الأربعاء، 28 أكتوبر 2015

 قصة النبي يوسف عليه السّلام »

بَلَغ  النبي إبراهيمُ عليه السلام= من العُمرِ مئةَ عام؛ وكانَ عمرُ زوجتِه سارةَ تِسعينَ سنة.. هو شيخٌ طاعِنُ في السنّ، وهي إرأةٌ عَجوز.
ليس عِندَهُما أطفالٌ ولا أولاد.
فإسماعيلُ ابنُه عُمرهُ أربَعَةَ عَشَر سنةً، وهو في مكّة، وكان إبراهيمُ يزوره بين عامٍ وآخر.
تَذكُرونَ يا أعزّاءنا في قصةَ سيّدِنا لوط.. تَذكُرونَ الضُّيوفَ الثلاثةَ الذين جاءوا لإنقاذِ لوطٍ من تلك القريةِ الفاسدةِ التي كانت تعملُ المُنكَر..
وتَذكرونَ أنّهم مَرُّوا أولاً بسيّدِنا إبراهيمِ.. لقد حَزَنَ سيّدُنا إبراهيمُ من أجلِ قومِ لوطٍ وما يَنتظرهُم من المَصيرِ الأسوَدِ بسببِ أعمالهم..
اللهُ ربُّنا وحتى يُدخِلَ الفَرَحَ في قلبِ إبراهيمَ بَشّرَهُ بوَلدٍ من سارة.. ولدٍ اسمُه إسحاق.. سَيكون نبيّاً من الأنبياء. وسَيكونُ من إسحاقَ وَلدٌ هو الآخَرُ سيكون نبيّاً له شأن.
سارةُ سَمِعت البُشرى فشَعَرت بالدَّهشَة.. قالت:
ـ كيفَ ألِدُ وأنا عجوزٌ وهذا بَعْلي شَيْخاً، إنّ هذا لَشيءٌ عَجيب ؟!
الملائكةُ قالت:
ـ لا تَعْجَبي من أمرِ الله.. إنّ اللهَ قادرٌ على كلِّ شيء..
وهكذا حدَثَت المُعجزة..
المرأةُ العجوزُ التي بَلَغَت التِّسعينَ من العمرِ تُنجِبُ صبيّاً هو إسحاقُ النبيّ.. كانَ إنساناً كريماً..
سيدُنا إبراهيم ابتهَجَ بمَولدِه لأنّ في سُلالَتهِ أنبياء كثيرين يحملون رسالةَ التوحيدِ والنور للناسِ جميعاً.
فنَشَأ إسحاقُ وحملَ مِيراثَ إبراهيم.. حملَ رسالةَ اللهِ، وكانَ أميناً في تَبليغِها مِثل كلِّ الأنبياء..
وتَحقّقت بِشارةُ الملائكةِ، فقد رَزَقَ الله إسحاقَ صبيّاً، هو يعقوب..
اللهُ سبحانه بارَكَ في آلِ إبراهيم.. أصبَحَ يعقوبُ نبيّاً، فحَملَ الأمانةَ ونَهضَ بحملِ الرسالة.
وتَزوّجَ سيدُنا يعقوبُ، فرَزقَه الله عشرةَ بنَين: شَمعون، لاوي، راوبين، يهوذا، يساكر، زوبولون، دان، نفتالى، جادو، أشير.
ثمّ تزوّجَ سيّدُنا يعقوب من راحيلَ ابنةِ خالهِ، فوُلِد يوسفُ، ثم شَقيقُه بَنامِين.
وهكذا أصبحَ لسيّدِنا يعقوبَ اثنا عَشرَ ولداً..
عاشَ آلُ إبراهيمَ في أرضِ فلسطينَ.. تلكَ الأرض الطيّبة المَليئة بالمُروجِ الخَضراءِ والمَراعي وأشجارِ الزَّيتون.
كان سيّدُنا يعقوبُ كأبيه إسحاقَ وجدِّه إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ كريماً يُساعِدُ الفُقراءَ ويُكرِمُ الضُّيوفَ والغُرَباء..
لهذا كانَ سيّدُنا يعقوبُ يَذبَحُ في كلّ يومٍ كَبْشاً، فيُطعِمُ مِن لَحمهِ الفقراءَ ويأكلُ هو وعِيالُه منه.
وكانَ هناك رجلٌ صالحٌ اسمُه دميال؛ دميال كان رجُلاً فقيراً، وكان ذلكَ اليومَ صائماً.. لم يكن عنده طَعامٌ لإفطارِه، كان يَنتظرُ أن يَبعَثَ يعقوبُ إليه بالطعام..
سيّدُنا يعقوبُ كعادتهِ ذَبحَ كبشاً، ووَزّعَ لحمَهُ على الفقراءِ، وتعشّى هو وعيالُه منه، وباتُوا ليلتَهم تلك شِباعاً.
أمّا الرجلُ الفقيرُ دميال فقد نامَ جائعاً ونوى الصومَ في الغد.
كانَ دميال ذلك اليومَ صائماً، وضاعَفَ ألمَ الجُوعِ أنّه لم يَجِد شيئاً يُفطِرُ به في العشاء.. نام جائعاً.. تَحمَّل آلامَ الجُوع ونام..
الرؤيا
وفي تلك الليلةِ.. بدأت حوادثُ القصّةِ المُثيرة التي وقَعَت قبل آلافِ السنين.
كان يوسفُ قد بَلَغ من العمرِ تِسعَ سِنين.. فتىً جميلٌ يَشُعّ النورُ من عينَيه، قلبُه مُفعَمٌ بالطُّهر..
كان جَمالُه يَتلألأ في وجههِ.. في عَينَيهِ التي تَشعّانِ صَفاءً.
من أجلِ هذا أحبَّه أبوه كما لمَ يُحِبَّ أحداً غيرَه.
سيّدُنا يعقوبُ كانَ يتَوسَّمُ فيه النبوّةَ.. ربّما يَختارهُ الله نبيّاً من بعده..
كان يوسفُ جميلاً ليس في وجههِ فقط، بل في رُوحهِ وأخلاقهِ وصِفاتِه.
عندما يراه المرءُ يَشعرُ أنه أمامَ مَلاكٍ هبَطَ من السماءِ، لهذا كانَ محبوباً من الجميع...
وكانَ أعظمَهُم حُبّاً له أبوه يعقوب.. كانَ يوسفُ طاهراً طُهْرَ قَطَرات النَّدى، وكانت عَيناهُ صافيتين صفاءَ السماء، وكان وجهُه يَتألّقُ كالنجوم.
من أجلِ هذا حَسَدَهُ إخوَتُه العشَرة... في البدايةِ حَسَدوه ثمّ حَقَدوا عليه.. وبعدها كانوا يَتمنَّون له الموت؛ وربّما خَطّطوا للتخلّصِ منه!
في تلك الليلة أغَمض يوسفُ عَينَيه وهو غافلٌ عمّا يَحُوكُ إخوتُه مِن دَسائسَ ومُؤامرات.
ورأى يوسفُ حُلماً عجيباً.. رأى أحَدَ عَشَرَ كوكباً، ورأى الشمسَ والقمرَ... رأى الجميعَ يَسجُدون له..
كانَ مَشهداً رائعاً يَبهَرُ الناظر.. شَعرَ يوسفُ أنّ تل الكواكبَ وأن الشمسَ والقمرَ لها شعورٌ وادراكٌ، وأنها جاءت بإرادتها لِتسَجُد له وتَخضَعَ عند قدَمَيه!!
أمرٌ عجيب.. تَعَجّبَ يوسف.. وأحَسَّ أن تلكَ الأجرامَ السماويّةَ المُنيرةَ تَبتسمُ له وتُمجّده.
أضاءت الرؤيا قلبَه.. وهَزَّت وُجدانَهُ.. واستيقَظَ يوسفُ.. وما تزال الرؤيا تُهيمنُ على مشاعرِهِ وأحاسيسِه..
كانت الرؤيا تملأ قلبَه وصدرَه وكيانَه.. وكانت صُورُ الكواكبِ والشمسِ القمرِ تَتراءى له، لَكأنّها ما تزالُ ماثلةً أمامه.
هَزَّت الرؤيا وجدانَهُ، لأنّه لا يعرفُ تفسيرَها. حارَ في تعبيرِها لهذا جاء إلى أبيه وقال:
 يا أبتِ إنّي رَأيتُ أحَدَ عَشَرَ كَوكباً والشَّمسَ والقَمَرَ رَأيتُهُم لي ساجِدين .
يا أبي رأيتُهم اجتَمَعوا جميعاً ثم سَجَدوا.. شَعَرتُ أنّ تلك الكواكبَ كانت تُدرِكُ ما تَفعَل.. شَعَرتُ أنّها تَبتسمُ لي، ثمّ سَجَدتْ أمامي بخضوع.
أصغى سيّدُنا يعقوب باهتمامٍ إلى رؤيا يوسف.. أدركَ أنّ ليوسفَ شأناً في المستقبل.. شأناً عظيماً..
قال لابنهِ بإشفاق:
ـ  يا بُنَيّ لا تَقْصُصْ رُؤياكَ على إخوَتِكَ فيَكيدوا لكَ كَيداً.. إنّ الشيطانَ للإنسانِ عدوٌّ مُبين .
يا بُنيّ، لا تُخبِر إخوتَكَ بهذه الرؤيا العجيبة.. لأنّهم سوف يَحسُدونَكَ وقد يُوَسوِسُ الشيطانُ في أنفسِهم..
إنّ الله سبحانه يا يوسفُ سوف يَختارُك لإبلاغِ رسالتهِ.. وسوف يُعلّمكَ تعبيرَ الرُّؤى والأحاديث.. سيُبارِكُكَ الله يا ولدي كما بارَكَ آباءك من قبلُ.. إبراهيمَ وإسحاقَ، وكما بارك آلَ يعقوب.
المؤامرة
تضاعَفَ الحَسَدُ في نفوسِ الإخوة العَشْرةِ.. وازدادَ حِقدُهم على يوسف.. ربّما سَمِعوا بالرؤيا! أو لعلّهم رأوا حُبَّ أبيهِم يَزدادُ أكثرَ فأكثر..
كانوا يذهبونَ كلَّ يومٍ إلى البَوادي لرَعْيِ الماشيةِ، وكانوا يُفكّرونَ في شيءٍ واحدٍ فقط هو: كيف يَتَخلّصونَ مِن يوسف!
الشيطانُ وَسْوَسَ في نفوسِهم، فَكّروا في قتلِه.. ولكن كيف ؟!
الشيطانُ وَسوَسَ في صدوِرهم، قالوا: نأخُذُه مَعَنا إلى المَراتِع، ثمّ نَتَخلّصُ منه!
وهكذا كانت المُؤامرة.
مرّتْ أيامٌ وهُم يَتظاهرونَ بحُبِّ يوسُف.. يَبْتَسِمونَ له ويُحَبّبونَ له الذَّهابَ معهم إلى الفَلاة؛ يَلعَبُ في تلك المُروجِ الجميلة.
كان يوسفُ بَريئاً طيّباً.. وكان طاهراً طُهْرَ قميصهِ الأبيضِ الجميل.
لهذا صَدَّقَهم.. صَدَّق حُبَّهمُ الكاذبَ، وأحبَّ الذَّهابَ معهم إلى الباديةِ تلك الأرض الواسعةِ والآفاقِ الجميلةِ والمُروجِ الخضراء.
ولكنّ سيّدَنا يعقوب كانَ يخافُ على ولدِه الغَدْرَ، كان لا يَسمَحُ له بالذَّهاب.
ذاتَ مساءٍ جاء الإخوةُ العشرةُ من الفَلاة.. ابتَسَموا ليوسفَ، قالوا له:
ما أجملَ تلكَ المَراتِعَ والمُروج! ما أجمَلَ تلك الفَلَوات.. لقد استَمْتَعنا كثيراً ولَعِبنا كثيراً، لماذا لا تأتي معنا يا يوسف ؟
يوسفُ كان يُحبّ الذهابَ؛ ولكنّه أيضاً كان يُطيعُ أباه، وهو لا يَفعلُ شيئاً دونَ إذنهِ.
إخوةُ يوسفَ العشرةُ قالوا:
سوف نَتحدّثُ مع والدِنا ليسمَحَ لك بالذَّهابِ معنا..
وَفرِح يوسف.
جلسَ الجميعُ حول مأدبةِ العشاء، وتناوَلوا طعامَهم بصَمت، وكان الإخوةُ العَشرةُ وحدَهُم يَتبادلونَ نَظَراتٍ ذاتَ معنى.
كانوا قد نَسَجوا مؤامرةً دنيئة كما تَنسِج العَنكبوتُ بَيتَها المُخيف.
في البدايةِ ابتَسَموا وتظاهَروا بحبِّ يوسف، وقالوا لأبيهم:
ـ يا أبانا ما لَكَ لا تَأمَنّا على يوسفَ وإنّا لَه لَناصحون.
نحنُ نُحبُّ يوسف يا أبانا.. نُحبُّه كثيراً.
 يا أبانا أرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَه لَحافِظون .
يا أبانا دَعْهُ يَنطلق معنا في الغدِ إلى المَراتع ليَلعبَ ويَلهو... سنُحافِظُ عليه ونَردُّه سالماً.
كان يعقوبُ لا يرغبُ بذهابِ يوسف مع أخوتهِ. إنّهم يَحسُدونَه وقد يَخدَعهُم الشيطانُ فيَغدرون به.
لهذا قال لهم بحزن:
ـ  إنّي لَيَحزُنني أن تَذْهَبوا بهِ، وأخافُ أن يَأُكُلَه الذِّئبُ وأنتم عَنهُ غافِلون .
يا أولادي أنا أُحِبُّ يوسف.. إنّه ما يزالُ صغيراً وقد تَغفلون عنه، والذئابُ كثيرةٌ فيَفترسه ذئب.
قال أَبناؤه العشرة:
ـ نحنُ عَشرةُ فِتيان فكيف يأكُلُه الذئب ؟! سنُحافِظُ عليه كالرِّجال الأقوياء؛ و  لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذاً لَخاسِرون .
وأقسَمَ الإخوةُ العشرةُ على أن يُحافظوا على يوسفَ حتى يَرُدّوه سالماً.
سَكَت يعقوبُ عليه السّلام ولم يَقُل شيئاً، وأدرك الجميعُ أنّه قد رَضِي بقضاء الله.
الذئابُ البشرية
طَلَع الفجرُ.. واستَعدّ الإخوةُ العشرةُ للانطلاقِ إلى البَوادي البعيدةِ حيثُ المُروجُ الخضراءُ والفَلَواتُ والنَّسائمُ الطيّبة.
وجاء يوسفُ مُبتَهِجاً بِذَهابهِ معهم.
كانوا يَبتسِمونَ له فتَضاعَفَ حُبُّه لهم. كان يوسفُ مِثلَ مَلاكٍ ليس في قلبهِ الطاهرِ سوى المحبّةِ والرحمة والطِّيبة.
وهكذا انطلَقَ الجميعُ يَسُوقونَ الماشية.
وعندما أمعَنوا في الفلاةِ وغابَتْ عن العُيونِ مَضاربُ الخِيامِ.. غابت تلكَ الابتساماتُ الكاذبة.. ذابت كما يَذوبُ المِلحُ في المياه.
جاءَ يهوذا وصَفَع يوسفَ بشدّةٍ وصاحَ به:
ـ أسرِعْ يا بنَ راحِيل!
تَعجّبَ يوسفُ لهذا العمل.. نَظَر إلى أخيهِ بِدَهشَة.. تَصوَّر أنّه يَمْزَحُ معه... ولكنْ لا! إنّ عَينَيهِ تَبرقانِ بالشَّرّ؛ وقد ظَهرَت أسنانُه مثلَ أنيابِ ذئبٍ مُتوحِّش..
شَعَر يوسفُ بالخوف.. وأسرَعَ في مَشيه.. فُوجئ بِرَكْلَةٍ من أخٍ آخَر!! سقَطَ على وجههِ، ونَظَر إلى مَن رَكَلَه، كانَ شَمْعُون.
قال يوسف بألم!!
ـ لماذا يا شَمعون ؟ أنا أخوك.. أنا ابنُ يعقوب.
صاح راوبين:
ـ اسكُتْ لا تَتفوَّه أبداً، أنتَ ابنُ راحِيل..
بكى يوسفُ، خَنَقته العَبْرةُ، قال لهم:
أنا أخوكُم.. أنا يوسف.
تَحَلّقوا حولَهُ جمَيعاً وصاحوا:
ـ بَلْ أنت عَدوُّنا.. عَدوّنا الذي استحْوَذَ على قلب يعقوب.
بَرقَت العيونُ بالشرِّ، واستَلَّ أحدُهُم خنجرَهُ لِيقتُلَه. ركضَ يوسفُ.. لا يدري أينَ يَذهب..
ركضَوا وراءه وأمَسكوا به.. انهالُوا علَيه بالضَّرب.. نَزَف من أنفِه الدمُ..
تبادلَ الإخوةُ العشرةُ النَّظرات..
قالَ أحدُهم:
ـ ماذا تَنتظرون ؟! هذه فُرصَتُنا للتخلّصِ منه.
قال آخَرُ بصوتٍ يُشبِهُ فَحيحَ الأفاعي:
ـ لنَأخُذْه إلى مكانٍ بعيدٍ ونَرميه.. وهناكَ تَفترسُه الذئابُ وتُريحُنا منه.
اعترضَ بعضُهم قائلاً:
ـ وربّما استطاعَ العَودةَ فيفَضَحنا أمامَ أبينا.
قال شمعون:
ـ أُصْغُوا إليَّ.. نَذهبُ به إلى طريق القَوافل.. هناك بئرٌ عميقةُ الغَور... نُلقيهِ في البئر.. فإمّا أن يموتَ فيها أو تَنَتِشلَهُ القوافلُ وتأخُذَه بعيداً، وسوف يُباع ويُشترى مِثلَ كلِّ العبيد.
أصغى الجميعُ باهتمامٍ إلى خطّةِ شمعون، وبَرقَت العيونُ بتلك المؤامرةِ الدنيئة.
تَحوّلَ الإخوة إلى ذئابٍ لا تَعرفُ غيرَ الغَدر؛ وظلّ يوسفُ يَنظرُ إلى إخوتهِ بدهشة.. تصَوَّر نفسَه في حُلُمٍ مُخيف.. ولكنْ.. لا لا.. إنّها الحقيقة.. إنّ إخوتَه يتآمرونَ عليه منذ وقتٍ طويل.
وأخيراً تَمكّنوا من تحقيقِ هَدَفهِم.. جاءوا به إلى هذهِ الصحراءِ حتى لا يُشاهِدَهُم أحد... وحتى لا يعَرِفَ أحدٌ ماذا فعلوا بيوسف!!
نظَرَ يوسفُ إلى السماء.. تساءَلَ في نفسِه.. ألا يَدري إخوتُه أنّ الله يُراقِبهُم جميعاً ويَعرِفُ حتَّى أسرارَهُم ؟!
سَمِعَهُم يقولون:
ـ سوف نَتُوبُ من فِعلتِنا ونُصبِحُ قوماً صالحين!
في أعماق البئر
يوسفُ حتّى تلك اللحظةِ لَم يُصدِّقْ ما يَفعلُه إخوتُه به..
ولكنْ عندما وجَدَ نفسَهُ على حافّةِ البئر أدركَ أنّ الشيطانَ قد تَمكّنَ من إخوتهِ، وقد تَحوّلوا إلى ذئابٍ بشريّة لا رحمةَ في قُلوبِها.
جَرَّدُوهِ مِن قميصهِ الذي أهداه أبوه إليه.. قميصِه الأبيضِ الجميل..
كانَ يوسفُ يَهتِفُ بهم:
أنا أخوكُم.. أُريدُ أن أعودَ إلى أبي وأُمّي وخَيمَتي.. أنا أُحبُّكم يا أخوتي، لماذا تَفعلونَ بِي هكذا.. أحَقّاً تُلْقُوني في هذه البئرِ المظلمة.. شمعون.. راوبين.. يهوذا ؟!
راحَ يوسفُ يُنادِيهم باسمائِهم.. ولكنْ لا أحدَ في قلبهِ رحمةٌ لأخيهِ..
اندَفَع بعضُهم، وراح يَركُلُه بقوّةٍ. وأخيراً ضَعُفَت مُقاوَمتُه ولَم يستَطِعْ أن يَتَشبّثَ بحافةِ البئرِ، فهوَى إلى الأعماقِ المُظلِمة..
الهواءُ داخلَ البئرِ كانَ رَطْباً، والفضاءُ كانَ مُظلِماً، وكان يوسفُ يَنظُرُ إلى فُوهةِ البئر.. كانَ ينظرُ إلى السماءِ الزرقاءِ الصافية.
شَعرَ يوسفُ أن قلبَهُ يَمتلئُ بالنورِ، وأن مَلاكاً يُحدِّثُه بهدوءٍ، يقولُ له: اصبِرْ يا يوسف.. لَسَوفَ تَخرُجُ مِن هذه البئر، وسوف تُخبِرُ إخوتَكَ هؤلاءِ بما فَعَلوا بك...
غادَرَ الخَوفُ قلبَ يوسف.. لقد كانَ مُؤمناً بالله، وكانَ واثِقاً بأنّ ما حَصَلَ هو امتِحانٌ له.. لهذا صَبرَ يوسفُ، وكانَ يَنتظرُ ما يَجري بهدوء.
الصمتُ يَغمُرُ المكانَ.. يوسفُ هو الآن في البئرِ جالسٌ فوقَ الصخرةِ التي يَنبَعُ مِن تَحتِها الماء...
كان ينظرُ إلى السماء.. وشيئاً فشيئاً تلاشَت الزُّرقَة.. أدرَك أن الشمسَ قد غابَت وأن إخوَتَهُ سيَعودون.. فبكى من أجلِ أبيه... ونامَ يوسف...
الحُزن الطويل
غابَتِ الشمسُ.. وما يزالُ الإخوةُ العَشرةُ يُفكِّرونَ بِعُذرٍ مَقبولٍ يُقدّمونَهُ إلى أبيهم...
قالَ أحدُ هم: إنّ الأرضَ مَليئةٌ بالذِّئاب.. فنقول لأبينا: ذَهَبْنا نَتَسابقُ وتَرَكنا أمتِعَتَنا عند يوسفَ، فجاء الذئبُ وافتَرَسَه... ثُمّ نُعطيه قميصَ يوسفَ بعد أن نُلطِّخَهُ بالدم.
في ذلك اليومِ أنجَبَت نَعجَةٌ حَمْلاً صغيراً... وحتّى لا يَشُكَّ بهم أبوهم ذَبَحوا الحملَ الصغيرَ أمامَ أُمّه دون رحمة... ولَطَّخوا قميصَ يوسفَ بدمهِ...
وهكذا عادُوا إلى أبيهم...
كان الظلامُ قد غَمَر الأرض... اختارُوا العَودةَ في الظلامِ حتى لا يرى يعقوبُ علاماتِ الكذبِ في وجوههم.
كانَ سيّدُنا يعقوبُ واقفاً ينتظرُ عَودةَ أبنائِه. من بَعيدٍ.. سَمِعَ أصواتَ الماشيةِ، وسَمع صوتَ بُكاء...
وشيئاً فشيئاً لاحَ له أبناؤه.. ولكن يوسف لم يَكُن معهم.. جاءوا جميعُهم إلاّ يوسف..
رآهمُ يَبكونَ بصوتٍ عالٍ... يَبكون بلا دموعٍ...
سألَ يعقوب:
ـ أينَ أخوكُم يوسف.
ازدادَ بُكاؤهم.. وقَدَّم شَمعونُ قميصَ يوسفَ المُلَطَّخَ بدماءِ المؤامرةِ الدنيئة، قالَ لأبيه:
ـ ذَهَبْنا نَتَسابَقُ وتَرَكْنا أمتِعَتَنا لدى يوسف.. فجاءَ ذئبٌ وافتَرَسَ يوسف.. وَجَدْنا قَميصَهُ الدامي.. يا أبانا لقد أكَلَ الذئبُ يوسف في غفلةٍ منا.
فنظرَ يعقوبُ إلى القميصِ كانَ سالماً ليس فيه شَقٌّ واحدٌ، أدركَ يعقوبُ أنهم يَكذبونَ عليه..
قالَ وهو يبكي:
ـ ما أرأفَ ذلكَ الذئب... أكلَ حبيبي يوسفَ ولم يَشُقَّ له قميصاَ!!
تبادلَ الإخوةُ العشرةُ النَّظرات.. قالوا في أنفُسِهم: ما أغبانا! كيف غَفَلنا عن هذا الأمر ؟ لو أننا مَزَّقنا القميصَ لصَدَّقَنا أبونا.
ولكنّهم وبدَلَ أن يَعترِفوا بجريمتِهم قالوا:
ـ أنت لا تُصَدِّقُنا يا أبانا... مع أننا لا نَكذِب أبداً. لقد أكَلَ الذئبُ يوسف، وهذا قميصُه الدامي!
بكى يعقوبُ.. هَمَلت عَيناهُ بالدموعِ، وقال:
 بَلْ سَوَّلَتْ لَكُم أنفُسُكُم أمْراً فَصَبرٌ جَميلٌ واللهُ المُستَعانُ على ما تَصِفون .
قالَ يعقوبُ: سأصِبرُ، سأتَحَّمل، وأنا أعرِفُ أنَّ نفوسَكُم قد وَسْوَسَت لكم.
في تلك الليلةِ لَم يَنَمْ سيّدُنا يعقوب. كان يُفكّرُ في شيءٍ واحدٍ فقط هو: أين يوسفُ ابنُه الطاهر... ولدُه الطيِّبُ البارّ ؟ ومنذ تلكَ الليلة بدأ حزنُ يعقوبَ الطويل.
لؤلؤة في البئر
اللهُ سبحانه لم يَترُكْ يوسفَ وحيداً.. هو مع كلِّ الناسِ الطيّبين.. كان يوسفُ حزيناً، ولكنْ كانَ صابراً يَعرِفُ أنّ ماحَدَثَ هو امتحانٌ له.. لهذا كانَ ينظرُ إلى السماءِ ويُتَمِتمُ بكلماتِ الحمد.
رأى يوسفُ في عالَم الرؤيا أحَدَ عَشَرَ كوكباً ورأى الشمسَ والقمرَ، رآهُم يَهبِطونَ إلى داخلِ البئر، فامتلأ نوراً.. رآهم يَبتَسِمونَ له ويَسجُدونَ احتراماً وإجلالاً..
واستَيقظَ يوسفُ من غَفْوَتِه.. وتَطَلَّع إلى السماءِ الزرقاء.. رأى سِرْباً من الطيورِ البيضاءِ المُهاجرة.. فدَمِعَت عيناهُ من أجلِ أبيه.
مَرَّت ثلاثةُ أيّامٍ ويوسفُ في داخلِ البئر.. مِثل لؤلؤة في أعماقِ البحر... مثلِ لؤلؤةٍ في أعماقِ الظُّلمة. لا أحدَ يَعرِفُ أنّ في هذه البئر لؤلؤةً ما خَلَقَ اللهُ أجملَ منها... إنها روحُ يوسفَ ذلك الفَتى الطاهر الجميل.. لا أحدَ يعرفُ ذلك إلاّ الله سبحانه.
ثلاثةَ أيامٍ ويوسفُ لا يأكلُ شيئاً.. كان يَكتَفي بشربِ الماء... يوسفُ تَعوّدَ الصومَ كان يَصومُ مع أبيه.. فتَحمّلَ آلامَ الجُوعِ بصبر.
من أجل هذا كانت رُوحُه شفّافةً طاهرة... مِثلَ أجنحةِ الطيورِ البيضاءِ المُهاجِرة.
القافلة
مَرَّت ثلاثةُ أيامٍ على يوسفَ وهو في البئرِ، لم يَسمَعْ خلالَها سوى عُواءِ الذئابِ وهي تَجُوبُ الفَلاة.
وفجأة سَمِعَ أصواتاً غريبة! أرهَفَ سَمْعَهُ جيّداً. نعم إنّها قافلةٌ تجاريّة... عرَفَ ذلك من وَقْعِ خُطى الجِمالِ وأصواتِ الرِّجال.
تَوقَّفت القافلةُ قريباً من البئر... وأرسَلَ التجّارُ « الوارِدَ » لِيَستَقي من البئر..
ألقى الرجلُ دَلْوَهُ إلى أعماقِ البئر. كان يوسفُ يَنتظرُ هذه اللحظة.. كان الحبلُ هو حبل نجاتهِ وخَلاصهِ من البئر، تَدفَّق نَبعٌ من الفَرَح في قلبه! إنّ الله لا ينسى عبادَه، فأنقذَهَ مَن هذه البئرِ المُظلمة.
مِثلَ لؤلوةٍ تَخرُجُ مِن صَدَفةٍ.. خَرَجَ يوسفُ من البئر مِثلَ قمرٍ يَشُقُّ طريقَهُ وسطَ الظلامِ.. سَطَعَ وجهُ يوسفَ وأضاءَ المكان..
حتّى « الوارِد » لم يَخَفْ مِن المُفاجأة.. صاح:
ـ يا بُشرى! هذا غُلام.. يا لَلْفَرحة...
تجّارُ القافلةِ ظنّوا أن يوسفَ عبدٌ من العبيدِ الآبِقين، فَرَّ فسَقَطَ في هذه البئر..
لهذا لم يَسألوه عن قبيلتهِ وأصلهِ وقصّتهِ.. جَعَلوه ضمنَ البضائعِ التي سيَبيعونَها في مصر.
مصر
استأنَفَت القافلةُ طريقَها إلى مصر... وبعدَ اثنَي عَشَرَ يوماً وَصَلت إلى مصر، وهناكَ بدَأ فصلٌ جديدٌ من قصّةِ يوسف.
يوسفُ هوالآن في مصر، حيث يَختَرِقُ نهرُ النيلِ تلكَ الأرضَ ويَهَبُها الخِصْب.
يوسفُ ما يزالُ حتّى الآن صغيراً، ألقَتْ به المَقاديرُ في تلك الأرض... أصبَحَ بِضاعةً يُريدُ التجّارُ بَيْعَها في مصر.
يوسفُ تعلّم الصَّمت... ولكنّ قلبَهُ مليء بالحُبّ... بحُبِّ الله سبحانه الذي أحسَنَ إليه.
التجّارُ خافوا مِن سُكوتِه.. خافوا إذا ما تَكلّم وقال إنّه ليس عبداً لهم، لهذا أرادوا بَيعَهُ ولو بمبلغٍ زَهيد.
رأى يوسفُ نفسَه في أرضٍ جديدة؛ أرضٍ لم يَرَها من قَبلُ، رأى نهرَ النيلِ القادمِ من الجنوب... ورأى فيه الزوارقَ تَنسابُ فوق مِياهه النَّيليّة.. ورأى الفلاّحينَ يَنقلونَ المياهَ بالدِّلاءِ لريِّ حُقولِهم ومَزارعِهم.
عَرَضَت القافلةُ بضائعَها من خَشَبٍ وفِضة؛ وعَرَضت أيضاً يوسفَ. كان هَمّ التجّار بَيعه حتّى لو بثمنٍ زهيد..
في ذلك اليومِ.. جاءَ « العزيزُ » وهو المسؤول الأعلى عن أمنِ مصر، وتَفقّد بنفسِه القافلة..
رجالُ الحَرَسِ يَحفّونَ العزيزَ وهو يَستعرضُ البضائعَ والتجّارَ، ووَقَعت عيناهُ على يوسف.. تساءل عن ذلك الفتى البَهيِّ الوَجه..
قالوا له: إنه غُلامٌ للبيع..
تساءلَ عن ثمنهِ، فقالوا: نَبيعُه بعشرينِ درهماً فقط.
نَقدَهُم « العزيزُ » الثَّمنَ، وكانوا فَرِحين.. فباعُوه وكانوا فيه من الزاهدين.
وهكذا انتقَلَ يوسفُ إلى قصرٍ كبيرٍ تَحُوطُه الحدائقُ، فهو قَصرُ عزيزِ مصرَ الرجلِ الثاني في الدولة.
دَخَلَ يوسفُ القصرَ، ووَقَعَت عيناه على سيّدةٍ حَسْناءَ عَرَفَ أنها زوجةُ العزيزِ وصاحبةُ القصرِ المُنيف.
قالَ العزيزُ لزوجتهِ: « أكْرِمي مَثْواه » إنّه فتى أتوسّمُ فيه الخيرَ، ربّما يَنفَعُنا « أو نَتَّخِذهُ وَلَداً » نحن محرومونَ من الوَلَد، فلنتّخِذْ من يوسفَ ولداً لنا.
نَظَرت « زَليخا » إلى يوسف.. كان فتىً بهيَّ الطَّلعة مُشرِقَ الوجهِ يَشُعُّ من عَينَيهِ الصفاء.. لَكأنه مَلاكٌ هَبَطَ من السماء.
في ذلك اليوم اغتَسلَ يوسفُ في الحمّام وارتَدى حُلّةً جديدةً، حلّةً مصنوعةً من خيوطِ الكَتّانِ كانت أرَقَّ من الحرير.
كان المِصريّون في ذلك الزمنِ يَزرعونَ الكَتّانَ ويَنسِجونَ من خُيوطهِ أنواعَ الثيابِ والحُلَل.
كان يوسفُ يعيشُ سيّداً في القصر، ومع ذلك فقانونُ البلادِ يَعتبرُه عَبداً للعزيزِ وزوجتهِ لأنّه مِلْكٌ لهما.
وهكذا عاشَ يوسفُ في واحدٍ من أجمَلِ وأكبَرِ القُصورِ المصريّة.
ولكن هل كان يوسفُ سعيداً بحياتهِ الجديدة ؟ كلاّ.
كان يَحِنُّ إلى أبيه وإلى تلك البَوادي.. هناك يعيشُ ناعِمَ البالِ يَعبُد الله وحدَهُ ولا يُشركُ به شيئاً.
أمّا هنا.. فالناسُ يَعبُدونَ الأوثان، ويعبدونَ المَلِكَ أيضاً.
ومع ذلك عاشَ يوسفُ صابراً مؤمناً باللهِ وبأنبيائه إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوب.
عاشَ يوسفُ وكانَ قلبُه يمتلئ كلَّ يومٍ بالإيمان، وكانَ الصفاءُ يَشُعُّ من عينيهِ أكثرَ فأكثر.
كلُّ الناسِ أحَبُّوه... أحَبُّوا فيه صفاءه وشَهامَته وأخلاقَه، وهو أيضاً كان يُحبُّ الناسَ يُريدُ لهم الخير.. يُساعدُ الفقيرَ والبائس، فإذا رأى فلاّحاً مُتْعَباً ساعَدَه، أو رأى عامِلاً عَجُوزاً هَبَّ إلى إعانته.
هكذا عاشَ يوسف.. كانَ يَكبرُ كلَّ عام، وكانت رُوحُه تَكبُرُ كلَّ يومٍ، وقلبُه يَكبرُ ويَكبُر، ويَتدَفّقُ رحمةً وطِيبة.
وتَمُرّ الأعوام.. حتّى إذا بَلغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ من العمرِ ثماني عشرة سنةً أضاءت في قلبهِ الحقيقة.. أصبَحَ يَشعُرُ بها أكثر فأكثر، تُضيء مِثل الشمسِ والنجوم.
كان يوسفُ مؤمناً بالله.. لا يُحبّ أحداً مثل حُبّه لله.. لا يخافُ من أحدٍ خَوفَهُ من الله.. ولا يَهابُ أحداً غيرَ الله.
الامتحان الصعب
هو الآن في عُنْفُوانِ الشباب.. يعيشُ في قصرٍ كبيرٍ مُنيف، ولكنّ ذلك لم يُلَوِّثْ روحَهُ الطاهرة.. ظَلَّت نفسُه بيضاءَ مِثلَ أجنحةِ الحَمامِ الأبيض.
في القصرِ الكبيرِ بَدَأت مِحنَةُ يوسف. كلُّ الذينَ يَعرفون يوسفَ كانوا يُحبّونه... ولكنّ بعضَ الذينَ أحَبُّوه لم يكن حُبُّهم إلاّ محنةً ليوسف...
عاشَ يوسفُ في ذلك القصرِ المُنيفِ، وكانت سيّدةُ القصرِ إمرأةً حَسْناءَ يَهابُها الجَميع.
كان اسمُها « زَليخا ».
« زليخا » أحَبّتْ يوسف؛ عَشِقَتْهُ.. ولكنّها لم تَعْشَقْ روحَهُ الطاهرة، عَشِقَت جمالَهُ وحُسنَه.
لهذا أرادت من يوسفَ أن يكونَ لها.
أصبحَ يوسفُ أُمنيَتَها في الحياة.. لا تُفكِّرُ ألاّ فيه حتّى « شَغَفَها حُبّاً ».
تَنظُرُ إليه بحبِّ وعِشقٍ، وتتحدّثُ معه بلهجةِ الأسير الذليل.. تَتَقرّبُ إليه..
أمّا يوسفُ فكانَ يَهربُ.. إنّه لا يُريدُ لروحهِ أن تَسقُطَ في وَحَلِ الرذيلة.. يُريدُ أن يَبقى طاهراً مِثلَ قَطرةِ النَّدى، وأن تَبقى روحُه شفّافةً بيضاءَ مثلَ أجنحَةِ الحَمام.
وهكذا بَدَأت مِحنةُ يوسف.. زليخا تُريدُ منه أن يَخُون.. يَخُون العهدَ مع ربِّه، ويَخُون نفسَهُ البيضاءَ.. وهو يُريدُ منها الوَفاءَ والطُّهَر والعَفاف.
لهذا كانَ يَفِرُّ منها.. كان يَهرُبُ من الخَطيئة.. أمّا هي فكانت تَزدادُ به تَعلُّقاً.. وكانت تُفكّر بوسيلةٍ تُخضِعُه بها.
وذاتَ يومٍ خلا القصرُ إلاّ من زليخا ويوسف، كانت زليخا تَنتظرُ مِثلَ هذه الفُرصةِ..وكانَ يوسفُ يقومُ ببعضِ أعمالهِ، فإذا به يَرى زليخا تُغلِقُ أبوابَ القصرِ بإحكام.. ثمّ تَهمِسُ به قائلة:
ـ  هَيْتَ لَك .
وأدرك يوسفُ ما تريد، فهتَفَ مُستنكِراً:
ـ  مَعاذَ الله.. إنّه رَبِّي أحْسَنَ مَثْواي .
ولكن زليخا وقد تأجَّجَ في نفسِها الغَرام، حاوَلَت إرغامَه. أمّا هو فكان يزدادُ تَمَنُّعاً.. كان يَفِرُّ منها هنا وهناك في أروِقَةِ القصر...
وشيئاً فشيئاً هدأ يوسف لا يَدري كيف يَتَخلّصُ من هذه المِحنة ؟ أمّا هي فتَصَوّرت أن يوسف قد رضَخ لإرادتها.. حانَت منها التِفاتةٌ إلى صَنَمٍ في القصر.. فشَعَرت بالخجلِ من نفسِها..
لهذا ألقَتْ مَلاءةً على وجهِ الصنم... ورآها يوسف، قال لها:
ـ ماذا تَفعلين ؟!
قالت:
ـ إنني أخجَلُ من إلهي أن يَراني بهذهِ الحال!
وهنا انتَفَضَ يوسفُ، هتَفَ بشدّة:
ـ أتَستَحينَ من حَجَرٍ لا يَفْقَهُ شيئاً ولا أستَحي من ربّي وإلهي وسيّدي الذي خَلَقَني وأكرَمَني؟!
قالَ يوسفُ ذلك وفَرَّ باتّجاهِ الباب، ولكن زليخا أسرَعَت خَلْفَهُ، وتَشبَّثَت بقميصِه، فانشَقَّ القميص. وأمسَكَ يوسفُ بمقبضِ البابِ وفَتَحه.. وفي هذه اللحظةِ وَجَدا السيِّدَ في البابِ يُريد الدُّخول.
كانت زليخا في قمّةِ الهياجِ، وكانت تريدُ الانتقامَ من يوسف الذي عانَدها ورفضها، وتُبرّئ نفسها فقالت:
