألستم في طاعة ابن الزبير ؟ فقال بلى . قال فإنه قد أمرني أن نذهب إلى وادي القرى فنقاتل من به من الشاميين ، فقال له ابن ورس : فإني لم أومر بطاعتك ، وإنما أمرت أن أدخل المدينة ، ثم أكتب إلى صاحبي فيأمرني بأمره . ففهم عباس مغزاه ، ولم يظهر له أنه فطن لذلك ، فقال له : رأيك أفضل ، فاعمل ما بدا لك ، ثم نهض العباس من عنده ، وبعث إليهم الجزر والغنم والدقيق ، وقد كان عندهم حاجة أكيدة إلى [ ص: 34 ] ذلك ، وجوع كثير فجعلوا يذبحون ويطبخون ويختبزون ويأكلون على ذلك الماء ، فلما كان الليل بيتهم عباس بن سهل فقتل أميرهم وطائفة منهم نحوا من سبعين وأسر منهم خلقا كثيرا فقتل أكثرهم ورجع القليل منهم إلى المختار وإلى بلادهم خائبين .
قال أبو مخنف : فحدثني يوسف أن عباس بن سهل انتهى إليهم وهو يقول :
أنا ابن سهل فارس غير وكل أروع مقدام إذا الكبش نكل وأعتلي رأس الطرماح البطل
بالسيف يوم الروع حتى ينخزل
فلما بلغ خبرهم المختار قام في أصحابه خطيبا فقال : إن الفجار الأشرار قتلوا الأبرار الأخيار ، ألا إنه كان أمرا مأتيا وقضاء مقضيا ، ثم كتب إلى محمد ابن الحنفية مع صالح بن مسعود الخثعمي كتابا يذكر فيه أنه بعث إلى المدينة جيشا لنصرته فغدر بهم جيش ابن الزبير فإن رأيت أن أبعث جيشا آخر إلى المدينة وتبعث من قبلك رسلا إليهم فافعل ، فكتب إليه ابن الحنفية : أما بعد : فإن أحب الأمور كلها إلي ما أطيع الله فيه ، فأطع الله فيما أسررت وأعلنت ، واعلم أني لو أردت القتال لوجدت الناس إلي سراعا ، والأعوان لي كثيرة ، ولكني أعتزلهم وأصبر حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ، وقال لصالح بن مسعود : قل للمختار فليتق الله وليكفف عن الدماء . فلما انتهى إليه كتاب محمد ابن الحنفية [ ص: 35 ] قال : إني قد أمرت بجمع البر واليسر ، وبطرح الكفر والغدر .
وذكر ابن جرير من طريق المدائني ، و أبى مخنف أن عبد الله بن الزبير عمد إلى ابن الحنفية وسبعة عشر رجلا من أشراف أهل الكوفة فحبسهم حتى يبايعوه ، فكرهوا أن يبايعوا إلا من اجتمعت عليه الأمة فتهددهم وتوعدهم واعتقلهم بزمزم ، فكتبوا إلى المختار بن أبي عبيد يستصرخونه ويستنصرونه ويقولون له : إن ابن الزبير قد توعدنا بالقتل والحريق فلا تخذلونا كما خذلتم الحسين وأهل بيته . فجمع المختار الشيعة وقرأ عليهم الكتاب وقال : هذا كتاب المهدي وصريخ أهل البيت ، قد أصبحوا محصورين ينتظرون القتل والتحريق . وقال : لست أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا ، وإن لم أسرب إليهم الخيل كالسيل يتلوه السيل ، حتى يحل بابن الكاهلية الويل . ثم وجه أبا عبد الله الجدلي في سبعين راكبا من أهل القوة ، وظبيان بن عمارة التميمي في أربعمائة ، وأبا المعتمر في مائة ، وهانئ بن قيس في مائة ، وعمير بن طارق في أربعين ، ويونس بن عمران في أربعين ، وكتب إلى محمد ابن الحنفية مع [ ص: 36 ] الطفيل بن عامر بتوجيه الجنود إليه ، فنزل أبو عبد الله الجدلي بذات عرق حتى تلاحق به نحو من مائة وخمسين فارسا ، ثم سار بهم حتى دخل المسجد الحرام نهارا جهارا ، وهم يقولون : يا ثارات الحسين . وقد أعد ابن الزبير الحطب لابن الحنفية وأصحابه ليحرقهم به إن لم يبايعوا ، وقد بقي من الأجل يومان ، فعمدوا - يعني أصحاب المختار - إلى محمد ابن الحنفية فأطلقوه من سجن ابن الزبير ، وقالوا : إن أذنت لنا قاتلنا ابن الزبير فقال : إني لا أرى القتال في المسجد الحرام . فقال لهم ابن الزبير : ليس يبرح وتبرحون حتى يبايع وتبايعوا معه ، فامتنعوا عليه ثم لحقهم بقية أصحابهم ، فجعلوا يقولون وهم داخلون الحرم : يا ثارات الحسين فلما رأى ابن الزبير ذلك منهم خافهم وكف عنهم ثم أخذوا محمد ابن الحنفية وأخذوا من الحجيج مالا كثيرا فسار بهم حتى دخل شعب علي ، واجتمع معه أربعة آلاف رجل فقسم بينهم ذلك المال ، هكذا أورده ابن جرير وفي صحتها نظر والله أعلم .
قال ابن جرير : وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير وكان نائبه بالمدينة أخاه مصعبا ، ونائبه على البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وقد استحوذ المختار على الكوفة ، و عبد الله بن خازم على بلاد خراسان وذكر حروبا جرت فيها لعبد الله بن خازم يطول ذكرها . ======================================ثم دخلت سنة خمس وستين
ففيها اجتمع إلى سليمان بن صرد نحو من سبعة عشر ألفا ، كلهم يطلبون الأخذ بثأر الحسين ممن قتله .
وقد خطبهم سليمان بن صرد حين خرجوا من الكوفة في ربيع الأول من هذه السنة بالنخيلة ، فحرضهم على الجهاد في ذلك ، فقال : من كان خرج منكم لطلب الدنيا ذهبها وحريرها فليس معنا من ذلك شيء ، وإنما معنا سيوف على عواتقنا ، ورماح في أكفنا ، وزاد يكفينا حتى نلقى عدونا . فأجابوه إلى السمع والطاعة والحالة هذه ، ثم أشار عليهم سليمان بن صرد بقصد عبيد الله بن زياد ، فأشار بعضهم بمقاتلة من بالكوفة من رءوس القبائل من قتلة الحسين كعمر بن سعد بن أبي وقاص وأضرابه ، فامتنع سليمان بن صرد إلا أن يذهبوا إلى عبيد الله بن زياد ; فإنه هو الذي جهز إليه الجيوش ، وألب الناس عليه ، وامتنع من قبول ما طلبه منه ، وقال : ليس له إلا السيف ، وها هو قد أقبل من الشام قاصدا [ ص: 696 ] العراق . فصمم الناس معه على هذا الرأي .
فلما أزمعوا على ذلك بعث عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد أمراء الكوفة من جهة ابن الزبير إلى سليمان بن صرد يقولان له : إنا نحب أن تكون أيدينا واحدة على ابن زياد . وأنهم يريدون أن يبعثوا معهم جيشا ليقويهم على ما قصدوا له ، وبعثوا إليه البريد أن ينتظرهم حتى يقدموا عليه ، فتهيأ سليمان بن صرد لقدومهم عليه في رءوس الأمراء ، وجلس في أبهته ، والجيوش محدقة به ، وأقبل عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة في أشراف أهل الكوفة من غير قتلة الحسين ; لئلا يطمعوا فيهم ، وكان عمر بن سعد بن أبي وقاص في هذه الأيام كلها لا يبيت إلا في قصر الإمارة عند عبد الله بن يزيد خوفا على نفسه ، فلما اجتمع الأميران عند سليمان بن صرد قالا له وأشارا عليه أن لا يذهبوا حتى تكون أيديهم كلهم واحدة على قتال عدوهم ابن زياد ، ويجهزوا معهم جيشا آخر ; فإن أهل الشام جمع كثير وجم غفير ، وهم يحاجفون عن ابن زياد ، فامتنع سليمان بن صرد من قبول قولهما وقال : إنا قد [ ص: 697 ] خرجنا لأمر لا نرجع عنه ، ولا نتأخر فيه . فانصرف الأميران راجعين إلى الكوفة ، وانتظر سليمان بن صرد وأصحابه أصحابهم الذين كانوا قد واعدوهم من أهل البصرة وأهل المدائن أن يقدموا عليهم النخيلة في هذه السنة ، فلم يقدموا عليهم ولا واحد منهم ، فقام سليمان بن صرد في أصحابه خطيبا ، وحرضهم على الذهاب لما خرجوا له ، وقال : لو قد سمع إخوانكم بمسيركم للحقوكم سراعا . فخرج سليمان وأصحابه من النخيلة يوم الجمعة لخمس مضين من ربيع الأول ، سنة خمس وستين ، فسار بهم مراحل ، ما يتقدمون مرحلة إلى نحو الشام إلا تخلف عنه طائفة من الناس الذين معه ، فلما مروا بقبر الحسين صاحوا صيحة رجل واحد وتباكوا ، وباتوا عنده ليلة ، وظلوا يوما يدعون ويترحمون عليه ، ويستغفرون له ويترضون عنه ، ويتمنون أن لو كانوا ماتوا معه شهداء .
قلت : لو كان هذا العزم والاجتماع قبل وصول الحسين إلى تلك المنزلة لكان أنفع له وأنصر من اجتماعهم لنصرته بعد أربع سنين .
ولما أرادوا الانصراف جعل لا يسير أحد منهم حتى يأتي القبر فيترحم عليه ، ويستغفر له ، حتى جعلوا يزدحمون عليه أشد من ازدحامهم عند الحجر الأسود ، ثم ساروا قاصدين الشام ، فلما اجتازوا بقرقيسيا تحصن منهم زفر بن الحارث ، فبعث إليه سليمان بن صرد : إنا لم نأت لقتالكم فأخرج إلينا سوقا ، فإنا إنما نقيم عندكم يوما أو بعض يوم . فأمر زفر بن الحارث أن يخرج السوق إليهم ، [ ص: 698 ] وأمر للرسول إليه - وهو المسيب بن نجبة الفزاري - بفرس وألف درهم . فقال : أما المال فلا ، وأما الفرس فنعم . وبعث زفر بن الحارث إلى سليمان بن صرد ورءوس الأمراء الذين معه ، إلى كل واحد عشرين جزورا وطعاما وعلفا كثيرا ، ثم خرج زفر بن الحارث فشيعهم ، وساير سليمان بن صرد وقال له : إنه قد بلغني أن أهل الشام قد وجهوا إليكم جيشا كثيفا وعددا كثيرا مع حصين بن نمير ، وشرحبيل بن ذي الكلاع ، وأدهم بن محرز الباهلي ، وربيعة بن المخارق الغنوي ، وجبلة بن عبد الله الخثعمي . فقال سليمان بن صرد : على الله توكلنا ، وعليه فليتوكل المتوكلون . ثم عرض عليهم زفر بن الحارث أن يدخلوا مدينته أو يكونوا عند بابها ، فإن جاءهم أحد كان معهم عليه ، فأبوا أن يقبلوا شيئا من ذلك ، وقالوا : قد عرض علينا أهل بلدنا مثل ذلك فامتنعنا . قال : فإذا أبيتم ذلك فبادروهم إلى عين الوردة ، فيكون الماء والمدينة والأسواق خلف ظهوركم ، وما بيننا وبينكم فأنتم آمنون منه . ثم أشار عليهم بما يعتمدونه في حال القتال ، فأثنى عليه سليمان بن صرد والناس خيرا ، ثم رجع عنهم ، وسار سليمان بن صرد فبادر إلى عين الوردة ، فنزل غربيها ، وأقام هناك خمسا قبل وصول أعدائه إليه==================وهذه ترجمة مروان بن الحكم جد خلفاء بني أمية الذين كانوا بعده
هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي ، أبو عبد الملك ، ويقال : أبو الحكم . ويقال : أبو القاسم . وهو صحابي عند طائفة كثيرة ; لأنه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه في حديث صلح الحديبية ، وفي رواية في " صحيح البخاري " ، عن مروان والمسور بن مخرمة ، الحديث بطوله . وروى عن عمر ، وعثمان ، وكان كاتبه ، وعلي ، وزيد بن ثابت ، وبسرة بنت صفوان الأسدية ، وكانت حماته . وقال الحاكم أبو أحمد : كانت خالته . ولا منافاة بين كونها حماته وخالته . وروى عنه ابنه عبد الملك ، وسهل بن سعد ، وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وعلي بن الحسين زين العابدين ، ومجاهد وغيرهم .
قال الواقدي ومحمد بن سعد : أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يحفظ عنه شيئا ، وكان عمره ثماني سنين حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم . وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين . وقد كان مروان من سادات قريش وفضلائها .
[ ص: 707 ] روى ابن عساكر وغيره أن عمر بن الخطاب خطب امرأة إلى أمها ، فقال : إن جريرا البجلي يخطب إليكم أسلم ، وهو سيد شباب المشرق ، ومروان بن الحكم ، وهو سيد شباب قريش ، وعبد الله بن عمر ، وهو من قد علمتم ، وعمر . فقالت المرأة : أجاد يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم . قالت : قد زوجناك يا أمير المؤمنين .
وقد كان عثمان بن عفان يكرمه ويعظمه ، وكان كاتب الحكم بين يديه ، ومن تحت رأسه جرت قضية الدار ، وبسببه حصر عثمان فيها ، وألح عليه أولئك أن يسلمه إليهم ، فامتنع عثمان أشد الامتناع ، وقد قاتل مروان يوم الدار قتالا شديدا ، وقتل بعض أولئك الخوارج ، وكان على الميسرة يوم الجمل ، ويقال : إنه رمى طلحة بسهم في ركبته ، فقتله . فالله أعلم .
وقال ابن عبد الحكم : سمعت الشافعي يقول : كان علي يوم الجمل حين انهزم الناس يكثر السؤال عن مروان ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنه تعطفني عليه رحم ماسة ، وهو سيد من شباب قريش .
وقال ابن المبارك ، عن جرير بن حازم ، عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر ، أنه قال لمعاوية : من ترى لهذا الأمر من بعدك ؟ فقال : وأما القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، الشديد في حدود الله ، [ ص: 708 ] فمروان بن الحكم . وقد استنابه على المدينة غير مرة ، يعزله ثم يعيده إليها ، وأقام للناس الحج في سنين متعددة .
وقال حنبل عن الإمام أحمد قال : يقال : إنه كان عند مروان قضاء ، وكان يتبع قضاء عمر بن الخطاب .
وقال ابن وهب : سمعت مالكا يقول وذكر مروان يوما ، فقال : قال مروان : قرأت كتاب الله منذ أربعين سنة ، ثم أصبحت فيما أنا فيه من هراقة الدماء وهذا الشأن .
وقال إسماعيل بن عياش ، عن صفوان بن عمرو ، عن شريح بن عبيد وغيره قال : كان مروان إذا ذكر الإسلام قال :
بنعمة ربي لا بما قدمت يدي ولا ببراتي إنني كنت خاطئا
وقال الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سالم أبي النضر ، أنه قال : شهد مروان جنازة ، فلما صلى عليها انصرف ، فقال أبو هريرة : أصاب قيراطا وحرم قيراطا . فأخبر بذلك مروان ، فأقبل يجري قد بدت ركبتاه ، فقعد [ ص: 709 ] حتى أذن له .
وروى المدائني عن إبراهيم بن محمد ، عن جعفر بن محمد ، أن مروان كان أسلف علي بن الحسين حين رجع إلى المدينة بعد مقتل أبيه ستة آلاف دينار ، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه عبد الملك أن لا يسترجع من علي بن الحسين شيئا ، فبعث إليه عبد الملك بذلك ، فامتنع من قبولها ، فألح عليه فقبلها .
وقال الشافعي : أنبأنا حاتم بن إسماعيل ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، أن الحسن والحسين كانا يصليان خلف مروان ولا يعيدانها ، ويعتدان بها .
وقد روى عبد الرزاق عن الثوري ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال : أول من قدم الخطبة على الصلاة يوم العيد مروان ، فقال له رجل : خالفت السنة . فقال له مروان : إنه قد ترك ما هنالك . فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " .
قالوا : ولما كان نائبا بالمدينة كان إذا وقعت معضلة جمع من عنده من الصحابة ، فاستشارهم فيها . قالوا : وهو الذي جمع الصيعان ، فأخذ بأعدلها ، فنسب إليه الصاع ، فقيل : صاع مروان .
[ ص: 710 ] وقال الزبير بن بكار : حدثنا إبراهيم بن حمزة ، حدثني علي بن أبي علي اللهبي ، عن إسماعيل بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه قال : خرج أبو هريرة من عند مروان ، فلقيه قوم قد خرجوا من عنده فقالوا : إنه أشهدنا الآن على مائة رقبة أعتقها الساعة . قال : فغمز أبو هريرة يدي ، وقال : يا أبا سعيد ، يك من كسب طيب خير من مائة رقبة . قال الزبير : اليك : الواحد .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا بلغ بنو أبي فلان ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا ، ودين الله دخلا ، وعباد الله خولا " .
ورواه أبو يعلى ، عن زكريا بن يحيى زحمويه ، عن صالح بن عمر ، عن مطرف ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين اتخذوا دين الله دخلا ، وعباد الله خولا ، ومال الله دولا " . وقد رواه الطبراني ، عن أحمد بن عبد الوهاب ، عن أبي المغيرة ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، عن راشد بن سعد ، عن أبي ذر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا بلغ بنو أمية أربعين رجلا " . وذكره ، وهذا منقطع . ورواه العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة من قوله : " إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا " فذكره .
[ ص: 711 ] ورواه البيهقي وغيره من حديث ابن لهيعة ، عن أبي قبيل ، عن ابن موهب ، عن معاوية وعبد الله بن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين اتخذوا مال الله بينهم دولا ، وعباد الله خولا ، وكتاب الله دغلا ، فإذا بلغوا ستة وتسعين وأربعمائة كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة " . وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عبد الملك بن مروان فقال : " أبو الجبابرة الأربعة " . وهذه الطرق كلها ضعيفة .
وروى أبو يعلى وغيره ، من غير وجه عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن بني الحكم ينزون على منبره ويرقون ، فأصبح كالمتغيظ ، وقال : " رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة " . فما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا بعد ذلك حتى مات . ورواه الثوري ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب مرسلا ، وفيه : فأوحي إليه : إنما هي دنيا أعطوها . فقرت عينه . وهي قوله : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس [ الإسراء : 60 ] . يعني بلاء للناس وهذا مرسل ، وسنده إلى سعيد ضعيف . وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة موضوعة ، فلهذا أضربنا صفحا عن إيرادها لعدم صحتها .
وقد كان أبوه الحكم من أكبر أعداء النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما أسلم يوم الفتح ، [ ص: 712 ] وقدم الحكم المدينة ثم طرده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، ومات بها ، ومروان كان أكبر الأسباب في حصار عثمان ، لأنه زور على لسانه كتابا إلى مصر بقتل أولئك الوفد ، ولما كان متوليا على المدينة لمعاوية كان يسب عليا كل جمعة على المنبر ، وقال له الحسن بن علي : لقد لعن الله أباك الحكم وأنت في صلبه على لسان نبيه ، فقال : " لعن الله الحكم وما ولد " والله أعلم .
وقد تقدم أن حسان بن مالك بن بحدل لما قدم عليه مروان أرض الجابية ، أعجبه إتيانه إليه ، فبايعه ، وبايع له أهل الأردن على أنه إذا انتظم له الأمر نزل عن الإمرة لخالد بن يزيد ، ويكون لمروان إمرة حمص ، ولعمرو بن سعيد نيابة دمشق .
وكانت البيعة لمروان يوم الاثنين للنصف من ذي القعدة سنة أربع وستين . قاله الليث بن سعد وغيره .
وقال الليث : وكانت وقعة مرج راهط في ذي الحجة ، من هذه السنة بعد عيد النحر بيومين .
قالوا : فغلب الضحاك بن قيس ، واستوسق له ملك الشام ومصر ، فلما [ ص: 713 ] استقر ملكه في هذه البلاد بايع من بعده لولده عبد الملك ، ثم من بعده لولده عبد العزيز - والد عمر بن عبد العزيز - وترك البيعة لخالد بن يزيد بن معاوية ; لأنه كان لا يراه أهلا للخلافة ، ووافقه على ذلك حسان بن مالك ، وإن كان خالا لخالد بن يزيد ، وهو الذي قام بأعباء بيعة عبد الملك ، ثم إن أم خالد دبرت أمر مروان فسمته ، ويقال : بل وضعت على وجهه وهو نائم وسادة ، فمات مخنوقا ، ثم إنها أعلنت الصراخ هي وجواريها وصحن : مات أمير المؤمنين فجأة . فقام من بعده ولده عبد الملك بن مروان في الخلافة ، كما سنذكره .
وقال عبد الله بن أبي مذعور : حدثني بعض أهل العلم قال : كان آخر ما تكلم به مروان : وجبت الجنة لمن خاف النار . وكان نقش خاتمه : العزة لله .
وقال الأصمعي : حدثنا عدي بن أبي عمارة ، عن أبيه ، عن حرب بن زياد قال : كان نقش خاتم مروان بن الحكم آمنت بالعزيز الرحيم .
وكانت وفاته بدمشق عن إحدى - وقيل : ثلاث - وستين سنة .
وقال أبو معشر وغير واحد : كان عمره يوم توفي إحدى وثمانين سنة .
وقال خليفة : حدثني الوليد بن هشام ، عن أبيه ، عن جده قال : مات [ ص: 714 ] مروان بدمشق لثلاث خلون من شهر رمضان سنة خمس وستين ، وهو ابن ثلاث وستين وصلى عليه ابنه عبد الملك ، وكانت ولايته تسعة أشهر وثمانية عشر يوما . وقال غيره : عشرة أشهر .
وقال ابن أبي الدنيا وغيره : كان قصيرا ، أحمر الوجه ، أوقص ، دقيق العنق ، كبير الرأس واللحية ، وكان يلقب : خيط باطل .
قال الحافظ ابن عساكر : وذكر سعيد بن كثير بن عفير ، أن مروان مات حين انصرف من مصر بالصنبرة ، ويقال : بلد . وقد قيل : إنه مات بدمشق ، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير .=====================================وقعة عين وردة
واستراح سليمان وأصحابه واطمأنوا ، فلما اقترب قدوم أهل الشام إليهم خطب سليمان أصحابه ، فرغبهم في الآخرة ، وزهدهم في الدنيا ، وحثهم على الجهاد ، وقال : إن قتلت فالأمير عليكم المسيب بن نجبة ، فإن قتل فعبد الله بن سعد بن نفيل ، فإن قتل فعبد الله بن وال ، فإن قتل فرفاعة بن شداد . ثم بعث بين يديه المسيب بن نجبة في أربعمائة فارس ، فأغاروا على جيش شرحبيل بن ذي الكلاع وهم غارون ، فقتلوا منهم جماعة وجرحوا آخرين ، واستاقوا نعما ، وأتى الخبر إلى عبيد الله بن زياد ، فأرسل بين يديه الحصين بن نمير فصبح سليمان بن صرد وجيشه فتواقفوا في يوم الأربعاء لثمان بقين من جمادى الأولى ، وحصين بن نمير قائم في اثني عشر ألفا ، وقد تهيأ كل من الفريقين لصاحبه ، فدعا الشاميون أصحاب سليمان إلى الدخول في طاعة مروان بن الحكم ، ودعا أصحاب سليمان الشاميين إلى أن يسلموا إليهم عبيد الله بن زياد فيقتلوه عن الحسين ، وامتنع كل من الفريقين أن يجيب إلى ما دعا إليه الآخر ، فاقتتلوا قتالا شديدا عامة يومهم إلى الليل ، وكانت الدائرة فيه للعراقيين على الشاميين ، فلما أصبحوا أصبح ابن ذي الكلاع ، وقد وصل إلى الشاميين في ثمانية آلاف فارس ، وقد أنبه وشتمه عبيد الله بن زياد ، فاقتتل الناس في هذا اليوم [ ص: 700 ] قتالا لم ير الشيب والمرد مثله قط ، لا يحجز بينهم إلا أوقات الصلوات إلى الليل ، فلما أصبح الناس من اليوم الثالث وصل إلى الشاميين أدهم بن محرز في عشرة آلاف ، وذلك في يوم الجمعة ، فاقتتلوا قتالا شديدا إلى حين ارتفاع الضحى ، ثم استدار أهل الشام بأهل العراق وأحاطوا بهم من كل جانب ، فخطب سليمان بن صرد الناس ، وحرضهم على الجهاد ، فاقتتل الناس قتالا عظيما جدا ، ثم ترجل سليمان بن صرد وكسر جفن سيفه ، ونادى : يا عباد الله ، من أراد الرواح إلى الجنة ، والتوبة من ذنبه ، والوفاء بعهده فليأت إلي . فترجل معه ناس كثيرون وكسروا جفون سيوفهم ، وحملوا حتى صاروا في وسط القوم ، وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة حتى خاضوا في الدماء ، وقتل سليمان بن صرد ، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع ، ثم وثب ، ثم وقع ، ثم وثب ، ثم وقع ، فأخذ الراية المسيب بن نجبة ، فقاتل بها قتالا شديدا ، وهو يقول :
قد علمت ميالة الذوائب واضحة اللبات والترائب أني غداة الروع والتغالب
أشجع من ذي لبدة مواثب
قطاع أقران مخوف الجانب
ثم قتل ، رحمه الله ، فقضى في ذلك الموقف نحبه ، ولحق صحبه ، فأخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل ، فقاتل قتالا شديدا أيضا وهو يقول : [ ص: 701 ] رحم الله أخوي ، منهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر ، وما بدلوا تبديلا . وحمل حينئذ ربيعة بن المخارق على أهل العراق حملة منكرة ، وتبارز هو وعبد الله بن سعد بن نفيل ، ثم اتحدا فحمل ابن أخي ربيعة على عبد الله بن سعد فقتله ، ثم احتمل عمه ، فأخذ الراية عبد الله بن وال ، فحرض الناس على الجهاد ، وجعل يقول : الرواح إلى الجنة . وذلك بعد العصر ، وحمل بالناس ففرق من كان حوله ، ثم قتل ، وكان من الفقهاء المفتين ، قتله أدهم بن محرز الباهلي أمير الحرب ساعتئذ من جهة الشاميين ، فأخذ الراية رفاعة بن شداد ، فانحاز بالناس ، وقد دخل الظلام ، ورجع الشاميون إلى رحالهم ، وانشمر رفاعة بمن بقي معه راجعا إلى بلاده ، فلما أصبح الشاميون إذا العراقيون قد كروا راجعين إلى بلادهم ، فلم يبعثوا وراءهم طلبا ولا أحدا ، فقطع رفاعة بمن معه الخابور ومر على قرقيسيا ، فبعث إليهم زفر بن الحارث الطعام والعلف والأطباء فأقاموا ثلاثا حتى استراحوا ثم رحلوا ، فلما وصلوا إلى هيت إذا سعد بن حذيفة بن اليمان قد أقبل بمن معه من أهل المدائن قاصدين إلى نصرتهم ، فلما أخبروه بما كان من أمرهم ، وما حل بهم ، ونعوا إليه أصحابهم ترحموا عليهم واستغفروا لهم وتباكوا على إخوانهم ، وانصرف أهل المدائن إليها ، ورجع راجعة أهل الكوفة إليها ، وقد قتل منهم خلق كثير وجم غفير ، وإذا المختار بن أبي عبيد كما هو في السجن لم يخرج منه بعد ، فكتب إلى رفاعة بن شداد يعزيه فيمن قتل [ ص: 702 ] منهم ويترحم عليهم ، ويغبطهم بما نالوا من الشهادة وجزيل الثواب ، ويقول : مرحبا بالذين أعظم الله أجورهم ، ورضي عنهم ، والله ما خطا منهم أحد خطوة إلا كان ثواب الله له فيها أعظم من الدنيا وما فيها ، وإن سليمان قد قضى ما عليه ، وتوفاه الله وجعل روحه في أرواح النبيين والشهداء والصالحين ، وبعد فأنا الأمير المأمون ، قاتل الجبارين والمفسدين إن شاء الله ، فأعدوا واستعدوا وأبشروا ، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ، والطلب بدماء أهل البيت . وذكر كلاما كثيرا في هذا المعنى ، وقد كان قبل قدومهم أخبر الناس بهلاكهم عن رئيه الذي كان يأتي إليه من الشياطين ، فإنه قد كان يأتيه شيطان فيوحي إليه قريبا مما كان يوحي شيطان مسيلمة إليه . وكان جيش سليمان بن صرد وأصحابه يسمى بجيش التوابين .
وقد كان سليمان بن صرد الخزاعي أبو مطرف الكوفي صحابيا جليلا نبيلا عابدا زاهدا ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في " الصحيحين " وغيرهما ، وشهد مع علي صفين ، وكان أحد من كان يجتمع الشيعة في داره لبيعة الحسين ، وكتب إلى الحسين فيمن كتب بالقدوم إلى العراق ، فلما قدمها تخلوا عنه ، وقتل بكربلاء ، ورأى هؤلاء أنهم كانوا سببا في قدومه ، وأنهم خذلوه حتى قتل هو وأهل بيته ، فندموا على ما فعلوا ، ثم اجتمعوا في هذا الجيش ، [ ص: 703 ] وسموا جيشهم جيش التوابين ، وسموا سليمان بن صرد أمير التوابين ، فقتل سليمان ، رضي الله عنه ، في هذه الوقعة بعين وردة ، سنة خمس وستين . وقيل : سنة سبع وستين . والأول أصح . وكان عمره يوم قتل ثلاثا وتسعين سنة ، رحمه الله .
وأما المسيب بن نجبة بن ربيعة الفزاري ، فإنه قدم مع خالد بن الوليد من العراق وشهد فتح دمشق ، ثم عاد إلى العراق وشهد مع علي صفين وغيرها ، وكان أحد الكبار الذين خرجوا يطلبون بدم الحسين ، رضي الله عنه ، وحمل رأسه ورأس سليمان بن صرد إلى مروان بن الحكم بعد الوقعة ، وكتب أمراء الشاميين إلى عبد الملك بن مروان بما فتح الله عليهم ، وأظفرهم من عدوهم ، فخطب الناس ، وأعلمهم بما كان من أمر الجنود ومن قتل من أهل العراق ، وقد قال : أهلك الله رءوس الضلال ; سليمان بن صرد وأصحابه . وعلق الرءوس بدمشق . وكان مروان بن الحكم قد عهد بالأمر من بعده إلى ولديه ; عبد الملك ، ثم عبد العزيز ، وأخذ بيعة الأمراء على ذلك في هذه السنة . قاله ابن جرير وغيره .
وفيها دخل مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد الأشدق إلى الديار المصرية ، [ ص: 704 ] فأخذاها من يد نائبها الذي كان لعبد الله بن الزبير ، وهو عبد الرحمن بن جحدم ، وكان سبب ذلك أن مروان قصدها ، فخرج إليه نائبها ابن جحدم ، فقابله مروان ليقاتله ، فاشتغل به ، وخلص عمرو بن سعيد بطائفة من الجيش من وراء عبد الرحمن بن جحدم ، فدخل مصر ، فملكها ، وهرب عبد الرحمن ودخل مروان إلى مصر ، فملكها وجعل عليها ولده عبد العزيز بن مروان .
وفيها بعث ابن الزبير أخاه مصعبا ليفتح له الشام ، فبعث إليه مروان عمرو بن سعيد ، فتلقاه إلى فلسطين ، فهرب منه مصعب بن الزبير ، وكر راجعا ، ولم يظفر بشيء ، واستقر ملك الشام ومصر لمروان .
وفيها جهز مروان جيشين ; أحدهما مع حبيش بن دلجة القيني ليأخذ له المدينة ، وكان من أمره ما سنذكره ، والآخر مع عبيد الله بن زياد إلى العراق [ ص: 705 ] لينتزعه من نواب ابن الزبير ، فلما كانوا ببعض الطريق لقوا جيش التوابين مع سليمان بن صرد ، وكان من أمرهم ما ذكرناه عند عين الوردة ; قتلوا أكثر أصحاب سليمان بن صرد معه واستمروا ذاهبين فلما كانوا بالجزيرة بلغهم موت مروان بن الحكم ، وكانت وفاته في شهر رمضان من هذه السنة ، وكان سبب موته أنه تزوج بأم خالد امرأة يزيد بن معاوية ، وهي أم هاشم بنت هاشم بن عتبة بن ربيعة ، وإنما أراد مروان بتزويجه إياها ليصغر ابنها خالدا في أعين الناس ، فإنه قد كان في نفوس كثير من الناس منه أن يملكوه بعد أخيه معاوية ، فتزوج أمه ليصغر أمره ، فبينما هو ذات يوم داخل إلى عند مروان ، إذ جعل مروان يتكلم فيه عند جلسائه ، فلما جلس قال له فيما خاطبه به : يابن الرطبة الاست . فذهب خالد إلى أمه ، فأخبرها بما قال له ، فقالت : اكتم ذلك ، ولا تعلمه أنك أعلمتني بذلك . فلما دخل عليها مروان قال لها : هل ذكرني خالد عندك بسوء ؟ فقالت له : وما عساه يقول لك وهو يحبك ويعظمك . ثم إن مروان رقد عندها ، فلما أخذه النوم عمدت إلى وسادة ، فوضعتها على وجهه ، وتحاملت عليها هي وجواريها حتى مات غما ، وكان ذلك في ثالث شهر رمضان سنة خمس وستين بدمشق ، وله من العمر ثلاث وستون سنة . وقيل : إحدى وستون وقيل : إحدى وثمانون سنة . وكانت إمارته تسعة أشهر . وقيل : عشرة أشهر إلا ثلاثة أيام ======================================خلافة عبد الملك بن مروان
بويع له بالخلافة في حياة أبيه ، فلما مات أبوه في ثالث رمضان من هذه السنة ، أعني سنة خمس وستين ، جددت له البيعة بدمشق ومصر وأعمالها ، فاستقرت يده على ما كانت يد أبيه عليه ، وقد كان أبوه قبل وفاته بعث بعثين ; أحدهما مع عبيد الله بن زياد إلى العراق لينتزعها من نواب ابن الزبير ، فلقي في طريقه جيش التوابين مع سليمان بن صرد عند عين الوردة ، فكان من أمرهم ما تقدم ، من ظفره بهم ، وقتله أميرهم وأكثرهم . والبعث الآخر مع حبيش بن دلجة إلى المدينة ليرتجعها من نائب ابن الزبير ، فسار نحوها ، فلما انتهى إليها هرب نائبها جابر بن الأسود بن عوف ، وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف ، فجهز نائب البصرة من قبل ابن الزبير ، وهو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة ، جيشا من البصرة إلى ابن دلجة ليخرجوه من المدينة فلما سمع بذلك حبيش بن دلجة سار إليهم ، وبعث ابن الزبير عباس بن سهل بن سعد نائبا على المدينة ، وأمره أن يسير في طلب حبيش ، فسار في طلبهم حتى لحقهم بالربذة ، فرمى يزيد بن سياه حبيشا بسهم فقتله ، وقتل بعض أصحابه ، وهزم الباقون ، وتحصن منهم خمسمائة في المدينة ، ثم نزلوا على حكم عباس بن سهل ، فقتلهم صبرا ، ورجع فلهم إلى الشام .
قال ابن جرير : ولما دخل يزيد بن سياه الأسواري قاتل حبيش بن دلجة إلى [ ص: 716 ] المدينة مع عباس بن سهل كان عليه ثياب بياض وهو راكب برذونا أشهب ، فما لبث أن اسودت ثيابه ودابته مما يتمسح الناس به ومن كثرة ما صبوا عليه من الطيب .
وقال ابن جرير : وفي هذه السنة اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة .
وفيها قتل نافع بن الأزرق ، وهو رأس الخوارج ورأس أهل البصرة ، مسلم بن عبيس فارس أهل البصرة ، ثم قتله ربيعة السليطي ، وقتل بينهما نحو خمسة أمراء ، وقتل في وقعة الخوارج قرة بن إياس المزني أبو معاوية ، وهو من الصحابة . ولما قتل نافع بن الأزرق رأست الخوارج عليهم عبيد الله بن ماحوز ، فسار بهم إلى المدائن فقتلوا أهلها ، ثم غلبوا على الأهواز وغيرها ، وجبوا الأموال وأتتهم الأمداد من اليمامة والبحرين ، ثم ساروا إلى أصفهان ، وعليها عتاب بن ورقاء الرياحي ، فالتقاهم فهزمهم ، ولما قتل أمير الخوارج ابن ماحوز ، كما سنذكر ، أقاموا عليهم قطري بن الفجاءة أميرا .
ثم أورد ابن جرير قصة قتالهم مع أهل البصرة بمكان يقال له : دولاب . وكانت الدولة للخوارج على أهل البصرة ، وخاف أهل البصرة من الخوارج أن [ ص: 717 ] يدخلوا البصرة ، فبعث ابن الزبير فعزل نائبها عبد الله بن الحارث ، المعروف بببة ، بالحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المعروف بالقباع ، وأرسل ابن الزبير المهلب بن أبي صفرة الأزدي على عمل خراسان ، فلما وصل إلى البصرة قالوا له : إن قتال الخوارج لا يصلح إلا لك . فقال : إن أمير المؤمنين قد بعثني على خراسان ، ولست أعصي أمره . فاتفق أهل البصرة مع أميرهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على أن كتبوا كتابا على لسان ابن الزبير إلى المهلب يأمره فيه بالمسير للخوارج ليكفهم عن الدخول إلى البصرة ، فلما قرئ عليه الكتاب اشترط على أهل البصرة أن يقوي جيشه من بيت مالهم ، وأن يكون له ما غلب عليه من أموال الخوارج ، فأجابوه إلى ذلك ، ويقال : إنهم كتبوا بذلك إلى ابن الزبير ، فأمضى لهم ذلك وسوغه . فسار إليهم المهلب ، وكان شجاعا بطلا صنديدا ، فلما التقى هو والخوارج أقبلوا إليه يزفون في عدة لم ير مثلها من الدروع والزرود والخيول والسلاح ، وذلك أن لهم مدة يأكلون تلك النواحي ، وقد صار لهم تحمل عظيم مع شجاعة لا تدانى ، وإقدام لا يسامى ، وقوة لا تبارى ، وسبق إلى حومة الوغى لا يجارى ، فلما تواقف الناس بمكان يقال له : سلى وسلبرى . اقتتلوا قتالا شديدا ، وصبر كل من الفريقين صبرا باهرا ، وكان المهلب في نحو من ثلاثين ألفا ، ثم إن الخوارج حملوا حملة منكرة ، فانهزم أصحاب المهلب لا يلوي والد على ولد ، ولا يلتفت أحد إلى أحد ، ووصل إلى البصرة فلهم ، وأما المهلب فإنه سبق المنهزمين ، فوقف لهم بمكان مرتفع من الأرض ، وجعل ينادي : إلي عباد الله . فاجتمع إليه من جيشه ثلاثة آلاف من الفرسان الشجعان ، فقام فيهم خطيبا ، فقال في خطبته : أما بعد ، أيها الناس ، فإن الله تعالى ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيهزمون ، وينزل النصر على الجمع اليسير فيظهرون ، [ ص: 718 ] ولعمري ما بكم الآن من قلة ، وأنتم فرسان أهل المصر وأهل النصر ، وما أحب أن أحدا ممن انهزم معكم الآن ، ولو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا . ثم قال : عزمت على كل رجل منكم إلا أخذ عشرة أحجار معه ، ثم امشوا بنا إلى عسكرهم ; فإنهم الآن آمنون ، وقد خرجت خيولهم في طلب إخوانكم ، فوالله إني لأرجو أن لا ترجع إليهم خيلهم حتى تستبيحوا عسكرهم ، وتقتلوا أميرهم . ففعل الناس ذلك ، فزحف بهم المهلب بن أبي صفرة على عسكر الخوارج ، فقتل منهم خلقا كثيرا نحوا من سبعة آلاف ، وقتل عبيد الله بن الماحوز في جماعة كثيرة من الأزارقة ، واحتاز من أموالهم شيئا كثيرا ، وقد أرصد المهلب خيولا بينه وبين الذين يرجعون من طلب أهل البصرة ، فجعلوا يقتطعون دون قومهم ، وانهزم فلهم إلى كرمان وأرض أصبهان ، وأقام المهلب بالأهواز حتى قدم مصعب بن الزبير إلى البصرة ، وعزل عنها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة ، كما سيأتي قريبا .
قال ابن جرير : وفي هذه السنة وجه مروان بن الحكم قبل مهلكه ابنه محمدا إلى الجزيرة ، وذلك قبل مسيره إلى مصر . قلت : محمد بن مروان هذا هو والد مروان الحمار ، وهو مروان بن محمد بن مروان ، وهو آخر خلفاء بني أمية ، ومن يده استلب الخلافة العباسيون كما سيأتي .
قال ابن جرير : وفي هذه السنة عزل ابن الزبير أخاه عبيدة عن إمرة المدينة ، وولاها أخاه مصعبا ، وذلك أن عبيدة خطب الناس ، فقال في خطبته : [ ص: 719 ] وقد رأيتم ما صنع الله بقوم صالح في ناقة قيمتها خمسمائة درهم . فلما بلغت أخاه قال : إن هذا لهو التكلف وعزله ، فسمي مقوم الناقة .
قال ابن جرير : وفي آخرها عزل ابن الزبير عن الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي ، وولى عليها عبد الله بن مطيع الذي كان أمير المهاجرين يوم الحرة ، لما خلعوا يزيد .
قال ابن جرير : في هذه السنة كان الطاعون الجارف بالبصرة .
وقال ابن الجوزي في " المنتظم " : كان في سنة أربع وستين ، وقد قيل : إنما كان في سنة تسع وستين . وهذا هو المشهور الذي ذكره شيخنا الذهبي وغيره ، وكان معظم ذلك بالبصرة ، وكان ذلك في ثلاثة أيام ، فمات في أول يوم منه من أهل البصرة سبعون ألفا ، وفي اليوم الثاني منه أحد وسبعون ألفا ، وفي اليوم الثالث منه ثلاثة وسبعون ألفا ، وأصبح الناس في اليوم الرابع موتى إلا قليلا من آحاد الناس ، حتى ذكر أن أم الأمير بها ماتت ، فلم يوجد لها من يحملها ، حتى استأجروا لها أربعة أنفس .
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني : حدثنا عبيد الله ، ثنا أحمد بن عصام ، [ ص: 720 ] حدثني معدي ، عن رجل يكنى أبا النفيل ، وكان قد أدرك زمن الطاعون ، قال : كنا نطوف في القبائل وندفن الموتى ، فلما كثروا لم نقو على الدفن ، فكنا ندخل الدار ، وقد مات أهلها ، فنسد بابها . قال : فدخلنا دارا ففتشناها ، فلم نجد فيها أحدا حيا فسددنا بابها ، فلما مضت الطواعين كنا نطوف ننزع تلك السدد عن الأبواب ، ففتحنا سدة الباب الذي كنا فتشناه ، فإذا نحن بغلام في وسط الدار طري دهين ، كأنما أخذ ساعتئذ من حجر أمه . قال : ونحن وقوف على الغلام نتعجب منه فدخلت كلبة من شق في الحائط ، فجعلت تلوذ بالغلام ، والغلام يحبو إليها حتى مص من لبنها . قال معدي : وأنا رأيت ذلك الغلام في مسجد البصرة ، وقد قبض على لحيته .
قال ابن جرير : وفي هذه السنة بني عبد الله بن الزبير الكعبة البيت الحرام - يعني أكمل بناءها - وأدخل فيها الحجر ، وجعل لها بابين ، يدخل من أحدهما ، ويخرج من الآخر .
قال ابن جرير : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، حدثني عبد العزيز بن خالد بن رستم الصنعاني أبو محمد ، حدثني زياد بن جيل ، أنه كان بمكة يوم كان عليها ابن الزبير ، فسمعه يقول : حدثتني أمي أسماء بنت أبي بكر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : " لولا قرب عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على [ ص: 721 ] أساس إبراهيم ، فأزيد في الكعبة من الحجر " . قال : فأمر ابن الزبير فحفروا فوجدوا قلاعا أمثال الإبل ، فحركوا منها صخرة ، فبرقت برقة فقال : أقروها على أساسها . فبناها ابن الزبير ، وجعل لها بابين ، يدخل من أحدهما ، ويخرج من الآخر .
قلت : هذا الحديث له طرق متعددة عن عائشة في الصحاح والحسان والمسانيد ، وموضوع سياق طرق ذلك في كتاب " الأحكام " إن شاء الله تعالى .
وذكر ابن جرير في هذه السنة حروبا جرت بين عبد الله بن خازم بخراسان ، وبين الحريش بن هلال القريعي ، يطول تفصيلها .
قال : وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير ، وكان على المدينة مصعب بن الزبير ، وعلى الكوفة عبد الله بن مطيع ، وعلى البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي . ======
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق