السبت، 5 ديسمبر 2015


قدوم رسول ملوك حمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم== وفادة وائل بن حجر بن ربيعة أحد ملوك اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم
==وفادة زياد بن الحارث الصدائي رضي الله عنه
== وفادة عبد الرحمن بن أبي عقيل مع قومه
= قدوم وافد فروة بن عمرو الجذامي صاحب بلاد معان بإسلامه على رسول الله صلى الله عليه وسلم
=وفد بني أسد
=وفد بني فزارة
=وفد بني ثعلبة=وفد بني كلاب ==وفد بني عقيل بن كعب
==وفد بني البكاء
====

قال الواقدي وكان ذلك في رمضان سنة تسع .

قال ابن إسحاق : وقدم على رسول الله كتاب ملوك حمير ورسلهم [ ص: 318 ] بإسلامهم مقدمه من تبوك وهم ; الحارث بن عبد كلال ، ونعيم بن عبد كلال ، والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان ، وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله ، فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد ذلكم ; فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم ، فلقينا بالمدينة ، فبلغ ما أرسلتم به ، وخبر ما قبلكم ، وأنبأنا بإسلامكم ، وقتلكم المشركين ، وأن الله قد هداكم بهداه ، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله ، وأقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة ، وأعطيتم من المغانم خمس الله ، وسهم النبي صلى الله عليه وسلم وصفيه ، وما كتب على المؤمنين في الصدقة ; من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء ، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر ، وأن في الإبل في الأربعين ابنة لبون ، وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر ، وفي كل خمس من الإبل شاة ، وفي كل عشر من الإبل شاتان ، وفي [ ص: 319 ] كل أربعين من البقر بقرة ، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة ، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة ، وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة ، فمن زاد خيرا فهو خير له ، ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين ، فإنه من المؤمنين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، وله ذمة الله ، وذمة رسوله ، وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني ، فإنه من المؤمنين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها وعليه الجزية ; على كل حالم ذكر أو أنثى ، حر أو عبد ، دينار واف من قيمة المعافر أو عوضه ثيابا ، فمن أدى ذلك إلى رسول الله ، فإن له ذمة الله ، وذمة رسوله ، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله .

أما بعد ; فإن رسول الله محمدا النبي أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذا أتاك رسلي فأوصيكم بهم خيرا ; معاذ بن جبل ، وعبد الله بن زيد ، ومالك بن عبادة ، وعقبة بن نمر ، ومالك بن مرة وأصحابهم ، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخاليفكم ، وأبلغوها رسلي ، وإن أميرهم معاذ بن جبل ، فلا ينقلبن إلا راضيا .

أما بعد ; فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله ، ثم إن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير ، وقتلت المشركين ، [ ص: 320 ] فأبشر بخير ، وآمرك بحمير خيرا ، ولا تخونوا ولا تخاذلوا ، فإن رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم ، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته ، وإنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل وإن مالكا قد بلغ الخبر وحفظ الغيب ، فآمركم به خيرا ، وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم ، فآمركم بهم خيرا ، فإنهم منظور إليهم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا عمارة ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك أن مالك ذي يزن أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة قد أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرا وثلاثة وثلاثين ناقة . ورواه أبو داود ، عن عمرو بن عون الواسطي ، عن عمارة بن زاذان الصيدلاني ، عن ثابت البناني ، عن أنس به .

وقد أورد الحافظ البيهقي هاهنا حديث كتاب عمرو بن حزم ، فقال : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو العباس الأصم ، ثنا أحمد بن عبد الجبار ، ثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال : هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا ، الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ، ويعلمهم السنة ، ويأخذ صدقاتهم ، فكتب له كتابا وعهدا ، وأمره فيه أمره فكتب : " بسم الله [ ص: 321 ] الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من الله ورسوله يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ( المائدة : 1 ) عهدا من رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن ; آمره بتقوى الله في أمره كله ، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " . وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله ، وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به ، ويعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين ، وأن ينهى الناس فلا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر ، وأن يخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم ، ويلين لهم في الحق ، ويشتد عليهم في الظلم ، فإن الله حرم الظلم ونهى عنه ، فقال عز وجل ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ( هود : 18 ، 19 ) وأن يبشر الناس بالجنة وبعملها ، وينذر الناس النار وعملها ، ويستألف الناس حتى يتفقهوا في الدين ، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه ، وما أمر الله به ، والحج الأكبر الحج ، والحج الأصغر العمرة ، وأن ينهى الناس أن يصلي الرجل في ثوب واحد صغير ، إلا أن يكون واسعا فيخالف بين طرفيه على عاتقيه ، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ، ويفضي بفرجه إلى السماء ، ولا ينقض شعر رأسه إذا عفا في قفاه [ ص: 322 ] وينهى الناس إن كان بينهم هيج أن يدعوا إلى القبائل والعشائر ، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له ، فمن لم يدع إلى الله ، عز وجل ، ودعا إلى العشائر والقبائل فليعطفوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له ، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق ، وأرجلهم إلى الكعبين ، وأن يمسحوا رءوسهم كما أمرهم الله عز وجل ، وأمروا بالصلاة لوقتها ، وإتمام الركوع والسجود ، وأن يغلس بالصبح ، وأن يهجر بالهاجرة ، حتى تميل الشمس ، وصلاة العصر والشمس في الأرض مبددة ، والمغرب حين يقبل الليل ولا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء ، والعشاء أول الليل ، وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها ، والغسل عند الرواح إليها ، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله ، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار فيما سقت العين وفيما سقت السماء العشر ، وما سقى القرب فنصف العشر ، وفي كل عشر من الإبل شاتان ، وفي عشرين أربع شياه ، [ ص: 323 ] وفي أربعين من البقر بقرة ، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة ، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة ، فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين من الصدقة فمن زاد فهو خير له ، وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه فدان دين الإسلام فإنه من المؤمنين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يغير عنها ، وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه من الثياب ، فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله ، عز وجل ، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين جميعا ، صلوات الله على محمد ، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته " .

قال الحافظ البيهقي : وقد روى سليمان بن داود ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده هذا الحديث موصولا بزيادات كثيرة ونقصان عن بعض ما ذكرناه في الزكاة والديات وغير ذلك .

قلت ومن هذا الوجه رواه الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي في " سننه " مطولا ، وأبو داود في كتاب " المراسيل " ، وقد ذكرت ذلك بأسانيده وألفاظه في " السنن " ولله الحمد والمنة ، وسنذكر بعد الوفود بعث النبي صلى الله عليه وسلم الأمراء إلى اليمن لتعليم الناس وأخذ صدقاتهم وأخماسهم ; معاذ بن جبل وأبا موسى ، وخالد بن الوليد ، وعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم أجمعين .
                                                                                     ===================================وفادة وائل بن حجر بن ربيعة بن وائل بن يعمر الحضرمي أبي هنيد ، أحد ملوك اليمن ، على رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال أبو عمر بن عبد البر : كان أحد أقيال حضرموت ، وكان أبوه من ملوكهم . ويقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه قبل قدومه به وقال : " يأتيكم بقية أبناء الملوك " . فلما دخل رحب ، به وأدناه من نفسه ، وقرب مجلسه ، وبسط له رداءه ، وقال : " اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده " . [ ص: 331 ] واستعمله على الأقيال من حضرموت ، وكتب معه ثلاث كتب ; منها كتاب إلى المهاجر بن أبي أمية وكتاب إلى الأقيال والعباهلة ، وأقطعه أرضا ، وأرسل معه معاوية بن أبي سفيان ، فخرج معه راجلا ، فشكى إليه معاوية حر الرمضاء ، فقال : انتعل ظل الناقة . فقال : وما يغني عني ذلك ؟ لو جعلتني ردفا . فقال له وائل : اسكت فلست من أرداف الملوك . ثم عاش وائل بن حجر حتى وفد على معاوية وهو أمير المؤمنين فعرفه معاوية ، فرحب به وقربه وأدناه ، وأذكره الحديث ، وعرض عليه جائزة سنية فأبى أن يأخذها ، وقال : أعطها من هو أحوج إليها مني . وأورد الحافظ البيهقي بعض هذا ، وأشار إلى أن البخاري في " التاريخ " روى في ذلك شيئا .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، أنبأنا شعبة ، عن سماك بن حرب ، عن علقمة بن وائل ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضا . قال : فأرسل معي معاوية أن أعطها إياه - أو قال : أعلمها إياه - قال : فقال معاوية : أردفني خلفك . فقلت : لا تكون من أرداف الملوك . قال : فقال : أعطني نعلك . فقلت : انتعل ظل الناقة . قال : فلما استخلف معاوية أتيته ، فأقعدني معه على السرير ، فذكرني الحديث . قال سماك : فقال : وددت أني كنت حملته بين يدي . وقد رواه أبو داود ، والترمذي من حديث شعبة ، وقال الترمذي : صحيح . ====================================وفادة زياد بن الحارث الصدائي رضي الله عنه

قال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو أحمد الأسداباذي بها أنبأنا أبو بكر [ ص: 240 ] أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي ، ثنا أبو علي بشر بن موسى ، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، حدثني زياد بن نعيم الحضرمي سمعت زياد بن الحارث الصدائي يحدث قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الإسلام ، فأخبرت أنه قد بعث جيشا إلى قومي ، فقلت : يا رسول الله ، اردد الجيش ، وأنا لك بإسلام قومي وطاعتهم . فقال لي : " اذهب فردهم " . فقلت : يا رسول الله ، إن راحلتي قد كلت ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فردهم . قال الصدائي : وكتبت إليهم كتابا ، فقدم وفدهم بإسلامهم ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك " . فقلت : بل الله هداهم للإسلام . فقال : " أفلا أؤمرك عليهم ؟ " قلت : بلى يا رسول الله . قال : فكتب لي كتابا أمرني فقلت : يا رسول الله ، مر لي بشيء من صدقاتهم . قال : " نعم " . فكتب لي كتابا آخر . قال الصدائي : وكان ذلك في بعض أسفاره ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا ، فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم ، ويقولون : أخذنا بشيء كان بيننا وبين قومه في الجاهلية . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أو فعل ذلك ؟ " قالوا : نعم . فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وأنا فيهم ، فقال : " لا خير في الإمارة لرجل مؤمن " . قال الصدائي : فدخل قوله في نفسي ، ثم أتاه آخر فقال : يا رسول الله أعطني . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سأل الناس عن ظهر غنى ، فصداع في الرأس وداء في البطن " . فقال السائل : فأعطني من الصدقة . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله [ ص: 341 ] لم يرض في الصدقات بحكم نبي ولا غيره ، حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك " . قال الصدائي : فدخل ذلك في نفسي أني غني وأني سألته من الصدقة . قال : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتشى من أول الليل ، فلزمته وكنت قريبا ، فكان أصحابه ينقطعون عنه ويستأخرون منه ، ولم يبق معه أحد غيري ، فلما كان أوان صلاة الصبح أمرني فأذنت ، فجعلت أقول : أقيم يا رسول الله ؟ فجعل ينظر ناحية المشرق إلى الفجر ويقول : " لا " . حتى إذا طلع الفجر نزل فتبرز ، ثم انصرف إلي وهو متلاحق أصحابه فقال : " هل من ماء يا أخا صداء ؟ " قلت لا ، إلا شيء قليل لا يكفيك . فقال : " اجعله في إناء ثم ائتني به " . ففعلت فوضع كفه في الماء قال : فرأيت بين أصبعين من أصابعه عينا تفور ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لولا أني أستحي من ربي ، عز وجل ، لسقينا واستقينا ، ناد في أصحابي : من له حاجة في الماء ؟ " فناديت فيهم فأخذ من أراد منهم شيئا ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة ، فأراد بلال أن يقيم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أخا صداء أذن ، ومن أذن فهو يقيم " . قال الصدائي : فأقمت ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة أتيته بالكتابين ، فقلت : يا رسول الله ، أعفني من هذين . فقال : " ما بدا لك ؟ " فقلت : سمعتك يا رسول الله تقول : " لا خير في الإمارة لرجل مؤمن " . وأنا أومن بالله وبرسوله ، وسمعتك تقول للسائل : " من سأل الناس عن ظهر غنى فهو صداع ، في الرأس ، وداء في البطن " . وسألتك وأنا غني . فقال : [ ص: 342 ] " هو ذاك فإن شئت فاقبل وإن شئت فدع " . فقلت : أدع . فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فدلني على رجل أؤمره عليكم " . فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه ، فأمره عليهم ، ثم قلنا : يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها ، وإذا كان الصيف قل ماؤها فتفرقنا على مياه حولنا ، وقد أسلمنا ، وكل من حولنا عدو ، فادع الله لنا في بئرنا ، فيسعنا ماؤها فنجتمع عليه ولا نتفرق . فدعا بسبع حصيات فعركهن بيده ودعا فيهن ، ثم قال : " اذهبوا بهذه الحصيات ، فإذا أتيتم البئر فألقوا واحدة واحدة ، واذكروا الله " . قال الصدائي : ففعلنا ما قال لنا ، فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعرها . يعني البئر . وهذا الحديث له شواهد في " سنن أبي داود " والترمذي وابن ماجه .

وقد ذكر الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث بعد عمرة الجعرانة قيس بن سعد بن عبادة ، في أربعمائة إلى بلاد صداء فيوطئها ، فبعثوا رجلا منهم فقال : جئتك لترد عن قومي الجيش ، وأنا لك بهم ثم قدم وفدهم خمسة عشر رجلا ، ثم رأى منهم حجة الوداع مائة رجل . ثم روى الواقدي ، عن الثوري ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن زياد بن نعيم ، عن زياد بن الحارث الصدائي قصته في الأذان .===================================وفادة عبد الرحمن بن أبي عقيل مع قومه

قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي ، أنبأنا أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي ، أنبأنا علي بن الجعد ، ثنا عبد العزيز ، ثنا أحمد بن يونس ، ثنا زهير ، ثنا أبو خالد يزيد الأسدي ، ثنا عون بن أبي جحيفة ، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي ، عن عبد الرحمن بن أبي عقيل قال : انطلقت في وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيناه فأنخنا بالباب ، وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه ، فلما [ ص: 346 ] دخلنا وخرجنا ، فما في الناس أحب إلينا من رجل دخلنا عليه . قال : فقال قائل منا : يا رسول الله ، ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان ؟ قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : فلعل لصاحبك عند الله أفضل من ملك سليمان ، إن الله ، عز وجل ، لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة ، فمنهم من اتخذها دنيا فأعطيها ، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فأهلكوا بها ، وإن الله أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة================================قدوم وافد فروة بن عمرو الجذامي صاحب بلاد معان بإسلامه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأظن ذلك إما بتبوك أو بعدها

قال ابن إسحاق : وبعث فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي ، ثم النفاثي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا بإسلامه ، وأهدى له بغلة بيضاء ، وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب ، وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام ، فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه ، فحبسوه عندهم فقال في [ ص: 349 ] محبسه ذلك :


طرقت سليمى موهنا أصحابي والروم بين الباب والقروان     صد الخيال وساءه ما قد رأى
وهممت أن أغفي وقد أبكاني     لا تكحلن العين بعدي إثمدا
سلمى ولا تدنن للإتيان     ولقد علمت أبا كبيشة أنني
وسط الأعزة لا يحص لساني     فلئن هلكت لتفقدن أخاكم
ولئن بقيت ليعرفن مكاني     ولقد جمعت أجل ما جمع الفتى
من جودة وشجاعة وبيان
قال : فلما أجمعت الروم على صلبه على ماء لهم يقال له : عفرى بفلسطين قال :


ألا هل أتى سلمى بأن حليلها     على ماء عفرى فوق إحدى الرواحل
على ناقة لم يضرب الفحل أمها     مشذبة أطرافها بالمناجل
قال : وزعم الزهري أنهم لما قدموه ليقتلوه قال :


بلغ سراة المسلمين بأنني     سلم لربي أعظمي ومقامي
قال : ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء ، رحمه الله ، ورضي عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه . ===================================وفد بني أسد

وهكذا ذكر الواقدي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول سنة تسع وفد [ ص: 352 ] بني أسد ، وكانوا عشرة منهم ضرار بن الأزور ، ووابصة بن معبد ، وطليحة بن خويلد ، الذي ادعى النبوة بعد ذلك ، ثم أسلم وحسن إسلامه ، ونقادة بن عبد الله بن خلف ، فقال له رئيسهم حضرمي بن عامر : يا رسول الله ، أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء ، ولم تبعث إلينا بعثا . فنزل فيهم : يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ( الحجرات : 17 ) ، وكان فيهم قبيلة يقال لهم : بنو الزنية . فغير اسمهم فقال : " أنتم بنو الرشدة " . وقد استهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نقادة بن عبد الله بن خلف ناقة تكون جيدة للركوب وللحلب من غير أن يكون لها ولد معها ، فطلبها فلم يجدها إلا عند ابن عم له ، فجاء بها ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلبها ، فشرب منها وسقاه سؤره ، ثم قال : " اللهم بارك فيها وفيمن منحها " . فقال : يا رسول الله ، وفيمن جاء بها . فقال : " وفيمن جاء بها "====وفد بني فزارة

قال الواقدي : حدثنا عبد الله بن محمد بن عمر الجمحي ، عن أبي وجزة السعدي قال : لما رجع رسول الله من تبوك وكان سنة تسع ، قدم عليه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلا ، فيهم ، خارجة بن حصن ، والحارث بن قيس بن حصن ، وهو أصغرهم ، على ركاب عجاف ، فجاءوا مقرين بالإسلام ، وسألهم رسول الله عن بلادهم ، فقال أحدهم : يا رسول الله ، أسنتت بلادنا ، وهلكت مواشينا ، وأجدب جنابنا ، وغرث عيالنا ، فادع الله لنا ، فصعد رسول الله المنبر ودعا فقال : " اللهم اسق بلادك وبهائمك ، وانشر رحمتك ، وأحي بلدك [ ص: 354 ] الميت ، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل ، نافعا غير ضار ، اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب ، ولا هدم ، ولا غرق ، ولا محق ، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء " . قال فمطرت فما رأوا السماء سبتا ، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر ، فدعا فقال : " اللهم حوالينا ولا علينا ، على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر " . فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب .====وفد بني ثعلبة

قال الواقدي : حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم ، عن رجل من بني ثعلبة ، عن أبيه قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة سنة ثمان ، قدمنا عليه أربعة نفر ، فقلنا : نحن رسل من خلفنا من قومنا ، وهم يقرون بالإسلام . فأمر لنا بضيافة وأقمنا أياما ، ثم جئناه لنودعه ، فقال لبلال : " أجزهم كما تجيز الوفد " . فجاء بنقر من فضة ، فأعطى كل رجل منا خمس أواق ، وقال : " ليس عندنا دراهم " . وانصرفنا إلى بلادنا ========وفد بني كلاب

ذكر الواقدي أنهم قدموا سنة تسع وهم ثلاثة عشر رجلا ، منهم ، لبيد بن ربيعة الشاعر ، وجبار بن سلمى ، وكان بينه وبين كعب بن مالك خلة ، فرحب به وأكرمه وأهدى إليه ، وجاءوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسلموا عليه بسلام الإسلام ، وذكروا له أن الضحاك بن سفيان الكلابي سار فيهم بكتاب الله وسنة رسوله التي أمره الله بها ، ودعاهم إلى الله ، فاستجابوا له ، وأخذ صدقاتهم من أغنيائهم فصرفها على فقرائهم ===========وفد بني عقيل بن كعب

ذكر الواقدي أنهم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقطعهم العقيق - عقيق [ ص: 358 ] بني عقيل - وهي أرض فيها نخيل وعيون ، وكتب لهم بذلك كتابا : " بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أعطى محمد رسول الله ربيعا ومطرفا وأنسا ، أعطاهم العقيق ما أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وسمعوا وأطاعوا ، ولم يعطهم حقا لمسلم " . فكان الكتاب في يد مطرف . قال : وقدم عليه أيضا لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر بن عقيل ، وهو أبو رزين ، فأعطاه ماء يقال له : النظيم . وبايعه على قومه . وقد قدمنا قدومه وقصته وحديثه بطوله ، ولله الحمد والمنة ======وفد بني البكاء

ذكر الواقدي أنهم قدموا سنة تسع ، وأنهم كانوا ثلاثين رجلا ، فيهم معاوية بن ثور بن عبادة بن البكاء ، وهو يومئذ ابن مائة سنة ، ومعه ابن له يقال له : بشر . فقال : يا رسول الله ، إني أتبرك بمسك ، وقد كبرت ، وابني هذا بر بي ، فامسح وجهه . فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه ، وأعطاه أعنزا عفرا ، وبرك عليهن ، فكانوا لا يصيبهم بعد ذلك قحط ولا سنة . وقال محمد بن بشر بن معاوية في ذلك :


وأبي الذي مسح الرسول برأسه ودعا له بالخير والبركات     أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا
عفرا ثواجل لسن باللجبات     يملأن رفد الحي كل عشية
ويعود ذاك الملء بالغدوات     بوركن من منح وبورك مانحا
وعليه مني ما حييت صلاتي =============وفد أشجع

ذكر الواقدي أنهم قدموا عام الخندق ، وهم مائة رجل ، ورئيسهم مسعود بن رخيلة ، فنزلوا شعب سلع ، فخرج إليهم رسول الله ، وأمر لهم بأحمال التمر . ويقال : بل قدموا بعدما فرغ من بني قريظة ، وكانوا سبعمائة رجل ، فوادعهم ورجعوا ، ثم أسلموا بعد ذلك . ====وفد بني سليم

قال : وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني سليم يقال له : قيس بن نشبة ، فسمع كلامه وسأله عن أشياء ، فأجابه ووعى ذلك كله ، ودعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ، فأسلم ورجع إلى قومه بني سليم ، فقال : قد سمعت ترجمة الروم ، وهينمة فارس ، وأشعار العرب ، وكهانة الكهان ، وكلام مقاول حمير ، فما يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم ، فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه . فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم ، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 362 ] بقديد وهم سبعمائة . ويقال : كانوا ألفا . وفيهم العباس بن مرداس وجماعة من أعيانهم ، فأسلموا وقالوا : اجعلنا في مقدمتك ، واجعل لواءنا أحمر ، وشعارنا مقدما . ففعل ذلك بهم ، فشهدوا معه الفتح والطائف وحنينا ، وقد كان راشد بن عبد ربه السلمي ، يعبد صنما فرآه يوما وثعلبان يبولان عليه ، فقال :


أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب
ثم شد عليه فكسره ، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما اسمك ؟ " قال : غاوي بن عبد العزى . فقال : " بل أنت راشد بن عبد ربه " . وأقطعه موضعا يقال له : رهاط . فيه عين تجري يقال لها : عين الرسول . وقال : " هو خير بني سليم " . وعقد له على قومه وشهد الفتح وما بعدها =========وفد بني بكر بن وائل

ذكر الواقدي أنهم لما قدموا ، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قس بن ساعدة فقال : " ليس ذاك منكم ، ذاك رجل من إياد ، تحنف في الجاهلية فوافى عكاظا والناس مجتمعون ، فكلمهم بكلامه الذي حفظ عنه " . قال : وكان في الوفد بشير بن الخصاصية ، وعبد الله بن مرثد ، وحسان بن خوط ، فقال رجل من ولد حسان :

[ ص: 364 ]

أنا ابن حسان بن خوط وأبي رسول بكر كلها إلى النبي ======وفادات أهل اليمن ، وفد تجيب

ذكر الواقدي أنهم قدموا سنة تسع ، وأنهم كانوا ثلاثة عشر رجلا ، فأجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما أجاز غيرهم ، وأن غلاما منهم قال له [ ص: 365 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما حاجتك ؟ " فقال : يا رسول الله ، ادع الله يغفر لي ويرحمني ، ويجعل غناي في قلبي . فقال : " اللهم اغفر له وارحمه ، واجعل غناه في قلبه " . فكان بعد ذلك من أزهد الناس=======وفد جعفي

ذكر الواقدي أنهم كانوا يحرمون أكل القلب ، فلما أسلم وفدهم أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكل القلب ، وأمر به فشوي ، وناوله رئيسهم ، [ ص: 366 ] وقال : " لا يتم إيمانكم حتى تأكلوه " . فأخذه ويده ترعد فأكله ، وقال :


على أني أكلت القلب كرها وترعد حين مسته بناني
ثم ذكر وفد كندة ، وأنهم كانوا بضعة عشر راكبا ، عليهم الأشعث بن قيس ، وأنه أجازهم بعشر أواق ، وأجاز الأشعث ثنتي عشرة أوقية ، وقد تقدم ====وفد خشين

قال : وقدم أبو ثعلبة الخشني ورسول الله يجهز إلى خيبر ، فشهد معه [ ص: 367 ] خيبر ، ثم قدم بعد ذلك بضعة عشر رجلا منهم فأسلموا .=====وافد السباع

حدثني شعيب بن عبادة عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بالمدينة في أصحابه أقبل ذئب فوقف بين يديه فعوى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا وافد السباع إليكم فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره ، وإن أحببتم تركتموه وتحرزتم منه ، فما أخذ فهو رزقه . قالوا : يا رسول الله ، ما تطيب أنفسنا له بشيء . فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأصابعه الثلاث ; أي : خالسهم . فولى وله عسلان .

وهذا مرسل من هذا الوجه ، ويشبه هذا الذئب الذئب الذي ذكر في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا القاسم بن الفضل الحداني ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : عدا الذئب [ ص: 369 ] على شاة فأخذها ، فطلبها الراعي ، فانتزعها منه ، فأقعى الذئب على ذنبه فقال : ألا تتقي الله ، تنزع مني رزقا ساقه الله إلي ؟! فقال : يا عجبا ! ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس ؟! فقال الذئب : ألا أخبرك بأعجب من ذلك ؟ محمد صلى الله عليه وسلم بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق . قال : فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة ، فزواها إلى زاوية من زواياها ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي : الصلاة جامعة . ثم خرج فقال للأعرابي : " أخبرهم " ، فأخبرهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صدق ، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس ، ويكلم الرجل عذبة سوطه ، وشراك نعله ، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده " . وقد رواه الترمذي عن سفيان بن وكيع بن الجراح ، عن أبيه ، عن القاسم بن الفضل به ، وقال : حسن غريب صحيح ، لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل به ، وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث ، وثقه يحيى وابن مهدي .

قلت : وقد رواه الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو اليمان ، أنبأنا شعيب هو ابن أبي حمزة ، حدثني عبد الله بن أبي الحسين ، حدثني شهر أن أبا سعيد الخدري حدثه . فذكر هذه القصة بطولها بأبسط من هذا السياق . ثم رواه أحمد : حدثنا أبو النضر ، ثنا عبد الحميد بن بهرام ، ثنا شهر ، قال : وحدث أبو سعيد . [ ص: 370 ] فذكره . وهذا السياق أشبه ، والله أعلم . وهو إسناد على شرط أهل السنن ولم يخرجوه .
=======وفادات أهل اليمن ، وفد تجيب

ذكر الواقدي أنهم قدموا سنة تسع ، وأنهم كانوا ثلاثة عشر رجلا ، فأجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما أجاز غيرهم ، وأن غلاما منهم قال له [ ص: 365 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما حاجتك ؟ " فقال : يا رسول الله ، ادع الله يغفر لي ويرحمني ، ويجعل غناي في قلبي . فقال : " اللهم اغفر له وارحمه ، واجعل غناه في قلبه " . فكان بعد ذلك من أزهد الناس ====وفد خولان

ذكر الواقدي أنهم كانوا عشرة ، وأنهم قدموا في شعبان سنة عشر ، وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صنمهم الذي كان يقال له : عم أنس . فقالوا : أبدلنا به خيرا منه ، ولو قد رجعنا لهدمناه . وتعلموا القرآن والسنن ، فلما رجعوا هدموا الصنم ، وأحلوا ما أحل الله ، وحرموا ما حرم الله ========وفد الصدف

قدموا في بضعة عشر راكبا ، فصادفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر ، فجلسوا ولم يسلموا ، فقال : " أمسلمون أنتم ؟ " . قالوا : نعم . قال : " فهلا سلمتم " . فقاموا قياما فقالوا : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . فقال : " وعليكم السلام ، اجلسوا " . فجلسوا ، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أوقات الصلوات . ===وفد بني سعد

ثم ذكر وفد بني سعد هذيم ، وبلي ، وبهراء ، وبني عذرة ، وسلامان ، وجهينة ، وبني كلب ، والجرميين . وقد تقدم حديث عمرو بن سلمة الجرمي في " صحيح البخاري " .

وذكر وفد الأزد ، ووفد غسان ، والحارث بن كعب ، وهمدان ، وسعد العشيرة ، وعنس ، ووفد الداريين ، والرهاويين ، وبني غامد ، والنخع ، وبجيلة ، وخثعم ، وحضرموت ، وذكر فيهم وائل بن حجر ، وذكر فيهم الملوك الأربعة ; جمدا ، ومخوسا ، ومشرحا ، وأبضعة . وقد ورد في " مسند أحمد " لعنهم مع أختهم العمردة ، وتكلم الواقدي كلاما فيه طول .

وذكر وفد أزد عمان ، وغافق وبارق ، ودوس ، وثمالة ، والحدان ، [ ص: 368 ] وأسلم ، وجذام ، ومهرة ، وحمير ، ونجران ، وجيشان . وبسط الكلام على هذه القبائل بطول جدا ، وقد قدمنا بعض ما يتعلق بذلك ، وفيما أوردناه كفاية . والله تعالى أعلم . ثم قال الواقدي ===================================== وفود الجن بمكة قبل الهجرة )

وقد تقدم ذكر وفود الجن بمكة قبل الهجرة ، وقد تقصينا الكلام في ذلك أيضا عند قوله تعالى في سورة الأحقاف : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ( الأحقاف : 29 ) فذكرنا ما ورد من الأحاديث في ذلك والآثار ، وأوردنا حديث سواد بن قارب الذي كان كاهنا [ ص: 372 ] فأسلم ، وما رواه عن رئيه ، الذي كان يأتيه بالخبر حين أسلم الرئي ، حين قال له :


عجبت للجن وأنجاسها وشدها العيس بأحلاسها     تهوي إلى مكة تبغي الهدى
ما مؤمنو الجن كأرجاسها     فانهض إلى الصفوة من هاشم
واسم بعينيك إلى رأسها
ثم قوله


عجبت للجن وتطلابها     وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى     ليس قداماها كأذنابها
فانهض إلى الصفوة من هاشم     واسم بعينيك إلى نابها
ثم قوله


عجبت للجن وتخبارها     وشدها العيس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى     ليس ذوو الشر كأخيارها
فانهض إلى الصفوة من هاشم     ما مؤمنو الجن ككفارها
وهذا وأمثاله مما يدل على تكرار وفود الجن إلى مكة ، وقد قررنا ذلك هنالك [ ص: 373 ] بما فيه كفاية ، ولله الحمد والمنة ، وبه التوفيق والعصمة .

وقد أورد الحافظ أبو بكر البيهقي هاهنا حديثا غريبا جدا بل منكرا أو موضوعا ، ولكن مخرجه عزيز أحببنا أن نورده كما أورده ، والعجب منه ; فإنه قال في كتابه " دلائل النبوة " : باب قدوم هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس على النبي صلى الله عليه وسلم وإسلامه ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي ، رحمه الله ، أنبأنا أبو نصر محمد بن حمدويه بن سهل الغازي المروزي ، ثنا عبد الله بن حماد الآملي ، ثنا محمد بن أبي معشر ، أخبرني أبي ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال عمر ، رضي الله عنه : بينا نحن قعود مع النبي صلى الله عليه وسلم على جبل من جبال تهامة ، إذ أقبل شيخ بيده عصا ، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : " نغمة جن وغمغمتهم ، من أنت ؟ " . قال : أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فما بينك وبين إبليس إلا أبوان فكم أتى عليك من الدهر ؟ " قال : قد أفنيت الدنيا عمرها إلا قليلا ; ليالي قتل قابيل هابيل كنت غلاما ابن أعوام ، أفهم الكلام ، وأمر بالآكام ، وآمر بإفساد الطعام ، وقطيعة الأرحام . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 374 ] " بئس عمل الشيخ المتوسم ، والشاب المتلوم " . قال : ذرني من الترداد ، إني تائب إلى الله ، عز وجل ، إني كنت مع نوح في مسجده مع من آمن به من قومه ، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه ، حتى بكى وأبكاني ، وقال : لا جرم أني على ذلك من النادمين ، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين . قال : قلت : يا نوح إني كنت ممن اشترك في دم السعيد الشهيد هابيل بن آدم ، فهل تجد لي عند ربك توبة ؟ قال : يا هام ، هم بالخير وافعله قبل الحسرة والندامة ، إني قرأت فيما أنزل الله علي أنه ليس من عبد تاب إلى الله بالغ أمره ما بلغ إلا تاب الله عليه ، قم فتوضأ واسجد لله سجدتين . قال : ففعلت من ساعتي ما أمرني به فناداني : ارفع رأسك ، فقد نزلت توبتك من السماء . فخررت لله ساجدا . قال : وكنت مع هود في مسجده مع من آمن به من قومه ، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم وأبكاني ، فقال : لا جرم أني على ذلك من النادمين ، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين . قال : وكنت مع صالح في مسجده مع من آمن به من قومه ، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم وأبكاني ، وقال : أنا على ذلك من النادمين ، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين . وكنت أزور يعقوب ، وكنت مع يوسف في المكان الأمين ، وكنت ألقى إلياس في الأودية وأنا ألقاه الآن ، وإني لقيت موسى بن عمران ، فعلمني من التوراة ، وقال : إن لقيت عيسى ابن مريم فأقرئه مني السلام . وإني لقيت عيسى ابن مريم فأقرأته من موسى السلام . وإن عيسى قال : إن لقيت محمدا صلى الله عليه وسلم فأقرئه مني السلام . قال : فأرسل [ ص: 375 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم عينيه فبكى ، ثم قال : " وعلى عيسى السلام ما دامت الدنيا ، وعليك السلام يا هام بأدائك الأمانة " . قال : يا رسول الله ، افعل بي ما فعل موسى ; إنه علمني من التوراة . قال فعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا وقعت الواقعة " ، و " المرسلات " ، و " عم يتساءلون " ، و " إذا الشمس كورت " ، و " المعوذتين " ، و " قل هو الله أحد " . وقال : " ارفع إلينا حاجتك يا هامة ، ولا تدع زيارتنا " . قال عمر : فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم ينعه إلينا ، فلا ندري الآن أحي هو أم ميت ؟ ثم قال البيهقي : أبو معشر قد روى عنه الكبار ، إلا أن أهل العلم بالحديث يضعفونه ، وقد روي هذا الحديث من وجه آخر هو أقوى منه ، والله أعلم .=================================             حديث في فضل بني تميم .

قال البخاري : حدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال : لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها فيهم : " هم أشد أمتي على الدجال " . وكانت فيهم سبية عند عائشة فقال : " أعتقيها ; فإنها من ولد إسماعيل " . وجاءت صدقاتهم فقال : " هذه صدقات قوم - أو : قومي - " . وهكذا رواه مسلم عن زهير بن حرب به .

وهذا الحديث يرد على ما ذكره صاحب " الحماسة " وغيره من شعر من ذمهم ، حيث يقول :


تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ولو سلكت طرق الرشاد لضلت     ولو أن برغوثا على ظهر قملة
رأته تميم من بعيد لولت

بداية مقدم الوفود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
   
حديث في فضل بني تميم
وفد بني عبد القيس====قصة ثمامة ووفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب
وفد أهل نجران=وفد بني عامر وقصة عامر بن الطفيل وأربد بن قيس
قدوم ضمام بن ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافدا على قومه بني سعد بن بكر==قدوم ضمام الأسدي
وفد طيئ مع زيد الخيل===   
قصة عدي بن حاتم الطائي
قصة دوس و  الطفيل=قصة عمان والبحرين
ل " . .
==» قدوم عمرو بن معد يكرب في أناس من زبيد ===ك

قال محمد بن إسحاق : لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه - قال ابن هشام : حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع ، وأنها كانت تسمى سنة الوفود - قال ابن إسحاق : وإنما كانت العرب تربص بإسلامها أمر هذا الحي من قريش ; لأن قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم ، وأهل البيت والحرم ، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم ، وقادة العرب ، لا ينكرون ذلك ، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه ، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ، ودوخها الإسلام ، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عداوته ، فدخلوا في دين الله - كما قال عز وجل - أفواجا ، يضربون إليه من كل وجه ، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ( النصر : 1 - 3 ) أي فاحمد الله على ما أظهر من دينك ، واستغفره إنه كان توابا .

وقد قدمنا حديث عمرو بن سلمة قال : وكانت العرب تلوم بإسلامهم [ ص: 233 ] الفتح فيقولون : اتركوه وقومه ، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق . فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم ، وبدر أبي قومي بإسلامهم ، فلما قدم قال : جئتكم والله من عند النبي حقا ، قال : " صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكثركم قرآنا " . وذكر تمام الحديث وهو في " صحيح البخاري " .

قلت : وقد ذكر محمد بن إسحاق ثم الواقدي والبخاري ثم البيهقي بعدهم ، من الوفود ما هو متقدم تاريخ قدومهم على سنة تسع ، بل وعلى فتح مكة . وقد قال الله تعالى : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ( الحديد : 10 ) . وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح : " لا هجرة ، ولكن جهاد ونية " . فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين على زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة ، وبين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعده الله خيرا وحسنى ، ولكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان والفضيلة . والله أعلم . على أن هؤلاء الأئمة الذين اعتنوا بإيراد الوفود قد تركوا فيما أوردوه أشياء لم يذكروها ، ونحن نورد بحمد الله ومنه ما ذكروه ، وننبه على ما ينبغي التنبيه عليه من ذلك ، ونذكر ما وقع لنا مما أهملوه إن شاء الله ، وبه الثقة وعليه التكلان .

وقد قال محمد بن عمر الواقدي : حدثنا كثير بن عبد الله المزني عن [ ص: 234 ] أبيه عن جده قال : كان أول من وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضر أربعمائة من مزينة ، وذلك في رجب سنة خمس ، فجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة في دارهم وقال : " أنتم مهاجرون حيث كنتم ، فارجعوا إلى أموالكم " . فرجعوا إلى بلادهم .

ثم ذكر الواقدي عن هشام بن الكلبي بإسناده ، أن أول من قدم من مزينة خزاعي بن عبد نهم ومعه عشرة من قومه ، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على إسلام قومه ، فلما رجع إليهم لم يجدهم كما ظن فيهم ، فتأخروا عنه ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت أن يعرض بخزاعي من غير أن يهجوه ، فذكر أبياتا ، فلما بلغت خزاعيا شكى ذلك إلى قومه ، فحموا له ، وأسلموا معه ، وقدم بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان يوم الفتح دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لواء مزينة - وكانوا يومئذ ألفا - إلى خزاعي هذا . قال : وهو أخو عبد الله ذي البجادين .

وقال البخاري رحمه الله : باب وفد بني تميم ، حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن أبي صخرة عن صفوان بن محرز المازني عن عمران بن حصين قال : أتى نفر من بني تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " اقبلوا البشرى يا بني تميم " . قالوا : يا رسول الله قد بشرتنا فأعطنا . فرئي ذلك في وجهه ، فجاء نفر من اليمن ، فقال : " اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم " . قالوا : قد قبلنا يا رسول الله . ثم قال البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف أن [ ص: 235 ] ابن جريج أخبره عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبرهم أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : أمر القعقاع بن معبد بن زرارة . فقال عمر : بل أمر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي . فقال عمر : ما أردت خلافك . فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما ، فنزلت يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ( الحجرات : 1 ) حتى انقضت . ورواه البخاري أيضا من غير وجه ، عن ابن أبي مليكة بألفاظ أخر ، قد ذكرنا ذلك في " التفسير " عند قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي الآية .

وقال محمد بن إسحاق : ولما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفود العرب ، قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف بني تميم ، منهم ; الأقرع بن حابس التميمي والزبرقان بن بدر التميمي أحد بني سعد ، وعمرو بن الأهتم والحبحاب بن يزيد ونعيم بن يزيد وقيس بن الحارث وقيس بن عاصم أخو بني سعد ، في وفد عظيم من بني تميم . قال ابن إسحاق : ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري وقد كان الأقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنينا والطائف ، فلما قدم [ ص: 236 ] وفد بني تميم كانا معهم فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته ; أن اخرج إلينا يا محمد . فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم ، فخرج إليهم فقالوا : يا محمد ، جئناك نفاخرك ، فأذن لشاعرنا وخطيبنا . قال : " قد أذنت لخطيبكم فليقل " . فقام عطارد بن حاجب فقال : الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن وهو أهله ، الذي جعلنا ملوكا ، ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف ، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا ، وأيسره عدة ، فمن مثلنا في الناس ؟ ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم ؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا ، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام ، ولكن نستحي من الإكثار فيما أعطانا ، وإنا نعرف بذلك ، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا ، وأمر أفضل من أمرنا . ثم جلس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث بن الخزرج : " قم فأجب الرجل في خطبته " . فقام ثابت فقال : الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه قضى فيهن أمره ، ووسع كرسيه علمه ، ولم يك شيء قط إلا من فضله ، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا ، واصطفى من خير خلقه رسولا ، أكرمه نسبا ، وأصدقه حديثا ، وأفضله حسبا ، فأنزل عليه كتابا ، وائتمنه على خلقه ، فكان خيرة الله من العالمين ، ثم دعا الناس إلى الإيمان به ، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه ، أكرم الناس أحسابا ، وأحسن الناس وجوها ، وخير الناس فعالا ، ثم كان أول الخلق إجابة [ ص: 237 ] واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن ، فنحن أنصار الله وزراء رسوله ، نقاتل الناس حتى يؤمنوا ، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه ، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا ، وكان قتله علينا يسيرا ، أقول قولي هذا ، وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات ، والسلام عليكم . فقام الزبرقان بن بدر فقال :


نحن الكرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا تنصب البيع     وكم قسرنا من الأحياء كلهم
عند النهاب وفضل العز يتبع     ونحن يطعم عند القحط مطعمنا
من الشواء إذا لم يؤنس القزع     بما ترى الناس تأتينا سراتهم
من كل أرض هويا ثم نصطنع     فننحر الكوم عبطا في أرومتنا
للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا     فما ترانا إلى حي نفاخرهم
إلا استفادوا فكانوا الرأس يقتطع     فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه
فيرجع القوم والأخبار تستمع     إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد
إنا كذلك عند الفخر نرتفع
قال ابن إسحاق : وكان حسان بن ثابت غائبا فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال حسان : فجاءني رسوله ، فأخبرني أنه إنما دعاني لأجيب شاعر [ ص: 238 ] بني تميم . قال : فخرجت وأنا أقول :

منعنا رسول الله إذ حل وسطنا     على أنف راض من معد وراغم
منعناه لما حل بين بيوتنا     بأسيافنا من كل باغ وظالم
ببيت حريد عزه وثراؤه     بجابية الجولان وسط الأعاجم
هل المجد إلا السؤدد العود والندى     وجاه الملوك واحتمال العظائم
قال : فلما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام شاعر القوم فقال ما قال ، عرضت في قوله ، وقلت على نحو ما قال . قال : فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت : " قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال " . فقال حسان :


إن الذوائب من فهر وإخوتهم     قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته     تقوى الإله وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم     أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة     إن الخلائق فاعلم شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهم     فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
[ ص: 239 ] لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم     عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم     أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم     لا يطمعون ولا يرديهم طمع
لا يبخلون على جار بفضلهم     ولا يمسهم من مطمع طبع
إذا نصبنا لحي لم ندب لهم     كما يدب إلى الوحشية الذرع
نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها     إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم     وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع
كأنهم في الوغى والموت مكتنع     أسد بحلية في أرساغها فدع
خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا     ولا يكن همك الأمر الذي منعوا
فإن في حربهم فاترك عداوتهم     شرا يخاض عليه السم والسلع
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم     إذا تفاوتت الأهواء والشيع
أهدى لهم مدحتي قلب يؤازره     فيما أحب لسان حائك صنع
[ ص: 240 ] فإنهم أفضل الأحياء كلهم     إن جد في الناس جد القول أو شمعوا
وقال ابن هشام وأخبرني بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم أن الزبرقان لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم قام فقال :


أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا     إذا اختلفوا عند احتضار المواسم
بأنا فروع الناس في كل موطن     وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا     ونضرب رأس الأصيد المتفاقم
وأن لنا المرباع في كل غارة     نغير بنجد أو بأرض الأعاجم
قال : فقام حسان فأجابه فقال :


هل المجد إلا السؤدد العود والندى     وجاه الملوك واحتمال العظائم
نصرنا وآوينا النبي محمدا     على أنف راض من معد وراغم
بحي حريد أصله وثراؤه     بجابية الجولان وسط الأعاجم
نصرناه لما حل بين ديارنا     بأسيافنا من كل باغ وظالم
جعلنا بنينا دونه وبناتنا     وطبنا له نفسا بفيء المغانم
ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا     على دينه بالمرهفات الصوارم
[ ص: 241 ] ونحن ولدنا من قريش عظيمها     ولدنا نبي الخير من آل هاشم
بني دارم لا تفخروا إن فخركم     يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم     لنا خول من بين ظئر وخادم
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم     وأموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا     ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم
قال ابن إسحاق : فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله ، قال الأقرع بن حابس : وأبي إن هذا لمؤتى له ، لخطيبه أخطب من خطيبنا ، ولشاعره أشعر من شاعرنا ، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا . قال : فلما فرغ القوم أسلموا ، وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم ، وكان عمرو بن الأهتم قد خلفه القوم في رحالهم ، وكان أصغرهم سنا ، فقال قيس بن عاصم ، وكان يبغض عمرو بن الأهتم : يا رسول الله ، إنه قد كان رجل منا في رحالنا ، وهو غلام حدث . وأزرى به . فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم ، فقال عمرو بن الأهتم حين بلغه أن قيسا قال ذلك يهجوه :


ظللت مفترش الهلباء تشتمني     عند الرسول فلم تصدق ولم تصب
سدناكم سؤددا رهوا وسؤددكم     باد نواجذه مقع على الذنب
[ ص: 242 ] وقد روى الحافظ البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن الزبير الحنظلي قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم وعمرو بن الأهتم فقال لعمرو بن الأهتم : " أخبرني عن الزبرقان فأما هذا فلست أسألك عنه " . وأراه كان قد عرف قيسا . قال : فقال : مطاع في أدنيه ، شديد العارضة ، مانع لما وراء ظهره . فقال الزبرقان : قد قال ما قال وهو يعلم أني أفضل مما قال . قال : فقال عمرو : والله ما علمتك إلا زمر المروءة ، ضيق العطن ، أحمق الأب ، لئيم الخال . ثم قال : يا رسول الله ، قد صدقت فيهما جميعا ; أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم فيه ، وأسخطني فقلت بأسوء ما أعلم فيه . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من البيان سحرا " . وهذا مرسل من هذا الوجه .

قال البيهقي : وقد روي من وجه آخر موصولا أخبرنا أبو جعفر كامل بن أحمد المستملي ثنا محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان البغدادي ثنا محمد بن عبد الله بن الحسين العلاف ببغداد ، حدثنا علي بن حرب الطائي أنبأنا أبو سعد بن الهيثم بن محفوظ عن أبي المقوم يحيى بن يزيد الأنصاري عن [ ص: 243 ] الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال : جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم التميميون ، ففخر الزبرقان فقال : يا رسول الله ، أنا سيد بني تميم ، والمطاع فيهم والمجاب ، أمنعهم من الظلم ، وآخذ لهم بحقوقهم ، وهذا يعلم ذلك . يعني عمرو بن الأهتم فقال عمرو بن الأهتم : إنه لشديد العارضة ، مانع لجانبه ، مطاع في أدنيه . فقال الزبرقان : والله يا رسول الله ، لقد علم مني غير ما قال ، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد . فقال عمرو بن الأهتم : أنا أحسدك ؟ ! فوالله إنك للئيم الخال ، حديث المال ، أحمق الوالد ، مضيع في العشيرة . والله يا رسول الله ، لقد صدقت فيما قلت أولا ، وما كذبت فيما قلت آخرا ، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت ، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت ، ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من البيان سحرا " وهذا إسناد غريب جدا .

وقد ذكر الواقدي سبب قدومهم وهو أنه كانوا قد شهروا السلاح على خزاعة ، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن بدر في خمسين ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري ، فأسر منهم أحد عشر رجلا ، وإحدى عشرة امرأة ، وثلاثين صبيا ، فقدم رؤساؤهم بسبب أسرائهم ، ويقال : قدم منهم تسعون أو ثمانون رجلا في ذلك ، منهم ; عطارد والزبرقان وقيس بن عاصم وقيس بن [ ص: 244 ] الحارث ونعيم بن سعد والأقرع بن حابس ورباح بن الحارث وعمرو بن الأهتم فدخلوا المسجد وقد أذن بلال الظهر ، والناس ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج إليهم ، فعجل هؤلاء ، فنادوه من وراء الحجرات ، فنزل فيهم ما نزل . ثم ذكر الواقدي خطيبهم وشاعرهم ، وأنه ، عليه الصلاة والسلام ، أجازهم على كل رجل اثنتي عشرة أوقية ونشا ، إلا عمرو بن الأهتم فإنما أعطي خمس أواق لحداثة سنه . والله أعلم .

قال ابن إسحاق : ونزل فيهم من القرآن قوله تعالى : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم .

قال ابن جرير حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن أبي إسحاق عن البراء في قوله : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، إن حمدي زين وذمي شين . فقال : ذاك الله عز وجل وهذا إسناد جيد متصل .

وقد روي عن الحسن البصري وقتادة مرسلا عنهما ، وقد وقع تسمية هذا الرجل ; فقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ثنا وهيب ثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس أنه نادى رسول [ ص: 245 ] الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، يا محمد - وفي رواية : يا رسول الله - فلم يجبه فقال : يا رسول الله ، إن حمدي لزين ، وإن ذمي لشين . فقال : " ذاك الله عز وجل " . .
==================================== وفد بني عبد القيس .

ثم قال البخاري بعد وفد بني تميم : باب وفد عبد القيس ، حدثنا أبو إسحاق حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا قرة عن أبي جمرة قال : قلت لابن عباس : إن لي جرة ينتبذ لي فيها نبيذ فأشربه حلوا في جر ، إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس ، خشيت أن أفتضح . فقال : قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " مرحبا بالقوم غير خزايا ولا الندامى " . فقال : يا رسول الله ، إن بيننا وبينك المشركين من مضر ، وإنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام ، فحدثنا بجمل من الأمر إن عملنا به دخلنا الجنة ، وندعو به من وراءنا . قال : " آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع ; الإيمان بالله هل تدرون ما الإيمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وأن تعطوا من المغانم الخمس ، وأنهاكم عن أربع ; ما ينتبذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت " وهكذا رواه مسلم [ ص: 247 ] من حديث قرة بن خالد عن أبي جمرة به ، وله طرق في " الصحيحين " عن أبي حمزة .

وقال أبو داود الطيالسي في " مسنده " : حدثنا شعبة عن أبي جمرة سمعت ابن عباس يقول : إن وفد عبد القيس لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ممن القوم ؟ " قالوا : من ربيعة . قال : " مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى " . فقالوا : يا رسول الله ، إنا حي من ربيعة ، وإنا نأتيك من شقة بعيدة ، وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر ، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام ، فمرنا بأمر فصل ندعو إليه من وراءنا وندخل به الجنة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع ، آمركم بالإيمان بالله وحده ، أتدرون ما الإيمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وأن تعطوا من المغانم الخمس ، وأنهاكم عن أربع ; عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت - وربما قال : والمقير - فاحفظوهن [ ص: 248 ] وادعوا إليهن من وراءكم " . وقد أخرجه صاحبا " الصحيحين " من حديث شعبة بنحوه . وقد رواه مسلم من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد بحديث قصتهم بمثل هذا السياق ، وعنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس : " إن فيك لخلتين يحبهما الله عز وجل الحلم والأناة " . وفي رواية : " يحبهما الله ورسوله " . فقال : يا رسول الله ، تخلقتهما أم جبلني الله عليهما ؟ فقال : " بل جبلك الله عليهما " . فقال : الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله . .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا مطر بن عبد الرحمن سمعت هند بنت الوزاع تقول : أنها سمعت الوزاع يقول : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والأشج المنذر بن عامر أو عامر بن المنذر ومعهم رجل مصاب ، فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبوا من رواحلهم ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلوا يده ، ثم نزل الأشج فعقل راحلته ، وأخرج عيبته ففتحها ، فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما ، ثم أتى رواحلهم فعقلها ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا أشج إن فيك خصلتين [ ص: 249 ] يحبهما الله ، عز وجل ، ورسوله ; الحلم والأناة " . فقال : يا رسول الله أنا تخلقتهما أو جبلني الله عليهما ؟ فقال : " بل جبلك الله عليهما " . قال : الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ، عز وجل ، ورسوله . فقال الوازع : يا رسول الله ، إن معي خالا لي مصابا فادع الله له . فقال : " أين هو ؟ ائتني به " . قال : فصنعت مثل ما صنع الأشج ; ألبسته ثوبيه ، وأتيته ، فأخذ طائفة من ردائه يرفعها حتى رأينا بياض إبطه ، ثم ضرب بظهره فقال : " اخرج عدو الله " . فولى وجهه وهو ينظر بنظر رجل صحيح .

وروى الحافظ البيهقي من طريق هود بن عبد الله بن سعد أنه سمع جده مزيدة العصري قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال لهم : " سيطلع من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق " . فقام عمر فتوجه نحوهم فلقي ثلاثة عشر راكبا فقال : من القوم ؟ قالوا : من بني عبد القيس . قال : فما أقدمكم هذه البلاد ؟ التجارة ؟ قالوا : لا . قال : أما إن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكركم آنفا فقال خيرا . ثم مشوا معه حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر للقوم : هذا صاحبكم الذي تريدون . فرمى القوم بأنفسهم عن ركائبهم ، فمنهم من مشى ، ومنهم من هرول ، ومنهم من سعى ، حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذوا بيده فقبلوها وتخلف الأشج في الركاب حتى أناخها ، وجمع متاع القوم ، ثم جاء [ ص: 250 ] يمشي حتى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله " . قال : جبل جبلت عليه أم تخلق مني ؟ قال : " بل جبل " . فقال : الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله .

وقال ابن إسحاق : وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو بن حنش أخو عبد القيس . قال ابن هشام هو الجارود بن بشر بن المعلى في وفد عبد القيس وكان نصرانيا .

قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم ، عن الحسن قال : فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه ، فعرض عليه الإسلام ، ودعاه إليه ، ورغبه فيه ، فقال : يا محمد ، إني كنت على دين ، وإني تارك ديني لدينك ، أفتضمن لي ديني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم ، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه " . قال : فأسلم وأسلم أصحابه ، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان فقال : " والله ما عندي ما أحملكم عليه " . قال : يا رسول الله إن بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس أفنتبلغ عليها إلى بلادنا ؟ قال : " لا ، إياك وإياها فإنما تلك حرق النار " . قال : فخرج الجارود راجعا إلى قومه ، وكان حسن الإسلام صلبا على دينه ، حتى هلك وقد أدرك الردة ، فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الأول مع الغرور بن المنذر بن النعمان بن المنذر قام الجارود فتشهد شهادة الحق ودعا إلى الإسلام ، فقال : أيها الناس إني أشهد أن لا إله إلا [ ص: 251 ] الله ، وأن محمدا عبده ورسوله وأكفر من لم يشهد . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوى العبدي فأسلم فحسن إسلامه ثم هلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ردة أهل البحرين والعلاء عنده أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين .

ولهذا روى البخاري من حديث إبراهيم بن طهمان عن أبي جمرة عن ابن عباس قال : أول جمعة جمعت - بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم - في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين . .

وروى البخاري عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الركعتين بعد الظهر بسبب وفد عبد القيس ، حتى صلاهما بعد العصر في بيتها . .

قلت : لكن في سياق ابن عباس ما يدل على أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل فتح مكة ; لقولهم : وبيننا وبينك هذا الحي من مضر ، لا نصل إليك إلا في شهر حرام . والله أعلم ====================================وفد أهل نجران .

قال البخاري : حدثنا عباس بن الحسين ثنا يحيى بن آدم ، عن إسرائيل عن أبي إسحاق : عن صلة بن زفر عن حذيفة قال : جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه . قال : فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل ، فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا . قالا : إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ، ولا تبعث معنا إلا أمينا . فقال : " لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين " . فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : " قم يا أبا عبيدة بن الجراح " . فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا أمين [ ص: 263 ] هذه الأمة " . وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث شعبة عن أبي إسحاق به .

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل قالا : ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن سلمة بن عبد يسوع عن أبيه ، عن جده قال يونس : وكان نصرانيا فأسلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه " طس " سليمان : " باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران ، وأهل نجران ، إن أسلمتم فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ; أما بعد ، فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد ، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد ، فإن أبيتم فالجزية ، فإن أبيتم ، آذنتكم بحرب والسلام " .

فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه فظع به وذعر به ذعرا شديدا ، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له : شرحبيل بن وداعة - وكان من أهل همدان ، ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله ، لا الأيهم ولا السيد ولا [ ص: 264 ] العاقب - فدفع الأسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شرحبيل فقرأه ، فقال الأسقف : يا أبا مريم ما رأيك ؟ فقال شرحبيل : قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة ، فما يؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل ، ليس لي في النبوة رأي ، ولو كان أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأي وجهدت لك . فقال له الأسقف : تنح فاجلس . فتنحى شرحبيل فجلس ناحية ، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له : عبد الله بن شرحبيل . وهو من ذي أصبح من حمير ، فأقرأه الكتاب ، وسأله عن الرأي ، فقال له مثل قول شرحبيل فقال له الأسقف : تنح فاجلس . فتنحى فجلس ناحية ، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له : جبار بن فيض . من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس فأقرأه الكتاب ، وسأله عن الرأي فيه ، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله فأمره الأسقف فتنحى فجلس ناحية ، فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا ، أمر الأسقف بالناقوس فضرب به ، ورفعت المسوح في الصوامع ، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار ، وإذا كان فزعهم ليلا ضربوا بالناقوس ، ورفعت النيران في الصوامع ، فاجتمع حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح ، أهل الوادي أعلاه وأسفله ، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع ، وفيه ثلاث وسبعون قرية ، وعشرون ومائة ألف مقاتل ، فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الرأي فيه ، فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا [ ص: 265 ] شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي وجبار بن فيض الحارثي فيأتوهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ، ولبسوا حللا لهم يجرونها ; من حبرة وخواتيم الذهب ، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا ، فلم يرد عليهم السلام ، وتصدوا لكلامه نهارا طويلا ، فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب ، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكانوا يعرفونهما ، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس ، فقالوا : يا عثمان ويا عبد الرحمن إن نبيكم كتب إلينا بكتاب ، فأقبلنا مجيبين له ، فأتيناه فسلمنا عليه ، فلم يرد سلامنا ، وتصدينا لكلامه نهارا طويلا ، فأعيانا أن يكلمنا ، فما الرأي منكما ؟ أترون أن نرجع ؟ فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم : ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ فقال علي لعثمان ولعبد الرحمن رضي الله عنهم : أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ، ويلبسوا ثياب سفرهم ، ثم يعودوا إليه . ففعلوا فسلموا فرد سلامهم ، ثم قال : " والذي بعثني بالحق ، لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم " . ثم ساءلهم وساءلوه ، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له : ما تقول في عيسى ؟ فإنا نرجع إلى قومنا ، ونحن نصارى يسرنا إن كنت نبيا أن نسمع ما تقول فيه . فقال رسول الله [ ص: 266 ] صلى الله عليه وسلم : " ما عندي فيه شيء يومي هذا ، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول الله في عيسى " . فأصبح الغد وقد أنزل الله عز وجل هذه الآية " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " [ آل عمران : 59 - 61 ] فأبوا أن يقروا بذلك فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر ، أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له ، وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة ، وله يومئذ عدة نسوة ، فقال شرحبيل لصاحبيه : قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي ، وإني والله أرى أمرا ثقيلا ، والله لئن كان هذا الرجل ملكا متقويا ، فكنا أول العرب طعن في عينه ورد عليه أمره ، لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة ، وإنا أدنى العرب منهم جوارا ، ولئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه ; لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك . فقال له صاحباه : فما الرأي يا أبا مريم ؟ فقال : رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا . فقالا له : أنت وذاك . قال : فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني قد رأيت خيرا من [ ص: 267 ] ملاعنتك فقال : " وما هو ؟ " فقال : حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح ، فمهما حكمت فينا فهو جائز . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لعل وراءك أحد يثرب عليك ؟ " فقال شرحبيل : سل صاحبي . فسألهما فقالا : ما يرد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كافر - أو قال : جاحد - موفق " . فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلاعنهم حتى إذا كان الغد أتوه ، فكتب لهم هذا الكتاب : " بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم لنجران ، أن كان عليهم حكمه في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء ورقيق ، فأفضل عليهم وترك ذلك كله على ألفي حلة ، في كل رجب ألف حلة ، وفي كل صفر ألف حلة " . وذكر تمام الشروط إلى أن قال : شهد أبو سفيان بن حرب ، وغيلان بن عمرو ومالك بن عوف من بني نصر ، والأقرع بن حابس الحنظلي والمغيرة بن شعبة وكتب ، حتى إذا قبضوا كتابهم انصرفوا إلى نجران فتلقاهم الأسقف ووجوه نجران على مسيرة ليلة من نجران ، ومع الأسقف أخ له من أمه ، وهو ابن عمه من النسب يقال له : بشر بن معاوية . وكنيته أبو علقمة فدفع الوفد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى [ ص: 268 ] الأسقف ، فبينما هو يقرأه وأبو علقمة معه وهما يسيران ، إذ كبت ببشر ناقته ، فتعس بشر غير أنه لا يكني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له الأسقف عند ذلك : قد والله تعست نبيا مرسلا . فقال له بشر : لا جرم ، والله لا أحل عنها عقدا حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فضرب وجه ناقته نحو المدينة ، وثنى الأسقف ناقته عليه فقال له : افهم عني ، إني إنما قلت هذا ليبلغ عني العرب ; مخافة أن يروا أنا أخذنا حقه ، أو رضينا نصرته ، أو بخعنا لهذا الرجل بما لم تبخع به العرب ، ونحن أعزهم وأجمعهم دارا . فقال له بشر : لا والله لا أقبل ما خرج من رأسك أبدا . فضرب بشر ناقته وهو مول الأسقف ظهره ، وارتجز يقول :


إليك تغدو قلقا وضينها معترضا في بطنها جنينها

مخالفا دين النصارى دينها
حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ، ولم يزل معه حتى قتل بعد ذلك . قال : ودخل الوفد نجران ، فأتى الراهب ليث بن أبي شمر الزبيدي وهو في رأس صومعته ، فقال له : إن نبيا بعث بتهامة . فذكر له ما كان من وفد نجران إلى [ ص: 269 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه عرض عليهم الملاعنة فأبوا ، وأن بشر بن معاوية دفع إليه فأسلم ، فقال الراهب : أنزلوني وإلا ألقيت نفسي من هذه الصومعة . قال : فأنزلوه فأخذ معه هدية ، وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منها هذا البرد الذي يلبسه الخلفاء ، وقعب ، وعصا ، فأقام مدة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع الوحي ، ثم رجع إلى قومه ، ولم يقدر له الإسلام ، ووعد أنه سيعود ، فلم يقدر له حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن الأسقف أبا الحارث أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيد والعاقب ووجوه قومه ، فأقاموا عنده يسمعون ما ينزل الله عليه ، وكتب للأسقف هذا الكتاب ولأساقفة نجران بعده : " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي صلى الله عليه وسلم للأسقف أبي الحارث وكل أساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم ، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير ، جوار الله ورسوله ، لا يغير أسقف من أسقفته ، ولا راهب من رهبانيته ، ولا كاهن من كهانته ، ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم ، ولا مما كانوا عليه ، على ذلك جوار الله ورسوله أبدا ، ما نصحوا وأصلحوا عليهم ، غير مثقلين بظلم ولا ظالمين " وكتب المغيرة بن شعبة .

وذكر محمد بن إسحاق أن وفد نصارى نجران كانوا ستين راكبا ، يرجع [ ص: 270 ] أمرهم إلى أربعة عشر منهم ، وهم العاقب واسمه عبد المسيح والسيد وهو الأيهم وأبو حارثة بن علقمة وأوس والحارث وزيد وقيس ويزيد ونبيه وخويلد وعمرو وخالد وعبد الله ويحنس وأمر هؤلاء الأربعة عشر يئول إلى ثلاثة منهم ، وهم ; العاقب وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم ، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه والسيد وكان ثمالهم وصاحب رحلهم وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وحبرهم ، وكان رجلا من العرب من بكر بن وائل ، ولكن دخل في دين النصرانية ، فعظمته الروم وشرفوه ، وبنوا له الكنائس ، ومولوه وأخدموه ; لما يعرفون من صلابته في دينهم ، وكان مع ذلك يعرف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن صده الشرف والجاه عن اتباع الحق .

وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني بريدة بن سفيان عن ابن البيلماني عن كرز بن علقمة قال : قدم وفد نصارى نجران ستون راكبا ، منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم ، والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم [ ص: 271 ] يئول أمرهم ; العاقب والسيد وأبو حارثة أحد بني بكر بن وائل ، أسقفهم وصاحب مدراسهم ، وكانوا قد شرفوه فيهم ، ومولوه وأخدموه وبسطوا عليه الكرامات ، وبنوا له الكنائس ; لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم ، فلما توجهوا من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له ، وإلى جنبه أخ له يقال له : كرز بن علقمة . يسايره إذ عثرت بغلة أبي حارثة فقال كرز : تعس الأبعد . يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو حارثة : بل أنت تعست . فقال له كرز : ولم يا أخي ؟ فقال : والله إنه للنبي الذي كنا ننتظره . فقال له كرز : وما يمنعك وأنت تعلم هذا ؟ فقال : ما صنع بنا هؤلاء القوم ; شرفونا ومولونا وأخدمونا ، وقد أبوا إلا خلافه ، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى . قال : فأضمر عليها منه أخوه كرز حتى أسلم بعد ذلك .

وذكر ابن إسحاق أنهم لما دخلوا المسجد النبوي دخلوا في تجمل وثياب حسان ، وقد حانت صلاة العصر فقاموا يصلون إلى المشرق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعوهم " . فكان المتكلم لهم أبا حارثة بن علقمة والسيد والعاقب حتى نزل فيهم صدر سورة آل عمران والمباهلة ، فأبوا ذلك وسألوا أن يرسل معهم [ ص: 272 ] أمينا ، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح كما تقدم في رواية البخاري وقد ذكرنا ذلك مستقصى في تفسير سورة آل عمران . ولله الحمد والمنة .
====================================قدوم ضمام بن ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافدا على قومه بني سعد بن بكر قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس قال : بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقدم إليه وأناخ بعيره على باب المسجد ، ثم علقه ، ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين ، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه ، فقال : أيكم ابن عبد المطلب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا ابن عبد المطلب " . فقال : يا محمد . قال : " نعم " . قال : يا ابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة ، فلا تجدن في نفسك . قال : " لا أجد في نفسي ، فسل عما بدا لك " . فقال : أنشدك الله إلهك ، وإله من كان قبلك ، وإله من هو كائن بعدك ، آلله بعثك إلينا رسولا ؟ قال : " اللهم نعم " . قال : فأنشدك الله إلهك ، وإله من كان قبلك ، وإله من هو كائن [ ص: 283 ] بعدك ، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ، ولا نشرك به شيئا ، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون ؟ قال : " اللهم نعم " . قال : فأنشدك الله إلهك ، وإله من كان قبلك ، وإله من هو كائن بعدك ، آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس ؟ قال : " اللهم نعم " . قال : ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة ; الزكاة ، والصيام ، والحج ، وشرائع الإسلام كلها ، ينشده عند كل فريضة منها ، كما ينشده في التي قبلها ، حتى إذا فرغ قال : فإني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله ، وسأؤدي هذه الفرائض ، وأجتنب ما نهيتني عنه ، ثم لا أزيد ولا أنقص . ثم انصرف إلى بعيره راجعا . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة " . قال : فأتى بعيره فأطلق عقاله ، ثم خرج حتى قدم على قومه ، فاجتمعوا إليه ، فكان أول ما تكلم به أن قال : بئست اللات والعزى . فقالوا : مه يا ضمام اتق البرص ، اتق الجذام ، اتق الجنون . فقال : ويلكم ، إنهما والله لا يضران ولا ينفعان ، إن الله قد بعث رسولا ، وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه ، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه . قال : فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما . [ ص: 284 ] قال : يقول ابن عباس : فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة . وهكذا رواه الإمام أحمد عن يعقوب بن إبراهيم الزهري ، عن أبيه عن ابن إسحاق فذكره ، وقد روى هذا الحديث أبو داود من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس بنحوه . وفي هذا السياق ما يدل على أنه رجع إلى قومه قبل الفتح ; لأن العزى خربها خالد بن الوليد أيام الفتح .

وقد قال الواقدي : حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن كريب عن ابن عباس قال : بعثت بنو سعد بن بكر في رجب سنة خمس ضمام بن ثعلبة وكان جلدا أشعر ذا غديرتين ، وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فأغلظ في المسألة ; سأله عمن أرسله ، وبما أرسله ، وسأله عن شرائع الإسلام ، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك كله ، فرجع إلى قومه مسلما قد خلع الأنداد ، فأخبرهم بما أمرهم به ونهاهم عنه ، فما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما ، وبنوا المساجد وأذنوا بالصلاة . .

وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ثنا سليمان - يعني ابن المغيرة - عن ثابت عن أنس بن مالك قال : كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل ، فيسأله ونحن [ ص: 285 ] نسمع ، فجاء رجل من أهل البادية فقال : يا محمد ، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك . قال : " صدق " . قال : فمن خلق السماء ؟ قال : " الله " . قال : فمن خلق الأرض ؟ قال : " الله " . قال : فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل ؟ قال : " الله " . قال : فبالذي خلق السماء ، وخلق الأرض ونصب هذه الجبال ، آلله أرسلك ؟ قال : " نعم " . قال : وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا . قال : " صدق " . قال : فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا ؟ قال : " نعم " . قال : وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا . قال : " صدق " . قال : فبالذي أرسلك ، آلله أمرك بهذا ؟ قال : " نعم " . قال : وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا . قال : " صدق " . قال : فبالذي أرسلك ، آلله أمرك بهذا ؟ قال : " نعم " . قال : وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا . قال : " صدق " . قال : ثم ولى ، فقال : والذي بعثك بالحق نبيا لا أزيد عليهن شيئا ، ولا أنقص منهن شيئا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لئن صدق ليدخلن الجنة " . وهذا الحديث مخرج في " الصحيحين " وغيرهما بأسانيد وألفاظ كثيرة ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، وقد رواه مسلم من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة وعلقه البخاري من طريقه .

[ ص: 286 ] وأخرجه من وجه آخر بنحوه ، فقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ثنا ليث حدثني سعيد بن أبي سعيد عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول : بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوسا في المسجد ، دخل رجل على جمل ، فأناخه في المسجد ثم عقله ، ثم قال : أيكم محمد ؟ ورسول الله متكئ بين ظهرانيهم قال : فقلنا : هذا الرجل الأبيض المتكئ . فقال الرجل : يا ابن عبد المطلب . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد أجبتك " . فقال الرجل : يا محمد ، إني سائلك فمشتد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك . فقال : " سل ما بدا لك " . فقال الرجل : أنشدك بربك ورب من كان قبلك ، آلله أرسلك إلى الناس كلهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم نعم " . قال : فأنشدك الله ، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة ؟ قال : " اللهم نعم " . قال : فأنشدك الله ، آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم نعم " . قال : أنشدك الله ، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم نعم " . قال الرجل : آمنت بما جئت به ، وأنا رسول من ورائي من قومي ، وأنا ضمام بن ثعلبة ، أخو بني سعد بن بكر . وقد رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن الليث بن سعد عن سعيد المقبري به ، وهكذا رواه [ ص: 287 ] أبو داود والنسائي وابن ماجه عن الليث به ، والعجب أن النسائي رواه من طريق آخر ، عن الليث قال : حدثني ابن عجلان وغيره من أصحابنا عن سعيد المقبري عن شريك عن أنس بن مالك فذكره ، وقد رواه النسائي أيضا من حديث عبيد الله العمري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فلعله عن سعيد المقبري من الوجهين جميعا .
==================================قدوم ضمام بن ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافدا على قومه بني سعد بن بكر قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس قال : بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقدم إليه وأناخ بعيره على باب المسجد ، ثم علقه ، ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين ، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه ، فقال : أيكم ابن عبد المطلب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا ابن عبد المطلب " . فقال : يا محمد . قال : " نعم " . قال : يا ابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة ، فلا تجدن في نفسك . قال : " لا أجد في نفسي ، فسل عما بدا لك " . فقال : أنشدك الله إلهك ، وإله من كان قبلك ، وإله من هو كائن بعدك ، آلله بعثك إلينا رسولا ؟ قال : " اللهم نعم " . قال : فأنشدك الله إلهك ، وإله من كان قبلك ، وإله من هو كائن [ ص: 283 ] بعدك ، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ، ولا نشرك به شيئا ، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون ؟ قال : " اللهم نعم " . قال : فأنشدك الله إلهك ، وإله من كان قبلك ، وإله من هو كائن بعدك ، آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس ؟ قال : " اللهم نعم " . قال : ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة ; الزكاة ، والصيام ، والحج ، وشرائع الإسلام كلها ، ينشده عند كل فريضة منها ، كما ينشده في التي قبلها ، حتى إذا فرغ قال : فإني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله ، وسأؤدي هذه الفرائض ، وأجتنب ما نهيتني عنه ، ثم لا أزيد ولا أنقص . ثم انصرف إلى بعيره راجعا . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة " . قال : فأتى بعيره فأطلق عقاله ، ثم خرج حتى قدم على قومه ، فاجتمعوا إليه ، فكان أول ما تكلم به أن قال : بئست اللات والعزى . فقالوا : مه يا ضمام اتق البرص ، اتق الجذام ، اتق الجنون . فقال : ويلكم ، إنهما والله لا يضران ولا ينفعان ، إن الله قد بعث رسولا ، وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه ، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه . قال : فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما . [ ص: 284 ] قال : يقول ابن عباس : فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة . وهكذا رواه الإمام أحمد عن يعقوب بن إبراهيم الزهري ، عن أبيه عن ابن إسحاق فذكره ، وقد روى هذا الحديث أبو داود من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس بنحوه . وفي هذا السياق ما يدل على أنه رجع إلى قومه قبل الفتح ; لأن العزى خربها خالد بن الوليد أيام الفتح .

وقد قال الواقدي : حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن كريب عن ابن عباس قال : بعثت بنو سعد بن بكر في رجب سنة خمس ضمام بن ثعلبة وكان جلدا أشعر ذا غديرتين ، وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فأغلظ في المسألة ; سأله عمن أرسله ، وبما أرسله ، وسأله عن شرائع الإسلام ، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك كله ، فرجع إلى قومه مسلما قد خلع الأنداد ، فأخبرهم بما أمرهم به ونهاهم عنه ، فما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما ، وبنوا المساجد وأذنوا بالصلاة . .

وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ثنا سليمان - يعني ابن المغيرة - عن ثابت عن أنس بن مالك قال : كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل ، فيسأله ونحن [ ص: 285 ] نسمع ، فجاء رجل من أهل البادية فقال : يا محمد ، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك . قال : " صدق " . قال : فمن خلق السماء ؟ قال : " الله " . قال : فمن خلق الأرض ؟ قال : " الله " . قال : فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل ؟ قال : " الله " . قال : فبالذي خلق السماء ، وخلق الأرض ونصب هذه الجبال ، آلله أرسلك ؟ قال : " نعم " . قال : وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا . قال : " صدق " . قال : فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا ؟ قال : " نعم " . قال : وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا . قال : " صدق " . قال : فبالذي أرسلك ، آلله أمرك بهذا ؟ قال : " نعم " . قال : وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا . قال : " صدق " . قال : فبالذي أرسلك ، آلله أمرك بهذا ؟ قال : " نعم " . قال : وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا . قال : " صدق " . قال : ثم ولى ، فقال : والذي بعثك بالحق نبيا لا أزيد عليهن شيئا ، ولا أنقص منهن شيئا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لئن صدق ليدخلن الجنة " . وهذا الحديث مخرج في " الصحيحين " وغيرهما بأسانيد وألفاظ كثيرة ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، وقد رواه مسلم من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة وعلقه البخاري من طريقه .

[ ص: 286 ] وأخرجه من وجه آخر بنحوه ، فقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ثنا ليث حدثني سعيد بن أبي سعيد عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول : بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوسا في المسجد ، دخل رجل على جمل ، فأناخه في المسجد ثم عقله ، ثم قال : أيكم محمد ؟ ورسول الله متكئ بين ظهرانيهم قال : فقلنا : هذا الرجل الأبيض المتكئ . فقال الرجل : يا ابن عبد المطلب . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد أجبتك " . فقال الرجل : يا محمد ، إني سائلك فمشتد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك . فقال : " سل ما بدا لك " . فقال الرجل : أنشدك بربك ورب من كان قبلك ، آلله أرسلك إلى الناس كلهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم نعم " . قال : فأنشدك الله ، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة ؟ قال : " اللهم نعم " . قال : فأنشدك الله ، آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم نعم " . قال : أنشدك الله ، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم نعم " . قال الرجل : آمنت بما جئت به ، وأنا رسول من ورائي من قومي ، وأنا ضمام بن ثعلبة ، أخو بني سعد بن بكر . وقد رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن الليث بن سعد عن سعيد المقبري به ، وهكذا رواه [ ص: 287 ] أبو داود والنسائي وابن ماجه عن الليث به ، والعجب أن النسائي رواه من طريق آخر ، عن الليث قال : حدثني ابن عجلان وغيره من أصحابنا عن سعيد المقبري عن شريك عن أنس بن مالك فذكره ، وقد رواه النسائي أيضا من حديث عبيد الله العمري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فلعله عن سعيد المقبري من الوجهين جميعا .
==================================وفد طيئ مع زيد الخيل رضي الله عنه .

وهو زيد بن مهلهل بن زيد بن منهب أبو مكنف الطائي وكان من أحسن العرب وأطولهم رجلا ، وسمي زيد الخيل لخمس أفراس كن له . قال السهيلي : ولهن أسماء لا يحضرني الآن حفظها .

قال ابن إسحاق : وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طيئ ، وفيهم زيد الخيل وهو سيدهم فلما انتهوا إليه كلموه ، وعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ، فأسلموا فحسن إسلامهم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني من لا أتهم من رجال طيئ : " ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ، ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه ، إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ كل الذي فيه " . ثم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير وقطع له فيد وأرضين معه ، وكتب له بذلك ، فخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى قومه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ينج زيد من حمى المدينة فإنه " . قال : وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم غير الحمى [ ص: 289 ] وغير أم ملدم ، لم يثبته . قال : فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له : فردة . أصابته الحمى ، فمات بها ، ولما أحس بالموت قال :


أمرتحل قومي المشارق غدوة وأترك في بيت بفردة منجد     ألا رب يوم لو مرضت لعادني
عوائد من لم يبر منهن يجهد
قال ولما مات عمدت امرأته بجهلها وقلة عقلها ودينها - إلى ما كان معه من الكتب فحرقتها بالنار . قلت : وقد ثبت في " الصحيحين " عن أبي سعيد أن علي بن أبي طالب بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في تربتها ، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة ; زيد الخيل وعلقمة بن علاثة والأقرع بن حابس وعيينة بن بدر . الحديث . وسيأتي ذكره في بعث علي إلى اليمن ، إن شاء الله تعالى .

    ======================] قصة دوس والطفيل بن عمرو حدثنا أبو نعيم ، ثنا سفيان ، عن ابن ذكوان - هو عبد الله أبو الزناد - عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : جاء الطفيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن دوسا قد هلكت ، عصت وأبت ، فادع الله عليهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم اهد دوسا وأت بهم " . انفرد به البخاري من هذا الوجه .

ثم قال : حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا إسماعيل ، عن قيس ، عن أبي هريرة قال : لما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم قلت في الطريق :


يا ليلة من طولها وعنائها على أنها من دارة الكفر نجت
وأبق غلام لي في الطريق ، فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبايعته ، فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أبا هريرة ، هذا غلامك " فقلت : هو حر لوجه الله ، عز وجل ، فأعتقته . انفرد به البخاري من حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم . وهذا الذي ذكره البخاري من قدوم الطفيل بن عمرو فقد كان قبل الهجرة ، ثم إن قدر قدومه بعد الهجرة فقد كان قبل الفتح ; لأن دوسا قدموا ومعهم أبو هريرة ، وكان قدوم أبي هريرة ورسول الله [ ص: 302 ] صلى الله عليه وسلم محاصر خيبر ، ثم ارتحل أبو هريرة حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بعد الفتح ، فرضخ لهم شيئا من الغنيمة ، وقد قدمنا ذلك كله مطولا في مواضعه ===================================قصة عمان والبحرين

قال البخاري : حدثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا سفيان ، سمع محمد بن المنكدر ، سمع جابر بن عبد الله يقول : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو قد جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا " . ثلاثا . فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدم على أبي بكر أمر مناديا فنادى : من كان له عند النبي صلى الله عليه وسلم دين أو عدة فليأتني . قال جابر : فجئت أبا بكر ، فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا " . ثلاثا . قال : فأعطاني . قال جابر : فلقيت أبا بكر بعد ذلك فسألته ، فلم يعطني ، ثم أتيته فلم يعطني ، ثم أتيته الثالثة [ ص: 305 ] فلم يعطني ، فقلت له : قد أتيتك فلم تعطني ، ثم أتيتك فلم تعطني ، ثم أتيتك فلم تعطني ، فإما أن تعطيني ، وإما أن تبخل عني . قال : أقلت : تبخل عني ؟ قال : وأي داء أدوأ من البخل ؟ - قالها ثلاثا - ما منعتك من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك . هكذا رواه البخاري هاهنا وقد رواه مسلم عن عمرو الناقد عن سفيان بن عيينة به .

ثم قال البخاري بعده : وعن عمرو ، عن محمد بن علي ، سمعت جابر بن عبد الله يقول : جئته فقال لي أبو بكر : عدها فعددتها . فوجدتها خمسمائة ، فقال : خذ مثلها مرتين . وقد رواه البخاري أيضا عن علي بن المديني ، عن سفيان - هو ابن عيينة - عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي أبي جعفر الباقر ، عن جابر كروايته له ، عن قتيبة ، ورواه أيضا هو ومسلم من طرق أخر ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن محمد بن علي ، عن جابر بنحوه ، وفي رواية أخرى له أنه أمره فحثى بيديه من دراهم ، فعدها فإذا هي خمسمائة فأضعفها له مرتين ، يعني فكان جملة ما أعطاه ألفا وخمسمائة درهم .==================))============قدوم عمرو بن معد يكرب في أناس من زبيد

قال ابن إسحاق : وقد كان عمرو بن معد يكرب قال لقيس بن مكشوح المرادي ، حين انتهى إليهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا قيس ، إنك سيد قومك وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له : محمد . قد خرج بالحجاز ، يقال : إنه نبي . فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه ، فإن كان نبيا كما يقول ، فإنه لن يخفى علينا ، وإذا لقيناه اتبعناه ، وإن كان غير ذلك علمنا علمه . فأبى عليه قيس ذلك ، وسفه رأيه ، فركب عمرو بن معد يكرب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأسلم وصدقه وآمن به ، فلما بلغ ذلك قيس بن مكشوح ، أوعد عمرا وقال : خالفني وترك أمري ورأيي . فقال عمرو بن معد يكرب في ذلك :

أمرتك يوم ذي صنعا ء أمرا باديا رشده      [ ص: 309 ] أمرتك باتقاء الله
والمعروف تتعده     خرجت من المنى مثل ال
حمير غره وتده     تمناني على فرس
عليه جالسا أسده     علي مفاضة كالنه
ي أخلص ماءه جدده     ترد الرمح منثني الس
نان عوائرا قصده     فلو لاقيتني للقي
ت ليثا فوقه لبده     تلاقي شنبثا شثن ال
براثن ناشزا كتده     يسامي القرن إن قرن
تيممه فيعتضده     فيأخذه فيرفعه
فيخفضه فيقتصده     فيدمغه فيحطمه
فيخضمه فيزدرده     ظلوم الشرك فيما أح
رزت أنيابه ويده
[ ص: 310 ] قال ابن إسحاق : فأقام عمرو بن معد يكرب في قومه من بني زبيد وعليهم فروة بن مسيك ، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عمرو بن معد يكرب في من ارتد وهجا فروة بن مسيك فقال :


وجدنا ملك فروة شر ملك     حمارا ساف منخره بثفر
وكنت إذا رأيت أبا عمير     ترى الحولاء من خبث وغدر
قلت : ثم رجع إلى الإسلام ، وحسن إسلامه ، وشهد فتوحات كثيرة في أيام الصديق ، وعمر الفاروق رضي الله عنهما ، وكان من الشجعان المذكورين ، والأبطال المشهورين ، والشعراء المجيدين ، توفي سنة إحدى وعشرين بعدما شهد فتح نهاوند وقيل : بل شهد القادسية وقتل يومئذ .

قال أبو عمر بن عبد البر : وكان وفوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع . وقيل : سنة عشر . فيما ذكره ابن إسحاق والواقدي .

قلت : وفي كلام الشافعي ما يدل عليه . فالله أعلم .

قال يونس عن ابن إسحاق وقد قيل : إن عمرو بن معد يكرب لم يأت النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قال في ذلك :

[ ص: 311 ]

إنني بالنبي موقنة نف     سي وإن لم أر النبي عيانا
سيد العالمين طرا وأدنا     هم إلى الله حين بان مكانا
جاءنا بالناموس من لدن الله     وكان الأمين فيه المعانا
حكمه بعد حكمة وضياء     فاهتدينا بنورها من عمانا
وركبنا السبيل حين ركبن     اه جديدا بكرهنا ورضانا
وعبدنا الإله حقا وكنا     للجهالات نعبد الأوثانا
وائتلفنا به وكنا عدوا     فرجعنا به معا إخوانا
فعليه السلام والسلم منا     حيث كنا من البلاد وكانا
إن نكن لم نر النبي فإنا     قد تبعنا سبيله إيمانا
=================================قدوم أعشى بني مازن على النبي صلى الله عليه وسلم

قال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثني العباس بن عبد العظيم العنبري ، ثنا أبو سلمة عبيد بن عبد الرحمن الحنفي قال : حدثني الجنيد بن أمين بن ذروة بن نضلة بن طريف بن بهصل الحرمازي ، حدثني أبي أمين ، عن أبيه ذروة عن أبيه نضلة أن رجلا منهم يقال له : الأعشى . واسمه عبد الله بن الأعور كانت عنده امرأة يقال لها : معاذة . خرج في رجب يمير أهله من هجر ، فهربت امرأته بعده ناشزا عليه ، فعاذت برجل منهم يقال له : مطرف بن نهشل بن [ ص: 315 ] كعب بن قميثع بن ذلف بن أهضم بن عبد الله بن الحرماز ، فجعلها خلف ظهره ، فلما قدم لم يجدها في بيته ، وأخبر أنها نشزت عليه ، وأنها عاذت بمطرف بن نهشل فأتاه فقال : يا ابن عم ، أعندك امرأتي معاذة ؟ فادفعها إلي . قال : ليست عندي ، ولو كانت عندي لم أدفعها إليك . قال : وكان مطرف أعز منه . قال : فخرج الأعشى حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فعاذ به وأنشأ يقول :


يا سيد الناس وديان العرب إليك أشكو ذربة من الذرب     كالذئبة الغبساء في ظل السرب
خرجت أبغيها الطعام في رجب     فخلفتني بنزاع وهرب
أخلفت الوعد ولطت بالذنب     وقذفتني بين عصر مؤتشب
وهن شر غالب لمن غلب
فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك : " وهن شر غالب لمن غلب " . فشكى إليه امرأته [ ص: 316 ] وما صنعت به ، وأنها عند رجل منهم يقال له : مطرف بن نهشل ، فكتب له النبي صلى الله عليه وسلم إلى مطرف : " انظر امرأة هذا ، معاذة ، فادفعها إليه " . فأتاه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرئ عليه ، فقال لها : يا معاذة ، هذا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فيك ، فأنا دافعك إليه . فقالت : خذ لي عليه العهد والميثاق وذمة نبيه أن لا يعاقبني فيما صنعت . فأخذ لها ذلك عليه ، ودفعها مطرف إليه ، فأنشأ يقول :


لعمرك ما حبي معاذة بالذي     يغيره الواشي ولا قدم العهد
ولا سوء ما جاءت به إذ أزالها     غواة الرجال إذ يناجونها بعدي

الجمعة، 4 ديسمبر 2015

عمرة الجعرانة ==لحوادث المشهورة سنة ثمان من الهجرة == بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع == طريق إسلام خالد بن الوليد ===============================سنة ثمان من الهجرة النبوية    » عمرة الجعرانة
إظهار التشكيل
|
إخفاء التشكيل
مسألة: الجزء السابع    التحليل الموضوعي
عمرة الجعرانة في ذي القعدة .

قال الإمام أحمد : ثنا بهز وعبد الصمد . المعنى . قالا : ثنا همام بن يحيى ثنا قتادة قال : سألت أنس بن مالك قلت : كم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : حجة واحدة ، واعتمر أربع مرار; عمرته زمن الحديبية ، وعمرته في ذي القعدة من المدينة ، وعمرته من الجعرانة في ذي القعدة ، حيث قسم غنيمة حنين ، وعمرته مع حجته . ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من طرق ، عن همام بن يحيى به . وقال الترمذي : حسن صحيح .

وقال الإمام أحمد : ثنا أبو النضر ثنا داود ، يعني العطار عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر ; عمرة الحديبية وعمرة القضاء ، والثالثة من الجعرانة والرابعة التي مع حجته ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث داود بن عبد الرحمن العطار المكي عن عمرو بن دينار به ، وحسنه الترمذي .

وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ثنا حجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده ، هو عبد الله بن عمرو بن العاص قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر ، كل ذلك في ذي القعدة يلبي حتى يستلم الحجر . غريب من هذا الوجه ، وهذه الثلاث عمر اللاتي وقعن في ذي القعدة ما عدا عمرته مع حجته ، فإنها وقعت في ذي الحجة مع الحجة ، وإن أراد ابتداء الإحرام بهن في ذي القعدة فلعله لم يرد عمرة الحديبية; لأنه صد عنها ، ولم يفعلها والله أعلم .

قلت : وقد كان نافع ومولاه ابن عمر ينكران أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر من الجعرانة بالكلية ، وذلك فيما قال البخاري : ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال : يا رسول الله ، إنه كان علي اعتكاف يوم في الجاهلية . فأمره أن يفي به . قال : وأصاب عمر جاريتين من سبي حنين فوضعهما في بعض بيوت مكة . قال : فمن رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبي حنين فجعلوا يسعون في السكك ، فقال عمر : يا عبد الله ، انظر ما هذا؟ قال : من رسول الله صلى الله عليه وسلم على السبي . قال : اذهب فأرسل الجاريتين قال نافع : ولم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة ولو اعتمر لم يخف على عبد الله . وقد رواه مسلم من حديث أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما ، به .

ورواه مسلم أيضا ، عن أحمد بن عبدة الضبي عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال : ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فقال : لم يعتمر منها . وهذا غريب جدا عن ابن عمر وعن مولاه نافع في إنكارهما عمرة الجعرانة وقد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد ، وذكر ذلك أصحاب المغازي والسير كلهم .

[ ص: 116 ] وهذا أيضا كما ثبت في " الصحيحين " من حديث عطاء بن أبي رباح عن عروة ، عن عائشة أنها أنكرت على ابن عمر قوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب ، وقالت : يغفر الله لأبي عبد الرحمن ، ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو شاهد ، وما اعتمر في رجب قط . .

وقال الإمام أحمد : ثنا ابن نمير ثنا الأعمش عن مجاهد قال : سأل عروة بن الزبير ابن عمر : في أي شهر اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : في رجب . فسمعتنا عائشة ، فسألها ابن الزبير وأخبرها بقول ابن عمر فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وقد شهدها ، وما اعتمر قط إلا في ذي القعدة . وأخرجه البخاري ومسلم من حديث جرير عن منصور عن مجاهد به نحوه .

ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث زهير عن أبي إسحاق عن مجاهد : سئل ابن عمر : كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال : مرتين . فقالت عائشة : لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع .

[ ص: 117 ] وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن آدم ثنا مفضل عن منصور عن مجاهد قال : دخلت مع عروة بن الزبير المسجد ، فإذا ابن عمر مستند إلى حجرة عائشة وأناس يصلون الضحى ، فقال عروة : أبا عبد الرحمن ما هذه الصلاة؟ قال : بدعة . فقال له عروة : أبا عبد الرحمن كم اعتمر رسول الله؟ فقال : أربعا ، إحداهن في رجب . قال : وسمعنا استنان عائشة في الحجرة . فقال لها عروة : إن أبا عبد الرحمن يزعم أن رسول الله اعتمر أربعا ، إحداهن في رجب . فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو معه ، وما اعتمر في رجب قط وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن الحسن بن موسى عن شيبان عن منصور به ، وقال : حسن صحيح غريب .

وقال الإمام أحمد : ثنا روح ثنا ابن جريج أخبرني مزاحم بن أبي مزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله عن مخرش الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الجعرانة ليلا حين أمسى معتمرا ، فدخل مكة ليلا يقضي عمرته ، ثم خرج من تحت ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت ، حتى إذا زالت الشمس خرج من الجعرانة في بطن سرف ، حتى جامع الطريق طريق المدينة بسرف . قال مخرش : فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس ورواه الإمام أحمد عن [ ص: 118 ] يحيى بن سعيد عن ابن جريج كذلك وهو من أفراده .

والمقصود أن عمرة الجعرانة ثابتة بالنقل الصحيح الذي لا يمكن منعه ولا دفعه ، ومن نفاها لا حجة معه في مقابلة من أثبتها . والله أعلم . ثم هم كالمجمعين على أنها كانت في ذي القعدة بعد غزوة الطائف وقسم غنائم حنين .

وما رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في " معجمه الكبير " قائلا : حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا محمد بن الحسن الأسدي ثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن عمير مولى عبد الله بن عباس عن ابن عباس قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ، ثم اعتمر منها ، وذلك لليلتين بقيتا من شوال فإنه غريب جدا ، وفي إسناده نظر . والله أعلم .

وقال البخاري : ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا إسماعيل ثنا ابن جريج أخبرني عطاء بن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى كان يقول : ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه . قال : فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وعليه ثوب قد أظل به ، معه فيه ناس من أصحابه ، إذ جاءه أعرابي عليه جبة [ ص: 119 ] متضمخ بطيب ، فقال : يا رسول الله ، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بالطيب؟ فأشار عمر بن الخطاب إلى يعلى بيده أن تعال ، فجاء يعلى فأدخل رأسه ، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم محمر الوجه يغط كذلك ساعة ، ثم سري عنه ، فقال : " أين الذي يسألني عن العمرة آنفا؟ فالتمس الرجل فأتي به ، قال : " أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات ، وأما الجبة فانزعها ، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك " . ورواه مسلم من حديث ابن جريج وأخرجاه من وجه آخر ، عن عطاء كلاهما عن صفوان بن يعلى عن أبيه به .

وقال الإمام أحمد : ثنا أبو أسامة أنا هشام عن أبيه ، عن عائشة قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح من كداء من أعلى مكة ودخل في العمرة من كدى .

وقال أبو داود : ثنا موسى أبو سلمة ثنا حماد عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة ، فرملوا بالبيت ثلاثا ومشوا أربعا ، وجعلوا أرديتهم تحت [ ص: 120 ] آباطهم ، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى . تفرد به أبو داود . ورواه أيضا ابن ماجه من حديث ابن خثيم عن أبي الطفيل عن ابن عباس مختصرا .

وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج حدثني حسن بن مسلم عن طاوس أن ابن عباس أخبره أن معاوية أخبره قال : قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص أو قال : رأيته يقصر عنه بمشقص عند المروة . وقد أخرجاه في " الصحيحين " من حديث ابن جريج به . ورواه مسلم أيضا من حديث سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس عن معاوية به . ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه به .

وقال عبد الله ابن الإمام أحمد : حدثني عمرو بن محمد الناقد ثنا أبو أحمد الزبيري ثنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه ، عن ابن عباس عن معاوية قال : قصرت عن رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة . .

والمقصود أن هذا إنما يتوجه أن يكون في عمرة الجعرانة وذلك أن عمرة [ ص: 121 ] الحديبية لم يدخل إلى مكة فيها ، بل صد عنها كما تقدم بيانه ، وأما عمرة القضاء فلم يكن أبو سفيان أسلم ، ولم يبق بمكة من أهلها أحد حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل خرجوا منها ، وتغيبوا عنها مدة مقامه صلى الله عليه وسلم بها تلك الثلاثة الأيام ، وعمرته التي كانت مع حجته لم يتحلل منها بالاتفاق . فتعين أن هذا التقصير الذي تعاطاه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ، من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة إنما كان في عمرة الجعرانة كما قلنا . والله تعالى أعلم .

وقال محمد بن إسحاق رحمه الله : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمرا ، وأمر ببقايا الفيء فحبس بمجنة بناحية مر الظهران .

قلت : الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم إنما استبقى بعض المغنم ليتألف به من يلقاه من الأعراب فيما بين مكة والمدينة .

قال ابن إسحاق : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة واستخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ، ويعلمهم القرآن .

وذكر عروة وموسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف معاذا مع عتاب بمكة قبل خروجه إلى هوازن ، ثم خلفهما بها حين رجع إلى المدينة .

وقال ابن هشام وبلغني عن زيد بن أسلم أنه قال : لما استعمل [ ص: 122 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهما ، فقام فخطب الناس فقال : أيها الناس ، أجاع الله كبد من جاع على درهم ، فقد رزقني رسول الله صلى الله عليه وسلم درهما كل يوم ، فليست بي حاجة إلى أحد .

قال ابن إسحاق : وكانت عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة ، وقدم المدينة في بقية ذي القعدة ، أو في أول ذي الحجة .

قال ابن هشام قدمها لست بقين من ذي القعدة . فيما قال أبو عمرو المديني .

قال ابن إسحاق : وحج الناس ذلك العام على ما كانت العرب تحج عليه ، وحج بالمسلمين تلك السنة عتاب بن أسيد وهي سنة ثمان . قال : وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم في طائفهم ما بين ذي القعدة إلى رمضان من سنة تسع .
===================================================فصل فيما كان من الحوادث المشهورة ، في سنة ثمان ، والوفيات .

فكان في جمادى منها وقعة مؤتة وفي رمضان غزوة فتح مكة وبعدها في شوال غزوة هوازن بحنين ، وبعدها كان حصار الطائف ثم كانت عمرة الجعرانة في ذي القعدة ، ثم عاد إلى المدينة في بقية السنة .

قال الواقدي : رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لليال بقين من ذي الحجة في سفرته هذه .

قال الواقدي : وفي هذه السنة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى جيفر وعمرو ابني الجلندي من الأزد ، وأخذت الجزية من مجوس بلدهما ومن حولها من الأعراب . قال : وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلمفاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي في ذي القعدة ، فاستعاذت منه صلى الله عليه وسلم ففارقها ، وقيل : بل خيرها فاختارت الدنيا ففارقها . قال : وفي ذي الحجة منها ولد إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية ، فاشتدت غيرة أمهات المؤمنين منها حين رزقت ولدا ذكرا ، وكانت قابلتها فيه سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت إلى أبي رافع فأخبرته فذهب فبشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه مملوكا ، ودفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم بردة بنت [ ص: 142 ] المنذر بن زيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار ، وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول . وكانت فيها وفاة من ذكرنا من الشهداء في هذه الوقائع . وقد قدمنا هدم خالد بن الوليد البيت الذي كانت العزى تعبد فيه بنخلة بين مكة والطائف ، وذلك لخمس بقين من رمضان منها .

قال الواقدي : وفيها كان هدم سواع الذي كانت تعبده هذيل برهاط ، هدمه عمرو بن العاص رضي الله عنه ، ولم يجد في خزانته شيئا . وفيها هدم مناة بالمشلل ، وكانت الأنصار أوسها وخزرجها يعظمونه ، هدمه سعد بن زيد الأشهلي رضي الله عنه . وقد ذكرنا من هذا فصلا مفيدا مبسوطا في تفسير " سورة النجم " عند قوله تعالى : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى [ النجم : 19 ، 20 ] .

قلت : وقد ذكر البخاري بعد فتح مكة قصة تخريب خثعم البيت الذي كانت تعبده ويسمونه الكعبة اليمانية مضاهية للكعبة التي بمكة ، ويسمون التي بمكة الكعبة الشامية ، ولتلك الكعبة اليمانية .

[ ص: 143 ] فقال البخاري : ثنا يوسف بن موسى ثنا أبو أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن جرير قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا تريحني من ذي الخلصة؟ " فقلت : بلى . فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس ، وكانوا أصحاب خيل ، وكنت لا أثبت على الخيل ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فضرب يده في صدري حتى رأيت أثر يده في صدري ، وقال : " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا " . قال : فما وقعت عن فرس بعد . قال : وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة ، فيه نصب تعبد - يقال له : الكعبة اليمانية . قال : فأتاها فحرقها في النار وكسرها . قال : فلما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام ، فقيل له : إن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم هاهنا ، فإن قدر عليك ضرب عنقك . قال : فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال : لتكسرنها وتشهد أن لا إله إلا الله أو لأضربن عنقك . فكسرها وشهد . ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أبا أرطأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بذلك ، قال : فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب . قال : فبرك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات . ورواه مسلم من طرق متعددة ، عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي بنحوه . ===================================عث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع
إظهار التشكيل
|
إخفاء التشكيل
مسألة: الجزء السابع    التحليل الموضوعي
[ ص: 223 ] ذكر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع ونزول سورة " براءة " .

قال ابن إسحاق بعد ذكره وفود أهل الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان كما تقدم بيانه مبسوطا . قال : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة ، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ; ليقيم للمسلمين حجهم ، وأهل الشرك على منازلهم من حجهم لم يصدوا بعد عن البيت ، ومنهم من له عهد مؤقت إلى أمد ، فلما خرج أبو بكر رضي الله عنه ، بمن معه من المسلمين ، وفصل عن المدينة أنزل الله عز وجل هذه الآيات من أول سورة التوبة براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر إلى قوله : وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله إلى آخر القصة .

ثم شرع ابن إسحاق يتكلم على هذه الآيات ، وقد بسطنا الكلام عليها في " التفسير " ولله الحمد والمنة ، والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضي الله عنه ، بعد أبي بكر الصديق ; ليكون معه ، ويتولى علي بنفسه إبلاغ البراءة إلى [ ص: 224 ] المشركين نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لكونه ابن عمه من عصبته .

قال ابن إسحاق : حدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال : لما نزلت " براءة " على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، ليقيم للناس الحج ، قيل له : يا رسول الله ، لو بعثت بها إلى أبي بكر . فقال : " لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي " . ثم دعا علي بن أبي طالب فقال : " اخرج بهذه القصة من صدر " براءة " وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى : ألا إنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته " . فخرج علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق فلما رآه أبو بكر قال : أمير أو مأمور ؟ فقال : بل مأمور . ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج ، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية ، حتى إذا كان يوم النحر ، قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ; ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم ، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ، فهو له إلى مدته ، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ، ولم يطف بالبيت عريان ، ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا مرسل من هذا الوجه .

[ ص: 225 ] وقد قال البخاري : باب حج أبي بكر رضي الله عنه ، بالناس سنة تسع ، حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع حدثنا فليح عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، بعثه في الحجة التي أمره النبي صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عريان . .

وقال البخاري في موضع آخر : حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر الصديق في تلك الحجة في المؤذنين ، بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عريان . قال حميد : ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي فأمره أن يؤذن ب " براءة " . قال أبو هريرة : فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ب " براءة " أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان . .

وقال البخاري في كتاب الجهاد : حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر الصديق فيمن يؤذن يوم النحر بمنى . لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان . ويوم الحج الأكبر يوم النحر ، وإنما قيل : الأكبر . من أجل قول الناس : الحج الأصغر . فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام ، فلم يحج عام [ ص: 226 ] حجة الوداع - الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم - مشرك . ورواه مسلم من طريق الزهري به نحوه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن مغيرة عن الشعبي عن محرر بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ما كنتم تنادون ؟ قال : كنا ننادي : أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله - أو أمده - إلى أربعة أشهر ، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله ، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك . قال : فكنت أنادي حتى صحل صوتي . وهذا إسناد جيد لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي : إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر . وقد ذهب إلى هذا ذاهبون ، ولكن الصحيح أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ ولو زاد على أربعة أشهر ، ومن ليس له أمد بالكلية فله تأجيل أربعة أشهر ، بقي قسم ثالث وهو من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل ، وهذا يحتمل أن يلتحق بالأول فيكون أجله إلى مدته وإن قل ، ويحتمل أن يقال : إنه يؤجل إلى أربعة أشهر ; لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكلية . والله تعالى أعلم .

[ ص: 227 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ثنا حماد عن سماك عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ب " براءة " مع أبي بكر فلما بلغ ذا الحليفة قال : " لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي " . فبعث بها مع علي بن أبي طالب وقد رواه الترمذي من حديث حماد بن سلمة ، وقال : حسن غريب من حديث أنس .

وقد روى عبد الله بن أحمد عن لوين عن محمد بن جابر عن سماك عن حنش عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أردف أبا بكر بعلي فأخذ منه الكتاب بالجحفة ، رجع أبو بكر فقال : يا رسول الله نزل في شيء ؟ قال : " لا ، ولكن جبريل جاءني فقال : لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك " . وهذا ضعيف الإسناد ، ومتنه فيه نكارة . والله أعلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع - رجل من همدان - قال : سألنا عليا : بأي شيء بعثت ؟ - يوم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر في الحجة - قال : بأربع ; لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته ، ولا [ ص: 228 ] يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا . وهكذا رواه الترمذي من حديث سفيان - هو ابن عيينة - عن أبي إسحاق السبيعي عن زيد بن يثيع عن علي به ، وقال : حسن صحيح . ثم قال : وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق فقال : عن زيد بن أثيل ورواه الثوري عن أبي إسحاق عن بعض أصحابه ، عن علي .

قلت : ورواه ابن جرير ، من حديث معمر عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد أخبرنا حيوة بن شريح ، أخبرنا أبو صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول : سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول : سألت علي بن أبي طالب عن يوم الحج الأكبر فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس الحج ، وبعثني معه بأربعين آية من " براءة " حتى أتى عرفة ، فخطب الناس يوم عرفة ، فلما قضى خطبته التفت إلي فقال : قم [ ص: 229 ] يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقمت ، فقرأت عليهم أربعين آية من " براءة " ، ثم صدرنا فأتينا منى ، فرميت الجمرة ، ونحرت البدنة ثم حلقت رأسي ، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضورا كلهم خطبة أبي بكر رضي الله عنه ، يوم عرفة ، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم . قال علي : فمن ثم إخال حسبتم أنه يوم النحر ، ألا وهو يوم عرفة . وقد تقصينا الكلام على هذا المقام في " التفسير " . وذكرنا أسانيد الأحاديث والآثار في ذلك مبسوطا بما فيه كفاية ، ولله الحمد والمنة .

قال الواقدي : وقد كان خرج مع أبي بكر من المدينة ثلاثمائة من الصحابة ، منهم عبد الرحمن بن عوف ، وخرج أبو بكر معه بخمس بدنات ، وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة ، ثم أردفه بعلي فلحقه بالعرج فنادى ب " براءة " أمام الموسم . ===========================================================طريق إسلام خالد بن الوليد

قال الواقدي : حدثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال : سمعت أبي يحدث عن خالد بن الوليد قال : لما أراد الله بي ما أراد من الخير ، قذف في قلبي الإسلام ، وحضرني رشدي ، فقلت : قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد صلى الله عليه وسلم ، فليس في موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء ، وأن محمدا سيظهر ، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية خرجت في خيل من المشركين ، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه بعسفان ، فقمت بإزائه وتعرضت له ، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا ، فهممنا أن نغير عليهم ، ثم لم يعزم لنا - وكانت فيه خيرة - فاطلع على ما في أنفسنا من الهم به ، فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف ، فوقع ذلك منا موقعا ، وقلت : الرجل ممنوع فاعتزلنا وعدل عن سنن خيلنا ، وأخذ ذات اليمين ، فلما صالح قريشا بالحديبية ، ودافعته قريش بالراح ، قلت في نفسي : أي شيء بقي ؟ أين المذهب ؟ إلى [ ص: 406 ] النجاشي ؟ فقد اتبع محمدا ، وأصحابه عنده آمنون ، فأخرج إلى هرقل ؟ فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية ، فأقيم في عجم تابعا ، فأقيم في داري فيمن بقي ؟ فأنا في ذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضية ، فتغيبت ولم أشهد دخوله ، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية ، فطلبني فلم يجدني ، فكتب إلي كتابا ، فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد ، فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك! ومثل الإسلام جهله أحد ؟! وقد سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك ، وقال : " أين خالد ؟ " فقلت : يأتي الله به . فقال : " ما مثله جهل الإسلام ، ولو كان جعل نكايته وحده مع المسلمين كان خيرا له ، ولقدمناه على غيره " . فاستدرك يا أخي ما قد فاتك ، فقد فاتك مواطن صالحة . قال : فلما جاءني كتابه نشطت للخروج ، وزادني رغبة في الإسلام ، وسرني سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عني ، وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة مجدبة ، فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة ، فقلت : إن هذه لرؤيا فلما أن قدمت المدينة قلت : لأذكرنها لأبي بكر . فقال : مخرجك الذى هداك الله للإسلام ، والضيق الذي كنت فيه من الشرك . قال : فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : من أصاحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فلقيت صفوان بن أمية ، [ ص: 407 ] فقلت : يا أبا وهب ، أما ترى ما نحن فيه ، إنما نحن أكلة رأس ، وقد ظهر محمد على العرب والعجم ، فلو قدمنا على محمد واتبعناه ، فإن شرف محمد لنا شرف . فأبى أشد الإباء ، فقال : لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا . فافترقنا ، وقلت : هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر . فلقيت عكرمة بن أبي جهل ، فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية ، فقال لي مثل ما قال صفوان بن أمية ، قلت : فاكتم علي . قال : لا أذكره . فخرجت إلى منزلي ، فأمرت براحلتي ، فخرجت بها إلى أن لقيت عثمان بن طلحة ، فقلت : إن هذا لي صديق ، فلو ذكرت له ما أرجو . ثم ذكرت من قتل من آبائه ، فكرهت أن أذكره ، ثم قلت : وما علي وأنا راحل من ساعتي . فذكرت له ما صار الأمر إليه ، فقلت : إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر ، لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج . وقلت له نحوا مما قلت لصاحبي ، فأسرع الإجابة ، وقال : إني غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو ، وهذه راحلتي بفخ مناخة . قال : فاتعدت أنا وهو يأجج ، إن سبقني أقام ، وإن سبقته أقمت عليه . قال : فأدلجنا سحرا ، فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج ، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة ، فنجد عمرو بن العاص بها فقال : مرحبا بالقوم ، فقلنا : وبك . فقال : إلى أين مسيركم ؟ فقلنا : وما أخرجك . فقال : وما أخرجكم ؟ قلنا : الدخول في الإسلام واتباع [ ص: 408 ] محمد صلى الله عليه وسلم . قال : وذاك الذي أقدمني . فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة ، فأنخنا بظهر الحرة ركابنا ، فأخبر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر بنا ، فلبست من صالح ثيابي ، ثم عمدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيني أخي ، فقال : أسرع ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بك ، فسر بقدومك ، وهو ينتظركم . فأسرعنا المشي ، فاطلعت عليه ، فما زال يتبسم إلي حتى وقفت عليه ، فسلمت عليه بالنبوة ، فرد علي السلام بوجه طلق ، فقلت : إني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله . فقال : " تعال " . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحمد لله الذي هداك ، قد كنت أرى لك عقلا رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير " . قلت : يا رسول الله ، قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندا للحق ، فادع الله أن يغفرها لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإسلام يجب ما كان قبله " . قلت : يا رسول الله ، على ذلك . قال : " اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك " . قال خالد : وتقدم عثمان وعمرو فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : وكان قدومنا في صفر سنة ثمان . قال : فوالله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدل بي أحدا من أصحابه فيما حزبه .

================