ـ  ما جَزاءُ مَن أرادَ بأهلِكَ سُوءً إلاّ أنْ يُسجَنَ أو عَذابٌ أليم .
ولم يكن أمام يوسف إلاّ أن يُدافعَ عن نفسهِ فقال:
ـ  هِيَ راوَدَتْني عَن نَفْسِي .
وحارَ العزيزُ ماذا يفعل ؟! وتساءل في نفسهِ عن صاحبِ الحق...
وكانَ مع العزيزِ رجلٌ آخَرُ هو ابنُ عمّ زليخا فقال:
أُنظرْ إلى قميصِ يوسف، فإن كان مَشْقوقاً من الصَّدرِ فإنّ زليخا مع الحقّ.. وإن كان القميصُ مَشقوقاً من الظَّهر فقد صَدَقَ يوسف.
ونَظَر العزيزُ إلى قميصِ يوسف.. فرآهُ مَشقوقاً من الظَّهر، فأدركَ الحقيقة.. التَفَت إلى زوجتهِ.. وقال:
ـ  إنّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنّ كَيْدَكُنَّ عَظيم .
وقال ليوسف:
ـ  أعرِضْ عن هذا  لا تُحدِّث به أحداً.
وطلب العزيزُ مِن زوجته أن تستغفر قائلاً: ـ  واستَغْفِري لذَنْبِكِ .
وانتهى كلُّ شيء.. عادت الحياةُ إلى مَجاريها مرّةً أخرى.. ولكن زليخا لم تَكُفَّ عن مُضايَقَةِ يوسف.. راحَت تُهدّدُه بالسِّجنِ والعذابِ إذا لم يَستَجِبْ لها.. أصبَحَ يوسفُ كلَّ حياتها.. حتّى أنّها تَرفُضُ اللقاءَ بأيِّ إنسانٍ حتى صَديقاتِها في المدينة. لَم يَعُدْن يَرَينَها بعد ذلك.
وشاعَت القصّةُ بين النساء... وتَعجَّبت بعضُ النِّسوةِ من زليخا، كيف تُحبُّ فتاها وعبدَها وتُراوده عن نفسهِ وهي سيّدةُ البِلاد ؟!
المَلاك
سَمِعَت زليخا بما يجري في المدينة، أنّ نساءها يَسْخَرنَ منها.. وفكّرت أن تفعلَ شيئاً يُسكِتُهنّ.
أرسَلَت زليخا وراء صديقاتِها وكُنَّ من عِلْيَةِ القَوم..
وما أسرَعَ أن لَبَّت النِّسوةُ دعوةَ زليخا، فجِئْنَ إلى قصرِها المُنيف.
كانت زليخا قد أعَدَّت لهنَّ وسائدَ وَثيرةً.. وجَلَسَت النِّسوةُ في حضرةِ زليخا ساكِتات.. وجاءَ الخَدَمُ يَحمِلونَ أطباقَ الفاكهة...
وبَدأت الأحاديثُ، ودَعَت زليخا صديقاتِها إلى تَناولِ الفاكهة..
كلُّ واحدةٍ أخَذَت سِكّيناً لتقشّرَ الفاكهة.. وكُنّ مُستَغرقاتٍ في أحاديثهنّ حتّى نَسِينَ لماذا جِئْنَ.
وفي تلك اللحظاتِ.. أشارتَ زليخا إلى أحدِ الخَدَمِ وأمَرَته باستدعاءِ يوسف حالاً.
وجاءَ يوسف... وحَدَث شيءٌ رهيب.. وقَفَ يوسفُ أمام زليخا امتثالاً لسيّدةِ القصر.. كان يَرتَدي حُلّةً جميلةً.. وأضاءَ المكانَ وجهُه الجميلُ الذي يَشُعُّ صفاءً وإيماناً.
بدا يوسفُ في تلك اللحظاتِ مَلاكاً يشّعُ بالنور، ودُهِشت النِّسوةُ لمنظرِه.. لم تَكُن النِّسوة ليَتصَوّرنّ جَمالاً بهذا السُّموّ...
إنّ جمالَ يوسف من النِّوع الآسِر.. وحَدَث شيء في نُفوسهنّ... ذُهِلْنَ عن أنفُسِهنّ ورُحنَ يُقطّعنَ أيديهنّ بالسَّكاكين دون وعي..
لقد هَيمَنَ يوسفُ على القلوب. كان جَمالهُ مَلائكياً شفّافاً يتَدفّقُ صفاءً ونوراً، وهَتَفَت النِّسوة:
ـ  حاش للهِ ما هذا بَشَراً إنْ هذا إلاّ مَلَكٌ كريم !!
تضاعَفَت مِحنةُ يوسف... وهو يرى ما حَلّ بالنسوةِ، وأصغى لما تقوله زليخا لَهُنّ:
ـ  فَذلِكُنَّ الّذِي لُمْتُنَّني فيهِ ولَئنْ لَم يَفْعَلْ ما آمُرُه لَيُسجَنَّنَ ولَيكونَّنْ مِن الصّاغِرين .
ولم يَبقَ أمامَ يوسفَ غيرُ طريقَين: أن يَستَجيبَ لِنداءِ الشيطان.. أو السِّجن...
ونظر يوسف إلى السماء، وقال بخشوع:
ـ  ربِّ السِّجنُ أحَبُّ إلَيّ مِمّا يَدْعُونَني إلَيه € .
إنّ يوسفَ يُفضّلُ السِّجنَ والعذابَ على تلك الحياةِ المُلَوّثةِ الفاسدة.
مِن أجلِ هذا استَغاثَ باللهِ في أن يُنقِذَهُ من شُرورِ الشيطان:
ـ  وإلاّ تَصْرِفْ عَنّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِن الجاهِلِين .
يوسفُ الذي أضاءت قلبَه أنوارُ السماء لا يُمكنُ أن يُصغي إلى وَسْوَسَةِ الشيطان... حتّى لو تَعذَّب في سبيلِ ذلك، حتّى لو أُلقي في السجن.
اللهُ سبحانه استَجابَ دعوةَ يوسف.. لقد رأى العزيزُ أن يَضَعَ حَدّاً للشائعاتِ الكثيرة، وأن يُلْقيَ يوسفَ في السجنِ مدّةً من الزمنِ رَيْثَما تَهدأُ الأُمور.
وهكذا سِيقَ يوسفُ بلا جَريرةٍ ولا ذنبٍ إلى السجن، ورأى السجّانُ يوسفَ فتأثرّ بأخلاقهِ وصفاتهِ، وقالَ له:
أنا أحِبُّكَ يا يوسف، إنّك إنسانَ طيِّب ومن الظپُلم أن يَسجنوك.
وتأثّرَ يوسفُ إنّه لا يُريدُ حُبّاً غيرَ حُبّ الله، فكَم تَجَرَّع الغَصَصَ من هذا الحبّ، لهذا قال يوسفُ للسجّان:
ـ لا تُحِبَّني؛ فإنّ عَمّتي أحَبَّتني فنَسَبَت إلَيّ السّرقة، وأبي أحَبَّني فحَسَدَني إخوتَي وألقَوْني في الجُبّ، وامرأةُ العزيزِ احبَّتني فألْقَوني في السِّجن.
السِّجن
يوسفُ هو الآنَ في السجن... الأيامُ تَمُرّ، والشهورُ تَمضي، ويوسفُ في السجنِ يتَحمّل كُلّ ذلك العذابِ من أجل أن يَبقى طاهراً.
وتشاءُ الأقدارُ أن يَدخُلَ السجنَ رَجُلان.. كانا من عَبيدِ المَلِك، غَضِبَ علَيهما فألقاهما في السجن... وهناك يَتَعرّفان على يوسفَ ويتأثّران بشخصيّته.
وسألَ كلٌّ صاحِبَه عن عملهِ، قال أحَدُهما:
ـ أنا ساقي المَلِك، أُقدّم له الشَّراب.
وقال الآخر:
ـ وأنا طَبّاخُ المَلِك.
وسألا يوسفَ عن صَنعتهِ، فقال: إنني أُعَبِّرُ الأحلام وأفسِّرُ الرُّؤيا..
وهكذا تَمرُّ الأيام.. وكان في السجنِ أُناسٌ كثيرون... وكانَ يوسفُ يَتفَقّدهُم جميعاً ويَرفقُ بهم؛ ويَتفقّدُ طعامَهُم ومَنامَهُم؛ فعُرِفَ بين السُّجَناءِ بالإحسان والمَحبّة للناس.
وذاتَ ليلةٍ وكانَ السُّجَناء نائمين جميعاً.. رأى ساقي المَلِكِ حُلماً.. رأى نفسَه يَعصِرُ عِنَباً، ورأى طبّاخُ الملك هو الآخر حُلماً عجيباً، رأى نفسَهُ يَحمِلُ خُبزاً فوق رأسهِ وجاءت الطيورُ فحَطَّت وراحَت تأكُلُ من ذلك الخبز!
في الصباحِ وعندما استَيقَظا حَدَّث كلٌّ منهما الآخرَ بما رأى من حلم.
ولم يَعرِفا تفسيرَ حُلمَيهِما ففَكّرا أن يسألا يوسفَ، فقال أحدُهما:
ـ  إنّي أراني أعْصِرُ خَمْراً !
وقال الآخر:
ـ  إنّي أراني أحْمِلُ فَوْقَ رأسِي خُبْزاً تأكُلُ الطَّيرُ مِنْهُ !
نَبِّأنا بتأويلهِ إنّا نَراكَ مِن المُحِسنين.
اللهُ سبحانه وَهَبَ يوسفَ قدرةً عجيبةً على تفسيرِ الأحلامِ. إنه يَعرِفُ تلكَ الإشاراتِ ويَفُكُّ رُموزَها، لَكأنّه ينظرُ إلى حقائقَ لا أحلام!
الدعوة إلى الله
اغتَنَم يوسفُ هذه الفُرصةَ لِيَدعوهُما إلى عبادةِ اللهِ وحدَه لا شريكَ له.. أرادَ أولاً أن تَزداد ثِقَتُهما به فقال:
ـ إنّني أعرفُ حتّى نوعَ الطعامِ الذي سيأتي به السجّانُ إليكما، لقد آتاني اللهُ العِلم.. لأنّي تَرَكتُ عبادةَ الوثنَين وعبَدَتُ الله وحدَه لا شريكَ له..
إنّني أتْبَعُ دينَ آبائي إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوب.
انها نعمةٌ أنعمَ بها الله علينا أهلَ البيت وعلى الناس، ولكنّ أكثرَ الناس لا يَشكُرون.
كانَ الرجُلانِ يُصغيانِ إلى كلماتِ يوسف التي تَنفُذُ في القلب.
قال يوسف:
ـ يا صاحِبَيَّ.. أيُّهما أفضَلُ: أن نَعبُدَ آلهةً شتّى لا علاقةَ لأحدٍ بالآخرِ ولا حولَ لها ولا قوّة، أم نَعبُدُ اللهَ الواحدَ القهّار ؟!
اللهُ وحدَه هو الإله، وباقي الأشياء التي تَعبُدونَها مُجرَّدُ أسماءٍ وتماثيلَ لا قيمةَ لها ولا سُلطان.. القوّةُ وحدَها لله سبحانه. إن دِيني هو دينُ التوحيد الخالص..
سكتَ يوسفُ لحظاتٍ، ثمّ قال:
ـ يا صاحِبيّ! إنّ أحدَكُما يعودُ إلى عَمَلهِ فيَعصِرُ العِنَبَ للمَلِكِ ويَسقيه.. وأمّا الآخَرُ فإنّه سيُصلَب.. وسيُترَكُ على الصَّليب حتّى تأكُلَ الطيرُ من رأسهِ.
شَعَر الرجلُ الذي رأى الطيورَ تأكلُ الخبزَ فوقَ رأسهِ بالخوف وقال:
ـ إنني لَم أرَ شيئاً، لقد كَذَبتُ علَيك.
أجاب يوسف:
 قُضِيَ الأمرَ الّذِي فِيهِ تَسْتَفتيانِ .
والتفَتَ يوسفُ إلى ساقي المَلكِ وقال له:
ـ  أُذكُرْني عِندَ ربِّكَ .
وفي اليوم التالي.. جاء السجّان، وأخرجَ الرجلَين من السجن... ذهبَ الساقي إلى الملك وعادَ إلى عمل.. أمّا الطبّاخُ فقد نُفِّذَ فيه حكمُ الإعدام صَلباً وتُرِكَ على الصَّليب.
كان ساقي الملك قد وعَدَ يوسفَ بأنّه سيذكره عندَ الملكِ، سيقول أنّه مظلوم.. وأنّه سُجِن دونَ ذنب..
ولكنّ الساقي نَسِيَ وعدَهْ.. لهذا ظَلَّ يوسفُ في السجنِ عدّةَ سنواتٍ تحَمّلها يوسف بصبرٍ وإيمانٍ بأنّ الله لن يَنساه أبداً.
رؤيا المَلِك
ذاتَ ليلةٍ وعندما أوى الملكُ إلى فِراشهِ رأى في عالَمِ المَنامِ رؤيا عجيبة.
رأى سَبعَ بَقَراتٍ سِمانٍ جميلة المنظِر يَمْرَحْنَ في العُشبِ الأخضرِ على شاطئ النهر... فجأةً ظَهَرت سَبعُ بَقَراتٍ هَزيلاتٍ قبيحاتِ المنظر.. تَقدّمْنَ نحو البقراتِ السِّمانِ وافتَرسْنَها جميعاً.
هَبَّ من نومهِ مَذعوراً، وجَفَّف عَرَقَهُ ثمّ نام فرأى حُلُماً آخر...
رأى سَبْعَ سنابلَ خَضراءِ اللونِ زاهيةٍ ممتلئة بالحَبّ، ورأى إلى جانبها سبعَ سنابلَ يابسةٍ فارغة.. السنابلُ اليابسةُ ابتَلَعت السنابلَ الخضراءَ الجميلة..
مرّةً أخرى هَبّ الملكُ من نومهِ، وأقلقته الرؤيا.. فأرسَلَ وراءَ رجالِ دولته وعَقَدَ معهم اجتماعاً.
تَحدَّث الملكُ عن رؤياه العجيبة.. حَدَّثهم عن البَقَراتِ العِجاف التي طَلَعت من الشاطئ وابتَلَعت البقراتِ السِّمان.. وحَدَّثَهم عن السَّنابلِ الخضراءِ التي ابتَلَعتْها السنابلُ العِجاف...
وفكّرَ رجالُ الدولة في رؤيا الملك.. ولكنْ دونَ جَدوى.
الساقي كان يَملأ أقداحَ الخمر..
كلُّ رجالِ الدولة قالوا: إنّها أضغاثُ أحلام.. إنّها مُجرَّدُ أحلامٍ لا معنى لها...
وعندما رأوا الملكَ مهموماً قالوا:
ـ ما نحنُ بتفسيرِ الأحلامِ بعالِمين..
فجأة وفي تلك اللحظاتِ.. وبينما كان الملكُ يَبحثُ عن تفسيرٍ لرؤياه هَتَف الساقي:
ـ  أنا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأويِلهِ فأرْسِلُونِ !
الملكُ تعَجَّب من الساقي، ولكنّ الساقي أخبرَ الملكَ بما حَدثَ له قبل سنواتٍ يومَ كانَ في السجنِ، ورأى مع صاحبهِ الخبّازِ تلك الرؤيا... يوسفُ هو الذي فَسَّر لهما الرؤيا... فجاء تفسيرُه صادقاً يُنبئ بالحقيقة.
الملكُ أرسلَ الساقي إلى يوسف..
الأزمة الاقتصادية
جاء الساقي إلى السجنِ، ودخَلَ على يوسف، وقال له:
ـ يوسف أيُّها الصِّدِّيقُ! أفْتِنا في رؤيا المَلكِ.. إنّه يَرى سَبعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يأكُلهنّ سبعٌ عِجاف؛ وسبعَ سُنبلاتٍ خُضرٍ وأُخَرَ يابسات.. ما هو يا تُرى تفسيرُها، أخبِرْني يا يوسف لكي أعودَ فأخبِرَ الملك ورجال الدولة.. وسيعلمون منزلتَك وصِدقَك.
ورأى يوسفُ الحقائقَ واضحةً، لقد آتاهُ اللهَ تأويلَ الرؤى والأحلام الصادقة.. لهذا قالَ يوسف وهو يُحذّرُهم من الأزمةِ الاقتصادية القادمة!
ـ  تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنينَ دَأَباً؛ فمَا حَصَدْتُم فَذَرُوهُ في سُنبلِهِ إلاّ قَليلاً مِمّا تأكُلُونَ. ثُمّ يَأتِي مِنْ بَعْدِ ذلكَ سَبْعٌ شِدادٌ يأكُلْن ما قَدّمتُم لَهُنّ إلاّ قليلاً مِمّا تُحْصِنونَ. ثُمّ يأتي مِن بَعْدِ ذلكَ عامٌ فيهِ يُغاثُ النّاسُ وفيهِ يَعصِرون .
وانطلَق الساقي يحملُ إلى الملك ورجالِ دولته كلماتِ يوسفَ الصِّدّيق.
وقَفَ الساقي أمامَ الملكِ وأخبرَه بكلّ التفاصيل.
فوجئ الملك، قال في نفسه:
ـ معنى هذا أن النِّيلَ سيَفيض بالمياه سبعَ سنواتٍ قادمة، ثم تكفُّ السماءُ عن المطر سبعَ سنواتٍ أخرى، فينتشرُ القَحطُ والجَفافُ والمَجاعةُ وينخفضُ مَنسوبُ المياهِ في النِّيل.
ولكنّ يوسف لم يُفسِّر الرؤيا فقط بل وضَعَ خطّةً لتجاوزِ الأزمةِ الاقتصادية، قال له: إزرَعوا خلالَ السنواتِ السَّبعِ الأولى باستمرار، واجتَهِدوا في عَمَلِكُم.. واجمَعوا الحَصادَ في مَخازِنَ خاصّة، واقتَصِدوا في الطعام.
حتّى إذا جاءت سَنواتُ الجفافِ تكونُ المَخازنُ مُمتلئةً بسنابِلِ القمح.. وسيَكفي المخزونُ في إطعام أهلِ مصر.
وعندما تَنتهي سنواتُ القحطِ يأتي عامٌ جديدٌ مَواسِمُه مَليئةٌ بالخير والمطر.
أدركَ الملكُ أنّه يَملكُ كنزاً كبيراً اسمُه يوسف.. يوسفُ الذي يُعاني السجنَ منذ سنينَ طويلة.
لهذا أصدرَ أمراً بالإفراجِ عنه وقال:
ـ إئْتُوني بهِ.
وجاء ساقي الملك إلى السجن للإفراج عن يوسف..
هل فَرِح يوسفُ بالحريّة ؟ كلاّ لقد رَفَض الخروجَ من السجن، وقال:
ـ ارجِعْ إلى الملكِ واسأَلْهُ عن النِّسوةِ اللاّتي قَطَّعنَ أيديهنَّ.. إن رَبّي بِكَيدِهنَّ عَليم.
عاد الساقي إلى الملك، وأخبرَه بموقفِ يوسف، قال له:
ـ إنّ يوسفَ لا يَخرُجُ من السجنِ حتّى تَثبُتَ براءتُه.. يقول: ليسألِ الملكُ النساءَ لماذا قَطّعنَ أيديهنّ ؟! وأنّ العزيز يعرف أنّني بريء.
استَدعى الملكُ النسوةَ، وكانت معهن إمرأةُ العزيز نفسُها..
وسألهنّ الملكُ قائلاً:
ـ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَن نَفسِه ؟!
أجابَت النسوة جميعاً وهُنَّ يَعتَرفْنَ ببراءةِ يوسف من جميعِ التُّهمِ الباطلة:
ـ حاشَ للهِ ما عَلِمْنا عليَهِ مِن سُوءٍ.. إنّه بريء من كلِّ ما نُسِبَ إليه.. إنّه طاهر.. مِثلَ قَطَرات النَّدى.
وظَهَرت براءةُ يوسف، واعتَرَفَت امرأةُ العزيز قائلة:
ـ لقط ظَهَرت الحقيقة.. أنا التي راوَدتُه عن نفسِه. إنّه صادقٌ في كلِّ ما يقول..
الملكُ أُعجِب بنزاهةِ يوسف.. بأمانتهِ بعلمهِ وحلمهِ وصبرِه وبكلِّ صفاته.. لهذا قال:
ـ ائتُوني بهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي.
ظهَرَت براءةُ يوسف.. مِثلما تظهرُ الشمس.. وأُفرِجَ عنه ليخرجَ من السجن.. كما تَخرُجُ اللؤلؤةُ من أعماق بحار مظلمة.
دخلَ يوسفَ على الملك... تَحدَّثا معاً.. ازدادَ إعجابُ الملكِ به.. إنّه يقفُ أمامَ إنسانٍ عالِم... في قلبهِ روحٌ كبيرة.. وفي صدره علومٌ كثيرة.
الملكُ قالَ ليوسف:
ـ إنّك اليَوْمَ لَدَيْنا مَكينٌ أمين.
لقد أصبحَ يوسفُ شخصيّةً كبيرةً في البلاد.. ولكنّ يوسفَ لم يُفكّر إلاّ في شيءٍ واحد، هو أن يُنقِذَ مصرَ من الكارثةِ الاقتصاديةِ القادمة، لهذا قال:
ـ إجْعَلْني على خَزائنِ الأرضِ إنّي حَفيظٌ عَليم.
كان يُريدُ أن يُنظّم شؤونَ الزراعةِ والريِّ وخَزنِ المحاصيلِ استعداداً لسنواتِ الجَفافِ والقَحط.
ووافَقَ الملكُ على الفَور.. فأصبحَ يوسفُ سيّدَ مِصرَ كلّها؛ لقد صَبرَ يوسف... صَبَر على كلِّ شيء.. كان مؤمناً باللهِ فظلّ قلبُه طاهراً يملأه الإيمان.. اللهُ سبحانه شَمِلَهُ برحمتهِ فأنقذَه من البئر ومن الانحرافِ ومن السجن، ثمّ جَعَله سيّداً لبلادٍ كبيرةٍ هي مصر.
الزراعة
مِصرُ هي هِبَةُ النِّيل.. الناسُ في قديمِ الزمان، وقبلَ آلافِ السنين يَرتادونَ نهرَ النِّيلِ لريِّ حُقولِهم ومَزارعِهم بطريقةٍ بِدائيّة.. جاء يوسفُ الصدِّيقُ عليه السّلام إلى الحكمِ فنَشَطت حَركةُ الزراعةِ، وأدخَلَ تحسيناتٍ على طريقة الريّ..
كانوا يَعتَمدونَ الدِّلاءَ في ريِّ الحقول.. فجاءَ يوسفُ عليه السّلام واستخدم طريقةَ الأحواض. على الشاطئ عندما يَفيضُ النيلُ تمتلئ الأحواضُ دون جُهدٍ من الفلاّحين.. وتبقى مليئةً بالمياه.. ومن الأحواض تتفرّعُ القَنَواتُ لتسقيَ الحقولَ والمَزارع. فازدَهَرت الزراعةُ وازدادَ الإنتاج.
وأمرَ سيّدُنا يوسفُ عليه السّلام ببناءِ مَخازِنَ للحُبوبِ.. فكان يَدَّخِرُ المحاصيلَ إلاّ ما يكفي حاجةَ الناسِ في غذائهم اليوميّ.
سبعةَ أعوامٍ وهم يزرعونَ ويَحصدون ويَخزنونَ الحبوب. لقد كانت تلك السنواتُ مليئةً بالخيرِ والبركةِ والنَّماء.
السَّنواتُ العِجاف
بدأت سنواتُ الجَفاف.. انقَطَعَ المطرُ ذلك العام.. النيلُ لم يَفِضْ كعادته كلَّ عام.. ذَبَلَت الزروع.. وأقْفَرَت الحقول.. وجاء العامُ التالي.. انحَسَرَت مياهُ النيل أكثرَ وقَلّ منسوبُ الماء في النهر.. وسادَ القَحطُ في مصرَ والبلدانِ المجاورة.
أهلُ مصرَ أحبُّوا يوسفَ أكثر؛ لأنه أَنقذَهُم من سنواتِ الجُوعِ والقَحطِ والجفاف... المخازنُ مليئةٌ بالحبوب، ويوسفُ الإنسانُ الطيّبُ المُحِسنُ كان يُطعمَ الجياعَ ويُوزّعُ الحبوبَ بالعدل.
مصرُ نَجَت من الكارثةِ الاقتصادية بفضلِ يوسف.. ويوسفُ لا يُنكِرُ أن ذلك كانَ من فضلِ الله.
الجَفافُ لم يَضرِب بلادَ مصرَ وحدَها... بل مناطقَ واسعةً من الأرض...
لهذا كانت القوافلُ تأتي من كلِّ مكان للتزوّدِ بالقمح؛ وكان يوسفُ عزيزَ مصر لا يَرُدّ من يأتي إلى مصرَ خائباً.
كلُّ القوافلِ كانت تُغادرُ مصرَ وهي تَحمِلُ معها القمحَ والغذاءَ، وقد امتلأت نفوسُ الناس إعجاباً بعزيزِ مصرَ الذي كان يُعاملُهم كإخوةٍ له، وكان يملأ أوعيتَهُم فيعودون إلى أهليهم وديارِهم وافِرين.
أصبَحت مصرُ في ظلِّ يوسفَ عزيزِ مصرَ الجديدِ بَلَداً مليئاً بالخير، وكانت القوافلُ تأتي من أصقاعٍ بعيدة... وكان يوسفُ يستقبلُ الوافدينَ بطيبةٍ ومَحبّة... لم يَستغلَّ منصَبه ولم يَستغلَّ قُدرتَه؛ كان مُتواضعاً... يَستقبلُ الناس.. يَتبسّمُ في وجوهِهم ويوفِّرُ سَكناً مناسباً للوافدينَ من الدِّيارِ البعيدة.
قافلة من فلسطين
وذاتَ يومٍ.. وصَلَت قافلةٌ من أرضِ فلسطين، كان فيها عَشرةُ إخوة... هم أيضاً جاءوا ليَشتَروا القمحَ، لم يكونوا يَملكونَ شيئاً سوى دراهمَ من فضّة..
جاءَ الإخوة العشرةُ ودَخَلوا على عزيزِ مصر...
وقَفَ الإخوةُ العشرة... أمامَ العزيزِ وانحَنَوا له بإجلال...
نهضَ يوسفُ وراح ينظرُ إليهم، وردّ على تحيّتهم بأحسنَ منها.
وعَرَفهم يوسف.. عَرَفهم جميعاً. إنّهم إخوتُه العَشرة... إخوتُه الذين حَسَدوه... وأرادوا أن يَقتُلوه.. إخوتُه الذينَ دَفَعوا به إلى أعماقِ البئر في تلك البَوادي المُقفِرة حيثُ طُرقُ القوافل.
نعم إنهم إخوتُه: شمعون، راوبين، لاوي... عرفهم بعد عِشرينَ سنة..
تُرى.. ماذا فعَلَ يوسفُ في تلك اللحظات ؟! إنّهم لَم يَعرفوه.. بعد تلك السنين تَغيَّر يوسفُ، هو الآنَ في الثلاثينَ من عمرهِ.. لقد أخَذوا قميصَهُ ودَفَعوه في أعماقِ الجُبّ... ولكنّ الله لا يَنسى عبادَه المُخلصين.. هو الآن عزيزُ مصر.. يَرتدي حُلّةَ الملكِ وحولَهُ الحَرَسُ والجنود، وفي يدَيه مفاتيحُ مخازنَ مليئةٍ بالقمح..
تُرى ماذا يفعلُ يوسف؟! هل يَطرُدُهم ؟! هل يَنتقمُ منهم ؟ كلاّ! لماذا لم يفعل ذلك وقد أرادوا قَتلَه ؟! لأنّ قلبَ يوسف مُفعَم بالإيمان، ليس فيه سِوى الحبِّ وليس فيه سوى الخير...
وكان يوسف نبيّاً مُعلّماً للناسِ وهادياً إلى الله...
يوسف رحَّبَ بهم، أنزلهم في دارِ الاستراحة... وهم أحَبّوا هذا العزيزَ الطيّبَ الذي لم يَرفضْ بِضاعَتَهم مُقابلَ القمح.
ملأ جميعَ أوعِيَتِهم.. تَحدَّثَ معهم بودٍّ، سألَهم عن بلادِهم.. وكم عَدَدُهم.. قالوا له كلَّ شيء، قالوا له: إنّ يعقوبَ من ذرّيةٍِ إبراهيم.. قالوا له: إننا اثنا عَشَر أخاً.. ماتَ أحدُنا وهو يوسف.. أكَلَه الذئب! وسألهم: وأين أخوكم الآخر ؟
قالوا:
ـ لَم يُرسِلْه أبونا معنا.
ـ لماذا ؟
ـ لأنه أرسَلَ معنا شقيقَه يوسفَ فأكَلَه الذئب.. لهذا لم يُرسِلْ معنا بنيامين. هو يخافُ عليه ما خافَهُ على يوسفَ من قبل.
يوسفُ رحّبَ بإخوتهِ، ولكنْ لم يكشِفْ لهم عن هوّيتهِ، لم يَقُل لهم شيئاً عن نفسِه...
كانَ يسألهم عن أرضِهم وبلادِهم، وهم أيضاً أخبَروه بحُزنِ أبيهم يعقوب... حَدَّثوه عن بكائهِ وحُزنهِ وكيف فَقَد بَصرَه، وابيَضَّت عَيناه... حَدَّثوه عن حُبّه ليوسفَ الذي أكَلَه الذئبُ قبل عِشرينَ سنة!
أمرَ يوسفُ العُمَّالَ بأن يَملأوا أوعيتَهُم بالقمح؛ أمّا هو فذَهَب إلى مكانٍ بين الأشجار وراحَ يبكي.. يبكي على والدَيه، وعلى بنيامين، لقد هَزَّه الشوقُ إليهم..
العَودَة
ذهبَ يوسفُ لِيُشرفَ على تَجهيزِ القافلة، وأمَرَ الموظّفَ الذي يَقبِضُ أثمانَ القمحِ بوضعِ الفضّةِ التي أخذَها من إخوتهِ في رِحالهم دون أن يَشعُروا بذلك.
يوسفُ أدركَ أن حالتَهم المعيشيّةَ ليست طيّبة، لهذا أعادَ أموالَهُم ولم يُخبِرْهُم بذلك.
جاء إليهم ليودّعَهم، قالَ لهم:
ـ هل أنتم راضُون عن الكَيل ؟..
ـ أجل، لقد أحسَنتَ الينا أيّها العزيز.
ـ في المرّةِ القادمةِ وإذا ما جئتم إلى مصرَ فائتوني بأخيكم. سنُضيفُ إليكم سَهماً آخرَ في الكَيل.. وإذا لم تَفعلوا فلا تأتوا إلى هنا أبداً.
قال أحدهم:
ـ سَنُراوِدُ عنه أباه.. سنقولُ له ذلك... سنُلحُّ عليه حتّى يوافقَ على إرساله.
وهكذا عادت القافلةُ إلى أرضِ الخليل... الإخوة حَدّثوا أباهم بما جَرى لهم... قالوا لقد مُنِعَ عنّا الكَيلُ إذا لم نأخُذْ أخانا بنيامين معنا.. هكذا قالَ عزيزُ مصر.
قال يعقوب عليه السّلام:
ـ هل آمَنُكُم عَلَيه إلاّ كما أمِنتُكُم على أخيهِ من قَبلُ، فاللهُ خَيرٌ حافظاً وهو أرحَمُ الراحمين ؟!
بكى يعقوب.. تذكّر يوسفَ الذي اختَفى منذ عشرينَ سنة. وعندما ذَهبوا ليفتَحوا مَتاعَهُم وَجَدوا فضّتهم التي اشتَرَوا بها القمحَ قد أُعيدَت إليهم.. فَرحوا جدّاً وعادوا إلى أبيهم يُبشِّرونه:
ـ يا أبانا هل نطلبُ أكثرَ من هذا ؟! لقد أُعيدت إلينا أموالُنا مع القمح... فارسِلْ معنا أخانا من أجلِ أن نَميرَ أهلَنا ونَحفَظَ أخانا ونَزدادَ كَيْلَ بعير.
قال يعقوب:
ـ لن أرسِلَهُ معكم حتّى تُعطوني مِيثاقاً على إعادته.. إلاّ إذا أُحيطَ بكم.
أعطى الإخوةُ مِيثاقَهُم في المحافظِة على بنيامينَ من كلّ مكروه.
هواجس يعقوب
عندما تَجَهّزت القافلة وجاءَ ابناءُ يعقوبَ لتوديعِ أبيهم، قالَ لهم الأب:
ـ يا أبنائي، لا تَدخُلوا مِصرَ من بابٍ واحدٍ وادخُلوها من أبوابٍ متفرقة... أخشى عليكم من الحَسَد... ولكنّ هذا لا يُغْني شيئاً عنكم أمامَ مشيئةِ اللهِ سبحانه..
كان يعقوبُ عليه السّلام يخافُ على ابنائه الحَسَد... كان يَشعرُ أن حادثاً ما سيَقَع لهم وسيُفرَّقُ جَمعُهم... لهذا أراد أن يَدفعَ عنهم شَرّ الحسد... ولكن مشيئةَ الله هي الحاكمة، لهذا قالَ يعقوب عليه السّلام:
ـ  إنِ الحُكْمُ إلاّ للهِ عَلَيهِ تَوَكّلتُ وعَلَيهِ فَلْيَتَوكَّلِ المُتَوكّلون .
وهكذا انطَلَقت القافلةُ تَطوي الصحراءَ إلى مصر.. وتَمرُّ الأيامُ.. وبعد اثنَي عشرَ يوماً وَصَلت القافلةُ قريباً من أرضِ مصر..
وهناك افترَقَ الإخوة، كلّ اثنين دخلوا مصرَ على حِدَة؛ كانوا أحدَ عَشَر أخاً.. مَن الذي ظلّ وحيداً ؟ بنيامين ظلّ وحيداً دخلَ مصرَ لوحده.. لهذا كان حزيناً جدّاً...
وعندما دَخَلوا على عزيزِ مصرَ لشراءِ القمحِ دخلوا أيضاً اثنَينِ اثنين؛ وأخيراً دخلَ بنيامين على العزيز. كانت لحظاتٍ مثيرة.. فبعدَ عشرينَ سنةً وقَعَت عَيْنا يوسفَ على شقيقهِ بنيامين... كانَ قد تَرَكَهُ طفلاً وها هو الآنَ قد أصبَحَ شابّاً... ولكنْ ما بالُه حزيناً.. تَساءلَ يوسفُ في نفسِه... قالَ يوسفُ لبنيامين:
ـ ما هذا الحُزنُ الذي أراهُ على وجهِك ؟! هل وَقَع لكَ مكروه؟
قال بنيامين:
ـ كلاّ أيُّها العزيز، ولكنْ تَذكَّرتُ أخي يوسف.. لو كانَ حيّاً لَجاءَ معي ولم أبقَ وحيداً...
سأل يوسف:
ـ وماذا حَصَلَ ليوسف ؟
ـ ذَهَبَ مع إخوتي إلى الصحراء ولم يَرجِع.. كانَ ذلك قبل عشرينَ سنة.. قالوا: إنّ الذئبَ أكلَ يوسف... ومنذ ذلك اليومِ لم أرَ سوى قميصهِ المُدمّى...
أبي لم يُصدّقْهم.. ما يزالُ حتى اليوم يبكي على يوسف. آه يا يوسف... ما أطيبَه وأطهَرَه!
قالَ يوسف:
ـ لا تَحْزَنْ يا بنيامين، أنا أخوكَ.. تعالَ لنتناولَ الغداء...
جَلَس يوسفُ على سريرِ المُلك، وأجلَسَ بنيامينَ إلى جانبِه وراحَ يتَحدّثُ معه ليطيّبَ خاطِرَه.
الحقيقة
أحَبَّ بنيامينُ عزيزَ مصر.. ولكن لا يدري سبباً لهذا الحبّ.. رآه يَتَدفّق طيبةً ورحمةً وإحساناً..
قالَ يوسفُ لبنيامين:
ـ لو رأيتَ أخاكَ اليومَ فهل ستَعرفه.
ـ ربّما.. إنّ ملامحَهُ لا تَغيبُ عن بالي.
أرادَ يوسفُ أن يُدخِلَ في قلبِ أخيه الفرح، فقال:
ـ اسمَع يا بنيامين جيّداً. إن إخوتَك هؤلاء حَسَدوا أخاك فأخَذَوه إلى الصحراء وألقَوهُ في البئر.. إنّ يوسف ما يزالُ حيّاً... صَبَر وتحمّلَ واللهُ لا يُضِيعُ أجرَ الصابرين.. إنّي أنا أخوك حقّاً.. لقد مَنَّ الله عليَّ وجَعَلني عزيزاً في مصر..
لم يتَحمَّلْ بنيامين فَرَكَ عَينَيه، كان مثلَ النائمِ فانتَبَه وألقى نفسَه على صدرِ أخيه يَشمُّه ويبكي.. وبكى يوسف..
قال لأخيه:
ـ لا تُخبِرْ إخوتَك.. سوف أعملُ على بقائك في مصر.. سأصنَعُ شيئاً، فلا تَحزنْ بسببِ ذلك.
الخطة
جاء الإخوةُ يسألون عن بنيامين.. قالوا للعزيز: إنّ أبانا أوصانا بالحفاظِ عليه وأخَذَ علينا المِيثاق.
أمرَ يوسفُ فِتيانَهُ أن يُجهِّزوا القافلةَ ويملأوا أوعيتَها بالقمح..
وجاء يوسفُ ليشرفَ على سَيرِ العمل.. كان العمّالُ مشغولينَ وكان الإخوة يَتفقّدونَ جِمالَهُم...
اقتَرَب يوسفُ من بعيرِ أخيه بنيامين ووضَعَ كأساً فِضيّاً ثمنياً في رَحْلِه... وأهالَ عليه القمح..
كانَ ما صنَعَه يوسف خطّةً من أجلِ أن يَحتفظَ بأخيهِ بنيامين في مصر..
تَحَرّكت القافلةُ لِتُغادرَ مصرَ عائدةً إلى أرض فلسطين..
من بعيدٍ سَمِعَ الإخوةُ نِداءً يَهتِفُ بهم:
ـ تَوقَّفوا إنّكم سارِقون!
فوجئ الإخوةُ جميعاً، باستثناءِ بنيامينَ الذي كانَ يَعرِفُ ما يَجري؛ جاء الإخوة إلى الحارسِ المِصريّ، قالوا له:
ـ ماذا تَفْقِدون ؟
قالَ الحارس:
ـ نفقد صُواع المَلِكِ الذي يَشرَبُ به.. ولِمَن جاءَ بهِ حِمْلُ بَعير.
أقسمَ الإخوة أنّهم لم يَسْرِقوا شيئاً، وقالوا:
ـ تاللهِ لَقَد عَلِمْتُم ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرضِ، لقد جِئنا نَشتري القمحَ لأهلِنا.
ـ قالَ الحارس:
ـ سَنُفتّشُ أمتِعَتَكُم، وإذا ظهرَ كذبُكم فما هي عُقوبةُ السارقِ عندكم ؟
قال الإخوة:
ـ عقوبتُه أن يُصبِحَ عبداً لِمَن سَرقَ منه..
ـ حَسَناً، سنفتّشُ أوعيتَكُم جميعاً.
جاء يوسفُ، وراح يفتّشُ بنفسِه أوعيةَ القافلة.. بَدَأ بأوعِيتِهم ثمّ جاء إلى وِعاء بنيامين.. ووضَعَ يده في وعاء القمحِ واستخرجَ الصُّواعَ منه.
دُهِش الإخوةُ جميعاً. أمّا بنيامينُ فقد وقَفَ يَنظرُ بحزنٍ وصَمت.
قالَ يوسف:
ـ والآن ما هو رأيُكُم ؟!
قال الإخوة وهم يَنظرون بغيطٍ إلى بنيامين:
ـ إنْ سَرَقَ فقد سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبلُ!
شَعرَ يوسفُ بالحزن: إنّ إخوَتَهُ ما يزالونَ يَحسدونَهُ ويَحسدونَ أخاه ويَكرهونَهُما، ولكنّه خاطَبَهم قائلاً:
ـ أنتُم شَرٌّ مكاناً، واللهُ أعلَمُ بما تَصِفُون.
جاء الأخُ الأكبرُ وتوسّلَ إلى العزيز قائلاً:
ـ إنّ له أباً وهو شيخٌ كبير، وقد أخَذَ علينا المِيثاقَ أن نُعيدَه إليه سالماً... فخُذْ أحدَنا مكانَهُ ليكونَ عبداً.
قال يوسف:
ـ معاذَ اللهِ أنْ نأخُذَ إلاّ مَن وَجَدْنا مَتاعَنا عِندَه.. إنّا اذاً لَظالِمون.
عندما شَعَروا باليأسِ اجتَمَع الإخوةُ فيما بينهم وراحوا يَتَشاورون... ماذا يفعلون ؟ وكيف يَعودونَ إلى أبيهم ؟
ـ ماذا نفعلُ الآن ؟
ـ إن أبانا قد أخَذَ علينا الميثاق.
ـ وماذا نَفعل ؟ نقولُ له الحقيقة..
ـ نَعَم، نقولُ له إن بنيامين قد سَرَق، وقد استَعبَدوه عُقوبةً له على سرقتهَ صُواعَ المَلك.
قال الأخُ الاكبر:
ـ كيف نَعودُ إلى أبينا دونَ بنيامين ؟ والميثاقُ الذي أخَذَهُ علينا أن نُعيدَه سالماً.. هل نَسِيتُم ما فَعَلتُم بيوسفَ من قَبل. لم نَرحَمْ شَيخوخَةَ أبينا.. لا.. لا لن أعودَ إلى أبي؛ سأبقى في مصرَ حتى يأذَنَ لي أبي.. أمّا أنتُم فعودوا.. قولوا لأبيكم: يا أبانا إنّ ابنَكَ سَرَق.. إننا لا نَعَلمُ الغَيب.. لا نعلمُ أن بنيامينَ سيَسرِق!
سكتَ الإخوة.. كانوا أحَدَ عَشَر أخاً.. بنيامينُ أخَذَهُ العزيز.. والأخُ الأكبرُ ظلَّ في مصر.. لا يريدُ أن يُقابِلَ أباه مرّةً أخرى وقد أخَلَّ بالميثاق..
الإخوةُ التسعةُ عادوا إلى فلسطين.. عادوا ليُخبروا أباهم بما حَصَل.. كان سيّدُنا يعقوبُ يخافُ عليهم من الحَسَد. لهذا أمرَهُم أن يَدخُلوا مصرَ من أبوابٍ متفرّقة.. كان يُريد لهم أن يدخلوا مُتفرّقينَ ليعودوا بأجمعِهم.. لقد عادَ تسعةٌ منهم ومعهم نبأ آخرُ حزين.
جاء الإخوةُ التسعةُ إلى سيّدِنا يعقوبَ وقالوا له:
ـ يا أبانا إنّ ابنَك سَرَقَ.. وما شَهِدْنا إلاّ بما عَلِمْنا.
سكتَ سيّدُنا يعقوب... شَعَر الإخوة أن أباهم لم يُصدِّقْهُم، فقالوا:
ـ إذا لم تُصدِّقْنا فاسأل القوافلَ والناسَ الذين كانوا معنا في مصر.. وإنّنا لَصادقون.
أمسَكَ سيدُنا يعقوبُ بعصاهُ ونهضَ قائلاً:
ـ بل سَوَّلت لَكُم أنفسُكُم أمراً فصَبرٌ جميلٌ... سأصبِرُ مرّةً أخرى، ربّما يُعيدُهم الله إليّ جميعاً...
لكن سيّدنا يعقوب تألّمَ بسببِ ما حَصَل... تذكّرَ يوسفَ الذي اختفى منذ عشرينَ سنة.
لقد أدركَ بأنّ ما حَدَث مُرتبطٌ بما حَصَل ليوسف، لهذا قال:
ـ يا أسَفى على يوسف.
قال الإخوةُ التسعة:
ـ إنّكَ لا تَتركُ ذِكرَ يوسف.. لَسَوف تَموتُ من كَثرةِ حُزنِك وبكائك على يوسف!
قال سيّدُنا يعقوب:
ـ إنّني أشكو حُزني إلى الله.. وأعلَمُ مِن اللهِ ما لا تَعلمون.
سكتَ قليلاً وقالَ لأبنائه:
ـ أذهَبوا يا أولادي.. أذهَبوا وأبحَثوا عن يوسفَ وأخيه، لا تَشعُروا باليأس.. لأنّ الكفارَ هم وحدَهُم الذينَ يَشعُرونَ باليأسِ والقُنوط.
أنا يوسف
نَفَدَ القَمحُ، وشاعَ الحزنُ في بيتِ سيّدنا يعقوب، لقد فَقَد أولادَه الثلاثةَ: يوسفَ وبنيامينَ وأخاهُم الأكبر.
مِن أجل هذا أمَرَ سيّدُنا يعقوبُ أولادَه أن يَذهَبوا لِيَمتاروا الطعامَ ويَبحثوا عن يوسفَ وأخيه.
وشَدَّ الإخوةُ الرِّحالَ إلى مصرَ للمرّةِ الثالثة... لم يَكن مَعَِهم من الفضّةِ إلاّ القليل، ولكنّهم ذَهَبوا ليجيئوا بأخيهم بنيامين.
عندما وصلوا مصرَ لم يُكرِمْهُم أحدٌ بسببِ ما حَدَث في الرِّحلةِ السابقة.. لهذا ذَهبوا إلى عزيزِ مصرَ الذي أخذَ بنيامين... ذهبوا إليه ليتَحدّثوا معه بِرِقّة فلَعلّه يَبيعُ لهم بهذه الفضةِ قَمحاً، ولعلّ هذا العزيزَ الطيّبَ يُطلِقَ سَراحَ بنيامين؛
دخلَ الإخوةُ على عزيزِ مصر، وقالوا له:
ـ يا أيُّها العزيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَينا إنّ اللهَ يَجْزي المُتَصَدّقين.
شيءٌ عجيبٌ لَفَت نظرَ الإخوة! إنّ بنيامينَ يَجلِسُ مع العزيزِ ويَرتدي حُلّةً من الكَتّانِ فاخِرة...
وفي تلك اللحظاتِ المُثيرة.. قالَ يوسفُ وهو يَفيضُ رحمةً لهم:
ـ هَل عَلِمْتُم ما فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وأخيهِ إذ أنتمُ جاهِلون ؟!
لقد نَسِيَ يوسفُ كلَّ الآلام التي سَبّبها إخوتُه له ولأبيه.. نَسِيَ كلَّ تلكَ المعاناةِ الطويلة. أراد أن يقول لهم فقط إن جَهلكم قد أوصَلَني إلى هذه المكانةِ؛ لأن الله قد اختارَني ومَنَّ علَيّ وكافأني على صبري وإيماني.
وفي تلك اللحظة.. استيقَظَ الإخوةُ على حقيقةٍ كبرى.. إنّ هذا العزيزَ الذي يَلتَفّ حولَه الحُرّاسُ والجنودُ وصاحبُ الكلمةِ الأولى في مصر هو يوسف!! يوسفُ أخوهُم الذي تآمَروا عليه.. يوسفُ الطيّبُ الطاهرُ الذي كافأهم على الإساءةِ إحساناً ومَلأ لهم أوعيَتَهُم قمحاً وأعادَ إليهم فِضّتهم وأموالَهُم..
هَتَف الإخوة بدهشة:
ـ إنكَ لأنتَ يوسف ؟!
أجابَ يوسفُ وعيناه تَفيضانِ بالدمعِ خشوعاً لله ربِّ العالمين:
ـ نعم،  أنا يُوسُفُ وهذا أخِي قَد مَنَّ اللهُ علَينا... إنّه مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فإنّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحِسنين.
واكتَشَف الإخوةُ الحقيقةَ بعد عشرينَ سنةً من التّيهِ والضَّلال، فقالوا لأخيهم يوسف:
ـ تاللهِ لقد آثَرَكَ اللهُ عَلَينا وإنْ كُنّا لَخاطِئين.
وابتَسَم لهم يوسف.. إنّهمُ إخوتُه أضَلّهم الشيطانُ في لحظةِ حسدٍ، وعادوا إلى الطريق!
ـ  لا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ اليَومَ.. يَغْفِرُ اللهُ لَكُم وَهُوَ أرحَمُ الراحِمين .
أرادَ يوسفُ ذلك الفتى الشَّهمُ الذي غَضَّ نَظَرهُ عن كلِّ الإساءاتِ.. أرادَ أن يَضَعَ حدّاً لآلام أبيه...
قبلَ عشرينَ سنةً أخذَ إخوتُه قميصَهُ ولَطّخوه بدمٍ كَذِب..
وأخَذوه إلى أبيهم وقالوا له: يا أبانا إن الذئبَ قد أكَلَ يوسف! أراد يوسفُ أن يَمسَحَ هذهِ الكِذبةَ من ذاكرتِهم، لهذا خَلَعَ قميصَهُ الكَتّانيّ وقال لهم:
ـ إذهبوا بِقَميصي هذا فألْقُوهُ على وَجهِ أبي يَأْتِ بَصيراً وائتُوني بأهلِكُم أجمعين.
كُلُّ الأخوةِ راحُوا يَشمّون قميصَ يوسف ويَبْكون... يَبكون فَرَحاً ونَدَماً.. فَرَحاً بأخيهم الذي أصبَحَ الرجلَ الأولَ في مصر، ونَدَماً على ما فَعلوه قبلَ عشرينَ سنة...
من أجل هذا انحنَوا إجلالاً لعزيزِ مصر، لهذا الإنسانِ الطاهر، وغادروا القصرَ على عَجَل..
كانوا يُريدونَ العودةَ إلى أبيهم بأقصى سُرعةٍ ليُدخِلوا الفَرحةَ على قلبهِ الحزين.. وهكذا انطَلَقت القافلةُ تطوي الصحاري... لم تكن هذه القافلةُ تَحمِلُ قمحاً؛ إنّها تَحملُ قَميصَ يوسفَ والفرحةَ الكبرى.
نهاية الألم
كانَ سيّدُنا يعقوب.. يَخرُجُ إلى طريقِ القوافلِ كلَّ يومٍ وينتظرُ عَودةَ ابنائه..
وفي أصيلِ أحدِ الأيّام وفيما كانت الشمسُ تَهبِطُ للمغيبِ في الصحراء.. شَمَّ سيّدُنا يعقوبُ نسائمَ طيّبة.. فيها رائحةُ يوسف... قالَ لبعضِ أولادهِ الذين لم يَذهبوا في تلك الرِّحلة إلى مصر:
ـ إني لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لولا أنْ تُفَنِّدونِ!
قال ابناؤه:
ـ تاللهِ إنّك لَفي ضَلالِكَ القَديم..
قالوا لأبيهم أنتَ ما تزال على ضلالكِ القديمِ في حُبّك ليوسفَ وأخيه أكثرَ منّا!!
وفي تلك اللحظاتِ.. شاهَدَ الجميعُ جَمَلاً يَتّجهُ نحوهم بسرعة، وكان رجلٌ يُلِّوح بقميصٍ من بعيد.. ماهي إلاّ لحظات وإذا بأحدِ ابنائه قد سَبقَ القافلةَ وجاء لِيَزِفَّ بُشرى العُثورِ على يوسف..
إنّ يوسفَ لم يأكُلْه الذئبُ، ولم يَمُت طوالَ العشرينَ سنةً الماضية.
وألقى البَشيرُ قميصَ يوسفَ على وجهِ يعقوب.. فحَدَث شيءٌ عجيب! لقد عادَ النورُ إلى عَينَي يعقوبَ فرأى الدنيا مُضيئةً جميلةً بعد أن كانت سوداءَ حزينة.
من أجلِ هذا دَمِعَت عيناهُ فَرَحاً، وقالَ لإبنائه:
ـ ألَم أقُلْ لَكُم إنّي أعلَمُ مِن اللهِ ما لا تَعلَمونَ ؟!
أولاده أطرَقوا برؤوسِهم خَجَلاً وحُزناً وقالوا:
ـ يا أبانا استَغْفِرْ لَنا ذُنوبَنا إنّا كُنّا خاطِئين.
قال الأبُ الذي عادَ إليه بَصَرهُ برحمةٍ من الله:
ـ سَوفَ أستَغفِرُ لَكُم رَبِّي إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحيمُ..
قالَ يعقوبُ ذلك لأنه يُريدُ أن يؤجِّلَ دعاءه إلى وقتِ السَّحَرِ، من أجل أن يَستجيبَ اللهُ ويَغفِرَ لأبنائهِ ما فَعَلوه من قبل.
شَعَر سيّدُنا يعقوبُ أنّه يَستعيدُ شَبابَهُ من جديد؛ كانت الفرَحةُ تُضيء قلبَه وعينيه.
أخبرَ زوجتَه أمَّ يوسف بالبُشرى وعَمَّت الفرحة.
أمَرَ سيّدُنا يعقوب عليه السّلام أنْ يتَجهَّزَ الجميعُ للرَّحيلِ إلى مصر، ليعيشوا في بلادِ مصرَ وفي ظلالِ حاكمِها العادِل والطيّبِ والصدّيقِ يوسف عليه السّلام.
وتحقّقت رؤيا يوسف
قبلَ عشرينَ سنةً كانَ يوسفُ قد رأى حُلُماً عَجيباً. رأى الشمسَ والقمرَ وأحدَ عَشَرَ كوكباً رآهم جَميعاً يَسجُدونَ له إجلالاً.. وتَعَجّبَ يوسف وقتَها.. ثَمّ وقَعَت الحوادثُ بعد ذلك.. ليجدَ نفسَه بعيداً عن أهلهِ وإخوتهِ في أرضٍ بعيدة...
لقد مَرَّت عشرون سنةً وها هو الآن يَحكُمُ مصرَ ويَنتظرُ قُدومَ أبوَيه من الباديةِ إلى هذه البلادِ الجميلةِ المليئةِ بالخير.
أمَرَ يوسفُ بِضَربِ خَيمةٍ كبيرةٍ جدّاً في الصحراءِ لأجلِ أن يَستقبلَ إبويَهِ وأخوتَه...
وكانَ الجنودُ يُراقبونَ طريقَ القوافلِ مُنتظرينَ قُدومَ قافلةٍ من أرض فلسطينَ فيها أُسرةُ عزيزِ مصر؛ التي تعيش في البادية!
وذاتَ صباحٍ رأى الجنودُ القافلة... إنها قافلةُ يعقوب عليه السّلام وزوجتهِ وأبنائه.
وانطَلَق فارسٌ إلى مصرَ يُبشّرُ يوسفَ بقدومِ أبوَيه وإخوته.
الشمس والقمر والكواكب
استُقبِلَ سيّدُنا يعقوبُ باحترامٍ عميقٍ، وأُدخِلَ ومَن معه الخيمةَ الكبيرة ريثما يَصلُ عزيزُ مصر.
كانَ سيّدُنا يعقوبُ يَنتظرُ بشوقٍ لقاءَ ابنهِ يوسفَ بعد عشرينَ سنةً من الفراقِ والعذابِ والبكاء!
وجاءَ يوسفُ في مركبةٍ تَجرُّها خُيولٌ سريعة... كانت الخُيولُ تَطوي الأرضَ بسرعةٍ فائقة.. كأنها كانت تُدرِكُ شوقَ يوسفَ إلى لقاءِ أبوَيه..
ووصلَ يوسف.. لِيدَخُلَ الخَيمة.. كان يَرتدي حُلّةَ العِزّة وقد سَطَع النورُ من وجههِ المُضيء... ونَهَض الجيمعُ احتراماً لعزيزِ مصر... ثمّ لينحَنوا اجلالاً لعزيزِ مصر. وفي تلك اللحظة تَوهَّجَت رؤيا يوسفَ التي رآها قبلَ عشرينَ سنة... عندما رأى الشمسَ والقمرَ وأحَدَ عَشَرَ كوكباً يَسجُدونَ له...
ها هو الآن يَرى أباه وأمّه وإخوته الأحَدَ عَشرَ يَنحنَون له بإجلال.
وعانَقَ يوسفُ والدَيه، وأخَذ بأيديهما لِيَرفَعها إلى سريرِ المُلك والعزّة..
وقال يوسف لأبيه:
ـ  يا أبتي هذا تأويلُ رُؤيايَ مِن قَبلُ قَد جَعَلَها رَبّي حَقّاً، وقَد أحسَنَ بي إذ أخْرَجَني مِن السِّجنِ وجاءَ بِكُم مِن البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشيطانُ بيني وبينَ إخوَتي إن رَبّي لَطيفٌ لما يَشاءُ إنّه هُوَ العَليمُ الحكيم .
ورفَعَ يوسفُ يَدَيه إلى السماء شاكراًالله على نعمه:
ـ  رَبّي قَد آتَيتَني مِن المُلْكِ وعَلّمْتَني مِن تأويلِ الأحاديثِ فاطِرَ السماواتِ والأرضِ.. أنتَ وَليّي في الدُّنيا والآخِرةِ تَوَفَّني مُسلِماً وألحِقْني بالصّالحين .
ما أطيَبَك يا يوسف! ما أطهَرك أيّها الفتى المؤمن!
لقد تَناسى يوسفُ كلَّ الآلام والمعاناةِ وعلى مدى عشرينَ سنة واستقبلَ إخوته بحبّ، وقال: إن الشيطانَ هو الذي نَزَغ بينه وبينهم!
وهنا تَكمنُ عَظَمةُ يوسف.... في تلك النفسِ الطاهرةِ وفي ذلك القلبِ الطيب.
وهكذا عاشَ سيّدُنا يعقوبُ وأبناؤه في مصرَ بلدِ الخيرات وفي ظِلالِ حاكمٍ عادل.. أنعَشَ البلادَ وأنقَذها من أكبرِ أزمةٍ اقتصاديّةٍ آنذاك.
عاشَ سيّدُنا يعقوب، وتكاثَرَت ذرّيتُه ليُعرَفوا فيما بعد بـ « بني إسرائيل »...
وسوف نَعرِفُ بعد ذلك أين دُفِنَ سيّدُنا يوسفُ، وكيف نُقِل رُفاتُه إلى فلسطين.. عندما نطالع معاً وانفَلَق البحر  قصّة سيدنا موسى عليه السّلام.

===ولد سيدنا يوسف وكان له 11 أخا وكان أبوه يحبه كثيرا وفي ذات ليلة رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين، فقص على والده ما رأى فقال له ألا 
يقصها على إخوته، ولكن الشيطان وسوس لإخوته فاتفقوا على أن يلقوه في غيابات
الجب وادعوا أن الذئب أكله، ثم مر به ناس من البدو فأخذوه وباعوه بثمن بخس
واشتراه عزيز مصر وطلب من زوجته أن ترعاه، ولكنها أخذت تراوده عن نفسه 
فأبى فكادت له ودخل السجن، ثم أظهر الله براءته وخرج من السجن ، واستعمله 
الملك على شئون الغذاء التي أحسن إدارتها في سنوات القحط، ثم اجتمع شمله مع
إخوته ووالديه وخروا له سجدا وتحققت رؤياه. 






سيرته: 




قبل أن نبدأ بقصة يوسف عليه السلام، نود الإشارة لعدة أمور. أولها اختلاف 
طريقة رواية قصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم عن بقية قصص الأنبياء، 
فجاءت قصص الأنبياء في عدة سور، بينما جاءت قصة يوسف كاملة في سورة واحدة. 
قال تعالى في سورة (يوسف): 




نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ 
هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) 
(يوسف) 




واختلف العلماء لم سميت هذه القصة أحسن القصص؟ قيل إنها تنفرد من بين قصص 
القرآن باحتوائها على عالم كامل من العبر والحكم.. وقيل لأن يوسف تجاوز عن 
إخوته وصبر عليهم وعفا عنهم.. وقيل لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين، 
والعفة والغواية، وسير الملوك والممالك، والرجال والنساء، وحيل النساء 
ومكرهن، وفيها ذكر التوحيد والفقه، وتعبير الرؤيا وتفسيرها، فهي سورة غنية 
بالمشاهد والانفعالات.. وقيل: إنها سميت أحسن القصص لأن مآل من كانوا فيها 
جميعا كان إلى السعادة. 




ومع تقديرنا لهذه الأسباب كلها.. نعتقد أن ثمة سببا مهما يميز هذه القصة.. 
إنها تمضي في خط واحد منذ البداية إلى النهاية.. يلتحم مضمونها وشكلها، 
ويفضي بك لإحساس عميق بقهر الله وغلبته ونفاذ أحكامه رغم وقوف البشر ضدها. 
(وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) هذا ما تثبته قصة يوسف بشكل حاسم، لا 
ينفي حسمه أنه تم بنعومة وإعجاز. 




لنمضي الآن بقصة يوسف -عليه السلام- ولنقسمها لعدد من الفصول والمشاهد ليسهل علينا تتبع الأحداث. 




المشهد الأول من فصل طفوله يوسف: 




ذهب يوسف الصبي الصغير لأبيه، وحكى له عن رؤيا رآها. أخبره بأنه رأى في 
المنام أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين له. استمع الأب إلى رؤيا ابنه 
وحذره أن يحكيها لأخوته. فلقد أدرك يعقوب -عليه السلام- بحدسه وبصيرته أن 
وراء هذه الرؤية شأنا عظيما لهذا الغلام. لذلك نصحه بأن لا يقص رؤياه على 
إخوته خشية أن يستشعورا ما وراءها لأخيهم الصغير -غير الشقيق، حيث تزوج 
يعقوب من امرأة ثانية أنجبت له يوسف وشقيقه- فيجد الشيطان من هذا ثغرة في 
نفوسهم، فتمتلئ نفوسهم بالحقد، فيدبروا له أمرا يسوؤه. استجاب يوسف لتحذير 
أبيه.. لم يحدث أخوته بما رأى، وأغلب الظن أنهم كانوا يكرهونه إلى الحد 
الذي يصعب فيه أن يطمئن إليهم ويحكي لهم دخائله الخاصة وأحلامه. 




المشهد الثاني: 




اجتمع أخوة يوسف يتحدثون في أمره. (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ 
أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي 
ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) أي نحن مجموعة قوية تدفع وتنفع، فأبونا مخطئ في تفضيل 
هذين الصبيين على مجموعة من الرجال النافعين! فاقترح أحدهم حلا للموضوع: 
(اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا). إنه الحقد وتدخل الشيطان 
الذي ضخم حب أبيهم ليوسف وإيثاره عليهم حتى جعله يوازي القتل. أكبر جرائم 
الأرض قاطبة بعد الشرك بالله. وطرحه في أرض بعيدة نائية مرادف للقتل، لأنه 
سيموت هناك لا محاله. ولماذا هذا كله؟! حتى لا يراه أبوه فينساه فيوجه حبه 
كله لهم. ومن ثم يتوبون عن جريمتهم (وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا 
صَالِحِينَ). 




قال قائل منهم -حرك الله أعماقه بشفقة خفية، أو أثار الله في أعماقه رعبا 
من القتل: ما الداعي لقتله؟ إن كنتم تريدون الخلاص منه، فلنلقه في بئر تمر 
عليها القوافل.. ستلتقطه قافلة وترحل به بعيدا.. سيختفي عن وجه أبيه.. 
ويتحقق غرضنا من إبعاده. 




انهزمت فكرة القتل، واختيرت فكرة النفي والإبعاد. نفهم من هذا أن الأخوة، 
رغم شرهم وحسدهم، كان في قلوبهم، أو في قلوب بعضهم، بعض خير لم يمت بعد. 




المشهد الثالث: 




توجه الأبناء لأبيهم يطلبون منه السماح ليوسف بمرافقتهم. دار الحوار بينهم 
وبين أبيهم بنعومة وعتاب خفي، وإثارة للمشاعر.. مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا 
عَلَى يُوسُفَ ..؟ أيمكن أن يكون يوسف أخانا، وأنت تخاف عليه من بيننا ولا 
تستأمننا عليه، ونحن نحبه وننصح له ونرعاه؟ لماذا لا ترسله معنا يرتع 
ويلعب؟ 




وردا على العتاب الاستنكاري الأول جعل يعقوب عليه السلام ينفي -بطريقة غير 
مباشرة- أنه لا يأمنهم عليه، ويعلل احتجازه معه بقلة صبره على فراقه وخوفه 
عليه من الذئاب: قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ 
وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ . 




ففندوا فكرة الذئب الذي يخاف أبوه أن يأكله.. نحن عشرة من الرجال.. فهل 
نغفل عنه ونحن كثرة؟ نكون خاسرين غير أهل للرجولة لو وقع ذلك.. لن يأكله 
الذئب ولا داعي للخوف عليه. 




وافق الأب تحت ضغط أبنائه.. ليتحقق قدر الله وتتم القصة كما تقتضي مشيئته! 




المشهد الرابع: 




خرج الأخوة ومعهم يوسف، وأخذوه للصحراء. اختاروا بئرا لا ينقطع عنها مرور 
القوافل وحملوه وهموا بإلقائه في البئر.. وأوحى الله إلى يوسف أنه ناج فلا 
يخاف.. وأنه سيلقاهم بعد يومهم هذا وينبئهم بما فعلوه. 




المشهد الخامس: 




عند العشاء جاء الأبناء باكين ليحكوا لأبيهم قصة الذئب المزعومة. أخبروه 
بأنهم ذهبوا يستبقون، فجاء ذئب على غفلة، وأكل يوسف. لقد ألهاهم الحقد 
الفائر عن سبك الكذبة، فلو كانوا أهدأ أعصابا ما فعلوها من المرة الأولى 
التي يأذن لهم فيها يعقوب باصطحاب يوسف معهم! ولكنهم كانوا معجلين لا 
يصبرون، يخشون ألا تواتيهم الفرصة مرة أخرى. كذلك كان التقاطهم لحكاية 
الذئب دليلا على التسرع، وقد كان أبوهم يحذرهم منها أمس، وهم ينفونها. فلم 
يكن من المستساغ أن يذهبوا في الصباح ليتركوا يوسف للذئب الذي حذرهم أبوهم 
منه أمس! وبمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه بدم كذب لطخوه به في غير إتقان 
ونسوا في انفعالهم أن يمزقوا قميص يوسف.. جاءوا بالقميص كما هو سليما، ولكن
ملطخا بالدم.. وانتهى كلامهم بدليل قوي على كذبهم حين قالوا: (وَمَا أَنتَ
بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) أي وما أنت بمطمئن لما 
نقوله، ولو كان هو الصدق، لأنك تشك فينا ولا تطمئن لما نقوله. 




أدرك يعقوب من دلائل الحال ومن نداء قلبه ومن الأكذوبة الواضحة، أن يوسف لم
يأكله الذئب، وأنهم دبروا له مكيدة ما، وأنهم يلفقون له قصة لم تقع، 
فواجههم بأن نفوسهم قد حسنت لهم أمرا منكرا وذللته ويسرت لهم ارتكابه؛ وأنه
سيصبر متحملا متجملا لا يجزع ولا يفزع ولا يشكو، مستعينا بالله على ما 
يلفقونه من حيل وأكاذيب: قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا 
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ 




المشهد الأخير من الفصل الأول من حياة سيدنا يوسف عليه السلام: 




أثناء وجود يوسف بالبئر، مرت عليه قافلة.. قافلة في طريقها إلى مصر.. قافلة
كبيرة.. سارت طويلا حتى سميت سيارة.. توقفوا للتزود بالماء.. وأرسلوا 
أحدهم للبئر فأدلى الدلو فيه.. تعلق يوسف به.. ظن من دلاه أنه امتلأ بالماء
فسحبه.. ففرح بما رأى.. رأى غلاما متعلقا بالدلو.. فسرى على يوسف حكم 
الأشياء المفقودة التي يلتقطها أحد.. يصير عبدا لمن التقطه.. هكذا كان 
قانون ذلك الزمان البعيد. 




فرح به من وجده في البداية، ثم زهد فيه حين فكر في همه ومسئوليته، وزهد فيه
لأنه وجده صبيا صغيرا.. وعزم على التخلص منه لدى وصوله إلى مصر.. ولم يكد 
يصل إلى مصر حتى باعه في سوق الرقيق بثمن زهيد، دراهم معدودة. ومن هناك 
اشتراه رجل تبدو عليه الأهمية. 




انتهت المحنة الأولى في حياة هذا النبي الكريم، لبتدأ المحنة الثانية، والفصل الثاني من حياته. 




ثم يكشف الله تعالى مضمون القصة البعيد في بدايتها (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى
أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ). لقد انطبقت 
جدران العبودية على يوسف. ألقي في البئر، أهين، حرم من أبيه، التقط من 
البئر، صار عبدا يباع في الأسواق، اشتراه رجل من مصر، صار مملوكا لهذا 
الرجل.. انطبقت المأساة، وصار يوسف بلا حول ولا قوة.. هكذا يظن أي إنسان.. 
غير أن الحقيقة شيء يختلف عن الظن تماما. 




ما نتصور نحن أنه مأساة ومحنة وفتنة.. كان هو أول سلم يصعده يوسف في طريقه 
إلى مجده.. (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) .. ينفذ تدبيره رغم تدبير 
الآخرين. ينفذ من خلاله تدبير الآخرين فيفسده ويتحقق وعد الله، وقد وعد 
الله يوسف بالنبوة. 




وها هو ذا يلقي محبته على صاحبه الذي اشتراه.. وها هو ذا السيد يقول لزوجته
أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا. وليس هذا السيد رجلا هين 
الشأن.. إنما هو رجل مهم.. رجل من الطبقة الحاكمة في مصر.. سنعلم بعد قليل 
أنه وزير من وزراء الملك. وزير خطير سماه القرآن 'العزيز'، وكان قدماء 
المصريين يطلقون الصفات كأسماء على الوزراء. فهذا العزيز.. وهذا العادل.. 
وهذا القوي.. إلى آخره.. وأرجح الآراء أن العزيز هو رئيس وزراء مصر. 




وهكذا مكن الله ليوسف في الأرض.. سيتربى كصبي في بيت رجل يحكم. وسيعلمه 
الله من تأويل الأحاديث والرؤى.. وسيحتاج إليه الملك في مصر يوما. 
(وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ 
يَعْلَمُونَ). تم هذا كله من خلال فتنة قاسية تعرض لها يوسف. 




ثم يبين لنا المولى عز وجل كرمه على يوسف فيقول: 




وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) (يوسف) 




كان يوسف أجمل رجل في عصره.. وكان نقاء أعماقه وصفاء سريرته يضفيان على 
وجهه مزيدا من الجمال. وأوتي صحة الحكم على الأمور.. وأوتي علما بالحياة 
وأحوالها. وأوتي أسلوبا في الحوار يخضع قلب من يستمع إليه.. وأوتي نبلا 
وعفة، جعلاه شخصية إنسانية لا تقاوم. 




وأدرك سيده أن الله قد أكرمه بإرسال يوسف إليه.. اكتشف أن يوسف أكثر من رأى
في حياته أمانة واستقامة وشهامة وكرما.. وجعله سيده مسئولا عن بيته وأكرمه
وعامله كابنه. 




ويبدأ المشهد الأول من الفصل الثاني في حياته: 




في هذا المشهد تبدأ محنة يوسف الثانية، وهي أشد وأعمق من المحنة الأولى. 
جاءته وقد أوتي صحة الحكم وأوتي العلم -رحمة من الله- ليواجهها وينجو منها 
جزاء إحسانه الذي سجله الله له في قرآنه. يذكر الله تعالى هذه المحنة في 
كتابه الكريم: 




وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ 
الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي 
أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ 
هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ 
لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا 
الْمُخْلَصِينَ (24) (يوسف) 




لا يذكر السياق القرآني شيئا عن سنها وسنه، فلننظر في ذلك من باب التقدير. 
لقد أحضر يوسف صبيا من البئر، كانت هي زوجة في الثلاثة والعشرين مثلا، وكان
هو في الثانية عشرا. بعد ثلاثة عشر عاما صارت هي في السادسة والثلاثين 
ووصل عمره إلى الخامسة والعشرين. أغلب الظن أن الأمر كذلك. إن تصرف المرأة 
في الحادثة وما بعدها يشير إلى أنها مكتملة جريئة. 




والآن، لنتدبر معنا في كلمات هذه الآيات. 




(وَرَاوَدَتْهُ) صراحة (عَن نَّفْسِهِ )، وأغلقت (الأَبْوَابَ وَقَالَتْ 
هَيْتَ لَكَ). لن تفر مني هذه المرة. هذا يعني أنه كانت هناك مرات سابقة فر
فيها منها. مرات سابقة لم تكن الدعوة فيها بهذه الصراحة وهذا التعري. 
فيبدوا أن امرأة العزيز سئمت تجاهل يوسف لتلميحاتها المستمرة وإباءه.. 
فقررت أن تغير خطتها. خرجت من التلميح إلى التصريح.. أغلقت الأبواب ومزقت 
أقنعة الحياء وصرحت بحبها وطالبته بنفسه. 




ثم يتجاوزز السياق القرآني الحوار الذي دار بين امرأة العزيز ويوسف عليه 
السلام، ولنا أن نتصور كيف حاولت إغراءه إما بلباسها أو كلماتها أو 
حركاتها. لكن ما يهمنا هنا هو موقف يوسف -عليه السلام- من هذا الإغواء. 




يقف هذا النبي الكريم في وجه سيدته قائلا (قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ 
رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) أعيذ نفسي 
بالله أن أفعل هذا مع زوجة من أكرمني بأن نجاني من الجب وجعل في هذه الدار 
مثواي الطيب الآمن. ولا يفلح الظالمون الذين يتجاوزون حدود الله، فيرتكبون 
ما تدعينني اللحظة إليه. 




ثم (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ 
رَبِّهِ) اتفق المفسرون حول همها بالمعصية، واختلفوا حول همه. فمنهم من أخذ
بالإسرائيليات وذكر أن يعقوب ظهر له، أو جبريل نزل إليه، لكن التلفيق 
والاختلاق ظاهر في هذه الزوايات الإسرائيلية. ومن قائل: إنها همت به تقصد 
المعصية وهم بها يقصد المعصية ولم يفعل، ومن قائل: إنها همت به لتقبله وهم 
بها ليضربها، ومن قائل: إن هذا الهم كان بينهما قبل الحادث. كان حركة نفسية
داخل نفس يوسف في السن التي اجتاز فيها فترة المراهقة. ثم صرف الله عنه. 
وأفضل تفسير تطمئن إليه نفسي أن هناك تقديما وتأخيرا في الآية. 




قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة، فلما أتيت على قوله 
تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا). قال أبو عبيدة: هذا على 
التقديم والتأخير. بمعنى ولقد همت به.. ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها. 
يستقيم هذا التفسير مع عصمة الأنبياء.. كما يستقيم مع روح الآيات التي 
تلحقه مباشرة (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ 
مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) وهذه الآية التي تثبت أن يوسف من عباد 
الله المخلصين، تقطع في نفس الوقت بنجاته من سلطان الشيطان. قال تعالى 
لإبليس يوم الخلق (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) وما 
دام يوسف من عباده المخلصين، فقد وضح الأمر بالنسبة إليه. لا يعني هذا أن 
يوسف كان يخلو من مشاعر الرجولة، ولا يعني هذا أنه كان في نقاء الملائكة 
وعدم احتفالهم بالحس. إنما يعني أنه تعرض لإغراء طويل قاومه فلم تمل نفسه 
يوما، ثم أسكنها تقواها كونه مطلعا على برهان ربه، عارفا أنه يوسف بن يعقوب
النبي، ابن إسحق النبي، ابن إبراهيم جد الأنبياء وخليل الرحمن. 




يبدو أن يوسف -عليه السلام- آثر الانصراف متجها إلى الباب حتى لا يتطور 
الأمر أكثر. لكن امرأة العزيز لحقت به لتمسكه، تدفهعا الشهوة لذلك. فأمسكت 
قميصه من الخلف، فتمزق في يدها. وهنا تقطع المفاجأة. فتح الباب زوجها 
-العزيز. وهنا تتبدى المرأة المكتملة، فتجد الجواب حاضرا على السؤال 
البديهي الذي يطرح الموقف. فتقول متهمة الفتى: قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ 
أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 




واقترحت هذه المراة -العاشقة- سريعا العقاب -المأمون- الواجب تنفيذه على 
يوسف، خشية أن يفتك به العزيز من شدة غضبه. بيّنت للعزيز أن أفضل عقاب له 
هو السجن. بعد هذا الاتهام الباطل والحكم السريع جهر يوسف بالحقيقة ليدافع 
عن نفسه: قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي 




تجاوز السياق القرآني رد الزوج، لكنه بين كيفية تبرأة يوسف -عليه السلام- من هذه التهمة الباطلة: 




وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ 
فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ 
مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى 
قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ 
كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) (يوسف) 




لا نعلم إن كان الشاهد مرافقا للزوج منذ البداية، أم أن العزيز استدعاه بعد
الحادثة ليأخذ برأيه.. كما أشارت بعض الروايات أن هذا الشاهد رجل كبير، 
بينما أخبرت روايات أخرى أنه طفل رضيع. كل هذا جائز. وهو لا يغير من الأمر 
شيئا. ما يذكره القرآن أن الشاهد أمرهم بالنظر للقميص، فإن كان ممزقا من 
الأمام فذلك من أثر مدافعتها له وهو يريد الاعتداء عليها فهي صادقة وهو 
كاذب. وإن كان قميصه ممزقا من الخلف فهو إذن من أثر تملصه منها وتعقبها هي 
له حتى الباب، فهي كاذبة وهو صادق. 




فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) (يوسف) 




فتأكد الزوج من خيانة زوجته عندما رأى قميص يوسف ممزق من الخلف. لكن الدم 
لم يثر في عروقه ولم يصرخ ولم يغضب. فرضت عليه قيم الطبقة الراقية التي وقع
فيها الحادث أن يواجه الموقف بلباقة وتلطف.. نسب ما فعلته إلى كيد النساء 
عموما. وصرح بأن كيد النساء عموم عظيم. وهكذا سيق الأمر كما لو كان ثناء 
يساق. ولا نحسب أنه يسوء المرأة أن يقال لها: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ).
فهو دلالة على أنها أنثى كاملة مستوفية لمقدرة الأنثى على الكيد. بعدها 
التفت الزوج إلى يوسف قائلا له: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـذَا) أهمل هذا 
الموضوع ولا تعره اهتماما ولا تتحدث به. هذا هو المهم.. المحافظة على 
الظواهر.. ثم يوجه عظة -مختصرة- للمرأة التي ضبطت متلبسة بمراودة فتاها عن 
نفسها وتمزيق قميصه: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ 
الْخَاطِئِينَ). 




انتهى الحادث الأول.. لكن الفتنة لم تنته.. فلم يفصل سيد البيت بين المرأة 
وفتاها.. كل ما طلبه هو إغلاق الحديث في هذا الموضوع. غير أن هذا الموضوع 
بالذات. وهذا الأمر يصعب تحقيقه في قصر يمتلئ بالخدم والخادمات والمستشارين
والوصيفات. 




المشهد الثاني: 




بدأ الموضوع ينتشر.. خرج من القصر إلى قصور الطبقة الراقية يومها.. ووجدت 
فيه نساء هذه الطبقة مادة شهية للحديث. إن خلو حياة هذه الطبقات من المعنى،
وانصرافها إلى اللهو، يخلعان أهمية قصوى على الفضائح التي ترتبط بشخصيات 
شهيرة.. وزاد حديث المدينة (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ 
الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا
لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) وانتقل الخبر من فم إلى فم.. ومن بيت 
إلى بيت.. حتى وصل لامرأة العزيز. 




المشهد الثالث: 




فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ 
لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ
اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ 
أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا 
إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي 
فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ 
يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)
(يوسف) 




عندما سمعت امرأة العزيز بما تتناقله نساء الطبقة العليا عنها، قررت أن تعد
مأدبة كبيرة في القصر. وأعدت الوسائد حتى يتكئ عليها المدعوات. واختارت 
ألوان الطعام والشراب وأمرت أن توضع السكاكين الحادة إلى جوار الطعام 
المقدم. ووجهت الدعوة لكل من تحدثت عنها. وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم 
أو تقشير الفاكهة، فاجأتهن بيوسف: وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا 




(فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) بهتن لطلعته، ودهشن. (وَقَطَّعْنَ 
أَيْدِيَهُنَّ) وجرحن أيديهن بالسكاكين للدهشة المفاجئة. (وَقُلْنَ حَاشَ 
لِلّهِ) وهي كلمة تنزيه تقال في هذا الموضع تعبيرا عن الدهشة بصنع الله.. 
(مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) يتضح من هذه 
التعبيرات أن شيئا من ديانات التوحيد تسربت لأهل ذلك الزمان. 




ورأت المرأة أنها انتصرت على نساء طبقتها، وأنهن لقين من طلعة يوسف الدهش 
والإعجاب والذهول. فقالت قولة المرأة المنتصرة، التي لا تستحي أمام النساء 
من بنات جنسها وطبقتها، والتي تفتخر عليهن بأن هذا متناول يدها؛ وإن كان قد
استعصم في المرة الأولى فهي ستحاول المرة تلو الأخرى إلى أن يلين: انظرن 
ماذا لقيتن منه من البهر والدهش والإعجاب! لقد بهرني مثلكن فراودته عن نفسه
لكنه استعصم، وإن لم يطعني سآمر بسجنه لأذلّه. 




إنها لم ترى بأسا من الجهر بنزواتها الأنثوية أما نساء طبقتها. فقالتها بكل
إصرار وتبجح، قالتها مبيّنة أن الإغراء الجديد تحت التهديد. 




واندفع النسوة كلهم إليه يراودنه عن نفسه.. كل منهن أرادته لنفسها.. ويدلنا
على ذلك أمران. الدليل الأول هو قول يوسف عليه السلام (رَبِّ السِّجْنُ 
أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) فلم يقل (ما تدعوني إليه)..
والأمر الآخر هو سؤال الملك لهم فيما بعد (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ 
رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ). 




أمام هذه الدعوات -سواء كانت بالقول أم بالحركات واللفتات- استنجد يوسف 
بربه ليصرف عنه محاولاتهن لإيقاعه في حبائلهن، خيفة أن يضعف في لحظة أمام 
الإغراء الدائم، فيقع فيما يخشاه على نفسه. دعى يوسف الله دعاء الإنسان 
العارف ببشريته، الذي لا يغتر بعصمته؛ فيريد مزيدا من عناية الله وحياطته، 
ويعاونه على ما يعترضه من فتة وكيد وإغراء. (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ
إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي 
كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ) واستجاب له 
الله.. وصرف عنه كيد النسوة. 




وهذا الصرف قد يكون بإدخال اليأس في نفوسهن من استجابته لهن، بعد هذه 
التجربة؛ أو بزيادة انصرافه عن الإغراء حتى ما يحس في نفسه أثرا منه. أو 
بهما جميعا. وهكذا اجتاز يوسف المحنة الثانية بلطف الله ورعايته، فهو الذي 
سمع الكيد ويسمع الدعاء، ويعلم ما وراء الكيد وما وراء الدعاء. 




ما انتهت المحنة الثانية إلا لتبدأ الثالثة.. لكن هذه الثالثة هي آخر محن الشدة. 




يسجن يوسف عليه السلام والفصل الثالث من حياته: 




ربما كان دخوله للسجن بسبب انتشار قصته مع امرأة العزيز ونساء طبقتها، فلم 
يجد أصحاب هذه البيوت طريقة لإسكات هذه الألسنة سوى سجن هذا الفتى الذي دلت
كل الآيات على برائته، لتنسى القصة. قال تعالى في سورة (يوسف): 




ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) (يوسف) 




وهكذا ترسم الآية الموجزة جو هذا العصر بأكمله.. جو الفساد الداخلي في القصور، جو الأوساط الأرستقراطية.. وجو الحكم المطلق. 




إن حلول المشكلات في الحكم المطلق هي السجن.. وليس هذا بغريب على من يعبد 
آلهة متعددة. كانوا على عبادة غير الله.. ولقد رأينا من قبل كيف تضيع حريات
الناس حين ينصرفون عن عبادة الله إلى عبادة غيره. وها نحن أولاء نرى في 
قصة يوسف شاهدا حيا يصيب حتى الأنبياء. صدر قرارا باعتقاله وأدخل السجن. 
بلا قضية ولا محاكمة، ببساطة ويسر.. لا يصعب في مجتمع تحكمه آلهة متعددة أن
يسجن بريء. بل لعل الصعوبة تكمن في محاولة شيء غير ذلك. 




دخل يوسف السجن ثابت القلب هادئ الأعصاب أقرب إلى الفرح لأنه نجا من إلحاح 
زوجة العزيز ورفيقاتها، وثرثرة وتطفلات الخدم. كان السجن بالنسبة إليه 
مكانا هادئا يخلو فيه ويفكر في ربه. 




ويبين لنا القرآن الكريم المشهد الأول من هذا الفصل: 




يختصر السياق القرآني ما كان من أمر يوسف في السجن.. لكن الواضح أن يوسف 
-عليه السلام- انتهز فرصة وجوده في السجن، ليقوم بالدعوة إلى الله. مما جعل
السجناء يتوسمون فيه الطيبة والصلاح وإحسان العبادة والذكر والسلوك. 




انتهز يوسف -عليه السلام- هذه الفرصة ليحدث الناس عن رحمة الخالق وعظمته 
وحبه لمخلوقاته، كان يسأل الناس: أيهما أفضل.. أن ينهزم العقل ويعبد أربابا
متفرقين.. أم ينتصر العقل ويعبد رب الكون العظيم؟ وكان يقيم عليهم الحجة 
بتساؤلاته الهادئة وحواره الذكي وصفاء ذهنه، ونقاء دعوته. 




وفي أحد الأيام، قَدِمَ له سجينان يسألانه تفسير أحلامهما، بعد أن توسما في
وجهه الخير. إن أول ما قام به يوسف -عليه السلام- هو طمأنتهما أنه سيؤول 
لهم الرؤى، لأن ربه علمه علما خاصا، جزاء على تجرده هو وآباؤه من قبله 
لعبادته وحده، وتخلصه من عبادة الشركاء.. وبذلك يكسب ثقتهما منذ اللحظة 
الأولى بقدرته على تأويل رؤياهما، كما يكسب ثقتهما كذلك لدينه. ثم بدأ 
بدعوتهما إلى التوحيد، وتبيان ما هم عليه من الظلال. قام بكل هذا برفق ولطف
ليدخل إلى النفوس بلا مقاومة. 




بعد ذلك فسر لهما الرؤى. بيّن لهما أن أحدها سيصلب، والآخر سينجو، وسيعمل 
في قصر الملك. لكنه لم يحدد من هو صاحب البشرى ومن هو صاحب المصير السيئ 
تلطفا وتحرجا من المواجهة بالشر والسوء. وتروي بعض التفاسير أن هؤلاء 
الرجلين كانا يعملان في القصر، أحدهما طباخا، والآخر يسقي الناس، وقد اتهما
بمحاولة تسميم الملك. 




أوصى يوسف من سينجو منهما أن يذكر حاله عن الملك. لكن الرجل لم ينفذ 
الوصية. فربما ألهته حياة القصر المزدحمة يوسف وأمره. فلبث في السجن بضع 
سنين. أراد الله بهذا أن يعلم يوسف -عليه السلام- درسا. 




فقد ورد في إحدى الرويات أنه جاءه جبريل قال: يا يوسف من نجّاك من إخوتك؟ 
قال: الله. قال: من أنقذك من الجب؟ قال: الله. قال: من حررك بعد أن صرت 
عبدا؟ قال: الله. قال: من عصمك من النساء؟ قال: الله. قال: فعلام تطلب 
النجاة من غيره؟ 




وقد يكون هذا الأمر زيادة في كرم الله عليه واصطفاءه له، فلم يجعل قضاء حاجته على يد عبد ولا سبب يرتبط بعبد. 




المشهد الثاني: 




في هذا المشهد تبدأ نقطة التحول.. التحول من محن الشدة إلى محن الرخاء.. من محنة العبودية والرق لمحنة السلطة والملك. 




في قصر الحكم.. وفي مجلس الملك: يحكي الملك لحاشيته رؤياه طالبا منهم 
تفسيرا لها. (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ 
يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ 
يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ 
لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) لكن المستشارين والكهنة لم يقوموا بالتفسير. ربما
لأنهم لم يعرفوا تفسيرها، أو أنهم أحسوا أنها رؤيا سوء فخشوا أن يفسروها 
للملك، وأرادوا أن يأتي التفسير من خارج الحاشية -التي تعودت على قول كل ما
يسر الملك فقط. وعللوا عدم التفسير بأن قالوا للملك أنها أجزاء من أحلام 
مختلطة ببعضها البعض، ليست رؤيا كاملة يمكن تأويلها. 




المشهد الثالث: 




وصل الخبر إلى الساقي -الذي نجا من السجن.. تداعت أفكاره وذكره حلم الملك 
بحلمه الذي رآه في السجن، وذكره السجن بتأويل يوسف لحلمه. وأسرع إلى الملك 
وحدثه عن يوسف. قال له: إن يوسف هو الوحيد الذي يستطيع تفسير رؤياك. 




وأرسل الملك ساقيه إلى السجن ليسأل يوسف. ويبين لنا الحق سبحانه كيف نقل 
الساقي رؤيا الملك ليوسف بتعبيرات الملك نفسها، لأنه هنا بصدد تفسير حلم، 
وهو يريد أن يكون التفسير مطابقا تماما لما رءاه الملك. وكان الساقي يسمي 
يوسف بالصديق، أي الصادق الكثير الصدق.. وهذا ما جربه من شأنه من قبل. 




جاء الوقت واحتاج الملك إلى رأي يوسف.. (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ 
وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ). سُئِلَ يوسف عن تفسير حلم 
الملك.. فلم يشترط خروجه من السجن مقابل تفسيره. لم يساوم ولم يتردد ولم 
يقل شيئا غير تفسير الرؤيا.. هكذا ببراءة النبي حين يلجأ إليه الناس 
فيغيثهم.. وإن كان هؤلاء أنفسهم سجانيه وجلاديه. 




لم يقم يسوف -عليه السلام- بالتفسير المباشر المجرد للرؤيا. وإنما قدم مع 
التفسير النصح وطريقة مواجهة المصاعب التي ستمر بها مصر. أفهم يوسف رسول 
الملك أن مصر ستمر عليها سبع سنوات مخصبة تجود فيها الأرض بالغلات. وعلى 
المصريين ألا يسرفوا في هذه السنوات السبع. لأن وراءها سبع سنوات مجدبة 
ستأكل ما يخزنه المصريون، وأفضل خزن للغلال أن تترك في سنابلها كي لا تفسد 
أو يصيبها السوس أو يؤثر عليها الجو. 




بهذا انتهى حلم الملك.. وزاد يوسف تأويله لحلم الملك بالحديث عن عام لم 
يحلم به الملك، عام من الرخاء. عام يغاث فيه الناس بالزرع والماء، وتنمو 
كرومهم فيعصرون خمرا، وينمو سمسمهم وزيتونهم فيعصرون زيتا. كان هذا العام 
الذي لا يقابله رمز في حلم الملك. علما خاصا أوتيه يوسف. فبشر به الساقي 
ليبشر به الملك والناس. 




المشهد الرابع: 




عاد الساقي إلى الملك. أخبره بما قال يوسف، دهش الملك دهشة شديدة. ما هذا 
السجين..؟ إنه يتنبأ لهم بما سيقع، ويوجههم لعلاجه.. دون أن ينتظر أجرا أو 
جزاء. أو يشترط خروجا أو مكافأة. فأصدر الملك أمره بإخراج يوسف من السجن 
وإحضاره فورا إليه. ذهب رسول الملك إلى السجن. ولا نعرف إن كان هو الساقي 
الذي جاءه أول مرة. أم أنه شخصية رفيعة مكلفة بهذه الشؤون. ذهب إليه في 
سجنه. رجا منه أن يخرج للقاء الملك.. فهو يطلبه على عجل. رفض يوسف أن يخرج 
من السجن إلا إذا ثبتت براءته. لقد رباه ربه وأدبه. ولقد سكبت هذه التربية 
وهذا الأدب في قلبه السكينة والثقة والطمأنينة. ويظهر أثر التربية واضحا في
الفارق بين الموقفين: الموقف الذي يقول يوسف فيه للفتى: اذكرني عند ربك، 
والموقف الذي يقول فيه: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة الاتي قطعن 
أيدهن، الفارق بين الموقفين كبير. 




المشهد الخامس: 




تجاوز السياق القرآني عما حدث بين الملك ورسوله، وردة فعل الملك. ليقف بنا 
أمام المحاكة. وسؤال الملك لنساء الطبقة العليا عما فعلنه مع يوسف. يبدوا 
أن الملك سأل عن القصة ليكون على بينة من الظروف قبل أن يبدأ التحقيق، لذلك
جاء سؤاله دقيقا للنساء. فاعترف النساء بالحقيقة التي يصعب إنكارها 
(قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ). 




وهنا تتقدم المرأة المحبة ليوسف، التي يئست منه، ولكنها لا تستطيع أن تخلص 
من تعلقها به.. تتقدم لتقول كل شيء بصراحة. يصور السياق القرآني لنا اعتراف
امرأة العزيز، بألفاظ موحية، تشي بما وراءها من انفعالات ومشاعر عميقة 
(أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) شهادة 
كاملة بإثمها هي، وبراءته ونظافته وصدقه هو. شهادة لا يدفع إليها خوف أو 
خشية أو أي اعتبار آخر.. يشي السياق القرآني بحافز أعمق من هذا كله. حرصها 
على أن يحترمها الرجل الذي أهان كبرياءها الأنثوية، ولم يعبأ بفتنتها 
الجسدية. ومحاولة يائسة لتصحيح صورتها في ذهنه. لا تريده أن يستمر على 
تعاليه واحتقاره لها كخاطئة. تريد أن تصحح فكرته عنها: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ 
أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ). لست بهذا السوء الذي يتصوره فيني. ثم 
تمضي في هذه المحاولة والعودة إلى الفضيلة التي يحبها يوسف ويقدرها 
(وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ). وتمضي خطوة أخرى في 
هذه المشاعر الطيبة (وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ
بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ). 




إن تأمل الآيات يوحي بأن امرأة العزيز قد تحولت إلى دين يوسف. تحولت إلى 
التوحيد. إن سجن يوسف كان نقلة هائلة في حياتها. آمنت بربه واعتنقت ديانته.




ويصدر الأمر الملكي بالإفراج عنه وإحضاره. 




يهمل السياق القرآني بعد ذلك قصة امرأة العزيز تماما، يسقطها من المشاهد، 
فلا نعرف ماذا كان من أمرها بعد شهادتها الجريئة التي أعلنت فيها ضمنا 
إيمانها بدين يوسف. 




وقد لعبت الأساطير دورها في قصة المرأة.. قيل: إن زوجها مات وتزوجت من 
يوسف، فاكتشف أنها عذراء، واعترفت له أن زوجها كان شيخا لا يقرب النساء.. 
وقيل: إن بصرها ضاع بسبب استمرارها في البكاء على يوسف، خرجت من قصرها 
وتاهت في طرقات المدينة، فلما صار يوسف كبيرا للوزراء، ومضى موكبه يوما 
هتفت به امرأة ضريرة تتكفف الناس: سبحان من جعل الملوك عبيدا بالمعصية، 
وجعل العبيد ملوكا بالطاعة. 




سأل يوسف: صوت من هذا؟ قيل له: امرأة العزيز. انحدر حالها بعد عز. واستدعاها يوسف وسألها: هل تجدين في نفسك من حبك لي شيئا؟ 




قالت: نظرة إلى وجهك أحب إلي من الدنيا يا يوسف.. ناولني نهاية سوطك. 
فناولها. فوضعته على صدرها، فوجد السوط يهتز في يده اضطرابا وارتعاشا من 
خفقان قلبها. 




وقيلت أساطير أخرى، يبدو فيها أثر المخيلة الشعبية وهي تنسج قمة الدراما 
بانهيار العاشقة إلى الحضيض.. غير أن السياق القرآني تجاوز تماما نهاية 
المرأة. 




أغفلها من سياق القصة، بعد أن شهدت ليوسف.. وهذا يخدم الغرض الديني في 
القصة، فالقصة أساسا قصة يوسف وليست قصة المرأة.. وهذا أيضا يخدم الغرض 
الفني.. لقد ظهرت المرأة ثم اختفت في الوقت المناسب.. اختفت في قمة 
مأساتها.. وشاب اختفاءها غموض فني معجز.. ولربما بقيت في الذاكرة باختفائها
هذا زمنا أطول مما كانت تقضيه لو عرفنا بقية قصتها. 




ويبدأ فصل جديد من فصول حياة يوسف عليه السلام: 




بعد ما رأى الملك من أمر يوسف. براءته، وعلمه، وعدم تهافته على الملك. عرف 
أنه أمام رجل كريم، فلم يطلبه ليشكره أو يثني عليه، وإنما طلبه ليكون 
مستشاره. وعندما جلس معه وكلمه، تحقق له صدق ما توسمه فيه. فطمئنه على أنه 
ذو مكانه وفي أمان عنده. فماذا قال يوسف؟ 




لم يغرق الملك شكرا، ولم يقل له: عشت يا مولاي وأنا عبدك الخاضع أو خادمك 
الأمين، كما يفعل المتملقون للطواغيت؛ كلا إنما طالب بما يعتقد أنه قادر 
على أن ينهض به من الأعباء في الازمة القادمة. 




كما وأورد القرطبي في تفسيره. أن الملك قال فيما قاله: لو جمعت أهل مصر ما أطاقوا هذا الأمر.. ولم يكونوا فيه أمناء. 




كان الملك يقصد الطبقة الحاكمة وما حولها من طبقات.. إن العثور على الأمانة في الطبقة المترفة شديد الصعوبة. 




اعتراف الملك ليوسف بهذه الحقيقة زاد من عزمه على تولي هذا الامر، لأنقاذ 
مصر وما حولها من البلاد من هذه المجاعة.. قال يوسف: (اجْعَلْنِي عَلَى 
خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ). لم يكن يوسف في كلمته يقصد 
النفع أو الاستفادة. على العكس من ذلك. كان يحتمل أمانة إطعام شعوب جائعة 
لمدة سبع سنوات.. شعوب يمكن أن تمزق حكامها لو جاعت.. كان الموضوع في 
حقيقته تضحية من يوسف. 




لا يثبت السياق القرآني أن الملك وافق.. فكأنما يقول القرآن الكريم إن 
الطلب تضمن الموافقة.. زيادة في تكريم يوسف، وإظهار مكانته عند الملك.. 
يكفي أن يقول ليجاب.. بل ليكون قوله هو الجواب، ومن ثم يحذف رد الملك.. 
ويفهمنا شريط الصور المعروضة أن يوسف قد صار في المكان الذي اقترحه. 




وهكذا مكن الله ليوسف في الأرض.. صار مسؤولا عن خزائن مصر واقتصادها.. صار 
كبيرا للوزراء.. وجاء في رواية أن الملك قال ليوسف: يا يوسف ليس لي من 
الحكم إلا الكرسي.. ولا ينبئنا السياق القرآني كيف تصرف يوسف في مصر.. نعرف
أنه حكيم عليم.. نعرف أنه أمين وصادق.. لا خوف إذا على اقتصاد مصر. 




المشهد الثاني من هذا الفصل: 




دارت عجلة الزمن.. طوى السياق دورتها، ومر مرورا سريعا على سنوات الرخاء، 
وجاءت سنوات المجاعة.. وهنا يغفل السياق القرآني بعد ذلك ذكر الملك 
والوزراء في السورة كلها.. كأن الأمر كله قد صار ليوسف. الذي اضطلع بالعبء 
في الأزمة الخانقة الرهيبة. وأبرز يوسف وحده على مسرح الحوادث, وسلط عليه 
كل الأضواء. 




أما فعل الجدب والمجاعة فقد أبرزه السياق في مشهد إخوة يوسف, يجيئون من 
البدو من أرض كنعان البعيدة يبحثون عن الطعام في مصر. ومن ذلك ندرك اتساع 
دائرة المجاعة, كما كيف صارت مصر - بتدبير يوسف - محط أنظار جيرانها ومخزن 
الطعام في المنطقة كلها. 




لقد اجتاح الجدب والمجاعة أرض كنعان وما حولها. فاتجه إخوة يوسف - فيمن 
يتجهون - إلى مصر. وقد تسامع الناس بما فيها من فائض الغلة منذ السنوات 
السمان. فدخلوا على عزيز مصر, وهم لا يعلمون أن أخاهم هو العزيز. إنه 
يعرفهم فهم لم يتغيروا كثيرا. أما يوسف فإن خيالهم لا يتصور قط أنه العزيز!
وأين الغلام العبراني الصغير الذي ألقوه في الجب منذ عشرين عاما أو تزيد 
من عزيز مصر شبه المتوج في سنه وزيه وحرسه ومهابته وخدمه وحشمه وهيله 
وهيلمانه? 



[size=16]
ولم يكشف لهم يوسف عن نفسه. فلا بد من دروس يتلقونها: (فَدَخَلُواْ 
عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ). ولكنا ندرك من السياق أنه
أنزلهم منزلا طيبا, ثم أخذ في إعداد الدرس الأول: ( وَلَمَّا جَهَّزَهُم 
بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ). فنفهم من 
هذا أنه تركهم يأنسون إليه, واستدرجهم حتى ذكروا له من هم على وجه التفصيل,
وأن لهم أخا صغيرا من أبيهم لم يحضر معهم لأن أباه يحبه ولا يطيق فراقه. 
فلما جهزهم بحاجات الرحلة قال لهم: إنه يريد أن يرى أخاهم هذا. (قَالَ 
ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق