فهذا ذكر هذه القصة من مواضع متفرقة من القرآن ، وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير . ولنذكر هاهنا مضمون ما دلت عليه هذه الآيات الكريمات ، وما يتعلق بها من الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله المستعان .
فأخبر تعالى أنه خاطب الملائكة قائلا لهم : إني جاعل في الأرض خليفة . أعلم بما يريد أن يخلق من آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضا ، كما قال : وهو الذي جعلكم خلائف الأرض [ الأنعام : 165 ] . وقال : ويجعلكم خلفاء الأرض [ النمل : 62 ] . فأخبرهم بذلك على سبيل التنويه بخلق آدم وذريته ، كما يخبر بالأمر العظيم قبل كونه . فقالت الملائكة سائلين على وجه الاستكشاف والاستعلام عن وجه الحكمة لا [ ص: 166 ] على وجه الاعتراض والتنقص لبني آدم والحسد لهم ، كما قد يتوهمه بعض جهلة المفسرين : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء . قيل : علموا أن ذلك كائن بما رأوا ممن كان قبل آدم من الحن والبن . قاله قتادة .
وقال عبد الله بن عمر كانت الحن والبن قبل آدم بألفي عام ، فسفكوا الدماء فبعث الله إليهم جندا من الملائكة فطردوهم إلى جزائر البحور ، وعن ابن عباس نحوه ، وعن الحسن ألهموا ذلك . وقيل : لما اطلعوا عليه من اللوح المحفوظ . فقيل : أطلعهم عليه هاروت وماروت عن ملك فوقهما يقال له : السجل . رواه ابن أبي حاتم ، عن أبي جعفر الباقر . وقيل : لأنهم علموا أن الأرض لا يخلق منها إلا من يكون بهذه المثابة غالبا . ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك . أي : نعبدك دائما لا يعصيك منا أحد ، فإن كان المراد بخلق هؤلاء أن يعبدوك فها نحن لا نفتر ليلا ولا نهارا . قال إني أعلم ما لا . أي : أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هؤلاء ما لا تعلمون . أي : سيوجد منهم الأنبياء والمرسلون ، والصديقون ، والشهداء . ثم بين لهم شرف آدم عليهم في العلم فقال : وعلم آدم الأسماء كلها . قال ابن عباس : هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس ; إنسان ، ودابة ، وأرض ، وسهل ، وبحر ، وجبل ، وجمل ، وحمار ، [ ص: 167 ] وأشباه ذلك من الأمم وغيرها . وفي رواية : علمه اسم الصحفة ، والقدر حتى الفسوة والفسية . وقال مجاهد : علمه اسم كل دابة ، وكل طير ، وكل شيء .
وقد اختلف المفسرون في الملائكة المأمورين بالسجود لآدم ، أهم جميع الملائكة ؟ كما دل عليه عموم الآيات ، وهو قول الجمهور ، أو المراد بهم ملائكة الأرض ؟ كما رواه ابن جرير من طريق الضحاك ، عن ابن عباس ، وفيه انقطاع ، وفي السياق نكارة ، وإن كان بعض المتأخرين قد رجحه ، ولكن الأظهر من السياقات الأول ، ويدل عليه الحديث : وأسجد له ملائكته . وهذا عموم أيضا ، والله أعلم .
ولكن حكى السدي ، عن أبي صالح ، وأبي مالك ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة أنهم قالوا : أخرج إبليس من الجنة ، وأسكن آدم الجنة فكان يمشي فيها وحشا ، ليس له فيها زوج يسكن إليها فنام نومة فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه ، فسألها من أنت ؟ قالت : امرأة . قال : ولما خلقت؟ . قالت : لتسكن إلي . فقالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه : ما اسمها يا آدم . قال : حواء . قالوا : ولم كانت حواء ؟ قال : لأنها خلقت من شيء حي . وذكر محمد بن إسحاق ، عن ابن عباس : أنها خلقت من ضلعه الأقصر الأيسر وهو نائم ، ولأم مكانه لحما . ومصداق هذا في قوله تعالى : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء [ النساء : 1 ] . الآية ، وفي قوله تعالى : هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به [ الأعراف : 189 ] . [ ص: 174 ] الآية . وسنتكلم عليها فيما بعد إن شاء الله تعالى .
وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى : ولا تقربا هذه الشجرة . فقيل هي الكرم . وروى عن ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والشعبي ، وجعدة بن هبيرة ، ومحمد بن قيس ، والسدي في رواية ، عن ابن عباس ، وابن مسعود ، وناس من الصحابة قال : وتزعم يهود أنها الحنطة . وهذا مروي عن ابن عباس ، والحسن البصري ، ووهب بن منبه ، وعطية العوفي ، وأبي مالك ، ومحارب بن دثار ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى . قال وهب : والحبة منه ألين من الزبد ، وأحلى من العسل . وقال الثوري ، عن حصين ، عن أبي مالك : ولا تقربا هذه الشجرة . هي النخلة . وقال ابن جريج ، عن مجاهد : هي التينة . وبه قال قتادة ، وابن [ ص: 175 ] جريج . وقال أبو العالية : كانت شجرة من أكل منها أحدث ، ولا ينبغي في الجنة حدث .
وهذا الخلاف قريب . وقد أبهم الله ذكرها وتعيينها ، ولو كان في ذكرها مصلحة تعود إلينا لعينها لنا ، كما في غيرها من المحال التي تبهم في القرآن .
[ ص: 176 ] وقال آخرون بل الجنة التي أسكنها آدم لم تكن جنة الخلد ; لأنه كلف فيها أن لا يأكل من تلك الشجرة ، ولأنه نام فيها وأخرج منها ، ودخل عليه إبليس فيها ، وهذا مما ينافي أن تكون جنة المأوى . وهذا القول محكي ، عن أبي بن كعب ، وعبد الله بن عباس ، ووهب بن منبه ، وسفيان بن عيينة . واختاره ابن قتيبة في المعارف ، والقاضي منذر بن سعيد البلوطي في تفسيره ، وأفرد له مصنفا على حدة ، وحكاه عن أبي حنيفة الإمام وأصحابه رحمهم الله . ونقله أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي ابن خطيب الري في تفسيره عن أبي القاسم البلخي ، وأبي مسلم الأصبهاني . ونقله القرطبي في تفسيره عن المعتزلة ، والقدرية . وهذا القول هو نص التوراة التي بأيدي أهل الكتاب . وممن حكى الخلاف في هذه المسألة أبو محمد بن حزم في " الملل والنحل " وأبو محمد بن عطية في تفسيره ، وأبو عيسى الرماني في تفسيره .
وحكى عن الجمهور الأول ، وأبو القاسم الراغب ، والقاضي الماوردي في تفسيره فقال : واختلف في الجنة التي أسكناها يعني آدم وحواء على قولين ; أحدهما : أنها جنة الخلد . الثاني : جنة أعدها الله لهما ، وجعلها دار ابتلاء ، وليست جنة الخلد التي جعلها دار جزاء . ومن قال : بهذا اختلفوا على قولين ; أحدهما : أنها في السماء ، لأنه أهبطهما منها . وهذا قول الحسن ، والثاني : [ ص: 177 ] أنها في الأرض ، لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار . وهكذا قولابن جبير ، وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم ، والله أعلم بالصواب من ذلك ، هذا كلامه .
فقد تضمن كلامه حكاية أقوال ثلاثة ، وأشعر كلامه أنه متوقف في المسألة ، ولهذا حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره في هذه المسألة أربعة أقوال ، هذه الثلاثة التي أوردها الماوردي ورابعها : الوقف . ورجح القول الأول . والله أعلم . وحكى القول بأنها في السماء وليست جنة المأوى عن أبي علي الجبائي .
وقد أورد أصحاب القول الثاني سؤالا يحتاج مثله إلى جواب فقالوا : لا شك أن الله سبحانه وتعالى طرد إبليس حين امتنع من السجود عن الحضرة الإلهية ، وأمره بالخروج عنها والهبوط منها ، وهذا الأمر ليس من الأوامر الشرعية بحيث يمكن مخالفته ، وإنما هو أمر قدري لا يخالف ولا يمانع ، ولهذا قال : اخرج منها مذءوما مدحورا [ الأعراف : 18 ] . وقال : اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها [ الأعراف : 13 ] . وقال : اخرج منها فإنك رجيم [ الحجر : 34 ] . والضمير عائد إلى الجنة أو السماء أو المنزلة ، وأيا ما كان ، فمعلوم أنه ليس له الكون بعد هذا في المكان الذي طرد عنه ، وأبعد منه لا على سبيل الاستقرار ، ولا على سبيل المرور والاجتياز . قالوا : ومعلوم من ظاهر سياقات القرآن أنه وسوس [ ص: 178 ] لآدم وخاطبه بقوله له : هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى [ طه : 120 ] . وبقوله : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور [ الأعراف : 20 21 ] . الآية ، وهذا ظاهر في اجتماعه معهما في جنتهما ، وقد أجيبوا عن هذا بأنه لا يمتنع أن يجتمع بهما في الجنة على سبيل المرور فيها لا على سبيل الاستقرار بها ، أو أنه وسوس لهما وهو على باب الجنة ، أو من تحت السماء . وفي الثلاثة نظر ، والله أعلم .
ومما احتج به أصحاب هذه المقالة ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في الزيادات عن هدبة بن خالد ، عن حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن الحسن البصري ، عن عتي هو ابن ضمرة السعدي ، عن أبي بن كعب قال : إن آدم لما احتضر اشتهى قطفا من عنب الجنة ، فانطلق بنوه ليطلبوه له ، فلقيتهم الملائكة فقالوا : أين تريدون يا بني آدم ؟ فقالوا : إن أبانا اشتهى قطفا من عنب الجنة . فقالوا لهم : ارجعوا فقد كفيتموه فانتهوا إليه فقبضوا روحه ، وغسلوه ، وحنطوه ، وكفنوه ، وصلى عليه جبريل وبنوه خلف الملائكة ، ودفنوه . وقالوا : هذه سنتكم في موتاكم . وسيأتي الحديث بسنده ، وتمام لفظه عند ذكر وفاة آدم عليه السلام . قالوا : فلولا أنه كان الوصول إلى الجنة التي كان فيها آدم التي اشتهى منها القطف ممكنا لما ذهبوا يطلبون ذلك ، فدل على أنها في الأرض لا في السماء ، والله تعالى أعلم .
قالوا : والاحتجاج بأن الألف واللام في قوله : ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة . [ ص: 179 ] لم يتقدم عهد يعود عليه ، فهو المعهود الذهني مسلم ، ولكن هو ما دل عليه سياق الكلام فإن آدم خلق من الأرض ، ولم ينقل أنه رفع إلى السماء . وخلق ليكون في الأرض ، وبهذا أعلم الرب الملائكة حيث قال : إني جاعل في الأرض خليفة .
قالوا : وهذا كقوله تعالى : إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة [ القلم : 17 ] . فالألف واللام ليس للعموم ، ولم يتقدم معهود لفظي ، وإنما هي للمعهود الذهني الذي دل عليه السياق وهو البستان .
قالوا : ولا مانع ، بل هو الواقع ، أن الجنة التي أسكنها آدم كانت مرتفعة عن سائر بقاع الأرض ذات أشجار ، وثمار ، وظلال ، ونعيم ، ونضرة ، وسرور ، كما قال تعالى : إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى [ طه : 118 ] . أي لا يذل باطنك بالجوع ، ولا ظاهرك بالعري : وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى [ طه : 119 ] . أي لا يمس باطنك حر الظمأ ، ولا ظاهرك حر الشمس ، ولهذا قرن بين هذا وهذا ، وبين هذا وهذا لما بينهما من المقابلة . فلما كان منه ما كان من أكله من الشجرة التي نهي عنها أهبط [ ص: 180 ] إلى أرض الشقاء ، والتعب ، والنصب ، والكدر ، والسعي ، والنكد ، والابتلاء ، والاختبار ، والامتحان ، واختلاف السكان ; دينا ، وأخلاقا ، وأعمالا ، وقصودا ، وإرادات ، وأقوالا ، وأفعالا ، كما قال تعالى : ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين [ البقرة : 36 ] . ولا يلزم من هذا أنهم كانوا في السماء ، كما قال تعالى : وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا [ الإسراء : 204 ] . ومعلوم أنهم كانوا فيها لم يكونوا في السماء .
قالوا : وليس هذا القول مفرعا على قول من ينكر وجود الجنة والنار اليوم ، ولا تلازم بينهما ، فكل من حكي عنه هذا القول من السلف ، وأكثر الخلف ممن يثبت وجود الجنة والنار اليوم ، كما دلت عليه الآيات ، والأحاديث الصحاح ، كما سيأتي إيرادها في موضعها ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .
وفي كتاب التوراة التي بين أيدي أهل الكتاب أن الذي دل حواء على الأكل من الشجرة هي الحية ، وكانت من أحسن الأشكال ، وأعظمها فأكلت حواء عن قولها ، وأطعمت آدم عليه السلام ، وليس فيها ذكر لإبليس ، فعند ذلك انفتحت أعينهما ، وعلما أنهما عريانان فوصلا من ، ورق التين ، وعملا مآزر ، وفيها أنهما كانا عريانين ، وكذا قال وهب بن منبه كان لباسهما نورا على فرجه وفرجها .
وهذا الذي في هذه التوراة التي بأيديهم غلط منهم وتحريف وخطأ في التعريب ، فإن نقل الكلام من لغة إلى لغة لا يكاد يتيسر لكل أحد ، ولا سيما [ ص: 183 ] ممن لا يعرف كلام العرب جيدا ، ولا يحيط علما بفهم كتابه أيضا ، فلهذا وقع في تعريبهم لها خطأ كثير لفظا ومعنى ، وقد دل القرآن العظيم على أنه كان عليهما لباس في قوله : ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما . فهذا لا يرد لغيره من الكلام ، والله تعالى أعلم .
والصحيح أنه كرره لفظا ، وإن كان واحدا ، وناط مع كل مرة حكما ; فناط بالأول : عداوتهم فيما بينهم ، وبالثاني : الاشتراط عليهم أن من تبع هداه الذي ينزله عليهم بعد ذلك هو السعيد ، ومن خالفه فهو الشقي ، وهذا الأسلوب في الكلام له نظائر في القرآن الحكيم .
وروى الحافظ ابن عساكر ، عن مجاهد قال : أمر الله ملكين أن يخرجا آدم وحواء من جواره ، فنزع جبريل التاج عن رأسه ، وحل ميكائيل الإكليل عن جبينه ، وتعلق به غصن فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة فنكس رأسه يقول : العفو العفو ، فقال الله سبحانه : فرارا مني يا آدم . قال : بل حياء منك يا سيدي . وقال الأوزاعي ، عن حسان هو ابن عطية : مكث آدم في الجنة مائة عام ، وفي رواية ستين عاما ، وبكى على الجنة سبعين عاما ، وعلى خطيئته سبعين عاما ، وعلى ولده حين قتل أربعين عاما . رواه ابن عساكر .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن سعيد ، عن ابن عباس قال : أهبط آدم [ ص: 187 ] عليه السلام إلى أرض يقال لها دحنا بين مكة والطائف . وعن الحسن قال : أهبط آدم بالهند ، وحواء بجدة ، وإبليس بدستميسان من البصرة على أميال ، وأهبطت الحية بأصبهان . رواه ابن أبي حاتم أيضا . وقال السدي : نزل آدم بالهند ، ونزل معه بالحجر الأسود وبقبضة من ورق الجنة ، فبثه في الهند فنبتت شجرة الطيب هناك . وعن ابن عمر قال : أهبط آدم بالصفا ، وحواء بالمروة . رواه ابن أبي حاتم أيضا .
وقال عبد الرزاق : قال معمر : أخبرني عوف ، عن قسامة بن زهير ، عن أبي موسى الأشعري قال : إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض علمه صنعة كل شيء ، وزوده من ثمار الجنة . فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه تتغير ، وتلك لا تتغير . وقال الحاكم في مستدركه : أنبأنا أبو بكر بن بالويه ، عن محمد بن أحمد بن النضر ، عن معاوية بن عمرو ، عن زائدة ، عن عمار بن أبي معاوية البجلي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ما أسكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس . ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .
فأما الحديث الذي رواه ابن عساكر من طريق أبي القاسم البغوي ، حدثنا محمد بن جعفر الوركاني ، حدثنا سعيد بن ميسرة ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هبط آدم وحواء عريانين جميعا عليهما ورق الجنة ، فأصابه الحر حتى قعد يبكي ، ويقول لها : يا حواء قد أذاني الحر " قال : " فجاءه جبريل بقطن ، وأمرها أن تغزل ، وعلمها ، وأمر آدم بالحياكة ، وعلمه أن ينسج . وقال : كان آدم لم يجامع امرأته في الجنة حتى هبط منها للخطيئة التي أصابتهما بأكلهما من الشجرة " قال : " وكان كل واحد منهما ينام على حدة ينام أحدهما في البطحاء ، والآخر من ناحية أخرى حتى أتاه جبريل فأمره أن يأتي أهله " قال : " وعلمه كيف يأتيها ، فلما أتاها جاءه جبريل فقال : كيف وجدت امرأتك ؟ قال : صالحة " . فإنه حديث غريب ، ورفعه منكر جدا ، وقد يكون من كلام بعض السلف . وسعيد بن ميسرة هذا هو أبو عمران البكري البصري . قال فيه البخاري : [ ص: 189 ] منكر الحديث . وقال ابن حبان : يروي الموضوعات . وقال ابن عدي : مظلم الأمر .
وقال ابن أبي نجيح : عن مجاهد قال : الكلمات : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين ، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الراحمين ، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم . وروى الحاكم في [ ص: 190 ] مستدركه من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه . قال : قال : آدم يا رب ألم تخلقني بيدك . قيل له : بلى . ونفخت في من روحك . قيل له : بلى . وعطست ، فقلت : يرحمك الله ، وسبقت رحمتك غضبك . قيل له : بلى . وكتبت علي أن أعمل هذا . قيل له : بلى . قال : أفرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة ؟ . قال : نعم . ثم قال الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .
وقد ذكر السدي ، عن أبي مالك ، وأبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : فبعث الله عز وجل جبريل في الأرض ليأتيه بطين منها ، فقالت الأرض : أعوذ [ ص: 201 ] بالله منك أن تنقص مني أو تشينني . فرجع ولم يأخذ . وقال : رب إنها عاذت بك فأعذتها . فبعث ميكائيل ، فعاذت منه ، فأعاذها ، فرجع ، فقال كما قال جبريل . فبعث ملك الموت ، فعاذت منه ، فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره ، فأخذ من وجه الأرض وخلطه ، ولم يأخذ من مكان واحد ، وأخذ من تربة بيضاء ، وحمراء ، وسوداء ، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين ، فصعد به فبل التراب حتى عاد طينا لازبا ، واللازب : هو الذي يلزق بعضه ببعض ، ثم قال للملائكة : إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين [ ص : 71 - 72 ] . فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة ، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه ، وكان أشدهم منه فزعا إبليس ، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد ، كما يصوت الفخار يكون له صلصلة ، فلذلك حين يقول : من صلصال كالفخار [ الرحمن : 14 ] . ويقول : لأمر ما خلقت ، ودخل من فيه وخرج من دبره . وقال للملائكة : لا ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد ، وهذا أجوف لئن سلطت عليه لأهلكنه . فلما بلغ الحين الذي يريد الله عز وجل أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة : إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له ، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس ، فقالت الملائكة : قل الحمد لله . فقال : الحمد لله . فقال له الله : رحمك ربك . فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ، فلما دخلت الروح في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلان إلى ثمار الجنة ، وذلك حين يقول الله تعالى : خلق الإنسان من عجل [ الأنبياء : 37 ] . فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين [ الحجر : 30 ] . [ ص: 202 ] وذكر تمام القصة .
وقال الترمذي : حديث حسن غريب من هذا الوجه . وقال النسائي : هذا حديث منكر . وقد رواه محمد بن عجلان ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن عبد الله بن سلام قوله .
وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا خلف بن هشام ، حدثنا الحكم بن سنان ، عن حوشب ، عن الحسن قال : خلق الله آدم حين خلقه ، فأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى ، وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى ، فألقوا على وجه الأرض منهم الأعمى ، والأصم ، والمبتلى ، فقال آدم : يا رب ألا سويت بين ولدي . قال : يا آدم إني أردت أن أشكر . وهكذا روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، عن الحسن بنحوه .
[ ص: 209 ] وقال الإمام مالك بن أنس في موطئه ، عن زيد بن أبي أنيسة ، أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني ، أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى [ الأعراف : 172 ] . الآية فقال عمر بن الخطاب : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها فقال : إن الله خلق آدم عليه السلام ، ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية ، قال : خلقت هؤلاء للجنة ، وبعمل أهل الجنة يعملون . ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ، قال : خلقت هؤلاء للنار ، وبعمل أهل النار يعملون . فقال رجل : يا رسول الله ففيم العمل ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا خلق الله العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة ، وإذا خلق الله العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار .
وهكذا رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وأبو حاتم بن حبان في صحيحه من طرق ، عن الإمام مالك به . وقال الترمذي : هذا حديث حسن . ومسلم بن يسار لم يسمع عمر . وكذا قال أبو حاتم ، وأبو زرعة زاد أبو حاتم : وبينهما نعيم بن ربيعة . وقد رواه أبو داود ، عن محمد بن مصفى ، عن بقية ، عن عمر بن جعثم ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن [ ص: 210 ] عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، عن مسلم بن يسار ، عن نعيم بن ربيعة قال : كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل عن هذه الآية فذكر الحديث . قال الحافظ الدارقطني : وقد تابع عمر بن جعثم أبو فروة يزيد بن سنان الرهاوي ، عن زيد بن أبي أنيسة قال : وقولهما أولى بالصواب من قول مالك رحمه الله .
وهذه الأحاديث كلها دالة على استخراجه تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر ، وقسمتهم قسمين ; أهل اليمين ، وأهل الشمال . وقال : هؤلاء للجنة ولا أبالي ، وهؤلاء للنار ولا أبالي . فأما الإشهاد عليهم ، واستنطاقهم بالإقرار بالوحدانية فلم يجئ في الأحاديث الثابتة ، وتفسير الآية التي في سورة الأعراف ، وحملها على هذا فيه نظر ، كما بيناه هناك ، وذكرنا الأحاديث والآثار مستقصاة بأسانيدها وألفاظ متونها فمن أراد تحريره فليراجعه ثم ، والله أعلم .
وقال أبو جعفر الرازي : عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب في قوله تعالى : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم . الآية والتي بعدها قال : فجمعهم له يومئذ جميعا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة فخلقهم ، ثم صورهم ، ثم استنطقهم فتكلموا ، وأخذ عليهم العهد والميثاق ، وأشهد عليهم أنفسهم : ألست بربكم قالوا بلى . الآية قال : فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع ، وأشهد عليكم أباكم آدم ، أن لا تقولوا يوم القيامة : لم نعلم بهذا . اعلموا أنه لا إله غيري ، ولا رب غيري ، ولا تشركوا بي شيئا ، وإني سأرسل إليكم رسلا ينذرونكم عهدي وميثاقي ، وأنزل عليكم كتابي . قالوا : نشهد أنك ربنا ، وإلهنا لا رب لنا غيرك ، ولا إله لنا غيرك . فأقروا له يومئذ بالطاعة ، ورفع أباهم آدم فنظر إليهم ، فرأى فيهم الغني والفقير ، وحسن الصورة ودون ذلك ، فقال : يا رب لو سويت بين عبادك . فقال : إني أحببت أن أشكر ، ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور ، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول الله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا [ الأحزاب : 7 ] . وهو الذي يقول : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله [ الروم : 30 ] . وفي ذلك قال : هذا نذير من النذر الأولى [ النجم : 56 ] . وفي ذلك قال : وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين [ الأعراف : 102 ] . رواه الأئمة ; عبد الله بن أحمد ، وابن أبي حاتم ، و ابن جرير ، وابن مردويه في تفاسيرهم من طريق [ ص: 213 ] أبي جعفر . وروى عن مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن البصري ، وقتادة ، والسدي ، وغير واحد من علماء السلف بسياقات توافق هذه الأحاديث . وتقدم أنه تعالى لما أمر الملائكة بالسجودلآدم امتثلوا كلهم الأمر الإلهي ، وامتنع إبليس من السجود له حسدا ، وعداوة له فطرده الله وأبعده ، وأخرجه من الحضرة الإلهية ونفاه عنها ، وأهبطه إلى الأرض طريدا ملعونا شيطانا رجيما .
ثم لما أسكن آدم الجنة التي أسكنها سواء كانت في السماء أو في الأرض على ما تقدم من الخلاف فيه أقام بها هو وزوجته حواء عليهما السلام يأكلان منها رغدا حيث شاءا ، فلما أكلا من الشجرة التي نهيا عنها سلبا ما كانا فيه من اللباس ، وأهبطا إلى الأرض ، وقد ذكرنا الاختلاف في مواضع [ ص: 214 ] هبوطه منها ، واختلفوا في مقدار مقامه في الجنة ; فقيل : بعض يوم من أيام الدنيا . وقد قدمنا ما رواه مسلم ، عن أبي هريرة مرفوعا وخلق آدم في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة . وتقدم أيضا حديثه عنه : وفيه يعني يوم الجمعة خلق آدم ، وفيه أخرج منها . فإن كان اليوم الذي خلق فيه ، فيه أخرج ، وقلنا : إن الأيام الستة كهذه الأيام ، فقد لبث بعض يوم من هذه . وفي هذا نظر . وإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خلق فيه أو قلنا : بأن تلك الأيام مقدارها ستة آلاف سنة ، كما تقدم عن ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، واختاره ابن جرير ، فقد لبث هناك مدة طويلة . قال ابن جرير : ومعلوم أنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة ، والساعة منه ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر ، فمكث مصورا طينا قبل أن ينفخ فيه الروح أربعين سنة ، وأقام في الجنة قبل أن يهبط ثلاثا وأربعين سنة وأربعة أشهر ، والله تعالى أعلم .
وذكر ابن جرير ، عن ابن عباس إن الله قال : يا آدم إن لي حرما بحيال عرشي ، فانطلق فابن لي فيه بيتا فطف به . كما تطوف ملائكتي بعرشي . وأرسل الله له ملكا فعرفه مكانه ، وعلمه المناسك ، وذكر أن موضع كل خطوة خطاها آدم صارت قرية بعد ذلك .
وعنه أن أول طعام أكله آدم في الأرض أن جاءه جبريل بسبع حبات من حنطة فقال : ما هذا ؟ قال : هذا من الشجرة التي نهيت عنها فأكلت منها . فقال : وما أصنع بهذا ؟ قال : ابذره في الأرض . فبذره ، وكان كل حبة منها زنتها أزيد من مائة ألف ، فنبتت ، فحصده ، ثم درسه ، ثم ذراه ، ثم طحنه ، ثم عجنه ، ثم خبزه ، فأكله بعد جهد عظيم ، وتعب ، ونكد . وذلك قوله تعالى فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى [ طه : 117 ] . وكان أول كسوتهما من شعر الضأن جزاه ، ثم غزلاه فنسج آدم له جبة ، ولحواء درعا وخمارا .
واختلفوا هل ولد لهما بالجنة شيء من الأولاد ؟ فقيل : لم يولد لهما إلا في الأرض . وقيل : بل ولد لهما فيها . فكان قابيل وأخته ممن ولد بها ، والله أعلم .
وذكروا أنه كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى ، وأمر أن يزوج كل ابن أخت أخيه التي ولدت معه ، والآخر بالأخرى ، وهلم جرا ، ولم يكن تحل أخت لأخيها الذي ، ولدت معه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق