ثم دخلت سنة إحدى وستين
مقتل الحسين بن علي
ذكر شيء من فضائله
فصل في ذكر شيء من أشعاره التي رويت عنه
ذكر من توفي فيها من الأعيان
إظهار التشكيل
|
إخفاء التشكيل
مسألة: الجزء الحادي عشر التحليل الموضوعي
[ ص: 521 ]
ثم دخلت سنة إحدى وستين
استهلت هذه السنة والحسين بن علي سائر إلى الكوفة فيما بين مكة والعراق ، ومعه أصحابه وقراباته ، فقتل في يوم عاشوراء من شهر المحرم من هذه السنة ، على المشهور الذي صححه الواقدي وغير واحد ، وزعم بعضهم أنه قتل في صفر منها . والأول أصح .
وهذه صفة مقتله ، رضي الله عنه ، مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن ، لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب الصريح والبهتان
قال أبو مخنف ، عن أبي جناب عن عدي بن حرملة ، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا : أقبل الحسين ، فلما نزل شراف قال لغلمانه وقت السحر : استقوا من الماء . فأكثروا ثم ساروا إلى صدر النهار ، فسمع الحسين رجلا يكبر فقال له : مم كبرت ؟ فقال : رأيت النخل . فقال له الأسديان : إن هذا المكان لم ير أحد منه نخلة . فقال الحسين : فماذا تريانه رأى ؟ [ ص: 522 ] فقالا : هذه الخيل قد أقبلت . فقال الحسين : أما لنا ملجأ نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد ؟ فقالا : بلى ، ذو حسم . فأخذ ذات اليسار إلى ذي حسم فنزل ، وأمر بأبنيته فضربت ، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ، وهم مقدمة الجيش الذين بعثهم ابن زياد ، حتى وقفوا في مقابلته في نحر الظهيرة ، والحسين وأصحابه معتمون متقلدون سيوفهم ، فأمر الحسين أصحابه أن يترووا من الماء ويسقوا خيولهم ، وأن يسقوا خيول أعدائهم أيضا .
وروى هو وغيره قالوا : لما دخل وقت الظهر أمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفي فأذن ، ثم خرج الحسين في إزار ورداء ونعلين ، فخطب الناس من أصحابه وأعدائه واعتذر إليهم في مجيئه هذا إلى هاهنا ، بأنه قد كتب إليه أهل الكوفة أنهم ليس لهم إمام ، وإن أنت قدمت علينا بايعناك وقاتلنا معك . ثم أقيمت الصلاة فقال الحسين للحر : تريد أن تصلي بأصحابك ؟ قال : لا ، ولكن صل أنت ونصلي نحن وراءك . فصلى بهم الحسين ، ثم دخل إلى خيمته ، واجتمع به أصحابه ، وانصرف الحر إلى جيشه ، وكل على أهبته ، فلما كان وقت العصر صلى بهم الحسين ، ثم انصرف فخطبهم وحثهم على السمع والطاعة له وخلع من عليهم من الأدعياء السائرين بالجور في الرعية . فقال له الحر : إنا لا ندري ما هذه الكتب ، ولا من كتبها . فأحضر الحسين خرجين مملوءين كتبا ، فنثرها بين يديه ، وقرأ منها طائفة ، فقال الحر : لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك ، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك على [ ص: 523 ] عبيد الله بن زياد فقال الحسين : الموت أدنى إليك من ذلك . ثم قال الحسين لأصحابه : اركبوا ، فركبوا وركب النساء ، فلما أراد الانصراف حال القوم بينه وبين الانصراف ، فقال الحسين للحر : ثكلتك أمك ، ما تريد ؟ فقال له الحر : أما والله لو غيرك يقولها لي من العرب وهو على مثل الحال التي أنت عليها لأقتصن منه ، ولما تركت ذكر أمه ، ولكن لا سبيل إلى ذكر أمك إلا بأحسن ما نقدر عليه . وتقاول القوم وتراجعوا ، فقال له الحر : إني لم أؤمر بقتالك ، وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة على ابن زياد ، فإذا أبيت فخذ طريقا لا تقدمك الكوفة ولا تردك إلى المدينة ، وأكتب أنا إلى ابن زياد ، واكتب أنت إلى يزيد ، أو إلى ابن زياد إن شئت ، فلعل الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك . قال : فأخذ الحسين يسارا عن طريق العذيب والقادسية ، والحر بن يزيد يسايره وهو يقول له : يا حسين ، إني أذكرك الله في نفسك ، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن ، ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى . فقال له الحسين : أفبالموت تخوفني ؟ ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمه وقد لقيه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أين تذهب فإنك مقتول ؟ فقال :
سأمضي وما بالموت عار على الفتى إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وآسى الرجال الصالحين بنفسه
وفارق خوفا أن يعيش ويرغما
ويروى على صفة أخرى :
[ ص: 524 ]
سأمضي وما بالموت عار على امرئ إذا ما نوى حقا ولم يلف مجرما
فإن مت لم أندم وإن عشت لم ألم كفى بك موتا أن تذل وترغما
فلما سمع ذلك الحر منه تنحى عنه وجعل يسير بأصحابه ناحية عنه ، فانتهوا إلى عذيب الهجانات ، وكان بها هجائن النعمان ترعى هنالك ، وإذا سفر أربعة - أي أربعة نفر - قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يخبون ويجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له : الكامل . يقصدون الحسين ، ودليلهم رجل يقال له : الطرماح بن عدي . راكب على فرس وهو يقول :
يا ناقتي لا تذعري من زجري وشمري قبل طلوع الفجر
بخير ركبان وخير سفر حتى تحلي بكريم النجر
الماجد الحر رحيب الصدر أتى به الله لخير أمر
ثمت أبقاه بقاء الدهر
فأراد الحر أن يحول بينهم وبين الحسين ، فمنعه الحسين من ذلك ، فلما خلصوا إليه قال لهم : أخبروني عن الناس وراءكم . فقال له مجمع بن عبد الله العائذي أحد النفر الأربعة : أما أشراف الناس فهم ألب واحد عليك ; لأنهم قد عظمت رشوتهم وملئت غرائرهم ، يستمال بذلك ودهم ويستخلص به نصيحتهم ، وأما سائر الناس فأفئدتهم تهوى إليك ، وسيوفهم غدا مشهورة عليك . قال لهم : فهل لكم برسولي علم ؟ قالوا : ومن رسولك ؟ قال : قيس بن [ ص: 525 ] مسهر الصيداوي . قالوا : نعم ، أخذه الحصين بن نمير ، فبعث به إلى ابن زياد ، فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك ، فصلى عليك وعلى أبيك ، ولعن ابن زياد وأباه ، ودعا الناس إلى نصرتك وأخبرهم بقدومك ، فأمر به ، فألقي من رأس القصر فمات . فترقرقت عينا الحسين ، وقرأ قوله تعالى : فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا [ الأحزاب : 23 ] . اللهم اجعل منازلهم الجنة ، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك ، ورغائب مذخور ثوابك . ثم إن الطرماح بن عدي قال للحسين : أنظر فما أرى معك أحدا إلا هذه الشرذمة اليسيرة ، وإني لأرى هؤلاء القوم الذين يسايرونك أكفاء لمن معك ، فكيف وظاهر الكوفة مملوء بالخيول والجيوش يعرضون ليقصدوك ؟ ! فأنشدك الله إن قدرت أن لا تقدم إليهم شبرا إلا فعلت ، فإن أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به حتى ترى رأيك ، فسر معي حتى أنزلك مناع جبلنا ، وهو أجأ منعنا الله به من ملوك غسان وحمير ، ومن النعمان بن المنذر ، ومن الأسود والأحمر ، والله إن دخل علينا ذل قط ; فأسير معك حتى أنزلك القرية ، ثم نبعث إلى الرجال من أجأ وسلمى من طيئ ، ثم أقم فينا ما بدا لك ، فأنا زعيم بعشرة آلاف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم ، والله لا يوصل إليك أبدا ومنهم عين تطرف . فقال له الحسين : جزاك الله خيرا . ولم يرجع عما هو بصدده ، فودعه الطرماح ، ومضى الحسين ، فلما كان من الليل أمر فتيانه أن يستقوا من الماء كفايتهم ، ثم سرى ، فنعس في مسيره حتى خفق برأسه ، [ ص: 526 ] واستيقظ وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والحمد لله رب العالمين . ثم قال : رأيت فارسا على فرس وهو يقول : القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم . فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا . فلما طلع الفجر صلى بأصحابه وعجل الركوب ، ثم تياسر في مسيره حتى انتهى إلى نينوى ، فإذا راكب متنكب قوسا قد قدم من الكوفة فسلم على الحر بن يزيد ، ولم يسلم على الحسين ، ودفع إلى الحر كتابا من ابن زياد ، ومضمونه أن يعدل بالحسين في السير إلى العراق في غير قرية ولا حصن ، حتى تأتيه رسله وجنوده ، وذلك يوم الخميس الثاني من المحرم سنة إحدى وستين ، فلما كان من الغد قدم عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف ، وكان قد جهزه ابن زياد في هؤلاء إلى الديلم ، وخيم بظاهر الكوفة ، فلما قدم عليهم أمر الحسين قال له : سر إليه ، فإذا فرغت منه فسر إلى الديلم . فاستعفاه عمر بن سعد من ذلك . فقال له ابن زياد : إن شئت أعفيتك وعزلتك عن ولاية هذه البلاد التي قد استنبتك عليها . فقال : حتى أنظر في أمري . فجعل لا يستشير أحدا إلا نهاه عن المسير إلى الحسين ، حتى قال له ابن أخته حمزة بن المغيرة بن شعبة : إياك أن تسير إلى الحسين فتعصي ربك وتقطع رحمك ، فوالله لأن تخرج من سلطان الأرض كلها أحب إليك من أن تلقى الله بدم الحسين . فقال : إني أفعل إن شاء الله تعالى . ثم إن عبيد الله بن زياد تهدده وتوعده بالعزل والقتل ، فسار إلى الحسين ، فنازله في المكان الذي ذكرنا ، ثم بعث إلى الحسين الرسل : ما الذي أقدمك ؟ فقال : كتب إلي أهل الكوفة أن أقدم عليهم ، فإذ قد كرهوني فأنا أرجع إلى مكة وأذركم . فلما بلغ عمر بن سعد هذا قال : أرجو أن يعافيني الله من حربه . وكتب إلى ابن زياد بذلك ، فرد عليه ابن زياد أن حل بينهم وبين الماء ، كما فعل بالتقي الزكي [ ص: 527 ] المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان واعرض على الحسين أن يبايع هو ومن معه لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية ، فإذا فعلوا ذلك رأينا رأينا . وجعل أصحاب عمر بن سعد يمنعون أصحاب الحسين من الماء وعلى سرية منهم عمرو بن الحجاج ، فدعا عليه الحسين بالعطش ، فمات هذا الرجل من شدة العطش . ثم إن الحسين طلب من عمر بن سعد أن يجتمع به بين العسكرين ، فجاء كل واحد منهما في نحو من عشرين فارسا ، فتكلما طويلا حتى ذهب هزيع من الليل ، ولم يدر أحد ما قالا ، ولكن ظن بعض الناس أنه سأله أن يذهب معه إلى يزيد بن معاوية ويتركا العسكرين متواقفين ، فقال عمر : إذن يهدم ابن زياد داري . فقال الحسين : أنا أبنيها لك . قال : إذن يأخذ ضياعي . قال : أنا أعطيك خيرا منها من مالي بالحجاز . قال : فتكره عمر بن سعد من ذلك . وقال بعضهم : بل سأل منه إما أن يذهبا إلى يزيد ، أو يتركه يرجع إلى الحجاز ، أو يذهب إلى بعض الثغور فيقاتل الترك . فكتب عمر إلى عبيد الله بذلك ، فقال : نعم ، قد قبلت . فقام شمر بن ذي الجوشن فقال : لا والله حتى ينزل على حكمك هو وأصحابه . ثم قال : والله لقد بلغني أن حسينا وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل . فقال له ابن زياد : فنعم ما رأيت . وقد روى أبو مخنف : حدثني عبد الرحمن بن جندب ، عن عقبة بن سمعان قال : لقد صحبت الحسين من مكة إلى حين قتل ، والله ما من كلمة قالها في موطن [ ص: 528 ] إلا وقد سمعتها ، وإنه لم يسأل أن يذهب إلى يزيد فيضع يده في يده ، ولا أن يذهب إلى ثغر من الثغور ولكن طلب منهم أحد أمرين ; إما أن يرجع من حيث جاء ، وإما أن يدعوه يذهب في الأرض العريضة حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه . ثم إن عبيد الله بن زياد بعث شمر بن ذي الجوشن فقال : اذهب فإن جاء حسين وأصحابه على حكمي ، وإلا فمر عمر بن سعد أن يقاتلهم ، فإن تباطأ عن ذلك فاضرب عنقه ، ثم أنت الأمير على الناس . وكتب إلى عمر بن سعد يتهدده على توانيه في قتال الحسين ، وأمره إن لم يجئ الحسين إليه أن يقاتله ومن معه ، فإنهم مشاقون . فاستأمن عبد الله بن أبي المحل لبني عمته أم البنين بنت حزام من علي ; وهم العباس وعبد الله وجعفر وعثمان .
فكتب لهم ابن زياد كتاب أمان ، وبعثه عبد الله بن أبي المحل مع مولى له يقال له : كزمان . فلما بلغهم ذلك قالوا : أما أمان ابن سمية فلا نريده ، وإنا لنرجو أمانا خيرا من أمان ابن سمية . ولما قدم شمر بن ذي الجوشن على عمر بن سعد بكتاب عبيد الله بن زياد قال له عمر : أبعد الله دارك ، وقبح ما جئت به ، والله إني لأظنك الذي صرفته عن الذي عرضت عليه من الأمور الثلاثة التي طلبها الحسين . فقال له شمر : فأخبرني ما أنت صانع ; أتقاتلهم أنت أو تاركي وإياهم ؟ فقال له عمر : لا ، ولا كرامة لك ، أنا أتولى ذلك . وجعله على الرجالة ، ونهضوا إليهم عشية يوم الخميس التاسع من المحرم ، فقام شمر بن ذي الجوشن فقال : أين بنو أختنا ؟ فقام إليه العباس وعبد الله وجعفر وعثمان بنو علي بن أبي طالب ، فقال : أنتم آمنون . فقالوا : إن أمنتنا وابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلا فلا حاجة لنا بأمانك . قال : ثم نادى عمر بن سعد في الجيش : يا خيل الله اركبي وأبشري . فركبوا وزحفوا [ ص: 529 ] إليهم بعد صلاة العصر من يومئذ ، هذا وحسين جالس أمام خيمته محتبيا بسيفه ، ونعس فخفق برأسه ، وسمعت أخته زينب الضجة فدنت منه فأيقظته ، فرجع برأسه كما هو ، وقال : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ، فقال لي : " إنك تروح إلينا " . فلطمت وجهها ، وقالت : يا ويلتا . فقال : ليس لك الويل يا أخية ، اسكني رحمك الرحمن . وقال له أخوه العباس بن علي : يا أخي ، جاءك القوم . فقال : اذهب إليهم فسلهم ما بدا لهم . فذهب إليهم في نحو من عشرين فارسا فقال : ما لكم ؟ فقالوا : جاء أمر الأمير ; إما أن تأتوا على حكمه ، وإما أن نقاتلكم . فقال : مكانكم حتى أذهب إلى أبي عبد الله فأعلمه . فرجع ووقف أصحابه ، فجعلوا يتراجعون القول ويؤنب بعضهم بعضا ، يقول أصحاب الحسين : بئس القوم أنتم ، تريدون قتل ذرية نبيكم صلى الله عليه وسلم وخيار الناس في زمانهم ؟ ! ثم رجع العباس بن علي من عند الحسين إليهم ، فقال لهم : يقول لكم أبو عبد الله : انصرفوا عشيتكم هذه حتى ينظر في أمره الليلة . فقال عمر بن سعد لشمر بن ذي الجوشن : ما تقول ؟ فقال : أنت الأمير والرأي رأيك . فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي : سبحان الله ! والله لو سألكم ذلك رجل من الديلم لكان ينبغي إجابته . وقال قيس بن الأشعث : أجبهم إلى ما سألوك ، فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة . وهكذا جرى الأمر ، فإن الحسين لما رجع العباس قال له : ارجع فارددهم هذه العشية ، لعلنا نصلي لربنا هذه الليلة وندعوه ونستغفره ، فقد علم الله مني أني أحب الصلاة له ، وتلاوة كتابه ، والاستغفار والدعاء . وأوصى الحسين في هذه الليلة إلى أهله ، وخطب [ ص: 530 ] أصحابه في أول الليل ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ، وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم بعبارة فصيحة بليغة ، وقال لأصحابه : من أحب أن ينصرف إلى أهله في ليلته هذه ، فقد أذنت له ، فإن القوم إنما يريدونني . فقال مالك بن النضر : علي دين ولي عيال . فقال : هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ، ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ، ثم اذهبوا في بسيط الأرض في سواد هذا الليل إلى بلادكم ومدائنكم ، فإن القوم إنما يريدونني ، فلو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري ، فاذهبوا حتى يفرج الله عز وجل . فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه : لا بقاء لنا بعدك ، ولا أرانا الله فيك ما نكره . فقال الحسين : يا بني عقيل ، حسبكم بمسلم أخيكم ، اذهبوا فقد أذنت لكم . قالوا : فما يقول الناس ! أنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ، لم نرم معهم بسهم ، ولم نطعن معهم برمح ، ولم نضرب معهم بسيف ، رغبة في الحياة الدنيا ؟ ! لا والله لا نفعل ، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ، ونقاتل معك حتى نرد موردك ، فقبح الله العيش بعدك . وقال نحو ذلك مسلم بن عوسجة الأسدي ، وكذلك قال سعيد بن عبد الله الحنفي : والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك ، والله لو علمت أني أقتل دونك ألف قتلة ، وأن الله يدفع بذلك القتل عنك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك ، لأحببت ذلك ، فكيف وإنما هي قتلة واحدة . وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا من وجه واحد ، فقالوا : والله لا نفارقك ، وأنفسنا الفداء لك ، نقيك بنحورنا وجباهنا ، وأيدينا وأبداننا ، فإذا نحن قتلنا وفينا وقضينا ما علينا . وقال [ ص: 531 ] أخوه العباس : لا أرانا الله يوم فقدك ، ولا حاجة لنا في الحياة بعدك . وتتابع أصحابه على ذلك .
وقال أبو مخنف : حدثني الحارث بن كعب وأبو الضحاك ، عن علي بن الحسين زين العابدين قال : إني لجالس تلك العشية التي قتل أبي في صبيحتها ، وعمتي زينب تمرضني ، إذ اعتزل أبي في خبائه ، ومعه أصحابه ، وعنده حوي مولى أبي ذر الغفاري ، وهو يعالج سيفه ويصلحه ، وأبي يقول :
يا دهر أف لك من خليل كم لك بالإشراق والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل وكل حي سالك السبيل
قال : فأعادها مرتين أو ثلاثا ، ففهمت ما أراد ، فخنقتني العبرة ، فرددتها ولزمت السكوت ، وعلمت أن البلاء قد نزل ، وأما عمتي فقامت حاسرة حتى انتهت إليه ، فقالت : واثكلاه ، ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ، ماتت أمي فاطمة ، وعلي أبي ، وحسن أخي ، يا خليفة الماضي وثمال الباقي . فنظر إليها وقال : يا أخية ، لا يذهبن حلمك الشيطان . فقالت : بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله ، استقتلت . ولطمت وجهها ، وشقت جيبها ، وخرت مغشيا عليها ، فقام إليها فصب على وجهها الماء ، وقال : يا أخية ، اتقي الله وتعزي بعزاء الله ، واعلمي أن أهل الأرض يموتون ، وأن أهل السماء لا يبقون ، وأن كل شيء هالك [ ص: 532 ] إلا وجه الله الذي خلق الخلق بقدرته ، ويميتهم بقهره وعزته ، ويعيدهم فيعودون ، وهو فرد وحده ، واعلمي أن أبي خير مني وأمي خير مني ، وأخي خير مني ، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة . ثم حرج عليها ألا تفعل شيئا من هذا بعد مهلكه ، ثم أخذ بيدها فردها إلى عندي ، ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقربوا بيوتهم بعضها من بعض ، حتى تدخل الأطناب بعضها في بعض ، وألا يجعلوا للعدو مخلصا إليهم إلا من وجه واحد ، وتكون البيوت عن أيمانهم وعن شمائلهم ومن ورائهم .
وبات الحسين وأصحابه طول ليلهم يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون ، وخيول حرس عدوهم تدور من ورائهم ، عليها عزرة بن قيس الأحمسي والحسين يقرأ : ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب الآية [ آل عمران : 179 ، 178 ] . فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرس من أصحاب ابن زياد ، فقال : نحن ورب الكعبة الطيبون ، ميزنا الله منكم . قال : فعرفته ، فقلت لبرير بن خضير أتدري من هذا ؟ قال : لا . فقلت : هذا أبو حرب السبيعي عبد الله بن شهر ، وكان مضحاكا بطالا ، وكان شريفا شجاعا فاتكا ، وكان سعيد بن قيس ربما حبسه في جناية . فقال له برير بن خضير : [ ص: 533 ] يا فاسق ، متى كنت من الطيبين ؟ ! فقال : من أنت ، ويلك ؟ ! قال : أنا برير بن خضير . قال : إنا لله ، هلكت والله ، عز والله علي يا برير قتلك . قال : فقلت له : يا أبا حرب ، هل لك أن تتوب إلى الله من ذنوبك العظام ؟ فوالله إنا لنحن الطيبون وإنكم لأنتم الخبيثون . قال : نعم ، وأنا على ذلك من الشاهدين . قال : ويحك ! أفلا تنفعك معرفتك ؟ ! قال : فانتهره عزرة بن قيس أمير السرية التي تحرسنا ، فانصرف عنا . قال : فلما صلى عمر بن سعد الصبح بأصحابه يوم الجمعة ، وقيل : يوم السبت - وكان يوم عاشوراء - انتصب للقتال ، وصلى الحسين أيضا بأصحابه ، وهم اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا ، ثم انصرف فصفهم ، فجعل على ميمنته زهير بن القين ، وعلى الميسرة حبيب بن مظهر ، وأعطى رايته العباس بن علي أخاه ، وجعلوا البيوت بما فيها من الحرم وراء ظهورهم ، وقد أمر الحسين من الليل ، فحفروا وراء بيوتهم خندقا ، وقذفوا فيه حطبا وخشبا وقصبا ، ثم أضرمت فيه النار ; لئلا يخلص أحد إلى بيوتهم من ورائها . وجعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وعلى الميسرة شمر بن ذي الجوشن - واسم ذي الجوشن شرحبيل بن الأعور بن عمرو بن معاوية وهو الضباب بن كلاب - وعلى الخيل عزرة بن قيس [ ص: 534 ] الأحمسي ، وعلى الرجالة شبث بن ربعي ، وأعطى الراية ذويدا مولاه ، وتواقف الناس في ذلك الموضع ، فعدل الحسين إلى خيمة قد نصبت له ، فاغتسل فيها ، واطلى بالنورة ، وتطيب بمسك كثير ، ودخل بعده بعض الأمراء ، ففعلوا كما فعل ، فقال بعضهم لبعض : ما هذا في هذه الساعة ؟ ! فقال بعضهم : دعنا منك ، والله ما هذه بساعة باطل . فقال برير بن خضير : والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا ، ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لاقون ، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء فيقتلونا . ثم ركب الحسين على فرسه ، وأخذ مصحفا فوضعه بين يديه ، ثم استقبل القوم رافعا يديه يدعو بما تقدم ذكره : اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدة . إلى آخره . وأركب ابنه علي بن الحسين - وكان ضعيفا مريضا - فرسا يقال له : لاحق . ونادى الحسين : أيها الناس ، اسمعوا مني نصيحة أقولها لكم . فأنصت الناس كلهم ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه : أيها الناس ، إن قبلتم مني وأنصفتموني ، كنتم بذلك أسعد ، ولم يكن لكم علي سبيل ، وإن لم تقبلوا مني فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون [ يونس : 71 ] ، إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين [ الأعراف : 196 ] . فلما سمع ذلك أخواته وبناته ارتفعت أصواتهن بالبكاء ، فقال عند ذلك : لا يبعد ابن عباس . يعني حين أشار عليه ألا يخرج بالنساء معه ، ويدعهن بمكة إلى أن ينتظم له الأمر . ثم بعث أخاه العباس وابنه عليا فسكتاهن ، ثم شرع يذكر للناس فضله وعظمة نسبه ، وعلو قدره ، [ ص: 535 ] وشرفه ، ويقول : راجعوا أنفسكم ، هل يصلح لكم قتال مثلي ، وأنا ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري ، وعلي أبي ، وجعفر ذو الجناحين عمي ، وحمزة سيد الشهداء عم أبي ، وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأخي : " هذان سيدا شباب أهل الجنة " . فإن صدقتموني بما أقول فهو الحق ، والله ما تعمدت كذبة منذ علمت أن الله يمقت على الكذب ، وإلا فاسألوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ; جابر بن عبد الله ، وأبا سعيد ، وسهل بن سعد ، وزيد بن أرقم ، وأنس بن مالك ، يخبروكم بذلك ، ويحكم ! أما تتقون الله ؟ ! أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟ ! فقال عند ذلك شمر بن ذي الجوشن : هو يعبد الله على حرف ، إن كنت أدري ما يقول . فقال له حبيب بن مظهر : والله يا شمر ، إنك لتعبد الله على سبعين حرفا ، وإنك لا تدري ما يقول ; لأن الله قد طبع على قلبك . ثم قال : أيها الناس ، ذروني أرجع إلى مأمني من الأرض . فقالوا : وما يمنعك أن تنزل على حكم بني عمك ؟ فقال : معاذ الله أن أعطيهم بيدي إعطاء الذليل وأقر إقرار العبيد ، عباد الله إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب [ غافر : 27 ] . ثم أناخ راحلته ، وأمر عقبة بن سمعان فعقلها ، ثم قال : أخبروني أتطلبوني بقتيل لكم قتلته ؟ أو مال لكم أكلته ؟ أو بقصاص من جراحة ؟ قال : فأخذوا لا يكلمونه . قال : فنادى : يا شبث بن ربعي ، يا حجار بن أبجر ، [ ص: 536 ] يا قيس بن الأشعث ، يا زيد بن الحارث ، ألم تكتبوا إلي أنه قد أينعت الثمار واخضر الجناب ، فاقدم علينا ، فإنك إنما تقدم على جند مجند . فقالوا له : لم نفعل . فقال : سبحان الله ، والله لقد فعلتم . ثم قال : يا أيها الناس ، إذ قد كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم . فقال له قيس بن الأشعث : ألا تنزل على حكم بني عمك ؟ فإنهم لن يؤذوك ، ولا ترى منهم إلا ما تحب . فقال له الحسين : أنت أخو أخيك ، أتريد أن تطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل ؟ لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أقر لهم إقرار العبيد . قال : وأقبلوا يزحفون نحوه ، وقد تحيز إلى جيش الحسين من أولئك طائفة قريب من ثلاثين فارسا فيما قيل ، منهم الحر بن يزيد أمير مقدمة الكوفيين ، فاعتذر إلى الحسين مما كان منهم . قال : ولو أعلم أنهم على هذه النية لسرت معك إلى يزيد . فقبل منه الحسين ، ثم تقدم بين يدي أصحاب الحسين ، فخاطب عمر بن سعد ، فقال : ويحكم ! ألا تقبلون من ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعرض عليكم من الخصال الثلاث واحدة منها ؟ فقال : لو كان ذلك إلي قبلت ، ولكن أبى علي [ ص: 537 ] ابن زياد . ثم خاطب أهل الكوفة ، فسبهم وأنبهم وقال : ويحكم ! دعوتموه ، حتى إذا جاء خذلتموه ، وما كفاكم ذلك حتى جئتم لتقاتلوه ، وقد منعتموه ونساءه الماء من الفرات ; الذي يشرب منه اليهودي والنصراني والمجوسي ، وتتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه ، فهو كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا .
قال : فتقدم عمر بن سعد ، وقال لمولاه : يا ذويد ، أدن رايتك . فأدناها ، ثم شمر عمر عن ساعده ، ورمى بسهم ، وقال : اشهدوا أني أول من رمى القوم . قال : فترامى الناس بالنبال ، وخرج يسار مولى زياد وسالم مولى عبيد الله فقالا : [ ص: 538 ] من يبارز ؟ فبرز لهما عبد الله بن عمير الكلبي بعد استئذانه الحسين ، فقتل يسارا أولا ، ثم قتل سالما بعده ، وقد ضربه سالم ضربة أطار أصابع يده اليسرى ، وحمل رجل يقال له : عبد الله بن حوزة . حتى وقف بين يدي الحسين ، فقال له : يا حسين ، أبشر بالنار . فقال له الحسين : كلا ، ويحك ! إني أقدم على رب رحيم ، وشفيع مطاع ، بل أنت أولى بالنار . قالوا : فانصرف فوقصته فرسه فسقط ، وتعلقت رجله اليسرى بالركاب .
وشد عليه مسلم بن عوسجة ، فضربه فأطار رجله اليمنى ، وغارت به فرسه ، فلم يبق حجر يمر به إلا ضربه في رأسه حتى مات .
وروى أبو مخنف ، عن أبي جناب قال : كان منا رجل يدعى عبد الله بن عمير من بني عليم ، كان قد نزل الكوفة ، واتخذ دارا عند بئر الجعد من همدان ، وكانت معه امرأة له من النمر بن قاسط ، فرأى الناس يتهيئون للخروج إلى قتال الحسين ، فقال : والله لقد كنت على قتال أهل الشرك حريصا ، وإني لأرجو أن يكون جهادي مع ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لهؤلاء أفضل من جهاد المشركين ، وأيسر ثوابا عند الله . فدخل إلى امرأته ، فأخبرها بما هو عازم عليه ، فقالت : أصبت - أصاب الله بك - أرشد أمورك ، افعل [ ص: 539 ] وأخرجني معك . قال : فخرج بها ليلا حتى أتى الحسين . ثم ذكر قصة رمي عمر بن سعد بالسهم ، وقصة قتله يسارا مولى زياد ، وسالما مولى ابن زياد ، وأن عبد الله بن عمير استأذن الحسين في الخروج إليهما ، فنظر إليه الحسين ، فرأى رجلا آدم طويلا شديد الساعدين ، بعيد ما بين المنكبين ، فقال الحسين : إني لأحسبه للأقران قتالا ، اخرج إن شئت . فخرج فقالا له : من أنت ؟ فانتسب لهما . فقالا : لا نعرفك . فقال لهما : يا أولاد الزانية ، أو بكم رغبة عن مبارزة أحد من الناس ؟ ! وهل يخرج إليكما أحد إلا وهو خير منكما ؟ ثم شد على يسار ، فكان كأمس الذاهب ، فإنه لمشتغل به إذ حمل عليه سالم مولى ابن زياد ، فصاح به : قد رهقك العبد . قال : فلم ينتبه له حتى غشيه ، فضربه على يده اليسرى ، فأطار أصابعه ، ثم مال عليه الكلبي ، فضربه حتى قتله وأقبل يرتجز ويقول :
إن تنكراني فأنا ابن كلب حسبي بيتي في عليم حسبي
إني امرؤ ذو مرة وعصب ولست بالخوار عند الكرب
[ ص: 540 ] إني زعيم لك أم وهب بالطعن فيهم مقدما والضرب
ضرب غلام مؤمن بالرب
فأخذت أم وهب عمودا ، ثم أقبلت نحو زوجها تقول له : فداؤك أبي وأمي ، قاتل دون الطيبين ذرية محمد ، عليه الصلاة والسلام . فأقبل إليها يردها نحو النساء ، فأقبلت تجاذبه ثوبه . قالت : دعني أكون معك . فناداها الحسين : انصرفي إلى النساء فاجلسي معهن ، فإنه ليس على النساء قتال . فانصرفت إليهن .
قال : وكثرت المبارزة يومئذ بين الفريقين ، والنصر في ذلك لأصحاب الحسين ; لقوة بأسهم ، وأنهم مستميتون ، لا عاصم لهم إلا سيوفهم ، فأشار بعض الأمراء على عمر بن سعد بعدم المبارزة ، وحمل عمرو بن الحجاج أمير الميمنة ، وجعل يقول : قاتلوا من مرق من الدين ، وفارق الإمام والجماعة . فقال له الحسين : ويحك يا حجاج ! أعلي تحرض الناس ؟ ! أنحن مرقنا من الدين وأنتم ثبتم عليه ؟ ! ستعلمون إذا فارقت أرواحكم أجسادكم من أولى بصلي النار . وقد قتل في هذه الحملة مسلم بن عوسجة ، فكان أول من قتل من أصحاب الحسين ، فمشى إليه الحسين ، فترحم عليه ، وهو على آخر رمق ، وقال له حبيب بن مظهر : أبشر بالجنة . فقال له بصوت ضعيف : بشرك الله بالخير . ثم قال له حبيب : لولا أني أعلم أني على إثرك لاحقك ، لكنت أقضي ما توصيني به . فقال له مسلم بن عوسجة : أوصيك بهذا - وأشار إلى الحسين - أن تموت [ ص: 541 ] دونه . قالوا : ثم حمل شمر بن ذي الجوشن بالميسرة ، وقصدوا نحو الحسين ، فدافعت عنه الفرسان من أصحابه دفاعا عظيما ، وكافحوا دونه مكافحة بليغة ، فأرسلوا يطلبون من عمر بن سعد طائفة من الرماة الرجالة ، فبعث إليهم نحوا من خمسمائة ، فجعلوا يرمون خيول أصحاب الحسين ، فعقروها كلها حتى بقي جميعهم رجالة ، ولما عقروا جواد الحر بن يزيد نزل عنه وفي يده السيف كأنه ليث وهو يقول
إن تعقروا بي فأنا ابن الحر أشجع من ذي لبدة هزبر
ويقال : إن عمر بن سعد أمر بتقويض تلك الأبنية التي تمنع من القتال من أتى من ناحيتها ، فجعل أصحاب الحسين يقتلون من يتعاطى ذلك ، فأمر بتحريقها ، فقال الحسين : دعوهم يحرقونها ، فإنهم لا يستطيعون أن يجوزوا منها وقد أحرقت . وجاء شمر بن ذي الجوشن قبحه الله ، إلى فسطاط الحسين ، فطعنه برمحه - يعني الفسطاط - وقال : ائتوني بالنار لأحرقه على من فيه . فصاحت النسوة وخرجن منه ، فقال له الحسين : أنت تريد أن تحرق أهلي ؟ ! أحرقك الله بالنار . وجاء شبث بن ربعي إلى شمر ، قبحه الله ، فقال له : ما رأيت أقبح من قولك وموقفك هذا ، أتريد أن ترعب النساء ؟ ! فاستحيا ، وهم بالرجوع .
[ ص: 542 ] وقال حميد بن مسلم : قلت لشمر : سبحان الله ! إن هذا لا يصلح لك ، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين ; تعذب بعذاب الله ، وتقتل الولدان والنساء ! والله إن في قتلك الرجال لما ترضي به أميرك . قال : فقال لي : من أنت ؟ قلت : لا أخبرك من أنا . وخشيت أني إن أخبرته فعرفني ، أن يسوءني عند السلطان . وشد زهير بن القين في رجال من أصحاب الحسين على شمر بن ذي الجوشن ، فأزالوه عن موقفه ، وقتلوا أبا عزة الضبابي وكان من أصحاب شمر ، وكان الرجل من أصحاب الحسين إذا قتل بان فيهم الخلل ، وإذا قتل من أصحاب ابن زياد الجماعة الكثيرة لم يتبين ذلك فيهم لكثرتهم ، ودخل عليهم وقت الظهر ، فقال الحسين : مروهم فليكفوا عن القتال حتى نصلي . فقال رجل من أهل الكوفة : إنها لا تقبل منكم . فقال له حبيب بن مظهر : ويحك ! أتقبل منكم الصلاة ولا تقبل من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! وقاتل حبيب قتالا شديدا حتى قتل ، رحمه الله ، وحمل رأسه إلى ابن زياد .
[ ص: 543 ] ثم صلى الحسين بأصحابه الظهر صلاة الخوف ، ثم اقتتلوا بعدها قتالا شديدا ، ووصل إلى الحسين ، رضي الله عنه ، ودافع عنه صناديد أصحابه ، فقتل زهير بن القين بين يدي الحسين ، وقاتل دونه نافع بن هلال الجملي ، فقتل اثني عشر من أصحاب عمر بن سعد سوى من جرح ، ثم [ ص: 544 ] أسر وكسرت عضداه ومع هذا ضرب عنقه بين يدي عمر بن سعد شمر بن ذي الجوشن ، ثم حمل شمر على أصحاب الحسين وهو يقول
خلوا عداة الله خلوا عن شمر يضربهم بسيفه ولا يفر
وصمم عليهم الأعداء من كل جانب وتكاثروا عليهم ، وتفانى أصحاب [ ص: 545 ] الحسين بين يديه ، حتى لم يبق معه أحد إلا سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي .
وكان أول قتيل قتل من بني أبي طالب يومئذ علي الأكبر ابن الحسين بن علي ، وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي ، طعنه مرة بن منقذ بن النعمان العبدي فقتله ، ويروى أنه جعل يقاتل عن أبيه وهو يقول :
أنا علي بن حسين بن علي نحن ورب البيت أولى بالنبي
تالله لا يحكم فينا ابن الدعي كيف ترون اليوم ستري عن أبي
فلما طعنه مرة احتوشته الرجال ، فقطعوه بأسيافهم ، فقال الحسين : قتل الله قوما قتلوك يا بني ، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك محارمه ! فعلى الدنيا بعدك العفاء . قال : وخرجت جارية كأنها الشمس حسنا ، فقالت : يا أخياه ويا ابن أخياه . فإذا هي زينب بنت علي من فاطمة ، فأكبت عليه وهو صريع . قال : فجاء الحسين فأخذ بيدها ، فأدخلها الفسطاط ، وأمر به الحسين فحول من هناك إلى بين يديه عند فسطاطه ، ثم قتل عبد الله بن مسلم بن عقيل ، ثم قتل عون ومحمد ابنا عبد الله بن جعفر ، ثم قتل عبد الرحمن وجعفر ابنا عقيل بن أبي طالب ، ثم قتل القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب .
قال أبو مخنف : وحدثني فضيل بن خديج الكندي أن يزيد بن [ ص: 546 ] زياد - وكان راميا ، وهو أبو الشعثاء الكندي من بني بهدلة - جثا على ركبتيه بين يدي الحسين ، فرمى بمائة سهم ما سقط منها على الأرض خمسة أسهم ، فلما فرغ من الرمي قال : قد تبين لي أني قتلت خمسة نفر ، وكان في أول من قتل ، وكان رجزه يومئذ :
أنا يزيد وأبي مهاصر أشجع من ليث بغيل خادر
يا رب إني للحسين ناصر ولابن سعد تارك وهاجر
قالوا : ومكث الحسين نهارا طويلا لا يأتي إليه رجل إلا رجع عنه ; لا يحب أن يلي قتله ، حتى جاءه رجل من بني بداء يقال له : مالك بن النسير . فضرب الحسين بالسيف على رأسه فجرحه ، وكان عليه برنس ، فامتلأ دما ، فقال له الحسين : لا أكلت بها ولا شربت ، وحشرك الله مع الظالمين . ثم ألقى الحسين ذلك البرنس ، ودعا بعمامة فاعتم بها . قال : ثم إن الحسين أعيا ، [ ص: 547 ] فقعد على باب فسطاطه ، وأتي بصبي صغير من أولاده ، فأجلسه في حجره ، ثم جعل يقبله ويشمه ويودعه ويوصي أهله ، فرماه رجل من بني أسد يقال له : ابن موقد النار . بسهم فذبح ذلك الغلام ، فتلقى حسين دمه في يده ، وألقاه نحو السماء ، وقال : رب إن تك قد حبست عنا النصر من السماء فاجعله لما هو خير ، وانتقم لنا من الظالمين . ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسين بسهم فقتله أيضا ، ثم قتل عبد الله والعباس وعثمان وجعفر ومحمد بنو علي بن أبي طالب إخوة الحسين لأبيه ، رضي الله عنهم أجمعين ، وقد اشتد عطش الحسين ، فحاول أن يصل إلى ماء الفرات فمانعوه دونه ، فخلص إلى شربة منه ، فلما أهوى إليها رماه حصين بن نمير بسهم في حنكه فأثبته ، فانتزعه الحسين من حنكه ، ففار الدم فتلقاه بيديه ، ثم رفعهما إلى السماء وهما مملوءتان دما ، ثم رمى به إلى السماء ، وقال : اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ، ولا تذر على الأرض [ ص: 548 ] منهم أحدا . ودعا عليهم دعاء بليغا .
ثم جاء شمر ومعه جماعة من الشجعان حتى أحاطوا بالحسين وهو عند فسطاطه ، ولم يبق معه أحد يحول بينهم وبينه ، فجاء غلام يشتد من الخيام كأنه البدر في أذنيه درتان تذبذبان ، فخرجت زينب بنت علي لترده فامتنع عليها ، وجاء يحاجف عن عمه ، فضربه رجل منهم بالسيف ، فاتقاه بيده ، فأطنها سوى جلدة ، فقال : يا أبتاه . فقال له الحسين : يا بني ، احتسب أجرك عند الله ، فإنك تلحق بآبائك الصالحين . ثم حمل على الحسين الرجال من كل جانب وهو يجول فيهم بالسيف يمينا وشمالا ، فيتنافرون عنه كتنافر المعزى عن السبع ، وخرجت أخته زينب بنت فاطمة إليه ، فجعلت تقول : ليت السماء تقع على الأرض . وجاء عمر بن سعد ، فقالت : يا عمر ، أرضيت أن يقتل أبو عبد الله وأنت تنظر ؟ فتحادرت الدموع على لحيته ، وصرف وجهه عنها ، ثم جعل لا يقدم أحد على قتله ، حتى نادى شمر بن ذي الجوشن : ويحكم ! ماذا تنتظرون بالرجل ؟ اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم . فحملت الرجال من كل جانب على الحسين ، وضربه زرعة [ ص: 549 ] بن شريك التميمي على كفه اليسرى ، وضرب على عاتقه ، ثم انصرفوا عنه وهو ينوء ويكبو ، ثم جاء إليه سنان بن أنس بن عمرو النخعي ، فطعنه بالرمح فوقع ، ثم نزل فذبحه وحز رأسه ، ثم دفع رأسه إلى خولي بن يزيد . وقيل : إن الذي قتله شمر بن ذي الجوشن . وقيل : رجل من مذحج . وقيل : عمر بن سعد بن أبي وقاص . وليس بشيء ، وإنما كان عمر أمير السرية التي قتلت الحسين فقط .
[ ص: 550 ] وأخذ سنان وغيره سلبه ، وتقاسم الناس ما كان من أمواله وحواصله ، وما في خبائه ، حتى ما على النساء من الثياب الظاهرة .
وقال أبو مخنف عن جعفر بن محمد قال : وجد بالحسين حين قتل ثلاث وثلاثون طعنة ، وأربع وثلاثون ضربة . وهم شمر بن ذي الجوشن بقتل علي بن الحسين الأصغر زين العابدين ، وهو صغير مريض ، حتى صرفه عن ذلك حميد بن مسلم أحد أصحابه . وجاء عمر بن سعد ، فقال : ألا لا يدخلن على هذه النسوة أحد ولا يقتل هذا الغلام أحد ومن أخذ من متاعهم شيئا فليرده عليهم . قال : فوالله ما رد أحد شيئا . فقال له علي بن الحسين : جزيت خيرا ، فقد دفع الله عني بمقالتك شرا . قالوا : ثم جاء سنان بن أنس إلى باب فسطاط عمر بن سعد ، فنادى بأعلى صوته :
أوقر ركابي فضة وذهبا أنا قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أما وأبا وخيرهم إذ ينسبون نسبا
فقال عمر بن سعد : أدخلوه علي . فلما دخل رماه بالسوط ، وقال : ويحك أنت مجنون ! والله لو سمعك ابن زياد تقول هذا لضرب عنقك . ومن عمر بن سعد على عقبة بن سمعان حين أخبره أنه مولى ، فلم ينج منهم غيره ، والمرقع بن ثمامة أسر ، فمن عليه ابن زياد .
وقتل من أصحاب الحسين اثنان وسبعون نفسا ، فدفنهم أهل الغاضرية من [ ص: 551 ] بني أسد بعد ما قتلوا بيوم رحمهم الله وأكرمهم .
وروي عن محمد ابن الحنفية أنه قال : قتل مع الحسين سبعة عشر رجلا ، كلهم من أولاد فاطمة .
وعن الحسن البصري أنه قال : قتل مع الحسين ستة عشر رجلا ، كلهم من أهل بيته ، ما على وجه الأرض يومئذ لهم شبه .
وقال غيره : قتل معه من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلا ، فمن أولاد علي ، رضي الله عنه ; جعفر ، والحسين ، والعباس ، ومحمد ، وعثمان ، وأبو بكر . ومن أولاد الحسين علي الأكبر وعبد الله . ومن أولاد أخيه الحسن ثلاثة ; عبد الله ، والقاسم ، وأبو بكر بنو الحسن بن علي بن أبي طالب . ومن أولاد عبد الله بن جعفر اثنان ; عون ومحمد . ومن أولاد عقيل ; جعفر ، وعبد الله ، وعبد الرحمن ، ومسلم قتل قبل ذلك كما قدمنا . فهؤلاء أربعة لصلبه ، واثنان آخران ; هما عبد الله بن مسلم بن عقيل ، ومحمد بن أبي سعيد [ ص: 552 ] بن عقيل ، فكملوا ستة من ولد عقيل ، وفيهم يقول الشاعر :
واندبي تسعة لصلب علي قد أصيبوا وستة لعقيل
وسمي النبي غودر فيهم قد علوه بصارم مصقول
وممن قتل مع الحسين بكربلاء أخوه لأمه من الرضاعة - عبد الله بن بقطر ، وقد قيل : إنه إنما قتل قبل ذلك حين بعث معه كتابا إلى أهل الكوفة ، فحمل إلى ابن زياد فقتله . وقتل من أهل الكوفة من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلا سوى الجرحى ، فصلى عليهم عمر بن سعد ودفنهم . ويقال : إن عمر بن سعد ندب عشرة فرسان ، فداسوا الحسين بأفراسهم حتى ألصقوه بالأرض يوم المعركة ، وسرح برأسه من يومه إلى ابن زياد مع خولي بن يزيد الأصبحي ، فلما انتهى به إلى القصر وجده مغلقا ، فرجع إلى منزله ، فوضعه تحت إجانة ، وقال لامرأته نوار بنت مالك : جئتك بعز الدهر . فقالت : وما هو ؟ فقال : هذا رأس الحسين . فقالت : جاء الناس بالذهب والفضة ، وجئت أنت برأس ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! والله لا يجمعني وإياك فراش أبدا . ثم نهضت عنه من الفراش ، واستدعى بامرأة له أخرى من بني أسد ، فنامت عنده . قالت الثانية : فوالله ما زلت أرى النور ساطعا من تلك الإجانة إلى السماء ، [ ص: 553 ] وطيورا بيضاء ترفرف حولها . فلما أصبح غدا به إلى ابن زياد ، فأحضره بين يديه ، ويقال : إنه كان معه رءوس بقية أصحابه ، وهو المشهور . ومجموعها اثنان وسبعون رأسا ، وذلك أنه ما قتل قتيل إلا احتزوا رأسه ، وحملوه إلى ابن زياد ، ثم بعث بها ابن زياد إلى يزيد بن معاوية إلى الشام .
قال الإمام أحمد : حدثنا حسين ، ثنا جرير عن محمد ، عن أنس قال : أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين ، فجعل في طست ، فجعل ينكت عليه ، وقال في حسنه شيئا ، فقال أنس : إنه كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان مخضوبا بالوسمة . ورواه البخاري في المناقب عن محمد بن الحسين بن إبراهيم ، هو ابن إشكاب ، عن حسين بن محمد ، عن جرير بن حازم ، عن محمد بن سيرين ، عن أنس ، فذكره . وقد رواه الترمذي من حديث حفصة بنت سيرين ، عن أنس ، وقال : حسن صحيح .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا مفرج بن شجاع بن عبيد الله الموصلي ، ثنا غسان بن الربيع ، ثنا يوسف بن عبدة ، عن ثابت وحميد ، عن أنس قال : لما أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين جعل ينكت بالقضيب ثناياه ، [ ص: 554 ] يقول لقد كان - أحسبه قال - جميلا . فقلت : والله لأسوءنك ، إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلثم حيث يقع قضيبك . قال : فانقبض . تفرد به البزار من هذا الوجه ، وقال : لا نعلم رواه عن حميد غير يوسف بن عبدة ، وهو رجل من أهل البصرة مشهور ، وليس به بأس . ورواه أبو يعلى الموصلي ، عن إبراهيم بن الحجاج ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أنس ، فذكره . ورواه قرة بن خالد ، عن الحسن ، عن أنس ، فذكره .
وقال أبو مخنف ، عن سليمان بن أبي راشد ، عن حميد بن مسلم قال : دعاني عمر بن سعد فسرحني إلى أهله لأبشرهم بفتح الله عليه وبعافيته ، فأقبلت حتى أتيت أهله ، فأعلمتهم ذلك ، ثم أقبلت حتى أدخل ، فأجد ابن زياد قد جلس للناس ، وقد دخل عليه الوفد الذين قدموا عليه ، فدخلت فيمن دخل ، فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه ، وإذا هو ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعة ، فقال له زيد بن أرقم : اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين ، فوالله الذي لا إله غيره ، لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هاتين الشفتين يقبلهما . ثم انفضخ الشيخ يبكي ، فقال له ابن زياد : أبكى الله عينيك ، فوالله لولا أنك شيخ [ ص: 555 ] قد خرفت ، وذهب عقلك لضربت عنقك . قال : فنهض فخرج ، فلما خرج قال الناس : والله لقد قال زيد بن أرقم كلاما لو سمعه ابن زياد لقتله . قال : فقلت : ما قال ؟ قالوا : مر بنا وهو يقول : ملك عبد عبدا ، فاتخذهم تلدا ، أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم ، قتلتم ابن فاطمة ، وأمرتم ابن مرجانة ، فهو يقتل خياركم ، ويستعبد شراركم ، فرضيتم بالذل ، فبعدا لمن رضي بالذل . وقد روي من طريق أبي داود السبيعي ، عن زيد بن أرقم بنحوه . ورواه الطبراني من طريق ثابت ، عن زيد .
وقد قال الترمذي : حدثنا واصل بن عبد الأعلى ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير قال : لما جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه ، نصبت في المسجد في الرحبة ، فانتهيت إليهم ، وهم يقولون : قد جاءت ، قد جاءت . فإذا حية قد جاءت تخلل الرءوس حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد فمكثت هنيهة ، ثم خرجت ، فذهبت حتى تغيبت ، ثم قالوا : قد جاءت ، قد جاءت . ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا . ثم قال الترمذي : حسن صحيح .
[ ص: 556 ] وأمر ابن زياد أن الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ذكر ما فتح الله عليه من قتل الحسين الذي أراد أن يسلبهم الملك ، ويفرق الكلمة عليهم ، فقام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ، فقال : ويحك يا ابن زياد ! تقتلون أولاد النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين . فأمر به ابن زياد ، فقتل وصلب . ثم أمر برأس الحسين ، فنصب بالكوفة وطيف به في أزقتها ، ثم سيره مع زحر بن قيس ومعه رءوس أصحابه ، إلى يزيد بن معاوية بالشام ، وكان مع زحر جماعة من الفرسان ; منهم أبو بردة بن عوف الأزدي ، وطارق بن أبي ظبيان الأزدي ، فخرجوا حتى قدموا بالرءوس كلها على يزيد بن معاوية .
قال هشام : فحدثني عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي ، عن أبيه ، عن الغاز بن ربيعة الجرشي ; من حمير قال : والله إني لعند يزيد بن معاوية بدمشق ، إذ أقبل زحر بن قيس ، فدخل على يزيد ، فقال له يزيد : ويلك ! ما وراءك ؟ فقال : أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله عليك ونصره ، ورد علينا الحسين بن علي بن أبي طالب وثمانية عشر من أهل بيته ، وستون رجلا من شيعته ، فسرنا إليهم ، فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال ، فاختاروا القتال ، فغدونا عليهم مع شروق الشمس ، فأحطنا بهم من كل ناحية حتى أخذت السيوف مأخذها من هام القوم ، فجعلوا يهربون إلى غير مهرب ولا وزر ، ويلوذون منا بالآكام والحفر لواذا كما لاذ الحمام من صقر ، [ ص: 557 ] فوالله ما كان إلا جزر جزور أو نومة قائل ، حتى أتينا على آخرهم ، فهاتيك أجسادهم مجردة ، وثيابهم مرملة ، وخدودهم معفرة ، تصهرهم الشمس وتسفي عليهم الريح ، زوارهم العقبان والرخم . قال : فدمعت عينا يزيد بن معاوية وقال : قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين ، لعن الله ابن مرجانة ، أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه ، ورحم الله الحسين . ولم يصل زحر بن قيس بشيء .
ولما وضع الحسين بين يدي يزيد قال : أما والله لو أني صاحبك ما قتلتك . ثم أنشد قول الحصين بن الحمام المري الشاعر :
يفلقن هاما من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما
قال أبو مخنف : فحدثني أبو جعفر العبسي ، عن أبي عمارة العبسي قال : وقام يحيى بن الحكم أخو مروان بن الحكم فقال :
لهام بجنب الطف أدنى قرابة من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل
سمية أضحى نسلها عدد الحصى وبنت رسول الله ليس لها نسل
قال : فضرب يزيد في صدر يحيى بن الحكم ، وقال : اسكت .
وقال محمد بن حميد الرازي ، وهو شيعي : ثنا محمد بن يحيى الأحمري ، ثنا ليث ، عن مجاهد قال : لما جيء برأس الحسين ، فوضع بين يدي يزيد تمثل بهذه الأبيات :
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
فأهلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا لي هنيا لا تسل
حين حكت بقباء بركها واستحر القتل في عبد الأشل
قد قتلنا الضعف من أشرافهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل
قال مجاهد : نافق فيها ، والله ثم والله ما بقي في جيشه أحد إلا تركه .
وقد اختلف العلماء بعد هذا في الرأس هل سيره ابن زياد من الكوفة إلى يزيد بالشام أم لا ؟ على قولين ، والأول أشبه وقد ورد في ذلك آثار كثيرة . فالله أعلم .
[ ص: 559 ] قال أبو مخنف عن أبي حمزة الثمالي ، عن عبد الله الثمالي ، عن القاسم بن بخيت قال : لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد بن معاوية جعل ينكت بقضيب كان في يده في ثغره ، ثم قال : إن هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام المري :
يفلقن هاما من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما
فقال له أبو برزة الأسلمي : أما والله لقد أخذ قضيبك هذا مأخذا ، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشفه . ثم قال له : أما إن هذا سيجيء يوم القيامة وشفيعه محمد صلى الله عليه وسلم ، وتجيء وشفيعك ابن زياد . ثم قام فولى .
وقد رواه ابن أبي الدنيا عن أبي الوليد ، عن خالد بن يزيد بن أسد ، عن عمار الدهني ، عن أبي جعفر قال : لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد ، وعنده أبو برزة جعل ينكت بالقضيب على لثته ويقول : يفلقن هاما . فقال له أبو برزة : ارفع قضيبك ، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلثمه .
قال ابن أبي الدنيا وحدثني مسلمة بن شبيب ، عن الحميدي ، عن سفيان ، سمعت سالم بن أبي حفصة قال : قال الحسن : لما جيء برأس الحسين جعل يزيد يطعن بالقضيب . قال : سفيان : وأخبرت أن الحسن كان ينشد على إثر هذا
سمية أمسى نسلها عدد الحصى وبنت رسول الله ليس لها نسل
[ ص: 560 ] وأما بقية أهله ونساؤه وحرمه فإن عمر بن سعد وكل بهم من يحرسهم ويكلؤهم ، فأركبوهم على الرواحل في الهوادج ، فلما مروا بمكان المعركة رأوا الحسين وأصحابه مجدلين ، هنالك بكته النساء ، وصرخن وندبت زينب أخاها الحسين وأهلها ، فقالت وهي تبكي : يا محمداه ، يا محمداه ، صلى عليك ملائكة السماء ، هذا حسين بالعراء ، مزمل بالدماء ، مقطع الأعضاء ، يا محمداه ، وبناتك سبايا ، وذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا . قال : فأبكت والله كل عدو وصديق .
قال : ثم ساروا بهم في الهوادج من كربلاء حتى دخلوا الكوفة ، فأكرمهم ابن زياد ، وأجرى عليهم النفقات والكساوي والصلات .
ثم سيرهم فردهم عبيد الله إلى الشام مع شمر بن ذي الجوشن ومحفز بن ثعلبة العائذي من قريش ، ومعهم علي بن الحسين زين العابدين ، وكان أراد ابن زياد قتله ، فصرفه الله عنه ، فلما بعثهم سيره مع أهله ، ولكنه مغلول إلى عنقه ، وبقية الأهل في حال سيئة على ما ذكر بعضهم .
[ ص: 561 ] فلما دخلوا على يزيد بن معاوية قال لعلي بن الحسين : يا علي ، أبوك الذي قطع رحمي ، وجهل حقي ، ونازعني سلطاني ، فصنع الله به ما قد رأيت . فقال علي : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها [ الحديد : 22 ] . فقال يزيد لابنه خالد : اردد عليه . قال : فما [ ص: 562 ] درى خالد ما يرد عليه . فقال له يزيد : قل : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [ الشورى : 30 ] . فسكت عنه ساعة ، ثم دعا بالنساء والصبيان ، فرأى هيئة قبيحة ، فقال : قبح الله ابن مرجانة ، لو كانت بينكم وبينه قرابة ورحم ما فعل هذا بكم ، ولا بعث بكم هكذا .
وروى أبو مخنف ، عن الحارث بن كعب ، عن فاطمة بنت علي قالت : لما أجلسنا بين يدي يزيد ، رق لنا وأمر لنا بشيء وألطفنا ، ثم إن رجلا من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد فقال : يا أمير المؤمنين ، هب لي هذه . يعنيني ، وكنت جارية وضيئة ، فارتعدت فزعة من قوله ، وظننت أن ذلك جائز لهم ، فأخذت بثياب أختي زينب ، وكانت أكبر مني وأعقل ، وكانت تعلم أن ذلك لا يجوز ، فقالت لذلك الرجل : كذبت والله ولؤمت ، ما ذلك لك ولا له . فغضب يزيد ، فقال لها : كذبت ، والله إن ذلك لي ، ولو شئت أن أفعله لفعلت . قالت : كلا والله ، ما جعل الله ذلك لك ، إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا . قالت : فغضب يزيد واستطار ، ثم قال : إياي تستقبلين بهذا ؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك . فقالت زينب : بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي ، اهتديت أنت وأبوك وجدك . قال : كذبت يا عدوة الله . قالت : أنت أمير مسلط ، تشتم ظالما وتقهر بسلطانك . قالت : فوالله لكأنه استحيا فسكت ، ثم قام الشامي فقال : يا أمير المؤمنين ، هب لي هذه . فقال له يزيد : اعزب وهب الله لك حتفا قاضيا .
[ ص: 563 ] ثم أمر يزيد النعمان بن بشير أن يبعث معهم إلى المدينة رجلا أمينا ، معه رجال وخيل ، ويكون علي بن الحسين معهم ، ثم أنزل النساء عند حرمه في دار الخلافة ، فاستقبلهن نساء آل معاوية يبكين وينحن على الحسين ، ثم أقمن المناحة ثلاثة أيام ، وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا ومعه علي بن الحسين وعمرو بن الحسن ، فقال يزيد يوما لعمرو ، وهو صغير جدا : أتقاتل هذا ؟ يعني ابنه خالد بن يزيد ، فقال : أعطني سكينا وأعطه سكينا حتى نتقاتل . فأخذه يزيد فضمه إليه ، وقال : شنشنة أعرفها من أخزم ، هل تلد الحية إلا حية ؟ !
ولما ودعهم يزيد قال لعلي بن الحسين : قبح الله ابن مرجانة ، أما والله لو أني صاحبه ، ما سألني خصلة إلا أعطيته إياها ، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ، ولو بهلاك بعض ولدي ، ولكن الله قضى ما رأيت . ثم جهزه وأعطاه مالا جزيلا ، وقال له : كاتبني بكل حاجة تكون لك ، وكساهم وأوصى بهم ذلك الرسول . فكان ذلك الرسول الذي أرسله معهن يسير بمعزل عنهن من الطريق ، ويبعد عنهن بحيث يدركهن طرفه ، وهو في خدمتهن حتى وصلن [ ص: 564 ] المدينة فجمعن شيئا من حليهن ، فدفعنه إلى ذلك الرجل فأبى أن يقبله ، وقال : إنما فعلت ذلك لله ولقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وهذا يرد قول الرافضة : إنهم حملوا على جنائب الإبل سبايا عرايا . حتى كذب من زعم منهم أن الإبل البخاتي إنما نبتت لها الأسنمة من ذلك اليوم [ ص: 565 ] لتستر عوراتهن .
وكتب ابن زياد إلى عمرو بن سعيد أمير الحرمين يبشره بمقتل الحسين ، فأمر مناديا فنادى بذلك في المدينة . فلما سمع نساء بني هاشم ارتفعت أصواتهن بالبكاء والنوح ، فجعل عمرو بن سعيد يقول : هذا ببكاء نساء عثمان بن عفان .
قال أبو جعفر بن جرير الطبري في " تاريخه " : فحدثني زكريا بن يحيى الضرير ، ثنا أحمد بن جناب المصيصي ، ثنا خالد بن يزيد بن عبد الله القسري ، ثنا عمار الدهني قال : قلت لأبي جعفر : حدثني عن مقتل الحسين كأني حضرته . فقال : أقبل الحسين بكتاب مسلم بن عقيل الذي كان قد كتبه إليه يأمره فيه بالقدوم عليه ، حتى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال ، لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له : أين تريد ؟ فقال : أريد هذا المصر . فقال له : ارجع ، فإني لم أدع لك خلفي خيرا أرجوه . فهم الحسين أن يرجع ، وكان معه إخوة مسلم بن عقيل فقالوا : والله لا نرجع حتى نأخذ بثأرنا ممن قتل أخانا أو [ ص: 566 ] نقتل . فقال : لا خير في الحياة بعدكم . فسار فلقيه أوائل خيل ابن زياد ، فلما رأى ذلك عاد إلى كربلاء ، فأسند ظهره إلى قصباء وخلا ; لئلا يقاتل إلا من وجه واحد ، فنزل وضرب أبنيته ، وكان أصحابه خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل ، وكان عمر بن سعد بن أبي وقاص قد ولاه ابن زياد الري ، وعهد إليه عهده ، فقال : اكفني هذا الرجل . فقال : أعفني . فأبى أن يعفيه . فقال : أنظرني الليلة . فأخره فنظر في أمره ، فلما أصبح غدا عليه راضيا بما أمره به ، فتوجه إليه عمر بن سعد ، فلما أتاه قال له الحسين : اختر واحدة من ثلاث ; إما أن تدعوني فأنصرف من حيث جئت ، وإما أن تدعوني فأذهب إلى يزيد ، وإما أن تدعوني فألحق بالثغور . فقبل ذلك عمر ، فكتب إليه عبيد الله بن زياد لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدي . فقال الحسين : لا والله لا يكون ذلك أبدا . فقاتله ، فقتل أصحاب الحسين كلهم ، وفيهم بضعة عشر شابا من أهل بيته ، وجاءه سهم ، فأصاب ابنا له معه في حجره ، فجعل يمسح الدم عنه ويقول : اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا ، فقتلونا . ثم أمر بحبرة فشقها ، ثم لبسها وخرج بسيفه ، فقاتل حتى قتل ، قتله رجل من مذحج ، وحز رأسه ، فانطلق به إلى عبيد الله ، وقال في ذلك
أوقر ركابي فضة وذهبا فقد قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أما وأبا وخيرهم إذ ينسبون نسبا
قال : فأوفده إلى يزيد بن معاوية ، فوضع رأسه بين يديه ، وعنده أبو برزة [ ص: 567 ] الأسلمي فجعل يزيد ينكت بالقضيب على فيه ، ويقول :
يفلقن هاما من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما
فقال له أبو برزة ارفع قضيبك ، فوالله لربما رأيت فا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فيه يلثمه . قال : وسرح عمر بن سعد بحرمه وعياله إلى عبيد الله ، ولم يكن بقي من آل بيت الحسين إلا غلام كان مريضا مع النساء ، فأمر به ابن زياد ليقتل ، فطرحت زينب نفسها عليه وقالت : والله لا يقتل حتى تقتلوني . فرق لها فتركه وكف عنه . قال : وجهزهم وحملهم إلى يزيد ، فلما قدموا عليه جمع من كان بحضرته من أهل الشام ، ثم أدخلوهم فهنئوه بالفتح ، فقال رجل منهم أحمر أزرق ، ونظر إلى وصيفة من بناتهم فقال : يا أمير المؤمنين ، هب لي هذه . فقالت زينب : لا والله ولا كرامة لك ولا له ، إلا أن يخرج من دين الله . قال : فأعادها الأزرق ، فقال له يزيد : كف عن هذا . ثم أدخلهم على عياله ، فجهزهم وحملوا إلى المدينة ، فلما دخلوها خرجت امرأة من بني عبد المطلب ، ناشرة شعرها واضعة كمها على رأسها ، تتلقاهم وهي تبكي وتقول :
ماذا تقولون إن قال النبي لكم ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
وقد روى أبو مخنف ، عن سليمان بن أبي راشد ، عن عبد الرحمن بن [ ص: 568 ] عبيد أبي الكنود ، أن بنت عقيل هي التي قالت هذا الشعر . وهكذا حكى الزبير بن بكار أن زينب الصغرى بنت عقيل بن أبي طالب هي التي قالت ذلك حين دخل آل الحسين المدينة النبوية .
وروى أبو بكر بن الأنباري بإسناده ، أن زينب بنت علي بن أبي طالب من فاطمة ، وهي زوج عبد الله بن جعفر أم بنيه ، رفعت سجف خبائها يوم كربلاء يوم قتل الحسين ، وقالت هذه الأبيات . فالله أعلم .
وقال هشام بن الكلبي : حدثني بعض أصحابنا ، عن عمرو بن أبي المقدام قال : حدثني عمر بن عكرمة قال : أصبحنا صبيحة قتل الحسين بالمدينة ، فإذا مولاة لنا تحدثنا قالت : سمعت البارحة مناديا ينادي وهو يقول :
أيها القاتلون جهلا حسينا أبشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء يدعو عليكم من نبي وملأك وقبيل
قد لعنتم على لسان ابن داو د وموسى وحامل الإنجيل
قال هشام : حدثني عمرو بن حيزوم الكلبي ، عن أمه قالت : سمعت هذا الصوت .
[ ص: 569 ] ومما أنشده الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وغيره لبعض المتقدمين في مقتل الحسين :
جاءوا برأسك يابن بنت محمد متزملا بدمائه تزميلا
وكأنما بك يابن بنت محمد قتلوا جهارا عامدين رسولا
قتلوك عطشانا ولم يترقبوا في قتلك التنزيل والتأويلا
ويكبرون بأن قتلت وإنما قتلوا بك التكبير والتهليلا ====================
فصل في ذكر شيء من أشعاره التي رويت عنه
فمن ذلك ما أنشده أبو بكر بن كامل ، عن عبد الله بن إبراهيم ، وذكر أنه للحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهما :
اغن عن المخلوق بالخالق تغن عن الكاذب والصادق واسترزق الرحمن من فضله
فليس غير الله من رازق من ظن أن الناس يغنونه
فليس بالرحمن بالواثق أو ظن أن المال من كسبه
زلت به النعلان من حالق
وعن الأعمش أن الحسين بن علي قال :
كلما زيد صاحب المال مالا زيد في همه وفي الاشتغال
قد عرفناك يا منغصة العي ش ويا دار كل فان وبال
ليس يصفوا لزاهد طلب الزه د إذا كان مثقلا بالعيال
وعن إسحاق بن إبراهيم قال : بلغني أن الحسين زار مقابر الشهداء بالبقيع فقال : [ ص: 594 ]
ناديت سكان القبور فأسكتوا وأجابني عن صمتهم ندب الجثى
قالت أتدري ما صنعت بساكني مزقت ألحمهم وخرقت الكسا
وحشوت أعينهم ترابا بعد ما كانت تأذى باليسير من القذى
أما العظام فإنني مزقتها حتى تباينت المفاصل والشوى
قطعت ذا من ذا ومن هذا كذا فتركتها رمما يطول بها البلى
وأنشد بعضهم للحسين ، رضي الله عنه أيضا :
لئن كانت الدنيا تعد نفيسة فدار ثواب الله أعلى وأنبل
وإن كانت الأبدان للموت أنشئت فقتل سبيل الله بالسيف أفضل
وإن كانت الأرزاق شيئا مقدرا فقلة سعي المرء في الكسب أجمل
وإن كانت الأموال للترك جمعت فما بال متروك به المرء يبخل
ومما أنشد الزبير بن بكار من شعره في امرأته الرباب بنت أنيف ، ويقال : [ ص: 595 ] بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس الكلبي ، أم ابنته سكينة بنت الحسين
لعمرك إنني لأحب دارا تحل بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جل مالي وليس للائمي فيها عتاب
ولست لهم وإن عتبوا مطيعا حياتي أو يغيبني التراب
وقد أسلم أبوها على يدي عمر بن الخطاب ، وأمره عمر على قومه ، فلما خرج من عنده خطب إليه علي بن أبي طالب أن يزوج ابنه الحسن أو الحسين من بناته ، فزوج الحسن ابنته سلمى ، والحسين ابنته الرباب ، وزوج عليا ابنته الثالثة ، وهي المحياة بنت امرئ القيس في ساعة واحدة ، فأحب الحسين زوجته الرباب حبا شديدا ، وكان بها معجبا ، يقول فيها الشعر ، ولما قتل بكربلاء كانت معه ، فوجدت عليه وجدا شديدا ، وذكر أنها أقامت على قبره سنة ، ثم انصرفت وهي تقول :
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
وقد خطبها بعده خلق كثير من أشراف قريش ، فقالت : ما كنت لأتخذ حمى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووالله لا يؤويني ورجلا بعد الحسين سقف أبدا . ولم [ ص: 596 ] تزل عليه كمدة حتى ماتت ، ويقال : إنها إنما عاشت بعده أياما يسيرة . فالله أعلم . وابنتها سكينة بنت الحسين كانت من أجمل النساء ، حتى إنه لم يكن في زمانها أحسن منها . فالله أعلم .
وروى أبو مخنف عن عبد الرحمن بن جندب أن عبيد الله بن زياد بعد مقتل الحسين تفقد أشراف أهل الكوفة ، فلم ير عبيد الله بن الحر بن يزيد ، فتطلبه حتى جاءه بعد أيام فقال : أين كنت يابن الحر ؟ قال : كنت مريضا . قال : مريض القلب أم مريض البدن ؟ قال : أما قلبي فلم يمرض ، وأما بدني فقد من الله عليه بالعافية . فقال له ابن زياد : كذبت ، ولكنك كنت مع عدونا . قال : لو كنت مع عدوك لم يخف مكان مثلي ، ولكان الناس شاهدوا ذلك . قال : وغفل عنه ابن زياد غفلة ، فخرج ابن الحر ، فقعد على فرسه ، ثم قال : أبلغوه أني لا آتيه والله طائعا . فقال ابن زياد : أين ابن الحر ؟ قالوا : خرج . فقال : علي به . فخرج الشرط في طلبه ، فأسمعهم غليظ ما يكرهون ، وترضى عن الحسين وأخيه وأبيه ، ثم أسمعهم في ابن زياد غليظا من القول ، ثم امتنع منهم ، وقال في الحسين وأصحابه شعرا :
يقول أمير غادر حق غادر ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمه
فيا ندمي أن لا أكون نصرته ألا كل نفس لا تسدد نادمه
[ ص: 597 ] وإني لأني لم أكن من حماته لذو حسرة ما إن تفارق لازمه
سقى الله أرواح الذين تأزروا على نصره سقيا من الغيث دائمه
وقفت على أجداثهم ومجالهم فكاد الحشا ينفض والعين ساجمه
لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى سراعا إلى الهيجا حماة خضارمه
تآسوا على نصر ابن بنت نبيهم بأسيافهم آساد غيل ضراغمه
فإن يقتلوا فكل نفس تقية على الأرض قد أضحت لذلك واجمه
وما إن رأى الراءون أفضل منهم لدى الموت سادات وزهرا قماقمه
أتقتلهم ظلما وترجو ودادنا فدع خطة ليست لنا بملائمه
لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم فكم ناقم منا عليكم وناقمه
أهم مرارا أن أسير بجحفل إلى فئة زاغت عن الحق ظالمه
فيا بن زياد استعد لحربنا وموقف ضنك يقصم الظهر قاصمه
وقال الزبير بن بكار : قال سليمان ابن قتة يرثي الحسين ، رضي الله عنه :
وإن قتيل الطف من آل هاشم أذل رقابا من قريش فذلت
[ ص: 598 ] فإن تتبعوه عائذ البيت تصبحوا كعاد تعمت عن هداها فضلت
مررت على أبيات آل محمد فألفيتها أمثالها حيث حلت
وكانوا لنا غنما فعادوا رزية لقد عظمت تلك الرزايا وجلت
فلا يبعد الله الديار وأهلها وإن أصبحت منهم برغمي تخلت
إذا افتقرت قيس جبرنا فقيرها وتقتلنا قيس إذا النعل زلت
وعند غني قطرة من دمائنا سنجزيهم يوما بها حيث حلت
ألم تر أن الأرض أضحت مريضة لقتل حسين والبلاد اقشعرت
ومما وقع من الحوادث في هذه السنة - أعني سنة إحدى وستين - بعد مقتل الحسين ; ففيها ولى يزيد بن معاوية سلم بن زياد سجستان وخراسان حين وفد عليه وله من العمر أربعة وعشرون سنة ، وعزل عنها أخويه عبادا وعبد الرحمن ، وسار سلم إلى عمله ، فجعل ينتخب الوجوه والفرسان ، ويحرض الناس على الجهاد ، ثم خرج في جحفل عظيم ليغزو بلاد الترك ومعه امرأته أم محمد بنت عبد الله بن عثمان بن أبي العاص ، فكانت أول امرأة من العرب قطع بها النهر ، وولدت هناك ولدا أسموه صغديا ، وبعثت إليها امرأة صاحب الصغد بتاجها من ذهب ولآلئ ، وكان المسلمون قبل ذلك لا يشتون في تلك البلاد ، فشتى بها سلم بن زياد ، [ ص: 599 ] وبعث المهلب بن أبي صفرة إلى تلك المدينة التي هي للترك ، وهي خوارزم ، فحاصرهم حتى صالحوه على نيف وعشرين ألف ألف ، وكان يأخذ منهم عروضا عوضا ، فيأخذ الشيء بنصف قيمته ، فبلغت قيمة ما أخذ منهم خمسين ألف ألف ، فحظي بذلك المهلب عند سلم بن زياد ثم بعث من ذلك ما اصطفاه ليزيد بن معاوية مع مرزبان ، ومعه وفد ، وصالح سلم أهل سمرقند في هذه الغزوة على مال جزيل .
وفيها عزل يزيد عن إمرة الحرمين عمرو بن سعيد ، وأعاد الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، فولاه المدينة ; وذلك أن ابن الزبير لما بلغه مقتل الحسين شرع يخطب الناس ، ويعظم قتل الحسين وأصحابه جدا ، ويعيب على أهل الكوفة وأهل العراق ما صنعوه من خذلانهم الحسين ، ويترحم على الحسين ويلعن من قتله ، ويقول : أما والله لقد قتلوه ، طويلا بالليل قيامه ، كثيرا في النهار صيامه ، أما والله ما كان يستبدل بالقرآن الغناء والملاهي ، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء ، ولا بالصيام شرب الحرام ، ولا بالجلوس في حلق الذكر تطلاب الصيد - يعرض في ذلك بيزيد بن معاوية - فسوف يلقون غيا . ويؤلب الناس على بني أمية ، ويحثهم على مخالفتهم وخلع يزيد ، فبايعه خلق كثير في الباطن ، وسألوه أن يظهرها ، فلم يمكنه ذلك مع وجود عمرو بن سعيد ، وكان شديدا عليه ولكن فيه رفق ، وقد كان كاتبه أهل المدينة وغيرهم ، وقال الناس : أما إذ قتل الحسين فليس أحد ينازع ابن الزبير . وبلغ ذلك يزيد ، وقيل له : إن عمرو بن سعيد [ ص: 600 ] لو شاء لبعث إليك برأس ابن الزبير ، أو يحاصره حتى يخرجه من الحرم . فبعث فعزله ، وولى الوليد بن عتبة في هذه السنة ، وقال بعضهم : في مستهل ذي الحجة . فأقام للناس الحج في هذه السنة ، وحلف يزيد ليبعثن إلى ابن الزبير فليؤتين به في سلسلة من فضة ، وبعث بها مع البريد ومعه برنس من خز ; لتبر يمينه ، فلما مر البريد على مروان وهو بالمدينة ، وأخبره بما هو قاصد له وما معه من الغل أنشأ مروان يقول :
فخذها فما هي للعزيز بخطة وفيها مقال لامرئ متذلل
أعامر إن القوم ساموك خطة وذلك في الجيران غزل بمغزل
أراك إذا ما كنت في القوم ناصحا يقال له بالدلو أدبر وأقبل
فلما انتهت الرسل إلى عبد الله بن الزبير ، بعث مروان ابنيه عبد الملك وعبد العزيز ليحضرا مراجعته في ذلك ، وقال : أسمعاه قولي في ذلك . قال عبد العزيز : فلما جلس الرسل بين يديه جعلت أنشده ذلك وهو يسمع ولا أشعره ، فالتفت إلي فقال : أخبرا أباكما أني أقول :
إني لمن نبعة صم مكاسرها إذا تناوحت القصباء والعشر
ولا ألين لغير الحق أسأله حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
قال عبد العزيز : فما أدري أيهما كان أعجب !
قال أبو معشر : لا خلاف بين أهل السير أن الوليد بن عتبة حج [ ص: 601 ] بالناس في هذه السنة وهو أمير الحرمين ، وعلى البصرة والكوفة عبيد الله بن زياد ، وعلى خراسان وسجستان سلم بن زياد أخو عبيد الله بن زياد ، وعلى قضاء الكوفة شريح ، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة .
=================فصل في ذكر شيء من فضائله
روى البخاري ، من حديث شعبة ومهدي بن ميمون ، عن محمد بن أبي يعقوب ، سمعت ابن أبي نعم قال : سمعت عبد الله بن عمر ، وسأله رجل من أهل العراق عن المحرم يقتل الذباب ، فقال : أهل العراق يسألون عن قتل الذباب ، [ ص: 583 ] وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هما ريحانتاي من الدنيا " ؟ ! ورواه الترمذي عن عقبة بن مكرم ، عن وهب بن جرير عن أبيه ، عن محمد بن أبي يعقوب به نحوه ، أن رجلا من أهل العراق سأل ابن عمر عن دم البعوض يصيب الثوب ، فقال ابن عمر : انظروا إلى أهل العراق يسألون عن دم البعوض ، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر تمام الحديث . ثم قال : حسن صحيح .
وقال الإمام أحمد : ثنا أبو أحمد ، ثنا سفيان ، عن أبي الجحاف ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أحبهما فقد أحبني ، ومن أبغضهما فقد أبغضني " . يعني حسنا وحسينا .
وقال الإمام أحمد : ثنا تليد بن سليمان ، كوفي ، ثنا أبو الجحاف ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي والحسن والحسين وفاطمة فقال : " أنا حرب لمن حاربكم ، سلم لمن سالمكم " . تفرد بهما الإمام أحمد .
وقال الإمام أحمد : حدثنا ابن نمير ، ثنا حجاج ، يعني ابن دينار ، عن جعفر بن إياس ، عن عبد الرحمن بن مسعود ، عن أبي هريرة قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه حسن وحسين ، هذا على عاتقه ، وهذا على عاتقه ، [ ص: 584 ] وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة ، حتى انتهى إلينا ، فقال له رجل : يا رسول الله ، والله إنك لتحبهما . فقال : " من أحبهما فقد أحبني ، ومن أبغضهما فقد أبغضني " . تفرد به أحمد .
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثني عقبة بن خالد ، حدثني يوسف بن إبراهيم التميمي ، أنه سمع أنس بن مالك يقول : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي أهل بيتك أحب إليك ؟ قال : " الحسن والحسين " . قال : وكان يقول : " ادع لي ابني " . فيشمهما ويضمهما إليه . وكذا رواه الترمذي عن أبي سعيد الأشج به ، وقال : حسن غريب من حديث أنس .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر وعفان ، عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر ، فيقول : " الصلاة يا أهل البيت ، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " . ورواه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد ، عن عفان به ، وقال : غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة .
وقال الترمذي : حدثنا محمود بن غيلان ، ثنا أبو أسامة ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عدي بن ثابت ، عن البراء ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر حسنا وحسينا [ ص: 585 ] فقال : " اللهم إني أحبهما فأحبهما " . ثم قال : حسن صحيح .
وقد روى الإمام أحمد ، عن زيد بن الحباب ، عن الحسين بن واقد ، وأهل السنن الأربعة من حديث الحسين بن واقد ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا ، إذ جاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران ، يمشيان ويعثران ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فحملهما ، فوضعهما بين يديه ، ثم قال : " صدق الله : " إنما أموالكم وأولادكم فتنة " فنظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران ، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما " . وهذا لفظ الترمذي ، وقال : غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن واقد .
ثم قال : حدثنا الحسن بن عرفة ، ثنا إسماعيل بن عياش ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن راشد ، عن يعلى بن مرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسينا ، حسين سبط من الأسباط " . ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن . ورواه أحمد ، عن عفان ، عن وهيب ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم به . ورواه الطبراني ، عن بكر بن سهل ، عن عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن راشد بن [ ص: 586 ] سعد ، عن يعلى بن مرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الحسن والحسين سبطان من الأسباط " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو نعيم ، ثنا سفيان ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن ابن أبي نعم ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري وغيره ، عن يزيد بن أبي زياد ، وقال : حسن صحيح .
وقد رواه أبو القاسم البغوي ، عن داود بن رشيد ، عن مروان الفزاري ، عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعم ، عن أبيه ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ، إلا ابني الخالة يحيى وعيسى ، عليهما السلام " . وأخرجه النسائي من حديث مروان بن معاوية الفزاري به . ورواه سويد بن سعيد ، عن محمد بن حازم ، عن الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد .
وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن ربيع بن سعد ، عن أبي سابط قال : دخل حسين بن علي المسجد ، فقال جابر بن عبد الله : " من أحب أن ينظر [ ص: 587 ] إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى هذا " . سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . تفرد به أحمد .
وروى الترمذي والنسائي من حديث إسرائيل ، عن ميسرة بن حبيب ، عن المنهال بن عمرو ، عن زر بن حبيش ، عن حذيفة ، أن أمه بعثته ليستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ولها . قال : فأتيته فصليت معه المغرب ، ثم صلى حتى صلى العشاء ، ثم انفتل فتبعته ، فسمع صوتي فقال : " من هذا ؟ حذيفة ؟ " قلت : نعم . قال : " ما حاجتك ؟ غفر الله لك ولأمك ، إن هذا ملك لم ينزل إلى الأرض قبل هذه الليلة ، استأذن ربه بأن يسلم علي ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ، ولا يعرف إلا من حديث إسرائيل . وقد روي مثل هذا من حديث علي بن أبي طالب ، ومن حديث الحسين نفسه ، وعمر وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس وابن مسعود وأنس وغيرهم ، وفي أسانيده كلها ضعف ، والله أعلم .
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا موسى بن مطير ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحسن والحسين : " من أحبني فليحب هذين " .
[ ص: 588 ] وقال الإمام أحمد : ثنا سليمان بن داود ، ثنا إسماعيل ، يعني ابن جعفر ، أخبرني محمد ، يعني ابن أبي حرملة ، عن عطاء ، أن رجلا أخبره أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يضم إليه حسنا وحسينا ويقول : " اللهم إني أحبهما فأحبهما " . وقد روي عن أسامة بن زيد وسلمان الفارسي شيء يشبه هذا ، وفيه ضعف وسقم . والله أعلم .
وقد قال الإمام أحمد : ثنا أسود بن عامر ، ثنا كامل ، وأبو المنذر أنا كامل - قال أسود : أنا المعنى - عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء ، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره ، فإذا رفع رأسه أخذهما أخذا رفيقا ، فيضعهما على الأرض ، فإذا عاد عادا ، حتى قضى صلاته أقعدهما على فخذيه . قال : فقمت إليه فقلت : يا رسول الله ، أردهما ؟ فبرقت برقة فقال لهما : " الحقا بأمكما " . قال : فمكث ضوءها حتى دخلا .
وقد روى موسى بن عثمان الحضرمي ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة نحوه . وقد روي عن أبي سعيد وعمر قريب من هذا .
[ ص: 589 ] وقال الإمام أحمد : ثنا عفان ، ثنا معاذ بن معاذ ، ثنا قيس بن الربيع ، عن أبي المقدام ، عن عبد الرحمن الأزرق ، عن علي قال : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا نائم على المنامة ، فاستسقى الحسن أو الحسين ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة لنا بكئ فحلبها فدرت ، فجاءه الآخر فنحاه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت فاطمة : يا رسول الله ، كأنه أحبهما إليك ؟ قال : " لا ، ولكنه استسقى قبله " . ثم قال : " إني وإياك وهذين وهذا الراقد في مكان واحد يوم القيامة " . تفرد به أحمد ، ورواه أبو داود الطيالسي ، عن عمرو بن ثابت ، عن أبيه ، عن أبي فاختة ، عن علي ، فذكر نحوه . وقد روي عن أبي سعيد الخدري وعن ميمونة وأم سلمة أمي المؤمنين مثله أو نحوه .
وقد ثبت أن عمر بن الخطاب كان يحبهما ويكرمهما ويحملهما ويعطيهما في الديوان كما يعطي أباهما ، وجيء مرة بحلل من اليمن ، فقسمها بين أبناء الصحابة ، ولم يعطهما منها شيئا ، وقال : ليس فيها شيء يصلح لهما . ثم بعث إلى نائب اليمن ، فاستعمل لهما حلتين تناسبهما .
وقال محمد بن سعد : أنا قبيصة بن عقبة ثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن [ ص: 590 ] العيزار بن حريث قال : بينما عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة إذ رأى الحسين بن علي مقبلا ، فقال : هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء .
وقال الزبير بن بكار حدثني أحمد بن سليمان ، عن الدراوردي ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر ، وهم صغار لم يبلغوا ، ولم يبايع صغيرا إلا منا . وهذا مرسل غريب .
وقال محمد بن سعد : أنا يعلى بن عبيد ، ثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : حج الحسين بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا ، ونجائبه تقاد بين يديه .
وحدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، ثنا حفص بن غياث ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، أن الحسين بن علي حج ماشيا ، وإن نجائبه تقاد وراءه . والصواب أن ذلك إنما هو الحسن أخوه ، كما حكاه البخاري .
وقال المدائني : جرى بين الحسن والحسين كلام فتهاجرا ، فلما كان بعد ذلك أقبل الحسن إلى الحسين ، فأكب على رأسه فقبله ، وقال : إن الذي [ ص: 591 ] منعني من ابتدائك بهذا أني رأيت أنك أحق بالفضل مني ، فكرهت أن أنازعك ما أنت أحق به .
وحكى الأصمعي ، عن ابن عون ، أن الحسن كتب إلى الحسين يعيب عليه إعطاء الشعراء ، فقال الحسين : إن خير المال ما وقى العرض .
وقد روى الطبراني : حدثنا أبو حنيفة محمد بن حنيفة الواسطي ، ثنا يزيد بن عمرو بن البراء الغنوي ، ثنا سليمان بن الهيثم قال : كان الحسين بن علي يطوف بالبيت ، فأراد أن يستلم ، فأوسع له الناس ، والفرزدق بن غالب ينظر إليه ، فقال رجل : يا أبا فراس ، من هذا ؟ فقال الفرزدق :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم
هذا التقي النقي الطاهر العلم يكاد يمسكه عرفان راحته
ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم إذا رأته قريش قال قائلها
إلى مكارم هذا ينتهي الكرم يغضي حياء ويغضى من مهابته
فما يكلم إلا حين يبتسم [ ص: 592 ] في كفه خيزران ريحها عبق
بكف أروع في عرنينه شمم مشتقة من رسول الله نسبته
طابت عناصره والخيم والشيم لا يستطيع جواد بعد غايته
ولا يدانيه قوم إن هم كرموا أي العشائر ليست في رقابهم
لأولية هذا أو له نعم من يعرف الله يعرف أولية ذا
فالدين من بيت هذا ناله الأمم
هكذا أوردها الطبراني في ترجمة الحسين في " معجمه الكبير " وهو غريب ، فإن المشهور أنها من قيل الفرزدق في علي بن الحسين ، لا في أبيه ، وهو أشبه ; فإن الفرزدق لم ير الحسين إلا وهو مقبل إلى الحج والحسين ذاهب إلى العراق ، فسأل الحسين الفرزدق عن الناس ، فذكر له ما تقدم ، ثم إن الحسين قتل بعد مفارقته له بأيام يسيرة ، فمتى رآه يطوف بالبيت ؟ ! والله أعلم .
وروى هشام ، عن عوانة قال : قال عبيد الله بن زياد لعمر بن سعد : أين الكتاب الذي كتبته إليك في قتل الحسين ؟ فقال : مضيت لأمرك وضاع الكتاب . فقال له ابن زياد : لتجيئن به . قال : ضاع . قال : والله لتجيئن به . قال : ترك والله يقرأ على عجائز قريش أعتذر إليهن بالمدينة ، أما والله لقد نصحتك في حسين نصيحة لو نصحتها أبي سعد بن أبي وقاص لكنت قد أديت حقه . فقال عثمان بن زياد أخو عبيد الله : صدق عمر والله ، ولوددت والله أنه ليس من بني زياد رجل إلا وفى أنفه خزامة إلى يوم القيامة وأن حسينا لم يقتل . قال : فوالله ما أنكر ذلك عليه عبيد الله====))))ذكر من توفي فيها من الأعيان
الحسين بن علي رضي الله عنهما ، ومعه بضعة عشر من أهل بيته ، قتلوا جميعا بكربلاء ، وقيل : بضعة وعشرون كما تقدم . وقتل معهم جماعة من الأبطال والفرسان .
جابر بن عتيك بن قيس ، أبو عبد الله الأنصاري
شهد بدرا وما بعدها ، وكان حامل راية بني معاوية يوم الفتح . كذا قال ابن الجوزي . قال : وتوفي في هذه السنة عن إحدى وسبعين سنة .
حمزة بن عمرو الأسلمي
صحابي جليل القدر ، ثبت في " الصحيحين " عن عائشة ، أنها قالت : سأل حمزة بن عمرو رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 602 ] فقال : إني كثير الصيام ، أفأصوم في السفر ؟ فقال له " إن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر " . وقد شهد فتح الشام وكان هو البشير للصديق يوم أجنادين .
قال الواقدي : وهو الذي بشر كعب بن مالك بتوبة الله عليه ، فأعطاه ثوبيه .
وروى البخاري في " التاريخ " بإسناد جيد عنه ، أنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة ، فأضاءت لي أصابعي حتى جمعت عليها كل متاع كان للقوم .
اتفقوا على أنه توفي في هذه السنة ، أعني سنة إحدى وستين .
شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري الحجبي
صاحب مفتاح الكعبة ، كان أبوه ممن قتله علي بن أبي طالب يوم أحد كافرا ، وأظهر شيبة الإسلام يوم الفتح ، وشهد حنينا وفي قلبه شيء من الشك ، وقد هم بالفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأطلع الله على ذلك رسوله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره بما هم به ، فأسلم باطنا ، وجاد إسلامه ، وقاتل يومئذ وصبر فيمن صبر .
قال الواقدي ، عن أشياخه : إن شيبة قال : كنت أقول والله لو آمن [ ص: 603 ] بمحمد جميع الناس ما آمنت به . فلما فتح مكة ، وخرج إلى هوازن خرجت معه ; رجاء أن أجد فرصة آخذ بثأر قريش كلها منه . قال : فاختلط الناس ذات يوم ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته ، فدنوت منه ، وانتضيت سيفي لأضربه به ، فرفع لي شواظ من نار كاد يمحشني ، فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " يا شيبة ، ادن مني " . فدنوت منه ، فوضع يده على صدري ، وقال : " اللهم أعذه من الشيطان " قال : فوالله ما رفع يده حتى لهو يومئذ أحب إلي من سمعي وبصري ، ثم قال : " اذهب فقاتل " . قال : فتقدمت إلى العدو ، والله لو لقيت أبي لقتلته لو كان حيا ، فلما تراجع الناس قال لي : " يا شيبة ، الذي أراد الله بك خير مما أردت لنفسك " . ثم حدثني بكل ما كان في نفسي مما لم يطلع عليه أحد إلا الله عز وجل ، فتشهدت وقلت : أستغفر الله . فقال : " غفر الله لك " .
ولي الحجابة بعد عثمان بن طلحة ، واستقرت الحجابة في بنيه وبيته إلى اليوم ، وإليه ينسب بنو شيبة ، وهم حجبة الكعبة .
قال خليفة بن خياط وغير واحد : توفي سنة تسع وخمسين .
وقال محمد بن سعد : بقي إلى أيام يزيد بن معاوية .
وقال ابن الجوزي في " المنتظم " : مات في هذه السنة .
[ ص: 604 ] عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ، صحابي جليل ، ممن انتقل إلى دمشق ، وله بها دار ، ولما مات أوصى إلى يزيد بن معاوية وهو أمير المؤمنين .
الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ، أبو وهب القرشي العبشمي ، وهو أخو عثمان بن عفان لأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب ، وللوليد من الإخوة خالد وعمارة وأم كلثوم ، وقد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه بعد وقعة بدر من بين الأسرى صبرا بين يديه ، فقال : يا محمد ، من للصبية ؟ فقال : " لهم النار " وكذلك فعل بالنضر بن الحارث .
وأسلم الوليد هذا يوم الفتح ، وقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات بني المصطلق ، فخرجوا يتلقونه ، فظن أنهم إنما خرجوا لقتاله ، فرجع فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأراد أن يجهز إليهم جيشا ، فبلغهم ذلك ، فجاء من جاء منهم ليعتذروا إليه ويخبروه بصورة ما وقع ، فأنزل الله تعالى في الوليد : ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة الآية [ الحجرات : 6 ] . ذكر ذلك غير واحد من المفسرين . والله أعلم بصحة ذلك . وقد حكى [ ص: 605 ] أبو عمرو بن عبد البر على ذلك الإجماع .
وقد ولاه عمر صدقات بني تغلب ، وولاه عثمان نيابة الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص سنة خمس وعشرين ، ثم شرب الخمر وصلى بأصحابه ، ثم التفت إليهم فقال : أزيدكم ؟ ووقع منه تخبيط ، ثم إن عثمان جلده وعزله عن الكوفة بعد أربع سنين فأقام بها ، فلما جاء علي إلى العراق سار إلى الرقة ، واشترى له عندها ضيعة ، وأقام بها معتزلا جميع الحروب التي كانت أيام علي ومعاوية وما بعدها إلى أن توفي بضيعته هذه ، ودفن بها في هذه السنة ، وهي على خمسة عشر ميلا من الرقة ، ويقال : إنه توفي في أيام معاوية . فالله أعلم .
روى له الإمام أحمد وأبو داود حديثا واحدا في فتح مكة ، وقد ذكر ابن الجوزي وفاته في هذه السنة ، وذكر أيضا وفاة أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية ، وقد تقدم ذكر وفاتها في سنة إحدى وخمسين ، وقيل : إنها توفيت سنة ثلاث وستين . وقيل : سنة ست وستين . والصواب ما ذكرناه .
أم سلمة أم المؤمنين
هند بنت أبي أمية حذيفة - وقيل : سهيل - بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية ، كانت أولا تحت ابن عمها أبي سلمة بن عبد الأسد ، فمات عنها ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخل [ ص: 606 ] بها في شوال سنة ثنتين بعد وقعة بدر ، وقد كانت سمعت من زوجها أبي سلمة حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها . إلا أبدله الله خيرا منها " . قالت : فلما مات أبو سلمة قلت ذلك ، ثم قلت : ومن هو خير من أبي سلمة أول رجل هاجر ؟ ! . ثم عزم الله لي فقلتها ، فأبدلني الله خيرا منه ، رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكانت من حسان النساء وعابداتهن .
قال الواقدي : توفيت سنة تسع وخمسين ، وصلى عليها أبو هريرة .
وقال ابن أبي خيثمة : توفيت في أيام يزيد بن معاوية قلت : والأحاديث المتقدمة في مقتل الحسين تدل على أنها عاشت إلى ما بعد مقتله . والله أعلم . رضي الله عنها وأرضاها ====================ثم دخلت سنة ثنتين وستين
يقال : فيها قدم وفد أهل المدينة على يزيد بن معاوية ، فأكرمهم وأجازهم بجوائز سنية ، ثم عادوا من عنده بالجوائز فخلعوه ، وولوا عليهم عبد الله بن حنظلة الغسيل ، فبعث إليهم يزيد جندا في السنة الآتية إلى المدينة ، فكانت وقعة الحرة على ما سنبينه في التي بعدها ، إن شاء الله تعالى ، وقد كان يزيد عزل عن الحجاز عمرو بن سعيد بن العاص ، وولى عليهم الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، فلما دخل المدينة احتاط على الأموال والحواصل والأملاك ، وأخذ العبيد الذين لعمرو بن سعيد فحبسهم ، وكانوا نحوا من ثلاثمائة عبد ، فتجهز عمرو بن سعيد إلى يزيد فركب وبعث إلى عبيده أن يخرجوا من السجن ويلحقوا به ، وأعد لهم إبلا يركبونها ، ففعلوا ذلك ، فما لحقوه حتى وصل إلى يزيد ، فلما دخل عليه أكرمه واحترمه ورحب به يزيد ، وأدنى مجلسه ، ثم إنه عاتبه في تقصيره في شأن ابن الزبير ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ، وإن جل أهل مكة والحجاز مالئوه علينا وأحبوه ، ولم يكن لي جند أقوى بهم عليه لو ناهضته ، وقد كان يحذرني ويحترس مني ، وكنت أرفق به كثيرا ، وأداريه لأستمكن منه فأثب عليه ، مع أني قد ضيقت عليه ومنعته من أشياء كثيرة ، وجعلت على مكة وطرقها وشعابها [ ص: 608 ] رجالا لا يدعون أحدا يدخلها حتى يكتبوا إلي اسمه واسم أبيه ، ومن أي بلاد الله هو وما جاء له ، وماذا يريد ، فإن كان من أصحابه أو ممن أرى أنه يريده رددته صاغرا ، وإلا خليت سبيله ، وقد وليت الوليد ، وسيأتيك من عمله وأمره ما لعلك تعرف به فضل مبالغتي في أمرك ومناصحتي لك ، إن شاء الله ، والله يصنع لك ويكبت عدوك . فقال له يزيد : أنت أصدق ممن رماك وحملني عليك ، وأنت ممن أثق به وأرجو معونته وأدخره لرأب الصدع ، وكفاية المهم وكشف نوازل الأمور العظام . في كلام طويل .
وأما الوليد بن عتبة فإنه أقام بالحجاز ، وقد هم مرارا أن يبطش بعبد الله بن الزبير ، فلا يجده إلا متحذرا ممتنعا ، قد أعد للأمور أقرانها ، وثار باليمامة رجل آخر يقال له : نجدة بن عامر الحنفي . حين قتل الحسين ، وخالف يزيد بن معاوية ولم يخالف ابن الزبير بل بقي على حدة ، له أصحاب يتبعونه ، فإذا كان ليلة عرفة دفع الوليد بن عتبة بالجمهور ، وتخلف عنه أصحاب ابن الزبير وأصحاب نجدة ، ثم يدفع كل فريق وحدهم . ثم كتب نجدة إلى يزيد : إنك بعثت إلينا رجلا أخرق ، لا يتجه لأمر رشد ولا يرعوي لعظة الحكيم ، فلو بعثت إلينا رجلا سهل الخلق ، لين الكنف ، رجوت أن يسهل من الأمور ما استوعر منها ، وأن يجتمع ما تفرق ، فانظر في ذلك ، فإن فيه صلاح خواصنا وعوامنا ، [ ص: 609 ] إن شاء الله تعالى .
قالوا : فعزل يزيد الوليد ، وولى عثمان بن محمد بن أبي سفيان ، فسار إلى الحجاز ، وإذا هو فتى غر حدث غمر ، لم يمارس الأمور ، فطمعوا فيه ، ولما دخل المدينة بعث إلى يزيد منها وفدا ، فيهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري ، وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي ، والمنذر بن الزبير ، ورجال كثير من أشراف أهل المدينة فقدموا على يزيد ، فأكرمهم وأحسن إليهم وأعظم جوائزهم ، ثم انصرفوا راجعين إلى المدينة ، إلا المنذر بن الزبير ، فإنه سار إلى صاحبه عبيد الله بن زياد بالبصرة ، وكان يزيد قد أجازه بمائة ألف نظير أصحابه من أولئك الوفد ، ولما رجع وفد المدينة إليها أظهروا شتم يزيد وعيبه ، وقالوا : قدمنا من عند رجل ليس له دين ، يشرب الخمر ، وتعزف عنده القينات بالمعازف ، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه . فتابعهم الناس على خلعه ، وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل على الموت ، وأنكر عليهم عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ورجع المنذر بن الزبير من البصرة إلى المدينة ، فوافق أولئك على خلع يزيد ، وأخبرهم عنه أنه يشرب الخمر ويسكر حتى يترك الصلاة ، وعابه أكثر مما عابه أولئك ، فلما بلغ ذلك يزيد قال : اللهم إني آثرته وأكرمته ففعل ما قد رأيت ، فأدركه وانتقم منه . ثم إن يزيد بعث إلى أهل المدينة النعمان بن بشير ينهاهم عما صنعوا ، ويحذرهم غب ذلك ، ويأمرهم بالرجوع إلى السمع والطاعة [ ص: 610 ] ولزوم الجماعة ، فسار إليهم ففعل ما أمره يزيد وخوفهم الفتنة ، وقال لهم : إن الفتنة وخيمة . وقال : لا طاقة لكم بأهل الشام . فقال له عبد الله بن مطيع العدوي : ما حملك يا نعمان على تفريق جماعتنا وفساد ما أصلح الله من أمرنا ؟ فقال له النعمان : أما والله لكأني بك لو قد نزلت تلك التي تدعو إليها ، وقامت الرجال على الركب تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف ، ودارت رحا الموت بين الفريقين ، وكأني بك قد ضربت جنب بغلتك إلى مكة وخلفت هؤلاء المساكين - يعني الأنصار - يقتلون في سككهم ومساجدهم ، وعلى أبواب دورهم . فعصاه الناس ، فلم يسمعوا منه ، فانصرف وكان الأمر والله كما قال سواء .
قال ابن جرير : وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة . كذا قال ، وفيه نظر ، فإنه إن كان وفد أهل المدينة - وقد رجعوا من عند يزيد - فإنما وفدهم عثمان بن محمد بن أبي سفيان ، وإن كان قد حج بالناس فيها الوليد فما قدم وفد المدينة إلى يزيد إلا في أول سنة ثلاث وستين ، وهو أشبه . والله أعلم . )))))))))))))» ثم دخلت سنة ثنتين وستين
ما وقع فيها من أحداث
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان
إظهار التشكيل
|
إخفاء التشكيل
مسألة: الجزء الحادي عشر التحليل الموضوعي
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان
بريدة بن الحصيب الأسلمي ، كان إسلامه حين اجتاز به رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 611 ] وهو مهاجر إلى المدينة عند كراع الغميم ، فلما كان هناك تلقاه بريدة في ثمانين نفسا من أهله ، فأسلموا ، وصلى بهم صلاة العشاء ، وعلمه ليلتئذ صدرا من سورة " مريم " ، ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بعد أحد ، فشهد بقية المشاهد كلها ، وأقام بالمدينة ، فلما فتحت البصرة نزلها واختط بها دارا ، ثم خرج إلى غزو خراسان ، فمات بمرو في خلافة يزيد بن معاوية . ذكر موته غير واحد في هذه السنة .
الربيع بن خثيم
أبو يزيد الثوري الكوفي ، أحد أصحاب ابن مسعود . قال له عبد الله بن مسعود : ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين ، ولو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك . وكان ابن مسعود يجله كثيرا .
وقال الشعبي : كان الربيع من معادن الصدق ، وكان أورع أصحاب ابن مسعود . وقال ابن معين : لا يسأل عن مثله .
وله مناقب كثيرة جدا ، أرخ ابن الجوزي وفاته في هذه السنة .
علقمة بن قيس أبو شبل النخعي الكوفي
كان من أكابر أصحاب [ ص: 612 ] ابن مسعود وعلمائهم ، وكان يشبه بابن مسعود . وقد روى علقمة عن جماعة من الصحابة ، وعنه خلق من التابعين .
عقبة بن نافع الفهري
بعثه معاوية إلى إفريقية في عشرة آلاف ، فافتتحها ، واختط القيروان ، وكان موضعها غيضة لا ترام ; من السباع والحيات والحشرات ، فدعا الله تعالى ، فجعلن يخرجن بأولادهن من الأوكار والجحار ، فبناها ولم يزل بها حتى هذه السنة .
غزا أقواما من البربر والروم ، فقتل شهيدا ، رضي الله عنه .
عمرو بن حزم
صحابي جليل ، استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على نجران وعمره سبع عشرة سنة ، وأقام بها مدة ، وأدرك أيام يزيد بن معاوية .
مسلمة بن مخلد الأنصاري الزرقي
ولد عام الهجرة ، وسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشهد فتح مصر ، وولي الجند بها لمعاوية ويزيد ، ومات في ذي القعدة من هذه السنة .
نوفل بن معاوية الديلي
صحابي جليل ، شهد بدرا وأحدا والخندق [ ص: 613 ] مع المشركين ، وكانت له في المسلمين نكاية ، ثم أسلم وحسن إسلامه ، وشهد فتح مكة وحنينا ، وحج مع أبي بكر سنة تسع ، وشهد حجة الوداع ، وعمر ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الإسلام . قاله الواقدي . قال : وأدرك أيام يزيد بن معاوية . وقال ابن الجوزي : مات في هذه السنة .
وفيها توفيت الرباب بنت امرئ القيس امرأة الحسين بن علي التي كانت حاضرة أهل العراق إذ هم يعدون في السبت أو في الجمعة على زوجها الحسين بن علي ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ..=====================================ثم دخلت سنة ثلاث وستين
ففيها كانت وقعة الحرة ، وكان سببها أن أهل المدينة لما خلعوا يزيد ، وولوا على قريش عبد الله بن مطيع ، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر وعلى قبائل المهاجرين معقل بن سنان الأشجعي ، فلما كان في أول هذه السنة أظهروا ذلك ، واجتمعوا عند المنبر ، وجعل الرجل منهم يقول : قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي هذه . ويلقيها عن رأسه ، ويقول الآخر : قد خلعته كما خلعت نعلي هذه . حتى اجتمع شيء كثير من العمائم والنعال هناك ، ثم اجتمعوا على إخراج عامل يزيد من بين أظهرهم ، وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان ابن عم يزيد ، وعلى إجلاء بني أمية من المدينة ، فاجتمعت بنو أمية وهم قريب من ألف رجل في دار مروان بن الحكم ، وأحاط بهم أهل المدينة يحاصرونهم ، واعتزل الناس علي بن الحسين زين العابدين ، وكذلك عبد الله بن عمر بن الخطاب لم يخلع يزيد ، ولا أحد من أهل بيته ، وقد قال ابن عمر لأهله : لا يخلعن أحد منكم يزيد فيكون الفيصل - ويروى : الصيلم - بيني وبينه . وسيأتي هذا الحديث بلفظه وإسناده في ترجمة يزيد ، وأنكر على أهل المدينة في مبايعتهم لابن مطيع وابن حنظلة على الموت ، وقال : إنما كنا نبايع [ ص: 615 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر . وكذلك لم يخلع يزيد أحد من بني عبد المطلب ، وقد سئل محمد ابن الحنفية في ذلك ، فامتنع من ذلك وأبى أشد الإباء ، وناظرهم وجادلهم في يزيد ورد عليهم ما اتهموه به من شربه الخمر وتركه بعض الصلوات ، كما سيأتي مبسوطا في ترجمة يزيد قريبا ، إن شاء الله تعالى .
وكتب بنو أمية إلى يزيد بما هم فيه من الحصر والإهانة ، والجوع والعطش ، وأنه إن لم يبعث إليهم من ينقذهم مما هم فيه وإلا استؤصلوا عن آخرهم ، وبعثوا ذلك مع البريد ، فلما قدم بذلك على يزيد وجده جالسا على سريره ورجلاه في ماء يتبرد مما به من النقرس في رجليه ، فلما قرأ الكتاب انزعج لذلك ، وقال : ويلك ! أما فيهم ألف رجل ؟ قال : بلى . قال : أفلا قاتلوا ولو ساعة من نهار ؟ ثم بعث إلى عمرو بن سعيد بن العاص ، فقرأ عليه الكتاب ، واستشاره فيمن يبعثه إليهم ، وعرض عليه ذلك ، فأبى وقال : إن أمير المؤمنين عزلني عنها وهي مضبوطة ، وأمورها محكمة ، فأما الآن فإنما هي دماء قريش تراق بالصعيد ، فلا أحب أن أتولى ذلك منهم ، ليتول ذلك من هو أبعد منهم مني . قال : فبعث البريد إلى مسلم بن عقبة المري وهو شيخ كبير ضعيف ، فانتدب لذلك ، وأرسل معه يزيد عشرة آلاف فارس وقيل : اثني عشر ألفا ونادى منادي يزيد بدمشق أن سيروا على أخذ أعطياتكم كاملا ومعونة أربعين دينارا . قال [ ص: 616 ] المدائني : ويقال : في سبعة وعشرين ألفا ; اثنا عشر ألف فارس وخمسة عشر ألف راجل ، وأعطى كل واحد مائة دينار . وقيل : أربعين دينارا . ثم استعرضهم يزيد وهو على فرس له .
قال : المدائني : وجعل على أهل دمشق عبد الله بن مسعدة الفزاري ، وعلى أهل حمص حصين بن نمير السكوني ، وعلى أهل الأردن حبيش بن دلجة القيني ، وعلى أهل فلسطين روح بن زنباع الجذامي وشريك الكناني ، وعلى أهل قنسرين طريف بن الحسحاس الهلالي ، وعليهم جميعا مسلم بن عقبة المري ، مرة غطفان ، فقال النعمان بن بشير : يا أمير المؤمنين ، ولني عليهم أكفك - وكان النعمان أخا عبد الله بن حنظلة لأمه عمرة بنت رواحة - فقال يزيد : لا ، ليس لهم إلا هذا العشمة ، والله لا أقبلهم بعد إحساني إليهم وعفوي عنهم مرة بعد مرة . فقال النعمان : أنشدك الله يا أمير المؤمنين في عشيرتك وأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال له عبد الله بن جعفر : أرأيت إن رجعوا إلى طاعتك أتقبل ذلك منهم ؟ قال : إن فعلوا فلا سبيل عليهم . وقال يزيد لمسلم بن عقبة : إذا قدمت [ ص: 617 ] المدينة ولم تصد عنها ، وسمعوا وأطاعوا فلا تتعرض لأحد منهم ، وامض إلى الملحد ابن الزبير ، وإن صدوك عن المدينة فادعهم ثلاثا ، فإن رجعوا إلى الطاعة فاقبل منهم وكف عنهم ، وإلا فاستعن بالله وقاتلهم ، وإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا ، ثم اكفف عن الناس ، وقيل : إنه قال لمسلم بن عقبة : إذا ظهرت عليهم فإن كان قتل منبني أمية أحد فجرد السيف ، واقتل المقبل والمدبر ، وأجهز على الجريح وانهبها ثلاثا ، وانظر إلى علي بن الحسين فاكفف عنه واستوص به خيرا ، وأدن مجلسه ; فإنه لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه . وأمره إذا فرغ من المدينة أن يذهب إلى مكة لحصار ابن الزبير وقال له : إن حدث بك أمر فعلى الناس حصين بن نمير السكوني .
وقد كان يزيد كتب إلى عبيد الله بن زياد أن يسير إلى ابن الزبير ، فيحاصره بمكة ، فأبى عليه وقال : والله لا أجمعهما للفاسق أبدا ، أقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأغزو البيت الحرام ؟ ! وقد كانت أمه مرجانة قالت له حين قتل الحسين : ويحك ! ماذا صنعت ؟ ! وماذا ركبت ؟ !
قالوا : وقد بلغ يزيد أن ابن الزبير يقول في خطبته : يزيد القرود ، شارب الخمر .
فلما جهز مسلم بن عقبة واستعرض الجيش بدمشق ، جعل يقول :
[ ص: 618 ]
أبلغ أبا بكر إذا الجيش سرى وأشرف الجيش على وادي القرى أجمع سكران من القوم ترى
يا عجبا من ملحد يا عجبا مخادع للدين يقفو بالفرى
وفي رواية :
أبلغ أبا بكر إذا الأمر انبرى ونزل الجيش على وادي القرى
عشرون ألفا بين كهل وفتى أجمع سكران من القوم ترى
قالوا : وسار مسلم بمن معه من الجيوش إلى المدينة ، فلما اقترب منها اجتهد أهل المدينة في حصار بني أمية ، وقالوا لهم : والله لنقتلنكم عن آخركم أو لتعطونا موثقا أن لا تدلوا علينا أحدا من هؤلاء الشاميين ، ولا تمالئوهم علينا . فأعطوهم العهود بذلك ، فلما وصل الجيش تلقاهم بنو أمية ، فجعل مسلم يسألهم عن الأخبار ، فلا يخبره أحد فانحصر لذلك ، وجاءه عبد الملك بن مروان فقال له : إن كنت تريد النصر فانزل شرقي المدينة في الحرة ، فإذا خرجوا إليك كانت الشمس في أقفيتكم وفي وجوههم ، فادعهم إلى الطاعة ، فإن أجابوك وإلا فاستعن بالله وقاتلهم ، فإن الله ناصرك عليهم ; إذ خالفوا الإمام ، وخرجوا من الطاعة . فشكره مسلم بن عقبة على ذلك ، وامتثل ما أشار به ، فنزل شرقي [ ص: 619 ] المدينة في الحرة ، ودعا أهلها ثلاثة أيام ، كل ذلك يأبون إلا المحاربة والمقاتلة ، فلما مضت الثلاث قال لهم في اليوم الرابع - وهو يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين - قال لهم : يا أهل المدينة ، مضت الثلاث ، وإن أمير المؤمنين قال لي : إنكم أصله وعشيرته ، وإنه يكره إراقة دمائكم ، وإنه أمرني أن أؤجلكم ثلاثا ، فقد مضت فما أنتم صانعون ؟ أتسالمون أم تحاربون ؟ فقالوا : بل نحارب . فقال : لا تفعلوا ، بل سالموا ونجعل جدنا وقوتنا على هذا الملحد . يعني ابن الزبير . فقالوا له : يا عدو الله ، لو أردت ذلك لما مكناك منه ، أنحن نذركم تذهبون فتلحدون في بيت الله الحرام ؟ ! ثم تهيئوا للقتال ، وقد كانوا اتخذوا خندقا بينهم وبين مسلم بن عقبة وجعلوا جيشهم أربعة أرباع ، على كل ربع أمير ، وجعلوا أجل الأرباع الربع الذي فيه عبد الله بن حنظلة الغسيل ، ثم اقتتلوا قتالا شديدا ، ثم انهزم أهل المدينة إليها ، وقد قتل من الفريقين خلق من السادات والأعيان ، منهم ; عبد الله بن مطيع ، وبنون له سبعة بين يديه ، وعبد الله بن حنظلة الغسيل ، وأخوه لأمه محمد بن ثابت بن شماس ، ومحمد بن عمرو بن حزم ، وقد مر به مروان بن الحكم وهو مجدل ، فقال : رحمك الله ، فكم من سارية قد رأيتك تطيل عندها القيام والسجود .
ثم أباح مسلم بن عقبة الذي يقول فيه السلف : مسرف بن عقبة . قبحه [ ص: 620 ] الله المدينة ثلاثة أيام كما أمره يزيد لا جزاه الله خيرا ، وقتل خلقا من أشرافها وقرائها ، وانتهب أموالا كثيرة منها ، ووقع شر عظيم وفساد عريض ، على ما ذكره غير واحد ، فكان ممن قتل بين يديه صبرا معقل بن سنان الأشجعي ، وقد كان صديقه قبل ذلك ، ولكن أسمعه في يزيد كلاما غليظا ، فنقم عليه بسببه .
واستدعى بعلي بن الحسين فجاء يمشي بين مروان بن الحكم وابنه عبد الملك ، ليأخذ له بهما عنده أمانا ، ولم يشعر أن يزيد قد أوصاه به ، فلما جلس بين يديه استدعى مروان بشراب - وقد كان مسلم بن عقبة قد حمل معه من الشام ثلجا إلى المدينة فكان يشاب له بشرابه - فلما جيء بالشراب ، شرب مروان قليلا ، ثم أعطى الباقي لعلي بن الحسين ليأخذ له بذلك أمانا ، وكان مروان موادا لعلي بن الحسين ، فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قد أخذ الإناء في يده قال له : لا تشرب من شرابنا . ثم قال له : إنما جئت مع هذين لتأمن بهما . فارتعدت يد علي بن الحسين وجعل لا يضع الإناء من يده ولا يشربه ، ثم قال له : لولا أن أمير المؤمنين أوصاني بك لضربت عنقك . ثم قال له : إن شئت أن تشرب فاشرب ، وإن شئت دعونا لك بغيرها . فقال : هذه التي في كفي أريد . فشرب ثم قال له مسلم بن عقبة إلي ، هاهنا . فأجلسه معه على السرير ، وقال له : إن أمير المؤمنين أوصاني بك ، وإن هؤلاء شغلوني عنك . ثم قال : لعل أهلك فزعوا . قال : إي والله . فأمر بدابته فأسرجت ، ثم حمله عليها حتى رده إلى منزله مكرما ، ثم استدعى بعمرو بن عثمان بن عفان - ولم يكن خرج مع بني أمية - فقال له : إنك إن ظهر أهل المدينة قلت : أنا كنت معكم . وإن ظهر أهل [ ص: 621 ] الشام قلت : أنا ابن أمير المؤمنين . ثم أمر به ، فنتفت لحيته بين يديه .
قال المدائني : وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثا ، يقتلون الناس ، ويأخذون الأموال . فأرسلت سعدى بنت عوف المرية إلى مسلم بن عقبة تقول : أنا بنت عمك ، فمر أصحابك أن لا يتعرضوا لإبل لنا بمكان كذا وكذا . فقال لأصحابه لا تبدءوا إلا بإبلها . وجاءت امرأة فقالت : أنا مولاتك ، وابني في الأسارى . فقال : عجلوه لها . فضربت عنقه ، وقال : أعطوها رأسه ، أما ترضين أن لا تقتلي حتى تتكلمي في ابنك ؟ ووقعوا على النساء حتى قيل : إنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج .
قال المدائني ، عن أبي قرة قال : قال هشام بن حسان : ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد الحرة من غير زوج .
وقد اختفى جماعة من سادات الصحابة ، منهم جابر بن عبد الله ، وخرج أبو سعيد الخدري فلجأ إلى غار في جبل ، فلحقه رجل من أهل الشام . قال : فلما رأيته انتضيت سيفي فقصدني ، فلما رآني صمم على قتلي ، فشمت سيفي ، ثم قلت : إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين [ المائدة : 29 ] . [ ص: 622 ] فلما رأى ذلك قال : من أنت ؟ قلت : أنا أبو سعيد الخدري قال : صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : نعم . فمضى وتركني .
قال المدائني : وجيء إلى مسلم بسعيد بن المسيب ، فقال له : بايع . فقال : أبايع على سيرة أبي بكر وعمر . فأمر بضرب عنقه ، فشهد رجل أنه مجنون ، فخلى سبيله .
وقال المدائني عن علي بن عبد الله القرشي وأبي إسحاق التميمي قالا : لما انهزم أهل المدينة يوم الحرة صاح النساء والصبيان ، فقال ابن عمر : بعثمان ورب الكعبة .
[ ص: 623 ] قال المدائني عن شيخ من أهل المدينة قال : سألت الزهري : كم كان القتلى يوم الحرة ؟ قال : سبعمائة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار ، ووجوه الموالي ، وممن لا يعرف من حر وعبد وغيرهم عشرة آلاف . قال : وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين ، وانتهبوا المدينة ثلاثة أيام .
قال الواقدي وأبو معشر : كانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من [ ص: 624 ] ذي الحجة سنة ثلاث وستين .
قال الواقدي ، عن عبد الله بن جعفر عن ابن عوف قال : وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير ، وكانوا يسمونه العائذ ، ويرون الأمر شورى . وجاء الخبر إلى أهل مكة بما حصل لأهل المدينة ليلة مستهل المحرم ، مع سعيد مولى المسور بن مخرمة ، فحزنوا حزنا شديدا ، وتأهبوا لقتال أهل الشام .
قال ابن جرير : وقد رويت قصة الحرة على غير ما رواه أبو مخنف فحدثني أحمد بن زهير ، ثنا أبي ، سمعت وهب بن جرير ، ثنا جويرية بن أسماء قال : سمعت أشياخ أهل المدينة يحدثون أن معاوية لما حضرته الوفاة دعا ابنه يزيد فقال له : إن لك من أهل المدينة يوما ، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإنه رجل قد عرفت نصيحته . فلما هلك معاوية وفد إليه وفد من أهل المدينة ، وكان ممن وفد عليه عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر - وكان شريفا فاضلا سيدا عابدا - معه ثمانية بنين له ، فأعطاه مائة ألف درهم ، وأعطى بنيه ، كل واحد منهم عشرة آلاف سوى كسوتهم وحملانهم ، فلما قدم المدينة عبد الله بن حنظلة أتاه الناس فقالوا : ما وراءك ؟ قال : جئتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلا بني هؤلاء [ ص: 625 ] لجاهدته بهم . قالوا : قد بلغنا أنه أعطاك وأحذاك وأكرمك . قال : قد فعل ، وما قبلت منه إلا لأتقوى به . فحض الناس فبايعوه ، فبلغ ذلك يزيد ، فبعث إليهم مسلم بن عقبة ، وقد بعث أهل المدينة إلى كل ماء بينهم وبين الشام فصبوا فيه زقا من قطران وعوروه ، فأرسل الله على جيش الشام السماء مدرارا ، فلم يستقوا بدلو حتى وردوا المدينة ، فخرج إليهم أهل المدينة بجموع كثيرة وهيئة لم ير مثلها ، فلما رآهم أهل الشام هابوهم وكرهوا قتالهم ، ومسلم شديد الوجع ، فبينما الناس في قتالهم إذ سمعوا التكبير من خلفهم في جوف المدينة ، وأقحم عليهم بنو حارثة من أهل الشام وهم على الجدد ، فانهزم الناس ، فكان من أصيب في الخندق أكثر ممن قتل من الناس ، فدخلوا المدينة ، [ ص: 626 ] وهزم الناس وعبد الله بن حنظلة مستند إلى الجدار يغط نوما ، فنبهه ابنه ، فلما فتح عينيه ، ورأى ما صنع الناس ، أمر أكبر بنيه فتقدم حتى قتل ، فدخل مسلم بن عقبة المدينة ، فدعا الناس للبيعة على أنهم خول ليزيد بن معاوية ، يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء .
وقد روى ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد الصمد من " تاريخه " من كتاب المجالسة لأحمد بن مروان المالكي ، ثنا الحسين بن الحسن اليشكري ، ثنا الزيادي ، عن الأصمعي ( ح ) وحدثني محمد بن الحارث ، عن المدائني قال : لما قتل أهل الحرة هتف هاتف بمكة على أبي قبيس مساء تلك الليلة ، وابن الزبير جالس يسمع :
قتل الخيار بنو الخيا ر ذوو المهابة والسماح
والصائمون القائمو ن القانتون أولو الصلاح
المهتدون المتقو ن السابقون إلى الفلاح
ماذا بواقم والبقيع من الجحاجحة الصباح
وبقاع يثرب ويحهن من النوادب والصياح
[ ص: 627 ] فقال ابن الزبير لأصحابه : يا هؤلاء ، قتل أصحابكم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وقد أخطأ يزيد خطأ فاحشا في قوله لمسلم بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيام ، وهذا خطأ كبير ، فإنه وقع في هذه الثلاثة أيام من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ما لا يحد ولا يوصف ، مما لا يعلمه إلا الله عز وجل .
وقد أراد بإرسال مسلم بن عقبة توطيد سلطانه وملكه ، ودوام أيامه ، فعاقبه الله بنقيض قصده ، فقصمه الله قاصم الجبابرة ، وأخذه أخذ عزيز مقتدر .
قال البخاري في " صحيحه " : حدثنا الحسين بن حريث ، ثنا الفضل بن موسى ، ثنا الجعيد ، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص ، عن أبيها قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء " .
وقد رواه مسلم من حديث أبي عبد الله القراظ المدني - واسمه [ ص: 628 ] دينار - عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص " أو : " ذوب الملح في الماء " .
وفي رواية لمسلم من طريق أبي عبد الله القراظ ، عن سعد وأبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أنس بن عياض ، ثنا يزيد بن خصيفة ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن عطاء بن يسار ، عن السائب بن خلاد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا " . ورواه النسائي من غير وجه ، عن علي بن حجر ، عن إسماعيل بن جعفر ، عن يزيد بن خصيفة ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن عطاء بن يسار عن ابن [ ص: 629 ] خلاد من بلحارث بن الخزرج ، أخبره ، فذكره . وكذلك رواه الحميدي عن عبد العزيز بن أبي حازم ، عن يزيد بن خصيفة . ورواه النسائي أيضا ، عن يحيى بن حبيب بن عربي ، عن حماد ، عن يحيى بن سعيد ، عن مسلم بن أبي مريم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن خلاد ، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكره .
وقال ابن وهب : أخبرني حيوة بن شريح ، عن ابن الهاد ، عن أبي بكر ، عن عطاء بن يسار عن السائب بن خلاد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من أخاف أهل المدينة أخافه الله ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " .
وقال الدارقطني : ثنا علي بن أحمد بن الهيثم ، ثنا أبي ، ثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر ، ثنا أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن أنيس الأنصاري ، عن محمد وعبد الرحمن ابني جابر بن عبد الله قالا : خرجنا [ ص: 630 ] مع أبينا يوم الحرة ، وقد كف بصره فقال : تعس من أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقلنا : يا أبت ، وهل أحد يخيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من أخاف هذا الحي من الأنصار فقد أخاف ما بين هذين " . ووضع كفيه على جنبيه قال الدارقطني : تفرد به سعد بن عبد الحميد لفظا وإسنادا . وقد استدل بهذا الحديث وأمثاله من ذهب إلى الترخيص في لعنة يزيد بن معاوية ، وهو رواية عن أحمد بن حنبل اختارها الخلال ، وأبو بكر عبد العزيز ، والقاضي أبو يعلى ، وابنه القاضي أبو الحسين ، وانتصر لذلك الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في مصنف مفرد وجوز لعنه ، ومنع من ذلك آخرون - وصنفوا فيه أيضا - لئلا يجعل لعنه وسيلة إلى أبيه أو أحد من الصحابة ، وحملوا ما صدر عنه من سوء التصرفات على أنه تأول وأخطأ ، وقالوا : إنه كان مع ذلك إماما فاسقا ، والإمام إذا فسق لا يعزل بمجرد ذلك ، على أصح قولي العلماء ، بل ولا يجوز الخروج عليه ; لما في ذلك من إثارة الفتنة ، ووقوع الهرج ، كما جرى .
وأما ما يذكره بعض الناس من أن يزيد بن معاوية لما بلغه خبر أهل المدينة ، [ ص: 631 ] وما جرى عليهم عند الحرة من مسلم بن عقبة وجيشه ، فرح بذلك فرحا شديدا ، فإنه كان يرى أنه الإمام ، وقد خرجوا عن طاعته ، وأمروا عليهم غيره ، فله قتالهم حتى يرجعوا إلى الطاعة ، ولزوم الجماعة ، كما أنذرهم بذلك على لسان النعمان بن بشير ومسلم بن عقبة ثلاثة أيام كما تقدم ، وقد جاء في الحديث الصحيح : " من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنا من كان " . وأما ما يوردونه عنه من الشعر في ذلك ، واستشهاده بشعر ابن الزبعرى في وقعة أحد التي يقول فيها :
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حكت بقباء بركها واستحر القتل في عبد الأشل
قد قتلنا الضعف من أشرافهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل
وقد زاد بعض الروافض فيها فقال :
لعبت هاشم بالملك فلا ملك جاء ولا وحي نزل
فهذا إن قاله يزيد بن معاوية فلعنة الله عليه ولعنة اللاعنين ، وإن لم يكن قاله فلعنة الله على من وضعه عليه ليشنع عليه به وعلى ملوك المسلمين ، وسنذكر ترجمة يزيد بن معاوية قريبا ، وما ذكر عنه ، وما قيل فيه ، وما كان يعانيه من الأفعال والقبائح والأقوال ، في السنة الآتية ، فإنه لم يمهل بعد وقعة الحرة وقتل الحسين إلا يسيرا حتى قصمه الله الذي قصم الجبابرة قبله [ ص: 632 ] وبعده ، إنه كان عليما قديرا .
وقد توفي في هذه السنة خلق من المشاهير والأعيان من الصحابة وغيرهم في وقعة الحرة مما يطول ذكرهم ; فمن مشاهيرهم من الصحابة عبد الله بن حنظلة أمير المدينة ، الذي بايعه أهل الحرة ، ومعقل بن سنان ، وعبد الله بن زيد بن عاصم ، رضي الله عنهم ، ومسروق بن الأجدع .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق