الأربعاء، 2 ديسمبر 2015

سلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة
   

سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى نفر من هواز
ن===وقتها
   
إخبار النبي صلى الله عليه وسلم باستشهاد جعفر وصاحبيه
استقبال رسول الله عبد الله بن جعفر
   
سلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة
   

سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى نفر من هوازن====فضل الأمراء الثلاثة زيد وجعفر وعبد الله رضي الله عنهم
من استشهد يوم مؤتة من المسلمين
   
حديث فيه فضيلة عظيمة لأمراء هذه السرية
فيما قيل من الأشعار في غزوة مؤتة
 . = بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن بحولك وقوتك سنة ثمان من الهجرة النبوية فصل في إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة ، رضي الله عنهم ، وكان قدومهم أوائل سنة ثمان ، على ما سيأتي

قد تقدم طرف من ذلك ، فيما ذكره ابن إسحاق بعد مقتل أبي رافع اليهودي ، وذلك في سنة خمس من الهجرة . وإنما ذكره الحافظ البيهقي هاهنا بعد عمرة القضاء ، فروى من طريق الواقدي : أنبأنا عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه قال : قال عمرو بن العاص كنت للإسلام مجانبا [ ص: 400 ] معاندا حضرت بدرا مع المشركين فنجوت ، ثم حضرت أحدا فنجوت ، ثم حضرت الخندق فنجوت ، قال : فقلت في نفسي : كم أوضع! والله ليظهرن محمد على قريش . فلحقت بمالي بالوهط ، وأقللت من الناس - أي من لقائهم - فلما حضر الحديبية ، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلح ، ورجعت قريش إلى مكة ، جعلت أقول : يدخل محمد قابلا مكة بأصحابه ، ما مكة بمنزل ولا الطائف ، ولا شيء خير من الخروج . وأنا بعد ناء عن الإسلام ، وأرى لو أسلمت قريش كلها لم أسلم ، فقدمت مكة وجمعت رجالا من قومي ، وكانوا يرون رأيي ، ويسمعون مني ، ويقدمونني فيما نابهم ، فقلت لهم : كيف أنا فيكم ؟ قالوا : ذو رأينا ومدرهنا في يمن نقيبة وبركة أمر ، قال : قلت : تعلمون أني والله لأرى أمر محمد أمرا يعلو الأمور علوا منكرا ، وإني قد رأيت رأيا . قالوا : وما هو ؟ قلت : نلحق بالنجاشي فنكون معه ، فإن يظهر محمد كنا عند النجاشي ، فنكون تحت يد النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد ، وإن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا ، قالوا : هذا الرأي . قال : قلت : فاجمعوا ما نهديه له . وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم ، فجمعنا أدما كثيرا ، ثم خرجنا حتى قدمنا على النجاشي ، فوالله إنا [ ص: 401 ] لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه بكتاب كتبه ، يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فدخل عليه ثم خرج من عنده ، فقلت لأصحابي : هذا عمرو بن أمية ، ولو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه ، فإذا فعلت ذلك سررت قريشا ، وكنت قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد . فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع ، فقال : مرحبا بصديقي ، أهديت لي من بلادك شيئا ؟ قال : قلت : نعم أيها الملك ، أهديت لك أدما كثيرا . ثم قدمته فأعجبه ، وفرق منه شيئا بين بطارقته ، وأمر بسائره فأدخل في موضع ، وأمر أن يكتب ويحتفظ به ، فلما رأيت طيب نفسه قلت : أيها الملك ، إني قد رأيت رجلا خرج من عندك ، وهو رسول عدو لنا قد وترنا ، وقتل أشرافنا وخيارنا ، فأعطنيه فأقتله . فغضب من ذلك ، ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره ، فابتدر منخراي ، فجعلت أتلقى الدم بثيابي ، فأصابني من الذل ما لو انشقت بي الأرض دخلت فيها ، فرقا منه . ثم قلت : أيها الملك ، لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك . قال : فاستحيا وقال : يا عمرو ، تسألني أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ، والذي كان يأتي عيسى لتقتله ؟! قال عمرو : فغير الله قلبي عما كنت عليه ، وقلت في نفسي : عرف هذا الحق العرب والعجم وتخالف أنت ؟! ثم قلت : أتشهد أيها الملك بهذا ؟ قال : نعم ، أشهد به عند الله يا عمرو ، فأطعني واتبعه ، فوالله إنه لعلى الحق ، [ ص: 402 ] وليظهرن على من خالفه ، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده . قلت : أتبايعني له على الإسلام ؟ قال : نعم . فبسط يده فبايعني على الإسلام ، ثم دعا بطست ، فغسل عني الدم وكساني ثيابا ، وكانت ثيابي قد امتلأت بالدم فألقيتها ، ثم خرجت على أصحابي ، فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك وقالوا : هل أدركت من صاحبك ما أردت ؟ فقلت لهم : كرهت أن أكلمه في أول مرة ، وقلت : أعود إليه . فقالوا : الرأي ما رأيت . قال : ففارقتهم وكأني أعمد لحاجة ، فعمدت إلى موضع السفن ، فأجد سفينة قد شحنت تدفع . قال : فركبت معهم ودفعوها ، حتى انتهوا إلى الشعيبة ، وخرجت من السفينة ومعي نفقة ، فابتعت بعيرا ، وخرجت أريد المدينة ، حتى مررت على مر الظهران ، ثم مضيت ، حتى إذا كنت بالهدة ، فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا ، وأحدهما داخل في الخيمة ، والآخر يمسك الراحلتين . قال : فنظرت فإذا خالد بن الوليد قال : قلت : أين تريد ؟ قال : محمدا ، دخل الناس في الإسلام ، فلم يبق أحد به طعم ، والله لو أقمت لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها . قلت : وأنا والله قد أردت محمدا ، وأردت الإسلام . فخرج عثمان بن طلحة فرحب بي ، فنزلنا جميعا في المنزل ، ثم ترافقنا حتى أتينا [ ص: 403 ] المدينة ، فما أنسى قول رجل لقيناه ببئر أبي عنبة يصيح : يا رباح ، يا رباح ، يا رباح فتفاءلنا بقوله وسررنا ، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول : قد أعطت مكة المقادة بعد هذين . فظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد ، وولى مدبرا إلى المسجد سريعا ، فظننت أنه بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومنا ، فكان كما ظننت ، وأنخنا بالحرة ، فلبسنا من صالح ثيابنا ، ثم نودي بالعصر ، فانطلقنا حتى اطلعنا عليه وإن لوجهه تهللا ، والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا ، فتقدم خالد بن الوليد فبايع ، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع ، ثم تقدمت ، فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه ، فما استطعت أن أرفع طرفي إليه حياء منه . قال : فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ، ولم يحضرني ما تأخر فقال : إن الإسلام يجب ما كان قبله ، والهجرة تجب ما كان قبلها قال : فوالله ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أسلمنا ، ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة ، ولقد كنت عند عمر بتلك الحالة ، وكان عمر على خالد كالعاتب .

قال عبد الحميد بن جعفر شيخ الواقدي : فذكرت هذا الحديث ليزيد بن [ ص: 404 ] أبي حبيب ، فقال : أخبرني راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفي ، عن مولاه حبيب ، عن عمرو بن العاص نحو ذلك .

قلت : كذلك رواه محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن راشد ، عن مولاه حبيب قال : حدثني عمرو بن العاص من فيه . فذكر ما تقدم في سنة خمس بعد مقتل أبي رافع . وسياق الواقدي أبسط وأحسن . قال الواقدي ، عن شيخه عبد الحميد : فقلت ليزيد بن أبي حبيب : وقت لك متى قدم عمرو وخالد ؟ قال : لا ، إلا أنه قال : قبل الفتح . قلت : فإن أبي أخبرني أن عمرا وخالدا وعثمان بن طلحة قدموا لهلال صفر سنة ثمان .

وسيأتي عند وفاة عمرو من " صحيح مسلم " ما يشهد لسياق إسلامه ، وكيفية حسن صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياته ، وكيف مات وهو يتأسف على ما كان منه في مدة مباشرته الإمارة بعده ، عليه الصلاة والسلام ، وصفة موته ، رضي الله عنه ))))))))))))))))))))))))))))))سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى نفر من هوازن

قال الواقدي : حدثني ابن أبي سبرة ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ، عن عمر بن الحكم قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازن ، وأمره أن يغير عليهم ، فخرج وكان يسير الليل ويكمن النهار ، حتى صبحهم غارين ، وقد أوعز إلى أصحابه أن لا يمعنوا في الطلب ، فأصابوا نعما كثيرا وشاء ، فاستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة ، فكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا ، كل رجل .

وزعم غيره أنهم أصابوا سبيا أيضا ، وأن الأمير اصطفى منه جارية وضيئة ، ثم قدم أهلوهم مسلمين ، فشاور النبي صلى الله عليه وسلم أميرهم في ردهن إليهم ، فقال : نعم . فردوهن ، وخير التي عنده فاختارت المقام عنده . [ ص: 410 ]

وقد تكون هذه السرية هي المذكورة فيما رواه الشافعي ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد ، فكان فيهم عبد الله بن عمر قال : فأصبنا إبلا كثيرا ، فبلغت سهامنا اثني عشر بعيرا ، ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا . أخرجاه في " الصحيحين " من حديث مالك ، ورواه مسلم أيضا من حديث الليث ، ومن حديث عبيد الله ، كلهم عن نافع ، عن ابن عمر ، بنحوه .

وقال أبو داود : حدثنا هناد ، حدثنا عبدة ، عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى نجد ، فخرجت فيها ، فأصبنا نعما كثيرا ، فنفلنا أميرنا بعيرا بعيرا لكل إنسان ، ثم قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم بيننا غنيمتنا ، فأصاب كل رجل منا اثني عشر بعيرا بعد الخمس ، وما حاسبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي أعطانا صاحبنا ، ولا عاب عليه ما صنع ، فكان لكل منا ثلاثة عشر بعيرا بنفله===================غزوة مؤتة

وهي سرية زيد بن حارثة ، في نحو من ثلاثة آلاف ، إلى البلقاء من أرض الشام .

قال محمد بن إسحاق بعد قصة عمرة القضية : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بقية ذي الحجة - وولي تلك الحجة المشركون - والمحرم وصفرا وشهري ربيع ، وبعث في جمادى الأولى بعثه إلى الشام ، الذين أصيبوا بمؤتة ، فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان ، واستعمل عليهم زيد بن حارثة ، وقال : " إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس ، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس " . فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج ، وهم ثلاثة آلاف .

وقال الواقدي : حدثني ربيعة بن عثمان ، عن عمر بن الحكم ، عن أبيه قال : جاء النعمان بن فنحص اليهودي ، فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 413 ] مع الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " زيد بن حارثة أمير الناس ، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب ، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة ، فإن قتل عبد الله بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلا ، فليجعلوه عليهم " . فقال النعمان : أبا القاسم ، إن كنت نبيا ، فلو سميت من سميت قليلا أو كثيرا ، أصيبوا جميعا ، إن الأنبياء من بني إسرائيل كانوا إذا سموا الرجل على القوم ، فقالوا : إن أصيب فلان ففلان ، فلو سموا مائة أصيبوا جميعا . ثم جعل اليهودي يقول لزيد : اعهد فإنك لا ترجع أبدا ، إن كان محمد نبيا . فقال زيد : أشهد أنه نبي صادق بار رواه البيهقي .

قال ابن إسحاق : فلما حضر خروجهم ، ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم ، فلما ودع عبد الله بن رواحة مع من ودع بكى ، فقالوا : ما يبكيك يا ابن رواحة ؟ فقال : أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار : وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ( مريم : 71 ) ، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود ؟ فقال المسلمون : صحبكم الله ودفع عنكم ، وردكم إلينا صالحين . فقال عبد الله بن رواحة :


لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا [ ص: 414 ]     أو طعنة بيدي حران مجهزة
بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا     حتى يقال إذا مروا على جدثي
أرشده الله من غاز وقد رشدا
قال ابن إسحاق : ثم إن القوم تهيئوا للخروج ، فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فودعه ثم قال :


فثبت الله ما آتاك من حسن     تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخير نافلة     الله يعلم أني ثابت البصر
أنت الرسول فمن يحرم نوافله     والوجه منه فقد أزرى به القدر
قال ابن إسحاق : ثم خرج القوم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يشيعهم ، حتى إذا ودعهم وانصرف قال عبد الله بن رواحة :


خلف السلام على امرئ ودعته     في النخل خير مشيع وخليل
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا أبو خالد الأحمر ، عن الحجاج ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث [ ص: 415 ] إلى مؤتة فاستعمل زيدا ، فإن قتل زيد فجعفر ، فإن قتل جعفر فابن رواحة ، فتخلف ابن رواحة ، فجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فرآه فقال : " ما خلفك ؟ " فقال : أجمع معك . قال : " لغدوة أو روحة خير من الدنيا وما فيها " .

وقال أحمد : ثنا أبو معاوية ، ثنا الحجاج ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية ، فوافق ذلك يوم الجمعة . قال : فقدم أصحابه ، وقال : أتخلف فأصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ، ثم ألحقهم . قال : فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه فقال : " ما منعك أن تغدو مع أصحابك ؟ " قال : فقال أردت أن أصلي معك الجمعة ، ثم ألحقهم ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت غدوتهم .

وهذا الحديث قد رواه الترمذي من حديث أبي معاوية ، عن الحجاج - وهو ابن أرطاة - ثم علله الترمذي بما حكاه عن شعبة أنه قال : لم يسمع الحكم عن مقسم إلا خمسة أحاديث ، وليس هذا منها .

قلت : والحجاج بن أرطاة في روايته نظر . والله أعلم . والمقصود من إيراد هذا الحديث ، أنه يقتضي أن خروج الأمراء إلى مؤتة كان في يوم جمعة . والله أعلم . [ ص: 416 ]

قال ابن إسحاق : ثم مضوا حتى نزلوا معان من أرض الشام ، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء ، في مائة ألف من الروم ، وانضم إليه من لخم وجذام والقين وبهراء وبلي مائة ألف منهم ، عليهم رجل من بلي ، ثم أحد إراشة ، يقال له : مالك بن زافلة - وفي رواية يونس ، عن ابن إسحاق : فبلغهم أن هرقل نزل بمآب ، في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة . وقيل : كان الروم مائتي ألف ، ومن عداهم خمسون ألفا . وأقل ما قيل : إن الروم كانوا مائة ألف ، ومن العرب خمسون ألفا . حكاه السهيلي - فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم ، وقالوا : نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخبره بعدد عدونا ، فإما أن يمدنا بالرجال ، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له . قال : فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال : يا قوم ، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون ، الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين ، إما ظهور وإما شهادة . قال : فقال [ ص: 417 ] الناس : قد والله صدق ابن رواحة . فمضى الناس ، فقال عبد الله بن رواحة في محبسهم ذلك :


جلبنا الخيل من أجأ وفرع     تغر من الحشيش لها العكوم
حذوناها من الصوان سبتا     أزل كأن صفحته أديم
أقامت ليلتين على معان     فأعقب بعد فترتها جموم
فرحنا والجياد مسومات     تنفس في مناخرها السموم
فلا وأبي مآب لنأتينها     وإن كانت بها عرب وروم
فعبأنا أعنتها فجاءت     عوابس والغبار لها بريم
بذي لجب كأن البيض فيه إذا برزت قوانسها النجوم [ ص: 418 ]     فراضية المعيشة طلقتها
أسنتنا فتنكح أو تئيم
قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم قال : كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره ، فخرج بي في سفره ذلك ، مردفي على حقيبة رحله ، فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو ينشد أبياته هذه :


إذا أديتني وحملت رحلي     مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك أنعم وخلاك ذم     ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وجاء المسلمون وغادروني     بأرض الشام مشتهي الثواء
وردك كل ذي نسب قريب     إلى الرحمن منقطع الإخاء
هنالك لا أبالي طلع بعل     ولا نخل أسافلها رواء [ ص: 419 ]
قال : فلما سمعتهن منه بكيت ، فخفقني بالدرة وقال : ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة ، وترجع بين شعبتي الرحل ؟! ثم قال عبد الله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتجز :


يا زيد زيد اليعملات الذبل     تطاول الليل هديت فانزل
قال ابن إسحاق : ثم مضى الناس ، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب ، بقرية من قرى البلقاء يقال لها : مشارف . ثم دنا العدو ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها : مؤتة . فالتقى الناس عندها ، فتعبأ لهم المسلمون ، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له : قطبة بن قتادة . وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له : عباية بن مالك .

وقال الواقدي : حدثني ربيعة بن عثمان ، عن المقبري ، عن أبي هريرة قال : شهدت مؤتة ، فلما دنا منا المشركون ، رأينا ما لا قبل لأحد به ، من العدة ، والسلاح ، والكراع ، والديباج ، والحرير ، والذهب ، فبرق بصري ، فقال لي ثابت بن أقرم : يا أبا هريرة ، كأنك ترى جموعا كثيرة! قلت : نعم . قال : إنك لم تشهد معنا بدرا ، إنا لم ننصر بالكثرة . رواه البيهقي . [ ص: 420 ]

قال ابن إسحاق : ثم التقى الناس فاقتتلوا ، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم ، ثم أخذها جعفر ، فقاتل بها ، حتى إذا ألحمه القتال ، اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ، ثم قاتل القوم حتى قتل فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام .

وقال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد ، حدثني أبي الذي أرضعني ، وكان أحد بني مرة بن عوف ، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال : والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها ، ثم قاتل القوم حتى قتل وهو يقول :


يا حبذا الجنة واقترابها     طيبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها     كافرة بعيدة أنسابها
علي إن لاقيتها ضرابها
وهذا الحديث قد رواه أبو داود من حديث ابن إسحاق ، ولم يذكر الشعر [ ص: 421 ] . وقد استدل به من جوز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به العدو ، كما يقول أبو حنيفة في الأغنام إذا لم تتبع في السير ، ويخشى من لحوق العدو لها وانتفاعهم بها ، أنها تذبح وتحرق ، ليحال بينهم وبين ذلك . والله أعلم .

قال السهيلي : ولم ينكر أحد على جعفر ، فدل على جوازه إذا خيف أخذ العدو له ، ولا يدخل ذلك في النهي عن قتل الحيوان عبثا .

قال ابن هشام : وحدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفرا أخذ اللواء بيمينه فقطعت ، فأخذه بشماله فقطعت ، فاحتضنه بعضديه ، حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء ، ويقال : إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه بنصفين .

قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد قال : حدثني أبي الذي أرضعني ، وكان أحد بني مرة بن عوف ، قال : فلما قتل جعفر ، أخذ عبد الله بن رواحة الراية ، ثم تقدم بها وهو على فرسه ، فجعل يستنزل نفسه ، ويتردد بعض التردد ، ثم قال :


أقسمت يا نفس لتنزلنه     لتنزلن أو لتكرهنه [ ص: 422 ]
إن أجلب الناس وشدوا الرنه     ما لي أراك تكرهين الجنه
قد طال ما قد كنت مطمئنه     هل أنت إلا نطفة في شنه
وقال أيضا :


يا نفس إن لا تقتلي تموتي     هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت     إن تفعلي فعلهما هديت
يريد صاحبيه ، زيدا وجعفرا ، ثم نزل ، فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال : شد بهذا صلبك ، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت . فأخذه من يده ، فانتهس منه نهسة ، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال : وأنت في الدنيا ؟! ثم ألقاه من يده ، ثم أخذ سيفه ، ثم تقدم فقاتل حتى قتل ، رضي الله عنه . قال : ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم ، أخو بني العجلان ، فقال : يا معشر المسلمين ، اصطلحوا على رجل منكم . قالوا : أنت . قال : ما أنا بفاعل . فاصطلح الناس على خالد بن الوليد ، فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم ، ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس .

قال ابن إسحاق : ولما أصيب القوم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني [ ص: 423 ] : أخذ الراية زيد بن حارثة ، فقاتل بها حتى قتل شهيدا ، ثم أخذها جعفر ، فقاتل بها حتى قتل شهيدا " . قال : ثم صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الأنصار ، وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون ، ثم قال : " ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا " ثم قال : " لقد رفعوا إلي في الجنة ، فيما يرى النائم ، على سرر من ذهب ، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه ، فقلت : عم هذا ؟ " فقيل لي : مضيا ، وتردد عبد الله بن رواحة بعض التردد ثم مضى هكذا ذكر ابن إسحاق هذا منقطعا .

وقد قال البخاري : ثنا أحمد بن واقد ، ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن حميد بن هلال ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس ، قبل أن يأتيهم خبرهم ، فقال : أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله ، حتى فتح الله عليهم تفرد به البخاري ، ورواه في موضع آخر ، وقال فيه وهو على المنبر : " وما [ ص: 424 ] يسرهم أنهم عندنا " .

وقال البخاري : ثنا أحمد بن أبي بكر ، ثنا مغيرة بن عبد الرحمن - المخزومي ، وليس بالحزامي - عن عبد الله بن سعيد ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن قتل زيد فجعفر ، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة " قال عبد الله : كنت فيهم في تلك الغزوة ، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب ، فوجدناه في القتلى ، ووجدنا في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية . تفرد به البخاري أيضا .

وقال البخاري أيضا : حدثنا أحمد ، ثنا ابن وهب ، عن عمرو ، عن ابن أبي هلال - وهو سعيد بن أبي هلال الليثي - قال : وأخبرني نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر بن أبي طالب يومئذ وهو قتيل ، فعددت به [ ص: 425 ] خمسين ، بين طعنة وضربة ، ليس منها شيء في دبره ، وهذا أيضا من أفراد البخاري . ووجه الجمع بين هذه الرواية والتي قبلها ، أن ابن عمر ، رضي الله عنهما اطلع على هذا العدد ، وغيره اطلع على أكثر من ذلك . أو أن هذه في قبله أصيبها قبل أن يقتل ، فلما صرع إلى الأرض ضربوه أيضا ضربات في ظهره ، فعد ابن عمر ما كان في قبله وهو في وجوه الأعداء قبل أن يقتل ، رضي الله عنه .

ومما يشهد لما ذكره ابن هشام من قطع يمينه وهي ممسكة اللواء ، ثم شماله ، ما رواه البخاري ، ثنا محمد بن أبي بكر ، ثنا عمر بن علي ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عامر قال : كان ابن عمر إذا حيا ابن جعفر قال : السلام عليك يا ابن ذي الجناحين . ورواه أيضا في المناقب ، والنسائي من حديث يزيد بن هارون ، عن إسماعيل بن أبي خالد به .

وقال البخاري : ثنا أبو نعيم ، ثنا سفيان ، عن إسماعيل ، عن قيس بن أبي حازم قال : سمعت خالد بن الوليد يقول : لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية [ ص: 426 ] .

ثم رواه عن محمد بن المثنى ، عن يحيى ، عن إسماعيل ، حدثني قيس سمعت خالد بن الوليد يقول : لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، وصبرت في يدي صفيحة يمانية . انفرد به البخاري .

قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو نصر بن قتادة ، أخبرنا أبو عمرو بن مطر ، ثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي ، ثنا سليمان بن حرب ، ثنا الأسود بن شيبان ، عن خالد بن سمير قال : قدم علينا عبد الله بن رباح الأنصاري ، وكانت الأنصار تفقهه ، فغشيه الناس ، فغشيته في من غشيه فقال : حدثنا أبو قتادة ، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الأمراء ، وقال : " عليكم زيد بن حارثة ، فإن أصيب زيد فجعفر ، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة " . قال : فوثب جعفر وقال : يا رسول الله ، ما كنت أرهب أن تستعمل زيدا علي . قال : " امض ، فإنك لا تدري أي ذلك خير " فانطلقوا ، فلبثوا ما شاء الله ، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر ، فأمر فنودي : الصلاة جامعة . فاجتمع الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أخبركم عن جيشكم هذا ، إنهم انطلقوا فلقوا العدو ، فقتل زيد شهيدا - فاستغفر له - ثم أخذ اللواء جعفر ، فشد على القوم حتى قتل شهيدا - شهد له بالشهادة واستغفر له - ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة ، فأثبت قدميه حتى [ ص: 427 ] قتل شهيدا - فاستغفر له - ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء ، هو أمر نفسه " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم إنه سيف من سيوفك ، فأنت تنصره " . فمن يومئذ سمي خالد سيف الله . ورواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك ، عن الأسود بن شيبان ، به نحوه . وفيه زيادة حسنة ، وهو أنه عليه الصلاة والسلام لما اجتمع إليه الناس قال : " ثاب خبر ، ثاب خبر وذكر الحديث .

وقال الواقدي : حدثني عبد الجبار بن عمارة بن غزية ، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال : لما التقى الناس بمؤتة ، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ، وكشف الله له ما بينه وبين الشام ، فهو ينظر إلى معتركهم ، فقال : " أخذ الراية زيد بن حارثة ، فجاء الشيطان ، فحبب إليه الحياة ، وكره إليه الموت ، وحبب إليه الدنيا ، فقال : الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين ، تحبب إلي الدنيا ؟! فمضى قدما حتى استشهد " فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " استغفروا له ، فقد دخل الجنة وهو يسعى .

قال الواقدي : وحدثني محمد بن صالح ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، [ ص: 428 ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لما قتل زيد أخذ الراية جعفر بن أبي طالب ، فجاءه الشيطان ، فحبب إليه الحياة ، وكره إليه الموت ، ومناه الدنيا ، فقال : الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا ؟! ثم مضى قدما حتى استشهد " . فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : " استغفروا لأخيكم ، فإنه شهيد ، دخل الجنة ، وهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت ، حيث يشاء من الجنة " قال : " ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة ، فاستشهد ، ثم دخل الجنة معترضا " فشق ذلك على الأنصار ، فقيل : يا رسول الله ما اعترضه ؟ قال : " لما أصابته الجراح نكل ، فعاتب نفسه فتشجع ، واستشهد فدخل الجنة " . فسري عن قومه .

قال الواقدي : وحدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل ، عن أبيه قال : لما أخذ خالد بن الوليد الراية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الآن حمي الوطيس " .

قال الواقدي : فحدثني العطاف بن خالد قال : لما قتل ابن رواحة مساء ، بات خالد بن الوليد ، فلما أصبح ، غدا وقد جعل مقدمته ساقته ، وساقته مقدمته ، وميمنته ميسرته . قال : فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم ، وقالوا : قد جاءهم مدد . فرعبوا وانكشفوا منهزمين . قال : فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم . وهذا يوافق ما ذكره موسى بن عقبة رحمه الله ، في [ ص: 429 ] " مغازيه " فإنه قال بعد عمرة الحديبية : ثم صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فمكث بها ستة أشهر ، ثم إنه بعث جيشا إلى مؤتة ، وأمر عليهم زيد بن حارثة ، وقال : " إن أصيب فجعفر بن أبي طالب أميرهم ، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة أميرهم " . فانطلقوا حتى إذا لقوا ابن أبي سبرة الغساني بمؤتة ، وبها جموع من نصارى العرب والروم ، بها تنوخ وبهراء ، فأغلق ابن أبي سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام ، ثم خرجوا فالتقوا على [ ردغ ] أحمر ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقتل ، ثم أخذه جعفر فقتل ، ثم أخذه عبد الله بن رواحة فقتل ، ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم على خالد بن الوليد المخزومي ، فهزم الله العدو ، وأظهر المسلمين . قال : وبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الأولى ، يعني سنة ثمان . قال موسى بن عقبة : وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " مر علي جعفر في الملائكة ، يطير كما يطيرون ، وله جناحان " قال : وزعموا والله أعلم ، أن يعلى بن أمية قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر أهل مؤتة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن شئت فأخبرني ، وإن شئت أخبرتك " . قال : أخبرني يا [ ص: 430 ] رسول الله . قال : فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم كله ، ووصفه لهم . فقال : والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره ، وإن أمرهم لكما ذكرت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم " .

فهذا السياق فيه فوائد كثيرة ليست عند ابن إسحاق ، وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق ، من أن خالدا إنما حاشى بالقوم ، حتى تخلصوا من الروم وعرب النصارى فقط ، وموسى بن عقبة والواقدي مصرحان بأنهم هزموا جموع الروم والعرب الذين معهم ، وهو ظاهر الحديث المتقدم عن أنس مرفوعا : " ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه " . رواه البخاري وهذا هو الذي رجحه ومال إليه الحافظ البيهقي بعد حكاية القولين ، لما ذكره من الحديث .

قلت : ويمكن الجمع بين قول ابن إسحاق وبين قول الباقين ، وهو أن خالدا لما أخذ الراية حاشى بالقوم المسلمين ، حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة ، فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ، ومقدمة وساقة ، كما ذكره الواقدي ، توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين ، فلما حمل عليهم خالد ، هزموهم بإذن الله . والله أعلم [ ص: 431 ] .

ولكن قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر ، عن عروة قال : لما أقبل أصحاب مؤتة ، تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه قال : ولقيهم الصبيان يشتدون ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة ، فقال : " خذوا الصبيان فاحملوهم ، وأعطوني ابن جعفر " . فأتي بعبد الله ، فأخذه فحمله بين يديه . قال : وجعل الناس يحثون عليهم بالتراب ويقولون : يا فرار ، فررتم في سبيل الله ؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليسوا بالفرار ، ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى " . وهذا مرسل من هذا الوجه ، وفيه غرابة . وعندي أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق ، فظن أن هذا لجمهور الجيش ، وإنما كان للذين فروا حين التقى الجمعان ، وأما بقيتهم فلم يفروا ، بل نصروا ، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وهو على المنبر ، في قوله : " ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ، ففتح الله على يديه " . فما كان المسلمون ليسموهم فرارا بعد ذلك ، وإنما تلقوهم ، إكراما لهم وإعظاما ، وإنما كان التأنيب وحثي التراب للذين فروا وتركوهم هنالك ، وقد كان فيهم عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، ثنا زهير ، ثنا يزيد بن أبي زياد [ ص: 432 ] ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن عبد الله بن عمر قال : كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحاص الناس حيصة ، وكنت فيمن حاص ، فقلنا : كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب ؟ ثم قلنا : لو دخلنا المدينة فبتنا . ثم قلنا : لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كانت لنا توبة ، وإلا ذهبنا . فأتيناه قبل صلاة الغداة ، فخرج فقال : " من القوم ؟ " قال : فقلنا : نحن الفرارون . فقال : " لا ، بل أنتم العكارون ، أنا فئتكم ، وأنا فئة المسلمين " . قال : فأتيناه حتى قبلنا يده .

ثم رواه عن غندر ، عن شعبة ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن ابن أبي ليلى ، عن ابن عمر قال : كنا في سرية ففررنا ، فأردنا أن نركب البحر ، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : يا رسول الله ، نحن الفرارون . فقال : " لا ، بل أنتم العكارون ورواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث يزيد بن أبي زياد ، وقال الترمذي : حسن ، لا نعرفه إلا من حديثه .

وقال أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى وأسود بن عامر قالا : حدثنا [ ص: 433 ] شريك ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن ابن عمر قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ، فلما لقينا العدو انهزمنا في أول غادية ، فقدمنا المدينة في نفر ليلا فاختفينا ، ثم قلنا : لو خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتذرنا إليه . فخرجنا إليه ، ثم لقيناه قلنا : نحن الفرارون يا رسول الله . قال : " بل أنتم العكارون ، وأنا فئتكم " قال الأسود : " وأنا فئة كل مسلم .

وقال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن بعض آل الحارث بن هشام ، وهم أخواله أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة : ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين ؟ قالت : ما يستطيع أن يخرج ، كلما خرج صاح به الناس : يا فرار ، فررتم في سبيل الله ؟ ! حتى قعد في بيته ما يخرج . وكان في غزاة مؤتة .

قلت : لعل طائفة منهم فروا لما عاينوا كثرة جموع العدو ، وكانوا أكثر منهم بأضعاف مضاعفة ، فإن الصحابة ، رضي الله عنهم ، كانوا ثلاثة [ ص: 434 ] آلاف ، وكان العدو - على ما ذكروه - مائتي ألف ، ومثل هذا يسوغ الفرار ، على ما قد تقرر ، فلما فر هؤلاء ، ثبت باقيهم ، وفتح الله عليهم ، وتخلصوا من أيدي أولئك ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، كما ذكره الواقدي وموسى بن عقبة من قبله .

ويؤيد ذلك ويشاكله بالصحة ، ما رواه الإمام أحمد : حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثني صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبيه ، عن عوف بن مالك الأشجعي قال : خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة من المسلمين ، في غزوة مؤتة ، ورافقني مددي من اليمن ، ليس معه غير سيفه ، فنحر رجل من المسلمين جزورا ، فسأله المددي طائفة من جلده ، فأعطاه إياه ، فاتخذه كهيئة الدرقة ، ومضينا فلقينا جموع الروم ، وفيهم رجل على فرس له أشقر ، عليه سرج مذهب وسلاح مذهب ، فجعل الرومي يغري بالمسلمين ، وقعد له المددي خلف صخرة ، فمر به الرومي فعرقب فرسه ، فخر وعلاه ، فقتله ، وحاز فرسه وسلاحه ، فلما فتح الله [ ص: 436 ] للمسلمين ، بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه السلب . قال عوف : فأتيته فقلت : يا خالد ، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ؟ قال : بلى ، ولكني استكثرته . فقلت : لتردنه إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأبى أن يرد عليه . قال عوف : فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا خالد ، رد عليه ما أخذت منه " . قال عوف : فقلت : دونك يا خالد ، ألم أف لك ؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وما ذاك ؟ " فأخبرته ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " يا خالد ، لا ترد عليه ، هل أنتم تاركو لي أمرائي ، لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره قال الوليد : سألت ثورا عن هذا الحديث ، فحدثني عن خالد بن معدان ، عن جبير بن نفير ، عن عوف بنحوه . ورواه مسلم وأبو داود ، من حديث جبير بن نفير ، عن عوف بن مالك ، به نحوه .

وهذا يقتضي أنهم غنموا منهم ، وسلبوا من أشرافهم ، وقتلوا من أمرائهم ، وقد تقدم فيما رواه البخاري أن خالدا ، رضي الله عنه قال : اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية وهذا يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلا ، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص [ ص: 436 ] منهم ، وهذا وحده دليل مستقل ، والله أعلم .

وهذا هو اختيار موسى بن عقبة والواقدي والبيهقي ، وحكاه ابن هشام عن الزهري .

قال البيهقي ، رحمه الله : اختلف أهل المغازي في فرارهم وانحيازهم ، فمنهم من ذهب إلى ذلك ، ومنهم من زعم أن المسلمين ظهروا على المشركين ، وأن المشركين انهزموا قال : وحديث أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " ثم أخذها خالد ، ففتح الله عليه " . يدل على ظهورهم عليهم والله أعلم .

قلت : وقد ذكر ابن إسحاق أن قطبة بن قتادة العذري ، وكان رأس ميمنة المسلمين ، حمل على مالك بن زافلة - قال ابن هشام : ويقال : رافلة . بالراء - وهو أمير أعراب النصارى ، فقتله ، وقال يفتخر بذلك :


طعنت ابن رافلة بن الإراش     برمح مضى فيه ثم انحطم [ ص: 437 ]
ضربت على جيده ضربة     فمال كما مال غصن السلم
وسقنا نساء بني عمه     غداة رقوقين سوق النعم
وهذا يؤيد ما نحن فيه ، لأن من عادة أمير الجيش إذا قتل ، أن يفر أصحابه ، ثم إنه صرح في شعره بأنهم سبوا من نسائهم ، وهذا واضح فيما ذكرناه . والله أعلم . وأما ابن إسحاق فإنه ذهب إلى أنه لم يكن إلا المخاشاة والتخلص من أيدي الروم ، وسمى هذا نصرا وفتحا ، أي باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العدو بهم ، وتراكمهم وتكاثرهم وتكاثفهم عليهم ، فكان مقتضى العادة أن يصطلموا بالكلية ، فلما تخلصوا منهم وانحازوا عنهم ، كان هذا غاية المرام في هذا المقام ، وهذا محتمل ، لكنه خلاف الظاهر من قوله عليه الصلاة والسلام : " ففتح الله عليهم " .

والمقصود أن ابن إسحاق يستدل على ما ذهب إليه فقال : وقد قال - فيما كان من أمر الناس ، وأمر خالد بن الوليد ، ومخاشاته بالناس وانصرافه [ ص: 438 ] بهم قيس بن المحسر اليعمري ، يعتذر مما صنع يومئذ وصنع الناس :


فوالله لا تنفك نفسي تلومني     على موقفي والخيل قابعة قبل
وقفت بها لا مستجيرا فنافذا     ولا مانعا من كان حم له القتل
على أنني آسيت نفسي بخالد     ألا خالد في القوم ليس له مثل
وجاشت إلي النفس من نحو جعفر     بمؤتة إذ لا ينفع النابل النبل
وضم إلينا حجزتيهم كليهما     مهاجرة لا مشركون ولا عزل
قال ابن إسحاق : فبين قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره ، أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت ، وحقق انحياز خالد بمن معه . قال ابن هشام : وأما الزهري فقال ، فيما بلغنا عنه : أمر المسلمون عليهم خالد بن الوليد ، ففتح الله عليهم ، وكان عليهم حتى رجع إلى المدينة====================                  فصل إخبار النبي صلى الله عليه وسلم باستشهاد جعفر وصاحبيه

قال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر ، عن أم عيسى الخزاعية ، عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب ، عن جدتها أسماء بنت عميس قالت : لما أصيب جعفر وأصحابه ، دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد دبغت أربعين منا ، وعجنت عجيني ، وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم ، قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ائتني ببني جعفر " . فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه ، فقلت : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، ما يبكيك ، أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء ؟ قال : " نعم ، أصيبوا هذا اليوم " قالت : فقمت أصيح ، واجتمع إلي النساء ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال : " لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما ، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم وهكذا رواه الإمام أحمد من حديث ابن إسحاق ، ورواه ابن ماجه من طريق محمد بن إسحاق ، ، وعن عبد الله بن أبي بكر ، عن أم عيسى ، عن أم عون بنت محمد بن جعفر ، عن أسماء ، فذكر الأمر بعمل الطعام . والصواب أنها أم [ ص: 440 ] جعفر وأم عون

وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، ثنا جعفر بن خالد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر قال : لما جاء نعي جعفر حين قتل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " اصنعوا لآل جعفر طعاما ، فقد أتاهم أمر يشغلهم أو : أتاهم ما يشغلهم وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة عن جعفر بن خالد بن سارة المخزومي المكي ، عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر ، وقال الترمذي : حسن .

ثم قال محمد بن إسحاق : حدثني عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : لما أتى نعي جعفر ، عرفنا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن . قالت : فدخل عليه رجل ، فقال : يا رسول الله ، إن النساء عنيننا وفتننا . قال : " ارجع إليهن فأسكتهن " قالت : فذهب ثم رجع ، فقال له مثل ذلك . قالت : وربما ضر التكلف . يعني أهله . قلت : قال : " فاذهب فأسكتهن ، فإن أبين فاحث في أفواههن التراب " . قالت : وقلت [ ص: 441 ] في نفسي : أبعدك الله ، فوالله ما تركت نفسك ، وما أنت بمطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : وعرفت أنه لا يقدر على أن يحثي في أفواههن التراب انفرد به ابن إسحاق من هذا الوجه ، وليس في شيء من الكتب .

وقال البخاري : ثنا قتيبة ، ثنا عبد الوهاب ، سمعت يحيى بن سعيد قال : أخبرتني عمرة قالت : سمعت عائشة تقول : لما قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة ، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الحزن . قالت عائشة : وأنا أطلع من صائر الباب - شق - فأتاه رجل فقال : أي رسول الله ، إن نساء جعفر . وذكر بكاءهن ، فأمره أن ينهاهن . قالت : فذهب الرجل ، ثم أتى فقال : والله لقد غلبننا . فزعمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فاحث في أفواههن من التراب " قالت عائشة ، رضي الله عنها : فقلت : أرغم الله أنفك ، فوالله ما أنت تفعل ، وما تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم من العناء وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن عمرة ، عنها [ ص: 442 ] .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وهب بن جرير ، ثنا أبي ، سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد ، عن عبد الله بن جعفر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا ، استعمل عليهم زيد بن حارثة ، وقال : " إن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر ، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة " . فلقوا العدو ، فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل ، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل ، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه ، وأتى خبرهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الناس ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : إن إخوانكم لقوا العدو ، وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد ، ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد ، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد ، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ، خالد بن الوليد ، ففتح الله عليه " . قال : ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ، ثم أتاهم فقال : " لا تبكوا على أخي بعد اليوم ، ادعوا لي ابني أخي " . قال : فجيء بنا كأننا أفرخ ، فقال : " ادعوا لي الحلاق " فجيء بالحلاق ، فحلق رءوسنا ، ثم قال : " أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب ، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي " ثم أخذ بيدي فأشالها وقال : " اللهم اخلف جعفرا في أهله ، بارك لعبد الله في صفقة يمينه " . قالها [ ص: 443 ] ثلاث مرات . قال : فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا ، وجعلت تفرح له ، فقال : " العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة ورواه أبو داود ببعضه ، والنسائي في السير بتمامه من حديث وهب بن جرير ، به وهذا يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام ، ثم نهاهم عنه بعدها .

ولعله معنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد ، من حديث الحكم ، عن عبد الله بن شداد ، عن أسماء ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها لما أصيب جعفر : " تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت تفرد به أحمد . فيحتمل أنه أذن لها في التسلب ، وهو المبالغة في البكاء وشق الثياب ، ويكون هذا من باب التخصيص لها بهذا ، لشدة حزنها على جعفر أبي أولادها ، وقد يحتمل أن يكون أمرا لها بالتسلب ، وهو المبالغة في الإحداد ثلاثة أيام ، ثم تصنع بعد ذلك ما شاءت ، مما يفعله المعتدات على أزواجهن ، من الإحداد المعتاد . والله أعلم . ويروى [ ص: 444 ] : " تسلي ثلاثا " . أي تصبري ثلاثا ، وهذا بخلاف الرواية الأخرى . والله أعلم .

فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، ثنا محمد بن طلحة ، ثنا الحكم بن عتيبة ، عن عبد الله بن شداد ، عن أسماء بنت عميس قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر فقال : " لا تحدي بعد يومك هذا فإنه من أفراد أحمد أيضا ، وإسناده لا بأس به ، ولكنه مشكل إن حمل على ظاهره ، لأنه قد ثبت في " الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميتها أكثر من ثلاثة أيام ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا فإن كان ما رواه الإمام أحمد محفوظا ، فتكون مخصوصة بذلك ، أو هو أمر بالمبالغة في الإحداد هذه الثلاثة أيام كما تقدم . والله أعلم .

قلت : ورثت أسماء بنت عميس زوجها بقصيدة تقول فيها :


فآليت لا تنفك نفسي حزينة عليك ولا ينفك جلدي أغبرا     فلله عينا من رأى مثله فتى
أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
ثم لم تنشب أن انقضت عدتها ، فخطبها أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، فتزوجها ، فأولم ، وجاء الناس للوليمة ، فكان فيهم علي بن أبي طالب [ ص: 445 ] ، فلما ذهب الناس استأذن علي أبا بكر ، رضي الله عنهما ، في أن يكلم أسماء من وراء الستر ، فأذن له ، فلما اقترب من الستر نفحه ريح طيبها ، فقال لها علي ، على وجه البسط : من القائلة في شعرها :


فآليت لا تنفك نفسي حزينة     عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
قالت : دعنا منك يا أبا الحسن ، فإنك امرؤ فيك دعابة . فولدت للصديق محمد بن أبي بكر ، ولدته بالشجرة بين مكة والمدينة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ذاهب إلى حجة الوداع ، فأمرها أن تغتسل وتهل ، وسيأتي في موضعه ، ثم لما توفي الصديق ، تزوجها بعده علي بن أبي طالب ، وولدت له أولادا ، رضي الله عنه وعنها وعنهم أجمعين .       ============================                       فصل استقبال رسول الله عبد الله بن جعفر

قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير قال : فلما دنوا من المدينة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، قال : ولقيهم الصبيان يشتدون ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة ، فقال : " خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر " . فأتي بعبد الله بن جعفر ، فأخذه فحمله بين يديه . قال : وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون : يا فرار ، فررتم في سبيل الله ؟! قال : فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليسوا بالفرار ، ولكنهم الكرار إن شاء الله وهذا مرسل [ ص: 446 ] .

وقد قال الإمام أحمد : ثنا أبو معاوية ، ثنا عاصم ، عن مورق العجلي ، عن عبد الله بن جعفر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقي بالصبيان من أهل بيته ، وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه . قال : فحملني بين يديه . قال : ثم جيء بأحد ابني فاطمة ، إما حسن وإما حسين ، فأردفه خلفه ، فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة وقد رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عاصم الأحول ، عن مورق به .

وقال الإمام أحمد : ثنا روح ، حدثنا ابن جريج ، ثنا جعفر بن خالد بن سارة ، أن أباه أخبره أن عبد الله بن جعفر قال : لو رأيتني وقثم وعبيد الله ابني العباس ونحن صبيان نلعب ، إذ مر النبي صلى الله عليه وسلم على دابة فقال : " ارفعوا هذا إلي " . فحملني أمامه وقال لقثم : " ارفعوا هذا إلي " . فجعله وراءه ، وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم ، فما استحى من عمه أن حمل قثم وتركه . قال : ثم مسح على رأسي ثلاثا . وقال كلما مسح : " اللهم اخلف جعفرا في ولده قال : قلت لعبد الله : ما فعل قثم ؟ قال : استشهد . قال : قلت : الله ورسوله أعلم بالخير . قال : أجل . ورواه النسائي في " اليوم والليلة " من حديث ابن جريج ، به [ ص: 447 ] .

وهذا كان بعد الفتح ، فإن العباس إنما قدم المدينة بعد الفتح ، فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد : ثنا إسماعيل ، ثنا حبيب بن الشهيد ، عن عبد الله بن أبي مليكة ، قال : قال عبد الله بن جعفر لابن الزبير : أتذكر إذ تلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأنت وابن عباس ؟ قال : نعم . فحملنا وتركك .

هكذا رأيته في المسند ، وكأنه غلط في النسخة ، فإنه من مسند عبد الله بن جعفر ، فصوابه : قال عبد الله بن الزبير لعبد الله بن جعفر : أتذكر إذ تلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأنت وابن عباس ؟ قال : نعم ، فحملنا وتركك . وبهذا اللفظ أخرجه البخاري ، ومسلم من حديث حبيب بن الشهيد ، وهذا يعد من الأجوبة المسكتة ، ويروى أن عبد الله بن عباس أجاب به ابن الزبير أيضا ، وهذه القصة قصة أخرى كانت بعد الفتح ، كما قدمنا بيانه . والله أعلم .                فصل في فضل هؤلاء الأمراء الثلاثة زيد وجعفر وعبد الله ، رضي الله عنهم

أما زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة الكلبي القضاعي ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن أمه ذهبت تزور أهلها ، فأغارت عليهم خيل بلقين فأخذوه ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد . وقيل : اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ، فوهبته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة ، فوجده أبوه ، فاختار المقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعتقه وتبناه ، فكان يقال له : زيد بن محمد . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبا شديدا ، وكان أول من أسلم من الموالي ، ونزل فيه آيات من القرآن ، منها قوله تعالى : وما جعل أدعياءكم أبناءكم ( الأحزاب : 4 ) وقوله تعالى : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ( الأحزاب : 5 ) وقوله تعالى : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ( الأحزاب : 40 ) وقوله : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها [ ص: 449 ] الآية ( الأحزاب : 37 ) . أجمعوا أن هذه الآيات أنزلت فيه ، ومعنى أنعم الله عليه أي بالإسلام ، وأنعمت عليه أي بالعتق ، وقد تكلمنا عليها في " التفسير " .

والمقصود أن الله تعالى لم يسم أحدا من الصحابة في القرآن غيره ، وهداه إلى الإسلام ، وأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزوجه مولاته أم أيمن ، واسمها بركة ، فولدت له أسامة بن زيد ، فكان يقال له : الحب بن الحب ، ثم زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش ، وآخى بينه وبين عمه حمزة بن عبد المطلب ، وقدمه في الإمرة على ابن عمه جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة ، كما ذكرناه .

وقد قال الإمام أحمد ، والإمام الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة - وهذا لفظه - : ثنا محمد بن عبيد ، عن وائل بن داود ، سمعت البهي يحدث أن عائشة كانت تقول : ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم ، ولو بقي بعده لاستخلفه . ورواه النسائي ، عن أحمد بن سليمان ، عن محمد بن عبيد الطنافسي ، به . وهذا إسناد جيد قوي على شرط الصحيح ، وهو غريب جدا . والله أعلم [ ص: 450 ] .

وقال الإمام أحمد : ثنا سليمان ، ثنا إسماعيل ، أخبرني ابن دينار ، عن ابن عمر ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا ، وأمر عليهم أسامة بن زيد ، فطعن بعض الناس في إمرته ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل ، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إلي ، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده .

وأخرجاه في " الصحيحين " عن قتيبة ، عن إسماعيل - هو ابن جعفر بن أبي كثير المدني - عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر فذكره . ورواه البخاري من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه . ورواه البزار من حديث عاصم بن عمر ، عن عبيد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، ثم استغربه من هذا الوجه .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : ثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد ، حدثني أبي ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : لما أصيب زيد بن حارثة ، جيء بأسامة بن زيد ، فأوقف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخر ، ثم عاد من الغد فوقف بين يديه فقال : " ألاقي منك اليوم ما لقيت منك أمس وهذا الحديث فيه غرابة . والله أعلم [ ص: 451 ] .

وقد تقدم في " الصحيحين " أنه لما ذكر مصابهم وهو ، عليه الصلاة والسلام ، فوق المنبر ، جعل يقول : " أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب ، ثم أخذها سيف من سيوف الله ففتح الله عليهم " . قال : وإن عينيه لتذرفان . وقال : " وما يسرهم أنهم عندنا وفي الحديث الآخر أنه شهد لهم بالشهادة ، فهم ممن يقطع لهم بالجنة .

وقد قال حسان بن ثابت يرثي زيد بن حارثة وابن رواحة :


عين جودي بدمعك المنزور واذكري في الرخاء أهل القبور     واذكري مؤتة وما كان فيها
يوم راحوا في وقعة التغوير     حين راحوا وغادروا ثم زيدا
نعم مأوى الضريك والمأسور     حب خير الأنام طرا جميعا
سيد الناس حبه في الصدور     ذاكم أحمد الذي لا سواه
ذاك حزني له معا وسروري [ ص: 452 ]     إن زيدا قد كان منا بأمر
ليس أمر المكذب المغرور     ثم جودي للخزرجي بدمع
سيدا كان ثم غير نزور     قد أتانا من قتلهم ما كفانا
فبحزن نبيت غير سرور
وأما جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أكبر من أخيه علي بعشر سنين ، وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين ، وكان طالب أسن من عقيل بعشر سنين ، أسلم جعفر قديما ، وهاجر إلى الحبشة ، وكانت له هنالك مواقف مشهورة ، ومقامات محمودة ، وأجوبة سديدة ، وأحوال رشيدة ، وقد قدمنا ذلك في هجرة الحبشة ، ولله الحمد . وقد قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر فقال عليه الصلاة والسلام : ما أدري بأيهما أنا أسر ، أبقدوم جعفر ، أم بفتح خيبر ؟ وقام إليه واعتنقه وقبل بين عينيه ، وقال له يوم خرجوا من عمرة القضية : أشبهت خلقي وخلقي فيقال : إنه حجل عند ذلك فرحا . كما تقدم ذلك في موضعه . ولله الحمد والمنة . ولما بعثه إلى مؤتة جعله في الإمرة مصليا - أي ثانيا - لزيد بن حارثة ، ولما قتل وجدوا فيه بضعا وتسعين ما بين ضربة بسيف ، وطعنة برمح ، ورمية بسهم ، وهو في ذلك كله مقبل غير مدبر ، وكانت قد [ ص: 453 ] قطعت يده اليمنى ثم اليسرى وهو ممسك اللواء ، فلما فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك . فيقال : إن رجلا من الروم ضربه بسيف فقطعه باثنتين . رضي الله عن جعفر ولعن قاتله ، وقد أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه شهيد ، فهو ممن يقطع له بالجنة . وجاء في الأحاديث تسميته بذي الجناحين .

وروى البخاري ، عن ابن عمر أنه كان إذا سلم على ابنه عبد الله بن جعفر يقول : السلام عليك يا ابن ذي الجناحين . وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب نفسه ، والصحيح ما في " الصحيح " عن ابن عمر . قالوا : لأن الله تعالى عوضه عن يديه بجناحين في الجنة . وقد تقدم بعض ما روي في ذلك .=================

قال الحافظ أبو عيسى الترمذي : حدثنا علي بن حجر ، ثنا عبد الله بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة وتقدم في حديث أنه ، رضي الله عنه قتل وعمره ثلاث وثلاثون سنة . وقال ابن الأثير في " الغابة " : كان عمره يوم قتل إحدى وأربعين سنة . قال : وقيل غير ذلك .

قلت : وعلى ما قيل : إنه كان أسن من علي بعشر سنين يقتضي أن [ ص: 454 ] عمره يوم قتل تسع وثلاثون سنة ، لأن عليا أسلم وهو ابن ثمان سنين على المشهور ، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة ، وهاجر وعمره إحدى وعشرين سنة ، ويوم مؤتة كان في سنة ثمان من الهجرة . والله أعلم . وقد كان يقال لجعفر بعد قتله : الطيار . لما ذكرنا ، وكان كريما جوادا ممدحا ، وكان لكرمه يقال له في حياته : أبو المساكين لإحسانه إليهم .

قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا وهيب ، ثنا خالد ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة قال : ما احتذى النعال ولا انتعل ، ولا ركب المطايا ، ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب . وهذا إسناد جيد إلى أبي هريرة ، وكأنه إنما يفضله في الكرم ، فأما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه ، وأما أخوه علي ، رضي الله عنهما ، فالظاهر أنهما متكافئان ، أو علي أفضل منه .

وإنما أراد أبو هريرة تفضيله في الكرم ، بدليل ما رواه البخاري ، ثنا أحمد بن أبي بكر ، ثنا محمد بن إبراهيم بن دينار أبو عبد الله الجهني ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة أن الناس كانوا يقولون : أكثر أبو هريرة وإني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني حين لا آكل الخمير ، ولا ألبس الحرير ، ولا يخدمني فلان وفلانة ، وكنت ألصق بطني بالحصباء من [ ص: 455 ] الجوع ، وإني كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي ، كي ينقلب بي فيطعمني ، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب ، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته ، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها . تفرد به البخاري .

وقال حسان بن ثابت يرثي جعفرا :


ولقد بكيت وعز مهلك جعفر     حب النبي على البرية كلها
ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي     من للجلاد لدى العقاب وظلها
بالبيض حين تسل من أغمادها     ضربا وإنهال الرماح وعلها
بعد ابن فاطمة المبارك جعفر     خير البرية كلها وأجلها
رزءا وأكرمها جميعا محتدا     وأعزها متظلما وأذلها
للحق حين ينوب غير تنحل     كذبا وأنداها يدا وأقلها
فحشا وأكثرها إذا ما يجتدى     فضلا وأبذلها ندى وأبلها [ ص: 456 ]
بالعرف غير محمد لا مثله     حي من احياء البرية كلها
وأما ابن رواحة ، فهو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج أبو محمد - ويقال : أبو رواحة . ويقال : أبو عمرو - الأنصاري الخزرجي ، وهو خال النعمان بن بشير ، أخته عمرة بنت رواحة ، أسلم قديما وشهد العقبة ، وكان أحد النقباء ليلتئذ لبني الحارث بن الخزرج ، وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر ، وكان يبعثه صلى الله عليه وسلم على خرصها كما قدمنا ، وشهد عمرة القضاء ، ودخل يومئذ وهو ممسك بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقيل : بغرزها . يعني الركاب - وهو يقول :


خلوا بني الكفار عن سبيله
الأبيات ، كما تقدم . وكان أحد الأمراء الشهداء يوم مؤتة كما تقدم ، وقد شجع المسلمين للقاء الروم حين اشتوروا في ذلك ، وشجع نفسه أيضا حتى نزل بعدما قتل صاحباه ، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهادة ، فهو ممن يقطع له بدخول الجنة . ويروى أنه لما أنشد النبي صلى الله عليه وسلم شعره ، حين ودعه ، الذي يقول فيه :


فثبت الله ما آتاك من حسن     تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنت فثبتك الله قال هشام بن عروة : فثبته الله حتى قتل شهيدا ودخل الجنة [ ص: 457 ] .

وروى حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، أن عبد الله بن رواحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسمعه يقول : " اجلسوا " . فجلس مكانه خارجا من المسجد ، حتى فرغ النبي من خطبته ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " زادك الله حرصا على طواعية الله وطواعية رسوله .

وقال البخاري في " صحيحه " : وقال معاذ : اجلس بنا نؤمن ساعة .

وقد ورد الحديث المرفوع في ذلك ، عن عبد الله بن رواحة بنحو ذلك ، فقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، عن عمارة ، عن زياد النميري ، عن أنس قال : كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول : تعال نؤمن بربنا ساعة . فقال ذات يوم لرجل ، فغضب الرجل فجاء فقال : يا رسول الله ، ألا ترى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يرحم الله ابن رواحة ، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة وهذا حديث غريب جدا .

وقال البيهقي : ثنا الحاكم ، ثنا أبو بكر ، ثنا محمد بن أيوب ، ثنا أحمد [ ص: 458 ] بن يونس ، ثنا شيخ من أهل المدينة ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن رواحة قال لصاحب له : تعال حتى نؤمن ساعة . قال : أولسنا بمؤمنين ؟ قال : بلى ، ولكنا نذكر الله فنزداد إيمانا .

وقد روى الحافظ أبو القاسم اللالكائي ، من حديث أبي اليمان ، عن صفوان بن سليم ، عن شريح بن عبيد ، أن عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول : قم بنا نؤمن ساعة فنجلس في مجلس ذكر . وهذا مرسل من هذين الوجهين ، وقد استقصينا الكلام على ذلك في أول " شرح البخاري " . ولله الحمد والمنة .

وفي " صحيح البخاري " عن أبي الدرداء قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في حر شديد ، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة رضي الله عنه وقد كان من شعراء الصحابة المشهورين ، ومما نقله البخاري من شعره قوله في رسول الله صلى الله عليه وسلم :


وفينا رسول الله يتلو كتابه     إذا انشق معروف من الفجر ساطع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه     إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا     به موقنات أن ما قال واقع [ ص: 459 ]
وقال البخاري : حدثنا عمران بن ميسرة ، ثنا محمد بن فضيل ، عن حصين ، عن عامر ، عن النعمان بن بشير قال : أغمي على عبد الله بن رواحة ، فجعلت أخته عمرة تبكي : واجبلاه ، واكذا ، واكذا . تعدد عليه ، فقال حين أفاق : ما قلت شيئا إلا قيل لي : أنت كذلك ؟ !

حدثنا قتيبة ، ثنا عبثر ، عن حصين ، عن الشعبي ، عن النعمان بن بشير قال : أغمي على عبد الله بن رواحة ، بهذا ، فلما مات لم تبك عليه .

وقد قدمنا ما رثاه به حسان بن ثابت مع غيره .

وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من مؤتة مع من رجع ، رضي الله عنهم :


كفى حزنا أني رجعت وجعفر     وزيد وعبد الله في رمس أقبر
قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم     وخلفت للبلوى مع المتغبر
وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية ما رثي به هؤلاء الأمراء الثلاثة من شعر حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، رضي الله عنهما وأرضاهما .=====================================           حديث فيه فضيلة عظيمة لأمراء هذه السرية

وهم ، زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن رواحة ، رضي الله عنهم .

قال الإمام العالم الحافظ أبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازي ، نضر الله وجهه ، في كتابه " دلائل النبوة " - وهو كتاب جليل - : حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي ، ثنا الوليد ، ثنا ابن جابر ، ( ح ) وحدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ، ثنا الوليد وعمرو - يعني ابن عبد الواحد - قالا : ثنا ابن جابر ، سمعت سليم بن عامر الخبائري يقول : أخبرني أبو أمامة الباهلي ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان ، فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلا وعرا فقالا : اصعد . فقلت : لا أطيقه . فقالا : إنا سنسهله لك . قال : فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة ، فقلت : ما هؤلاء الأصوات ؟ فقالا : عواء أهل النار . ثم انطلقا بي ، فإذا [ ص: 463 ] بقوم معلقين بعراقيبهم ، مشققة أشداقهم ، تسيل أشداقهم دما ، فقلت : ما هؤلاء ؟ فقالا : هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم " . فقال : خابت اليهود والنصارى . قال سليم : لا أدري أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم من رأيه " ثم انطلقا بي ، فإذا قوم أشد شيء انتفاخا ، وأنتن شيء ريحا ، كأن ريحهم المراحيض ، قلت : من هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء قتلى الكفار . ثم انطلقا بي ، فإذا بقوم أشد شيء انتفاخا ، وأنتن شيء ريحا ، كأن ريحهم المراحيض . قلت : من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الزانون والزواني . ثم انطلقا بي ، فإذا بنساء تنهش ثديهن الحيات ، فقلت : ما بال هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهن ألبانهن . ثم انطلقا بي ، فإذا بغلمان يلعبون بين بحرين ، قلت : من هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء ذراري المؤمنين . ثم أشرفا بي شرفا ، فإذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم ، فقلت : من هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء جعفر بن أبي طالب ، وزيد بن حارثة ، وعبد الله بن رواحة . ثم أشرفا بي شرفا آخر ، فإذا أنا بنفر ثلاثة ، فقلت : من هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء إبراهيم ، وموسى ، وعيسى عليهم السلام ، وهم ينتظرونك .
وكان مما بكي به أصحاب مؤتة قول حسان :


تأوبني ليل بيثرب أعسر وهم إذا ما نوم الناس مسهر     لذكرى حبيب هيجت لي عبرة
سفوحا وأسباب البكاء التذكر     بلى إن فقدان الحبيب بلية
وكم من كريم يبتلى ثم يصبر     رأيت خيار المسلمين تواردوا
شعوبا وخلفا بعدهم يتأخر     فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا
بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر     وزيد وعبد الله حين تتابعوا
جميعا وأسباب المنية تخطر     غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم
إلى الموت ميمون النقيبة أزهر [ ص: 465 ]     أغر كضوء البدر من آل هاشم
أبي إذا سيم الظلامة مجسر     فطاعن حتى مال غير موسد
بمعترك فيه القنا متكسر     فصار مع المستشهدين ثوابه
جنان وملتف الحدائق أخضر     وكنا نرى في جعفر من محمد
وفاء وأمرا حازما حين يأمر     وما زال في الإسلام من آل هاشم
دعائم عز لا يزلن ومفخر     هم جبل الإسلام والناس حولهم
رضام إلى طود يروق ويقهر     بهاليل منهم جعفر وابن أمه
علي ومنهم أحمد المتخير     وحمزة والعباس منهم ومنهم
عقيل وماء العود من حيث يعصر     بهم تفرج اللأواء في كل مأزق
عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر     هم أولياء الله أنزل حكمه
عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهر
وقال كعب بن مالك ، رضي الله عنه [ ص: 466 ] :


نام العيون ودمع عينك يهمل     سحا كما وكف الطباب المخضل
في ليلة وردت علي همومها     طورا أحن وتارة أتململ
واعتادني حزن فبت كأنني     ببنات نعش والسماك موكل
وكأنما بين الجوانح والحشا     مما تأوبني شهاب مدخل
وجدا على النفر الذين تتابعوا     يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا
صلى الإله عليهم من فتية     وسقى عظامهم الغمام المسبل
صبروا بمؤتة للإله نفوسهم     حذر الردى ومخافة أن ينكلوا
فمضوا أمام المسلمين كأنهم     فنق عليهن الحديد المرفل
إذ يهتدون بجعفر ولوائه     قدام أولهم فنعم الأول
حتى تفرجت الصفوف وجعفر     حيث التقى وعث الصفوف مجدل [ ص: 467 ]
فتغير القمر المنير لفقده     والشمس قد كسفت وكادت تأفل
قرم علا بنيانه من هاشم     فرعا أشم وسؤددا ما ينقل
قوم بهم عصم الإله عباده     وعليهم نزل الكتاب المنزل
فضلوا المعاشر عزة وتكرما     وتغمدت أحلامهم من يجهل
لا يطلقون إلى السفاه حباهم     ويرى خطيبهم بحق يفصل
بيض الوجوه ترى بطون أكفهم     تندى إذا اعتذر الزمان الممحل
وبهديهم رضي الإله لخلقه     وبجدهم نصر النبي المرسل

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015

 سرية أبي بكر الصديق إلى بني فزارة ==سرية عبد الله بن رواحة إلى يسير بن رزام اليهودي==سرية أبي حدرد إلى الغابة==سرية عبد الله بن حذافة السهمي == سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم == رد زينب بنت رسول الله على زوجها أبي العاص
== رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع
إظ===========قال الحافظ أبو بكر البيهقي في " الدلائل " : جماع أبواب السرايا التي تذكر بعد فتح خيبر وقبل عمرة القضية ، وإن كان تاريخ بعضها ليس بالواضح عند أهل المغازي . سرية أبي بكر الصديق إلى بني فزارة

قال الإمام أحمد : حدثنا بهز ، ثنا عكرمة بن عمار ، ثنا إياس بن سلمة ، حدثني أبي قال : خرجنا مع أبي بكر بن أبي قحافة ، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا ، فغزونا بني فزارة ، فلما دنونا من الماء ، أمرنا أبو بكر فعرسنا ، فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننا الغارة ، فقتلنا على الماء من قتلنا . قال سلمة : ثم نظرت إلى عنق من الناس فيه من الذرية والنساء ، نحو الجبل وأنا أعدو في آثارهم ، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل ، فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل . قال : فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر حتى أتيته على الماء ، وفيهم امرأة من فزارة عليها قشع من أدم ، ومعها ابنة لها من أحسن العرب . قال : فنفلني أبو بكر بنتها . قال : فما كشفت لها ثوبا حتى قدمت المدينة ، ثم بت فلم [ ص: 358 ] أكشف لها ثوبا . قال : فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق ، فقال لي : " يا سلمة هب لي المرأة " قال : فقلت : والله يا رسول الله لقد أعجبتني ، وما كشفت لها ثوبا . قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني ، حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال : " يا سلمة ، هب لي المرأة ، لله أبوك " . قال : فقلت : يا رسول الله ، والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا . وهي لك يا رسول الله . قال : فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ، وفي أيديهم أسارى من المسلمين ، ففداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة وقد رواه مسلم والبيهقي من حديث عكرمة بن عمار ، به . ============سرية عبد الله بن رواحة إلى يسير بن رزام اليهودي

ثم أورد من طريق ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، ومن طريق موسى بن عقبة ، عن الزهري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبا ، فيهم عبد الله بن أنيس ، إلى يسير بن رزام اليهودي ، حتى أتوه بخيبر ، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجمع غطفان ليغزوه بهم ، فأتوه فقالوا : أرسلنا إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعملك على خيبر فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلا ، مع كل رجل منهم رديف من المسلمين ، فلما بلغوا قرقرة ثبار ، وهي من خيبر على ستة أميال ، ندم يسير بن رزام ، فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن أنيس ، ففطن له عبد الله بن أنيس ، فزجر بعيره ، ثم اقتحم يسوق بالقوم ، حتى إذا استمكن من يسير ، ضرب رجله فقطعها ، [ ص: 360 ] واقتحم يسير وفي يده مخرش من شوحط ، فضرب به وجه عبد الله بن أنيس ، فشجه شجة مأمومة ، وانكفأ كل رجل من المسلمين على رديفه فقتله ، غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شدا ، ولم يصب من المسلمين أحد ، وبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في شجة عبد الله بن أنيس ، فلم تقح ولم تؤذه حتى مات .                                          ===========سرية أبي حدرد إلى الغابة

قال يونس ، عن محمد بن إسحاق : كان من حديث قصة أبي حدرد [ ص: 365 ] وغزوته إلى الغابة ما حدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم ، عن أبي حدرد قال : تزوجت امرأة من قومي فأصدقتها مائتي درهم . قال : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على نكاحي فقال : " كم أصدقت ؟ " فقلت : مائتي درهم . فقال : " سبحان الله! والله لو كنتم تأخذونها من واد ما زاد ، والله ما عندي ما أعينك به " . فلبثت أياما ، ثم أقبل رجل من جشم بن معاوية يقال له : رفاعة بن قيس ، أو قيس بن رفاعة . في بطن عظيم من جشم ، حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة ، يريد أن يجمع قيسا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ذا اسم وشرف في جشم . قال : فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين من المسلمين فقال : " اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم " . وقدم لنا شارفا عجفاء ، فحمل عليه أحدنا ، فوالله ما قامت به ضعفا ، حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم ، حتى استقلت وما كادت ، وقال : " تبلغوا على هذه " فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف ، حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر مع غروب الشمس ، فكمنت في ناحية ، وأمرت صاحبي فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم ، وقلت لهما : إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في العسكر فكبرا وشدا معي . فوالله إنا لكذلك ننتظر أن نرى غرة أو نرى شيئا ، وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء ، وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد ، فأبطأ عليهم وتخوفوا عليه ، فقام صاحبهم رفاعة بن قيس ، فأخذ [ ص: 366 ] سيفه فجعله في عنقه فقال : والله لأتيقنن أمر راعينا ، ولقد أصابه شر . فقال نفر ممن معه : والله لا تذهب ، نحن نكفيك . فقال : لا يذهب إلا أنا . قالوا : فنحن معك . فقال : والله لا يتبعني منكم أحد . وخرج حتى يمر بي ، فلما أمكنني نفحته بسهم ، فوضعته في فؤاده ، فوالله ما تكلم ، فوثبت إليه فاحتززت رأسه ، ثم شددت ناحية العسكر وكبرت ، وشد صاحباي وكبرا ، فوالله ما كان إلا النجاء ممن كان فيه ، عندك عندك ، بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم ، واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة ، فجئنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجئت برأسه أحمله معي ، فأعطاني من تلك الإبل ثلاثة عشر بعيرا في صداقي ، فجمعت إلي أهلي                                                                                        ============== سرية عبد الله بن حذافة السهمي

ثبت في " الصحيحين " من طريق الأعمش ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي بن أبي طالب قال : استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأنصار على سرية ، بعثهم وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا . قال : فأغضبوه في شيء فقال : اجمعوا لي حطبا . فجمعوا ، فقال : أوقدوا نارا ، فأوقدوا ، ثم قال : ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا ؟ قالوا : بلى . قال : فادخلوها . قال : فنظر بعضهم إلى بعض ، وقالوا : إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار . قال : فسكن غضبه وطفئت النار ، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له ، فقال : " لو دخلوها ما خرجوا منها ، إنما الطاعة في المعروف وهذه القصة ثابتة أيضا في " الصحيحين " من طريق يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وقد تكلمنا على هذه الآية بما فيه كفاية في " التفسير " ولله الحمد والمنة .
=================                                                                                                 فصل سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم

ذكر البيهقي هاهنا سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم ، ثم ساق بسنده عن الواقدي : حدثني محمد بن عبد الله بن مسلم ، عن الزهري قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرة القضية ، رجع في ذي الحجة من سنة سبع ، فبعث ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلا ، فخرج إلى بني سليم ، وكان عين بني سليم معه ، فلما فصل من المدينة ، خرج العين إلى قومه ، فحذرهم وأخبرهم ، فجمعوا جمعا كثيرا ، وجاءهم ابن أبي العوجاء والقوم معدون ، فلما أن رآهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا جمعهم ، دعوهم إلى الإسلام ، فرشقوهم بالنبل ولم يسمعوا قولهم ، وقالوا : لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه ، فرموهم ساعة ، وجعلت الأمداد تأتي ، حتى أحدقوا بهم من كل جانب ، فقاتل القوم قتالا شديدا ، حتى قتل عامتهم ، وأصيب ابن أبي العوجاء بجراحات كثيرة ، فتحامل حتى رجع إلى المدينة بمن بقي معه من أصحابه في أول يوم من شهر صفر سنة ثمان .==============================فصل رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على زوجها

قال الواقدي : في المحرم من هذه السنة - يعني سنة سبع - رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع - وقد قدمنا الكلام على ذلك - وفيها قدم حاطب بن أبي بلتعة من عند المقوقس ومعه مارية وسيرين ، وقد أسلمتا في الطريق ، وغلام خصي . قال الواقدي : وفيها اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منبره درجتين ومقعده . قال : والثبت عندنا أنه عمل في سنة ثمان ========فصل سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم

ذكر البيهقي هاهنا سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم ، ثم ساق بسنده عن الواقدي : حدثني محمد بن عبد الله بن مسلم ، عن الزهري قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرة القضية ، رجع في ذي الحجة من سنة سبع ، فبعث ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلا ، فخرج إلى بني سليم ، وكان عين بني سليم معه ، فلما فصل من المدينة ، خرج العين إلى قومه ، فحذرهم وأخبرهم ، فجمعوا جمعا كثيرا ، وجاءهم ابن أبي العوجاءوالقوم معدون ، فلما أن رآهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا جمعهم ، دعوهم إلى الإسلام ، فرشقوهم بالنبل ولم يسمعوا قولهم ، وقالوا : لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه ، فرموهم ساعة ، وجعلت الأمداد تأتي ، حتى أحدقوا بهم من كل جانب ، فقاتل القوم قتالا شديدا ، حتى قتل عامتهم ، وأصيب ابن أبي العوجاء بجراحات كثيرة ، فتحامل حتى رجع إلى المدينة بمن بقي معه من أصحابه في أول يوم من شهر صفر سنة ثمان .=============================


    سرية عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، إلى تربة من أرض هوازن ، وراء مكة بأربعة أميال==سرية أخرى مع بشير بن سعد == السرية التي قتل فيها محلم بن جثامة عامر بن الأضبط===============

ثم أورد البيهقي من طريق الواقدي بأسانيده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، في ثلاثين راكبا ، ومعه دليل من بني هلال ، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار ، فلما انتهوا إلى بلادهم هربوا منهم ، وكر عمر راجعا إلى المدينة ، فقيل له : هل لك في قتال خثعم ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرني إلا بقتال هوازن في أرضهم . =============================سرية أخرى مع بشير بن سعد

روى من طريق الواقدي بإسناده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بشير بن سعد في ثلاثين راكبا إلى بني مرة في أرض فدك ، فاستاق نعمهم ، فقاتلوه وقتلوا عامة من معه ، وصبر هو يومئذ صبرا عظيما ، وقاتل قتالا شديدا ، ثم لجأ إلى فدك ، فبات بها عند رجل من اليهود ، ثم كر راجعا إلى المدينة .

قال الواقدي : ثم بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله ومعه جماعة من كبار الصحابة ، فذكر منهم أسامة بن زيد ، وأبا مسعود البدري ، وكعب بن عجرة ، ثم ذكر مقتل أسامة بن زيد لمرداس بن نهيك حليف بني مرة ، وقوله حين علاه بالسيف : لا إله إلا الله . وأن الصحابة لاموه على [ ص: 361 ] ذلك حتى سقط في يده وندم على ما فعل . وقد ذكر هذه القصة يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، عن شيخ من بني سلمة ، عن رجال من قومه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غالب بن عبد الله الكلبي إلى أرض بني مرة ، فأصاب مرداس بن نهيك حليفا لهم من الحرقة ، قال : فقتله أسامة .

قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة ، عن أبيه ، عن جده أسامة بن زيد قال : أدركته أنا ورجل من الأنصار - يعني مرداس بن نهيك - فلما شهرنا عليه السلاح قال : أشهد أن لا إله إلا الله . فلم ننزع عنه حتى قتلناه ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه ، فقال : " يا أسامة ، من لك بلا إله إلا الله ؟ " فقلت : يا رسول الله ، إنما قالها تعوذا من القتل . قال : " فمن لك يا أسامة بلا إله إلا الله ؟ " فوالذي بعثه بالحق ما زال يرددها علي حتى تمنيت أن ما مضى من إسلامي لم يكن ، وأني أسلمت يومئذ ولم أقتله . فقلت : إني أعطي الله عهدا أن لا أقتل رجلا يقول لا إله إلا الله أبدا . فقال : " بعدي يا أسامة " . فقلت : بعدك .

قال الإمام أحمد : حدثنا هشيم بن بشير ، أنبأنا حصين ، عن أبي ظبيان قال : سمعت أسامة بن زيد يحدث قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة . قال : فصبحناهم ، وكان منهم رجل إذا أقبل القوم كان من أشدهم [ ص: 362 ] علينا ، وإذا أدبروا كان حاميتهم . قال : فغشيته أنا ورجل من الأنصار ، فلما تغشيناه قال : لا إله إلا الله . فكف عنه الأنصاري وقتلته ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " يا أسامة ، أقتلته بعد ما قال : لا إله إلا الله ؟ " قال : قلت : يا رسول الله ، إنما كان متعوذا من القتل . قال : فكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ وأخرجه البخاري ومسلم من حديث هشيم به نحوه .

وقال ابن إسحاق : حدثني يعقوب بن عتبة ، عن مسلم بن عبد الله الجهني ، عن جندب بن مكيث الجهني قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الكلبي ، كلب ليث ، إلى بني الملوح بالكديد ، وأمره أن يغير عليهم ، وكنت في سريته ، فمضينا حتى إذا كنا بالقديد ، لقينا الحارث بن مالك بن البرصاء الليثي ، فأخذناه فقال : إني إنما جئت لأسلم . فقال له غالب بن عبد الله : إن كنت إنما جئت لتسلم ، فلا يضرك رباط يوم وليلة ، وإن كنت على غير ذلك استوثقنا منك . قال : فأوثقه رباطا وخلف عليه رويجلا أسود كان معنا ، وقال : امكث معه حتى نمر عليك ، فإن نازعك فاحتز رأسه . ومضينا حتى أتينا بطن الكديد ، فنزلنا عشية بعد العصر ، فبعثني أصحابي إليه ، فعمدت إلى تل يطلعني على الحاضر فانبطحت عليه ، وذلك قبل غروب الشمس ، فخرج [ ص: 363 ] رجل منهم ، فنظر فرآني منبطحا على التل ، فقال لامرأته : إني لأرى سوادا على هذا التل ما رأيته في أول النهار ، فانظري لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك ؟ فنظرت فقالت : والله ما أفقد منها شيئا . قال : فناوليني قوسي وسهمين من نبلي . فناولته ، فرماني بسهم في جبيني - أو قال : في جنبي - فنزعته فوضعته ولم أتحرك ، ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبي ، فنزعته فوضعته ولم أتحرك ، فقال لامرأته : أما والله لقد خالطه سهماي ، ولو كان ربيئة لتحرك ، فإذا أصبحت فابتغي سهمي فخذيهما ، لا تمضغهما علي الكلاب .

قال : فأمهلنا ، حتى إذا راحت روايحهم ، وحتى احتلبوا وعطنوا وسكنوا ، وذهبت عتمة من الليل ، شننا عليهم الغارة فقتلنا واستقنا النعم ، ووجهنا قافلين به ، وخرج صريخ القوم إلى قومهم بقربنا . قال : وخرجنا سراعا حتى نمر بالحارث بن مالك بن البرصاء وصاحبه ، فانطلقنا به معنا ، وأتانا صريخ الناس ، فجاءنا ما لا قبل لنا به ، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي من قديد ، بعث الله من حيث شاء ماء ، ما رأينا قبل ذلك مطرا ولا حالا ، وجاء بما لا يقدر أحد أن يقدم عليه ، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا ، ما يقدر أحد منهم أن يقدم عليه ونحن نجد بها أو نحدوها - شك [ ص: 364 ] النفيلي - فذهبنا سراعا حتى أسندنا بها في المسلك ، ثم حدرنا عنه حتى أعجزنا القوم بما في أيدينا . وقد رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق ، فقال في روايته : عبد الله بن غالب . والصواب غالب بن عبد الله كما تقدم .

وذكر الواقدي هذه القصة بإسناد آخر ، وقال فيه : وكان معه من الصحابة مائة وثلاثون رجلا .

ثم ذكر البيهقي من طريق الواقدي سرية بشير بن سعد أيضا إلى ناحية خيبر ، فلقوا جمعا من العرب ، وغنموا نعما كثيرا ، وكان بعثه في هذه السرية بإشارة أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، وكان معه من المسلمين ثلاثمائة رجل ، ودليله حسيل بن نويرة ، وهو الذي كان دليل النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر . قاله الواقدي .                                                       ===================================السرية التي قتل فيها محلم بن جثامة عامر بن الأضبط قال ابن إسحاق : حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن ابن عبد الله بن أبي حدرد ، عن أبيه قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم في نفر [ ص: 367 ] من المسلمين منهم ، أبو قتادة الحارث بن ربعي ، ومحلم بن جثامة بن قيس ، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم ، مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له ، معه متيع له ، ووطب من لبن ، فسلم علينا بتحية الإسلام ، فأمسكنا عنه ، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينه وبينه ، وأخذ بعيره ومتيعه ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه الخبر ، فنزل فينا القرآن : يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا ( النساء : 94 ) وهكذا رواه الإمام أحمد ، عن يعقوب ، عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد ، عن أبيه فذكره .

قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر ، سمعت زياد بن ضميرة بن سعد الضمري يحدث عروة بن الزبير ، عن أبيه وجده ، قال [ ص: 368 ] - وكانا شهدا حنينا - قال : فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر ، فقام إلى ظل شجرة ، فقعد فيه ، فقام إليه عيينة بن بدر يطلب بدم عامر بن الأضبط الأشجعي ، وهو سيد قيس ، وجاء الأقرع بن حابس يرد عن محلم بن جثامة وهو سيد خندف ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوم عامر : " هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة ؟ " فقال عيينة بن بدر والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزن مثل ما أذاق نسائي . فقام رجل من بني ليث يقال له : ابن مكيتل . وهو قصد من الرجال ، فقال : يا رسول الله ، ما أجد لهذا القتيل مثلا في غرة الإسلام إلا كغنم وردت فرميت أولاها فنفرت أخراها ، اسنن اليوم وغير غدا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل لكم أن تأخذوا خمسين بعيرا الآن وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة ؟ " فلم يزل بهم حتى رضوا بالدية ، فقال قوم محلم بن جثامة : ائتوا به حتى يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فجاء رجل طوال ضرب اللحم ، في حلة قد تهيأ فيها للقتل ، فقام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم لا تغفر لمحلم " . قالها ثلاثا ، فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ثوبه قال محمد بن إسحاق : زعم قومه [ ص: 369 ] أنه استغفر له بعد ذلك . وهكذا رواه أبو داود من طريق حماد بن سلمة ، عن ابن إسحاق ورواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي خالد الأحمر ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر ، عن زيد بن ضميرة ، عن أبيه وعمه ، فذكر بعضه . والصواب كما رواه ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر ، عن زياد بن سعد بن ضميرة ، عن أبيه وجده . وهكذا رواه أبو داود من طريق ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، عن محمد بن جعفر ، عن زياد بن سعد بن ضميرة ، عن أبيه وجده ، بنحوه كما تقدم .

وقال ابن إسحاق : حدثني سالم أبو النضر أنه قال : لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس فخلا بهم وقال : يا معشر قيس ، سألكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه ، أفأمنتم أن يغضب عليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغضب الله لغضبه ، أو يلعنكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلعنكم الله بلعنته لكم ، والله لتسلمنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآتين بخمسين من بني تميم كلهم يشهدون أن القتيل كافر ما صلى قط ، فلأطلن دمه . فلما قال ذلك لهم ، أخذوا الدية . وهذا منقطع معضل . [ ص: 370 ]

وقد روى ابن إسحاق ، عمن لا يتهم ، عن الحسن البصري ، أن محلما لما جلس بين يديه ، عليه الصلاة والسلام ، قال له : " أمنته بالله ثم قتلته ؟! " ثم دعا عليه . قال الحسن : فوالله ما مكث محلم إلا سبعا حتى مات ، فلفظته الأرض ، ثم دفنوه ، فلفظته الأرض ، ثم دفنوه ، فلفظته الأرض ، فرضموا عليه من الحجارة حتى واروه ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إن الأرض لتطابق على من هو شر منه ، ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم بما أراكم منه .

وقال ابن جرير : ثنا وكيع ، ثنا جرير ، عن ابن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، محلم بن جثامة مبعثا ، فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الإسلام - وكانت بينهم حنة في الجاهلية - فرماه محلم بسهم فقتله ، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتكلم فيه عيينة والأقرع ، فقال الأقرع : يا رسول الله ، سن اليوم وغير غدا . فقال عيينة : لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي . فجاء محلم في بردين ، فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا غفر الله لك " . [ ص: 371 ] فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه ، فما مضت له سابعة حتى مات ، فدفنوه فلفظته الأرض ، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له ، فقال : " إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ، ولكن الله أراد أن يعظكم من حرمتكم " . ثم طرحوه بين صدفي جبل ، فألقوا عليه من الحجارة ، ونزلت : يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا الآية وقد ذكره موسى بن عقبة ، عن الزهري ، ورواه شعيب ، عن الزهري ، عن عبد الله بن موهب ، عن قبيصة بن ذؤيب نحو هذه القصة ، إلا أنه لم يسم محلم بن جثامة ، ولا عامر بن الأضبط ، وكذلك رواه البيهقي عن الحسن البصري بنحو هذه القصة ، وقال : وفيه نزل قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا الآية .

قلت : وقد تكلمنا في سبب نزول هذه الآية ومعناها في " التفسير " بما فيه الكفاية ، ولله الحمد والمنة===========================عمرة القضاء=)ذكر خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة بعد قضاء عمرته
)))

ويقال : القصاص . ورجحه السهيلي . ويقال : عمرة القضية . فالأول قضاء عما كان أحصر عام الحديبية والثاني من قوله تعالى : والحرمات قصاص ( البقرة : 194 ) والثالث من المقاضاة التي كان قاضاهم عليها ، على أن يرجع عنهم عامه هذا ، ثم يأتي في العام القابل ، ولا يدخل مكة إلا في جلبان السلاح ، وأن لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام ، وهذه العمرة هي المذكورة في قوله تعالى في سورة " الفتح " المباركة : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون الآية ( الفتح : 27 ) . وقد تكلمنا عليها مستقصى في كتابنا " التفسير " بما فيه كفاية . وهي الموعود بها في قوله ، عليه الصلاة والسلام ، لعمر بن الخطاب حين قال له : ألم تكن تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : " بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا ؟ " قال : لا . قال : " فإنك آتيه ومطوف به وهي المشار إليها في قول عبد الله بن رواحة حين دخل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، يوم عمرة القضاء وهو يقول : [ ص: 374 ]


خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله     كما ضربناكم على تنزيله
أي هذا تأويل الرؤيا التي كان رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جاءت مثل فلق الصبح .

قال ابن إسحاق : فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى المدينة ، أقام بها شهري ربيع وجماديين ورجبا وشعبان وشهر رمضان وشوالا ، يبعث فيما بين ذلك سراياه ، ثم خرج من ذي القعدة ، في الشهر الذي صده فيه المشركون ، معتمرا عمرة القضاء ، مكان عمرته التي صدوه عنها - قالابن هشام : واستعمل على المدينة عويف بن الأضبط الدئلي - ويقال لها : عمرة القصاص ، لأنهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ست ، فاقتص رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ، فدخل مكة في ذي القعدة ، في الشهر الحرام الذي صدوه فيه من سنة سبع . بلغنا عن ابن عباس أنه قال : فأنزل الله تعالى في ذلك : والحرمات قصاص .

وقال معتمر بن سليمان ، عن أبيه في " مغازيه " : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر أقام بالمدينة وبعث سراياه ، حتى استهل ذي القعدة ، فنادى في الناس أن يتجهزوا للعمرة . فتجهزوا وخرجوا إلى مكة .

وقال ابن إسحاق : وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه في عمرته [ ص: 375 ] تلك ، وهي سنة سبع ، فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه ، وتحدثت قريش بينها أن محمدا وأصحابه في عسرة وجهد وشدة .

قال ابن إسحاق : فحدثني من لا أتهم ، عن عبد الله بن عباس قال : صفوا له عند دار الندوة ، لينظروا إليه وإلى أصحابه ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ، اضطبع بردائه ، وأخرج عضده اليمنى ، ثم قال : " رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة " . ثم استلم الركن ، وخرج يهرول ، ويهرول أصحابه معه ، حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليماني ، مشى حتى يستلم الركن الأسود ، ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها فكان ابن عباس يقول : كان الناس يظنون أنها ليست عليهم ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما صنعها لهذا الحي من قريش ، للذي بلغه عنهم ، حتى حج حجة الوداع ، فلزمها ، فمضت السنة بها .

وقال البخاري : ثنا سليمان بن حرب ، ثنا حماد ، هو ابن زيد ، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فقال المشركون : إنه يقدم عليكم وفد وهنهم حمى يثرب . [ ص: 376 ] فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، وأن يمشوا ما بين الركنين ، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم قال أبو عبد الله : وزاد ابن سلمة - يعني حماد بن سلمة - عن أيوب ، عن سعيد ، عن ابن عباس قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم لعامهم الذي استأمن قال : " ارملوا " . ليرى المشركون قوتهم ، والمشركون من قبل قعيقعان ورواه مسلم ، عن أبي الربيع الزهراني ، عن حماد بن زيد . وأسند البيهقي طريق حماد بن سلمة

وقال البخاري : ثنا علي بن عبد الله ، ثنا سفيان ، ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، سمع ابن أبي أوفى يقول : لما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سترناه من غلمان المشركين ومنهم ، أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وسيأتي بقية الكلام على هذا المقام .

قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة في تلك العمرة ، دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته يقول :

خلوا بني الكفار عن سبيله     خلوا فكل الخير في رسوله [ ص: 377 ]
يا رب إني مؤمن بقيله     أعرف حق الله في قبوله
نحن قتلناكم على تأويله     كما قتلناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله     ويذهل الخليل عن خليله
قال ابن هشام : نحن قتلناكم على تأويله . إلى آخر الأبيات لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم . يعني يوم صفين . قاله السهيلي . قال ابن هشام : والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين ، والمشركون لم يقروا بالتنزيل ، وإنما يقتل على التأويل من أقر بالتنزيل .

وفيما قاله ابن هشام نظر ، فإن الحافظ البيهقي روى من غير وجه ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أنس قال : لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء ، مشى عبد الله بن رواحة بين يديه - وفي رواية : وهو آخذ بغرزه - وهو يقول :


خلوا بني الكفار عن سبيله     قد نزل الرحمن في تنزيله
بأن خير القتل في سبيله     نحن قتلناكم على تأويله
وفي رواية بهذا الإسناد بعينه : [ ص: 378 ]


خلوا بني الكفار عن سبيله     اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله     ويذهل الخليل عن خليله
يا رب إني مؤمن بقيله
وقال يونس بن بكير ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام القضية مكة فطاف بالبيت على ناقته ، واستلم الركن بمحجنه - قال هشام : من غير علة - والمسلمون يشتدون حوله ، وعبد الله بن رواحة يقول :


بسم الذي لا دين إلا دينه     بسم الذي محمد رسوله
خلوا بني الكفار عن سبيله
قال موسى بن عقبة عن الزهري : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل من عام الحديبية معتمرا ، في ذي القعدة سنة سبع ، وهو الشهر الذي صده المشركون عن المسجد الحرام ، حتى إذا بلغ يأجج وضع الأداة كلها ، الحجف والمجان والرماح والنبل ، ودخلوا بسلاح الراكب ، السيوف ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة بنت الحارث [ ص: 379 ] العامرية ، فخطبها عليه ، فجعلت أمرها إلى العباس ، وكان تحته أختها أم الفضل بنت الحارث ، فزوجها العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أمر أصحابه فقال : " اكشفوا عن المناكب ، واسعوا في الطواف " . ليرى المشركون جلدهم وقوتهم ، وكان يكايدهم بكل ما استطاع ، فاستكف أهل مكة ، الرجال والنساء والصبيان ، ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وهم يطوفون بالبيت ، وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشحا بالسيف وهو يقول :


خلوا بني الكفار عن سبيله     أنا الشهيد أنه رسوله
قد أنزل الرحمن في تنزيله     في صحف تتلى على رسوله
فاليوم نضربكم على تأويله     كما ضربناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله     ويذهل الخليل عن خليله
قال : وتغيب رجال من أشراف المشركين أن ينظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، غيظا ، وحنقا ، ونفاسة ، وحسدا ، وخرجوا إلى الخندمة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وأقام ثلاث ليال ، وكان ذلك آخر القضية يوم الحديبية فلما أن أصبح من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو ، وحويطب بن عبد العزى ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة ، فصاح حويطب بن عبد العزى : نناشدك الله والعقد لما خرجت من أرضنا ، فقد مضت الثلاث . فقال سعد بن عبادة كذبت ، لا أم لك ، ليس بأرضك ولا [ ص: 380 ] بأرض آبائك ، والله لا يخرج . ثم نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيلا وحويطبا فقال : " إني قد نكحت فيكم امرأة ، فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها ، ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا ؟ " . فقالوا : نناشدك الله والعقد إلا خرجت عنا . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع فأذن بالرحيل ، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بطن سرف ، وأقام المسلمون ، وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع ليحمل ميمونة ، وأقام بسرف حتى قدمت عليه ميمونة ، وقد لقيت ميمونة ومن معها عناء وأذى من سفهاء المشركين ومن صبيانهم ، فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف ، فبنى بها ، ثم أدلج ، فسار حتى قدم المدينة وقدر الله أن يكون موت ميمونة بسرف بعد ذلك بحين ، فماتت حيث بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر قصة ابنة حمزة ، إلى أن قال : وأنزل الله عز وجل ، في تلك العمرة : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فاعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشهر الحرام الذي صد فيه ، وقد روى ابن لهيعة عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير نحوا من هذا السياق .

ولهذا السياق شواهد كثيرة من أحاديث متعددة ، ففي " صحيح البخاري " من طريق فليح بن سليمان ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا ، فحال كفار قريش بينه وبين البيت ، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية ، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل ، ولا يحمل سلاحا [ ص: 381 ] إلا سيوفا ، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا ، فاعتمر من العام المقبل ، فدخلها كما كان صالحهم ، فلما أن أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج .

وقال الواقدي : حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه ، عن ابن عمر قال : لم تكن هذه عمرة قضاء ، وإنما كانت شرطا على المسلمين أن يعتمروا من قابل ، في الشهر الذي صدهم فيه المشركون .

وقال أبو داود : ثنا النفيلي ، ثنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، سمعت أبا حاضر الحميري يحدث أبي ميمون بن مهران قال : خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة ، وبعث معي رجال من قومي بهدي . قال : فلما انتهينا إلى أهل الشام ، منعونا أن ندخل الحرم . قال : فنحرت الهدي مكاني ، ثم أحللت ، ثم رجعت ، فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي ، فأتيت ابن عباس فسألته ، فقال : أبدل الهدي ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء . تفرد به أبو داود من حديث أبي حاضر عثمان بن حاضر الحميري ، عن ابن عباس ، فذكره .

وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا الحاكم ، أنبأنا الأصم ، ثنا أحمد بن عبد الجبار ، ثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، حدثني عمرو بن ميمون قال : [ ص: 382 ] كان أبي يسأل كثيرا : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدل هديه الذي نحر ، حين صده المشركون عن البيت ؟ ولا يجد في ذلك شيئا ، حتى سمعته يسأل أبا حاضر الحميري عن ذلك ، فقال له : على الخبير سقطت ، حججت عام ابن الزبير في الحصر الأول ، فأهديت هديا ، فحالوا بيننا وبين البيت ، فنحرت في الحرم ، ورجعت إلى اليمن ، وقلت : لي برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة . فلما كان العام المقبل حججت ، فلقيت ابن عباس ، فسألته عما نحرت : علي بدله أم لا ؟ قال : نعم فأبدل ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أبدلوا الهدي الذي نحروا عام صدهم المشركون ، فأبدلوا ذلك في عمرة القضاء فعزت الإبل عليهم ، فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في البقر .

وقال الواقدي : حدثني غانم بن أبي غانم ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب الأسلمي على هديه ، يسير بالهدي أمامه ، يطلب الرعي في الشجر ، معه أربعة فتيان من أسلم ، وقد ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية ستين بدنة .

فحدثني محمد بن نعيم المجمر ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : كنت مع صاحب البدن أسوقها .

قال الواقدي : وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي والمسلمون معه يلبون ، ومضى محمد بن مسلمة بالخيل إلى مر الظهران ، فيجد بها نفرا من [ ص: 383 ] قريش ، فسألوا محمد بن مسلمة ، فقال : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله . ورأوا سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد ، فخرجوا سراعا حتى أتوا قريشا ، فأخبروهم بالذي رأوا من السلاح والخيل ، ففزعت قريش وقالوا : والله ما أحدثنا حدثا ، وإنا على كتابنا وهدنتنا ، ففيم يغزونا محمد في أصحابه ؟ ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران ، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح إلى بطن يأجج ، حيث ينظر إلى أنصاب الحرم ، وبعثت قريش مكرز بن حفص بن الأحنف في نفر من قريش ، حتى لقوه ببطن يأجج ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه والهدي والسلاح ، قد تلاحقوا ، فقالوا : يا محمد ، ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر ، تدخل بالسلاح في الحرم على قومك ، وقد شرطت لهم أن لا تدخل إلا بسلاح المسافر ، السيوف في القرب ؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني لا أدخل عليهم السلاح " . فقال مكرز بن حفص : هذا الذي تعرف به ، البر والوفاء . ثم رجع سريعا بأصحابه إلى مكة فقال : إن محمدا لا يدخل بسلاح ، وهو على الشرط الذي شرط لكم . فلما أن جاء مكرز بن حفص يخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، خرجت قريش من مكة إلى رءوس الجبال ، وخلوا مكة ، وقالوا : لا ننظر إليه ولا إلى أصحابه ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدي أمامه حتى حبس بذي طوى ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو على ناقته القصواء ، وهم محدقون به يلبون ، وهم متوشحون السيوف ، فلما انتهى إلى ذي طوى ، وقف على ناقته القصواء ، والمسلمون حوله ، ثم دخل من الثنية التي تطلعه على الحجون على راحلته القصواء ، وابن رواحة آخذ بزمامها ، وهو يرتجز [ ص: 384 ] بشعره ويقول :


خلوا بني الكفار عن سبيله
إلى آخره .

وفي " الصحيحين " من حديث ابن عباس قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة - يعني من ذي القعدة سنة سبع - فقال المشركون : إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتهم حمى يثرب . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، وأن يمشوا ما بين الركنين ، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم .

قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن الصباح ، ثنا إسماعيل ، يعني ابن زكريا ، عن عبد الله بن عثمان ، عن أبي الطفيل ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مر الظهران في عمرته ، بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشا تقول : ما يتباعثون من العجف . فقال أصحابه : لو انتحرنا من ظهرنا ، فأكلنا من لحمه ، وحسونا من مرقه ، أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة . فقال : " لا تفعلوا ، ولكن اجمعوا لي من أزوادكم " . [ ص: 385 ] فجمعوا له ، وبسطوا الأنطاع ، فأكلوا حتى تركوا ، وحثا كل واحد منهم في جرابه ، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد ، وقعدت قريش نحو الحجر ، فاضطبع بردائه ثم قال : " لا يرى القوم فيكم غميزة " . فاستلم الركن ثم رمل ، حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود فقالت قريش : ما يرضون بالمشي ، أما إنهم لينقزون نقز الظباء! ففعل ذلك ثلاثة أطواف ، فكانت سنة قال أبو الطفيل : وأخبرني ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في حجة الوداع . تفرد به أحمد من هذا الوجه .

قال أبو داود : ثنا أبو سلمة موسى ، ثنا حماد - يعني ابن سلمة - أنبأنا أبو عاصم الغنوي ، عن أبي الطفيل قال : قلت لابن عباس : يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمل بالبيت ، وأن ذلك سنة . فقال : صدقوا وكذبوا . قلت : ما صدقوا وما كذبوا ؟! قال : صدقوا ، رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبوا ليس بسنة ، إن قريشا زمن الحديبية قالت : دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف . فلما صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام ، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركون من قبل قعيقعان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " ارملوا بالبيت ثلاثا " . قال : وليس بسنة وقد رواه مسلم من [ ص: 386 ] حديث سعيد الجريري ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين ، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر ، ثلاثتهم عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، عن ابن عباس ، به نحوه .

وكون الرمل في الطواف سنة مذهب الجمهور ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل في عمرة القضاء ، وفي عمرة الجعرانة أيضا ، كما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن أبي الطفيل ، عن ابن عباس ، فذكره . وثبت في حديث جابر عند مسلم وغيره ، أنه صلى الله عليه وسلم رمل في حجة الوداع في الطواف . ولهذا قال عمر بن الخطاب : فيم الرملان وقد أطأ الله الإسلام ؟ ومع هذا لا نترك شيئا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم . وموضع تقرير هذا كتاب " الأحكام " .

وكان ابن عباس في المشهور عنه لا يرى ذلك سنة ، كما ثبت في " الصحيحين " من حديث سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار عن عطاء ، عن ابن عباس قال : إنما سعى النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت وبين الصفا والمروة ، ليري [ ص: 387 ] المشركين قوته . لفظ البخاري .

وقال الواقدي : لما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسكه في القضاء ، دخل البيت ، فلم يزل فيه حتى أذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك ، فقال عكرمة بن أبي جهل : لقد أكرم الله أبا الحكم حيث لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول . وقال صفوان بن أمية : الحمد لله الذي أذهب أبي قبل أن يرى هذا . وقال خالد بن أسيد : الحمد لله الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم ، حين يقوم بلال ابن أم بلال ينهق فوق الكعبة . وأما سهيل بن عمرو ورجال معه ، لما سمعوا بذلك غطوا وجوههم . قال الحافظ البيهقي : قد أكرم الله أكثرهم بالإسلام .

قلت : كذا ذكره البيهقي من طريق الواقدي ، أن هذا كان في عمرة القضاء . والمشهور أن ذلك كان في عام الفتح . والله أعلم .=================================                  ذكر خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة بعد قضاء عمرته

قد تقدم ما ذكره موسى بن عقبة ، أن قريشا بعثوا إليه حويطب بن عبد العزى بعد مضي أربعة أيام ليرحل عنهم ، كما وقع به الشرط ، فعرض عليهم أن يعمل وليمة عرسه بميمونة عندهم ، وإنما أراد تأليفهم بذلك ، فأبوا عليه وقالوا : بل اخرج عنا . فخرج . وكذلك ذكره ابن إسحاق

وقال البخاري : حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة ، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة ، حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة أيام ، فلما كتبوا الكتاب ، كتبوا : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله . قالوا : لا نقر بهذا ، لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا ، ولكن أنت محمد بن عبد الله . قال : " أنا رسول الله ، وأنا محمد بن عبد الله " . ثم قال لعلي بن أبي طالب : " امح رسول الله " . قال : لا والله لا أمحوك أبدا . فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب ، وليس يحسن يكتب ، فكتب : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ، لا يدخل مكة إلا السيف في القراب ، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه ، [ ص: 394 ] وأن لا يمنع من أصحابه أحدا أراد أن يقيم بها . فلما دخلها ومضى الأجل ، أتوا عليا فقالوا : قل لصاحبك : اخرج عنا ، فقد مضى الأجل ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته ابنة حمزة تنادي : يا عم ، يا عم . فتناولها علي فأخذ بيدها ، وقال لفاطمة : دونك ابنة عمك ، فحملتها ، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر ، فقال علي : أنا أخذتها وهي ابنة عمي . وقال جعفر : ابنة عمي ، وخالتها تحتي . وقال زيد : ابنة أخي . فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال : " الخالة بمنزلة الأم " . وقال لعلي : " أنت مني وأنا منك " . وقال لجعفر : " أشبهت خلقي وخلقي " وقال لزيد : " أنت أخونا ومولانا " . قال علي : ألا تتزوج ابنة حمزة ؟ قال : " إنها ابنة أخي من الرضاعة تفرد به البخاري من هذا الوجه .

وقد روى الواقدي قصة ابنة حمزة ، فقال : حدثني ابن أبي حبيبة ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن عمارة ابنة حمزة بن عبد المطلب ، وأمها سلمى بنت عميس ، كانت بمكة ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم علي بن أبي طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " علام نترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهراني المشركين ؟ فلم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن إخراجها ، فخرج بها ، فتكلم زيد بن حارثة وكان وصي حمزة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين ، فقال : أنا أحق بها ، ابنة أخي . فلما سمع بذلك جعفر قال : الخالة والدة ، وأنا أحق بها لمكان خالتها عندي أسماء بنت عميس وقال علي : ألا أراكم تختصمون! هي ابنة عمي ، وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين ، وليس [ ص: 395 ] لكم إليها سبب دوني ، وأنا أحق بها منكم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أنا أحكم بينكم ، أما أنت يا زيد فمولى الله ومولى رسول الله ، وأما أنت يا علي فأخي وصاحبي ، وأما أنت يا جعفر فتشبه خلقي وخلقي ، وأنت يا جعفر أولى بها ، تحتك خالتها ، ولا تنكح المرأة على خالتها ولا على عمتها " فقضى بها لجعفر .

قال الواقدي : فلما قضى بها لجعفر ، قام جعفر فحجل حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " ما هذا يا جعفر ؟ " فقال : يا رسول الله ، كان النجاشي إذا أرضى أحدا ، قام فحجل حوله . فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : تزوجها . فقال : " ابنة أخي من الرضاعة " . فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة بن أبي سلمة ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " هل جزيت سلمة ؟ .

قلت : لأنه ذكر الواقدي وغيره ، أنه هو الذي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمه أم سلمة ، لأنه كان أكبر من أخيه عمر بن أبي سلمة . والله أعلم .

قال ابن إسحاق : ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ذي [ ص: 396 ] الحجة ، وتولى المشركون تلك الحجة . قال ابن هشام : وأنزل الله في هذه العمرة ، فيما حدثني أبو عبيدة ، قوله تعالى : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ( الفتح : 27 ) يعني خيبر============================================== عمرة القضاء    » قصة تزويجه عليه الصلاة والسلام بميمونة
إظهار التشكيل
|
إخفاء التشكيل
مسألة: الجزء السادس    التحليل الموضوعي
[ ص: 388 ] وأما قصة تزويجه ، عليه الصلاة والسلام ، بميمونة

فقال ابن إسحاق : حدثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح ، عن عطاء ومجاهد ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام ، وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب قال ابن هشام : كانت جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل ، فجعلت أم الفضل أمرها إلى زوجها العباس ، فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصدقها عنه أربعمائة درهم . وذكر السهيلي أنه لما انتهت إليها خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وهي راكبة بعيرا قالت : الجمل وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : وفيها نزلت الآية : وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين ( الأحزاب : 50 ) .

وقد روى البخاري من طريق أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم ، وبنى بها وهو حلال ، وماتت بسرف . [ ص: 389 ]

قال السهيلي : وروى الدارقطني من طريق أبي الأسود يتيم عروة ، ومن طريق مطر الوراق ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال ، قال : وتأولوا رواية ابن عباس الأولى أنه كان محرما ، أي في شهر حرام ، كما قال الشاعر :


قتلوا ابن عفان الخليفة محرما فدعا فلم أر مثله مخذولا
أي في شهر حرام .

قلت : وفي هذا التأويل نظر ، لأن الروايات متظافرة عن ابن عباس بخلاف ذلك ، ولا سيما قوله : تزوجها وهو محرم ، وبنى بها وهو حلال ، وقد كان في شهر ذي القعدة أيضا ، وهو شهر حرام .

وقال محمد بن يحيى الذهلي : ثنا عبد الرزاق قال : قال لي الثوري : لا تلتفت إلى قول أهل المدينة ، أخبرني عمرو ، عن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج وهو محرم . قال أبو عبد الله : قلت لعبد الرزاق : روى سفيان الحديثين جميعا ، عن عمرو بن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس ، وابن خثيم ، [ ص: 390 ] عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ؟ قال : نعم ، أما حديث ابن خثيم فحدثنا هاهنا - يعني باليمن - وأما حديث عمرو فحدثنا ثم - يعني بمكة - وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث عمرو بن دينار به .

وفي " صحيح البخاري " من طريق الأوزاعي ، أنبأنا عطاء ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم .

فقال سعيد بن المسيب : وهل ابن عباس ، وإن كانت خالته ، ما تزوجها إلا بعد ما أحل .

وقال يونس ، عن ابن إسحاق : حدثني ثقة ، عن سعيد بن المسيب أنه قال : هذا عبد الله بن عباس ، يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم . فذكر كلمته : إنما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، فكان الحل والنكاح جميعا ، فشبه ذلك على الناس . [ ص: 391 ]

وروى مسلم وأهل السنن من طرق ، عن يزيد بن الأصم العامري ، عن خالته ميمونة بنت الحارث قالت : تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف . لكن قال الترمذي : روى غير واحد هذا الحديث ، عن يزيد بن الأصم مرسلا ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال .

وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصفهاني الزاهد ، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، ثنا سليمان بن حرب ، ثنا حماد بن زيد ، ثنا مطر الوراق ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن سليمان بن يسار ، عن أبي رافع قال : تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال ، وبنى بها وهو حلال ، وكنت الرسول بينهما ، وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا ، عن قتيبة ، عن حماد بن زيد ، به . ثم قال الترمذي : حسن ، ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد ، عن مطر ، ورواه مالك ، عن ربيعة ، عن سليمان مرسلا ، ورواه سليمان بن بلال ، عن ربيعة [ ص: 392 ] مرسلا .

قلت : وكانت وفاتها بسرف سنة ثلاث وستين ، ويقال : سنة ستين . رضي الله عنها


فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم حصون خيبر==حصار رسول الله أهل خيبر ==فصل من شهد خيبر
======فصل من استشهد بخيبر من الصحابة==فصل في مروره صلى الله عليه وسلم بوادي القرى ومحاصرته قوما من اليهود ، ومصالحة يهود تيماء على ما ذكره الواقدي====

على ما ذكره ابن إسحاق بن يسار ، رحمه الله ، وغيره من أصحاب المغازي

فمن خير المهاجرين ، ربيعة بن أكثم بن سخبرة الأسدي ، مولى بني أمية ، وثقيف بن عمرو ، ورفاعة بن مسروح ، حلفاء بني أمية ، وعبد الله [ ص: 341 ] بن الهبيب بن أهيب بن سحيم بن غيرة ، من بني سعد بن ليث ، حليف بني أسد وابن أختهم .

ومن الأنصار ، بشر بن البراء بن معرور - من أكلة الشاة المسمومة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم - وفضيل بن النعمان السلميان ، ومسعود بن سعد بن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق الزرقي ، ومحمود بن مسلمة الأشهلي ، وأبو ضياح بن ثابت بن النعمان العمري ، والحارث بن حاطب ، وعروة بن مرة بن سراقة ، وأوس الفائد ، وأنيف بن حبيب ، وثابت بن أثلة ، وطلحة ، وعمارة بن عقبة رمي بسهم فقتله ، وعامر بن الأكوع ، أصابه طرف سيفه في ركبته فقتله ، رحمه الله كما تقدم ، والأسود الراعي . وقد أفرد ابن إسحاق هاهنا قصته ، وقد أسلفناها في أوائل الغزوة ، ولله الحمد والمنة . [ ص: 342 ]

قال ابن إسحاق : وممن استشهد بخيبر - فيما ذكره ابن شهاب - من بني زهرة ، مسعود بن ربيعة ، حليف لهم من القارة ، ومن الأنصار ثم من بني عمرو بن عوف ، أوس بن قتادة ، رضي الله عنهم أجمعين

قال ابن إسحاق ، وتدنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأموال ، يأخذها مالا مالا ، ويفتتحها حصنا حصنا ، وكان أول حصونهم فتح حصن ناعم ، وعنده قتل محمود بن مسلمة ، ألقيت عليه رحى منه فقتلته ، ثم القموص حصن بني أبي الحقيق ، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبايا ؛ منهن صفية بنت حيي بن [ ص: 279 ] أخطب ، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وبنتا عم لها ، فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه ، وكان دحية بن خليفة قد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية ، فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتي عمها ، قال : وفشت السبايا من خيبر في المسلمين ، وأكل الناس لحوم الحمر . فذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم عن أكلها . وقد اعتنى البخاري بهذا الفصل ؛ فأورد النهي عنها من طرق جيدة ، وتحريمها مذهب جمهور العلماء سلفا وخلفا ، وهو مذهب الأئمة الأربعة . وقد ذهب بعض السلف - منهم ابن عباس - إلى إباحتها وتنوعت أجوبتهم عن الأحاديث الواردة في النهي عنها ، فقيل : لأنها كانت ظهرا يستعينون بها في الحمولة ، وقيل : لأنها لم تكن خمست بعد . وقيل : لأنها كانت تأكل العذرة . يعني جلالة . [ ص: 280 ]

والصحيح أنه نهي عنها لذاتها ؛ فإن في الأثر الصحيح أنه نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر ؛ فإنها رجس . فأكفئوها والقدور تفور بها . وموضع تقرير ذلك في كتاب " الأحكام " .

قال ابن إسحاق : حدثني سلام بن كركرة ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن عبد الله - ولم يشهد جابر خيبر - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر أذن لهم في لحوم الخيل . وهذا الحديث أصله ثابت في " الصحيحين " من حديث حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن علي ، عن جابر رضي الله عنه ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ، ورخص في الخيل . لفظ البخاري .

قال ابن إسحاق : وحدثنا عبد الله بن أبي نجيح ، عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم يومئذ عن أربع ؛ عن إتيان الحبالى من النساء ، وعن أكل الحمار الأهلي ، وعن أكل كل ذي ناب من السباع ، وعن بيع المغانم حتى تقسم . وهذا مرسل .

وقال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي مرزوق مولى تجيب ، عن حنش الصنعاني قال : غزونا مع رويفع بن ثابت الأنصاري [ ص: 281 ] المغرب ، فافتتح قرية من قرى المغرب يقال لها : جربة . فقام فينا خطيبا فقال : أيها الناس ، إني لا أقول فيكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فينا يوم خيبر ؛ قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره " يعني إتيان الحبالى من السبي " ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه وهكذا روى هذا الحديث أبو داود من طريق محمد بن إسحاق ، به . ورواه الترمذي ، عن عمر بن حفص الشيباني ، عن ابن وهب ، عن يحيى بن أيوب ، عن ربيعة بن سليم ، عن بسر بن عبيد الله ، عن رويفع بن ثابت ، مختصرا ، وقال : حسن . [ ص: 282 ]

وفي " صحيح البخاري " عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن أكل الثوم . وقد حكى ابن حزم ، عن علي وشريك بن الحنبل ، أنهما ذهبا إلى تحريم البصل والثوم النيئ . والذي نقله الترمذي عنهما الكراهة . فالله أعلم .

وقد تكلم الناس في الحديث الوارد في " الصحيحين " من طريق الزهري ، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية ، عن أبيهما ، عن أبيه علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر ، وعن لحوم الحمر الأهلية . هذا لفظ " الصحيحين " من طريق مالك وغيره ، عن الزهري وهو يقتضي تقييد تحريم نكاح المتعة بيوم خيبر وهو مشكل من وجهين ؛ أحدهما ، أن يوم خيبر لم يكن ثم نساء يتمتعون بهن ؛ إذ قد حصل لهم الاستغناء بالسباء عن نكاح المتعة . الثاني ، أنه قد ثبت في " صحيح مسلم " عن الربيع بن سبرة بن معبد ، عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لهم في المتعة زمن الفتح ، ثم لم يخرج من مكة حتى نهى عنها ، وقال : " إن الله قد حرمها إلى يوم القيامة فعلى هذا يكون قد نهى عنها ثم أذن فيها ، ثم حرمت ، فيلزم النسخ مرتين ، وهو بعيد . ومع هذا فقد نص [ ص: 283 ] الشافعي على أنه لا يعلم شيئا أبيح ثم حرم ، ثم أبيح ثم حرم ، غير نكاح المتعة ، وما حداه على هذا - رحمه الله - إلا اعتماده على هذين الحديثين ، كما قدمناه .

وقد حكى السهيلي وغيره ، عن بعضهم أنه ادعى أنها أبيحت ثلاث مرات ، وحرمت ثلاث مرات . وقال آخرون : أربع مرات . وهذا بعيد جدا . والله أعلم . واختلفوا ؛ أي وقت أول ما حرمت ؟ فقيل : في خيبر . وقيل : في عمرة القضاء . وقيل : في عام الفتح . وهو الذي يظهر ، وقيل : في أوطاس . وهو قريب من الذي قبله . وقيل : في تبوك . وقيل : في حجة الوداع . رواه أبو داود .

وقد حاول بعض العلماء أن يجيب عن حديث علي ، رضي الله عنه ، بأنه وقع فيه تقديم وتأخير .

وإنما المحفوظ فيه ما رواه الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن الحسن وعبد الله ابني محمد عن أبيهما - وكان حسن أرضاهما في أنفسهما - أن عليا قال لابن عباس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح [ ص: 284 ] المتعة ، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر قالوا : فاعتقد الراوي أن قوله : " خيبر " ظرف للمنهي عنهما ، وليس كذلك ، إنما هو ظرف للنهي عن لحوم الحمر ، فأما نكاح المتعة فلم يذكر له ظرفا ، وإنما جمعه معه ؛ لأن عليا ، رضي الله عنه ، بلغه أن ابن عباس أباح نكاح المتعة ، ولحوم الحمر الأهلية ، كما هو المشهور عنه ، فقال له أمير المؤمنين علي : إنك امرؤ تائه ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر . فجمع له النهي ليرجع عما كان يعتقده في ذلك من الإباحة . وإلى هذا التقرير كان ميل شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي ، تغمده الله برحمته ، آمين . ومع هذا ما رجع ابن عباس عما كان يذهب إليه من إباحة الحمر والمتعة ، أما النهي عن الحمر فتأوله بأنها كانت حمولتهم ، وأما المتعة فإنما كان يبيحها عند الضرورة في الأسفار ، وحمل النهي على ذلك في حال الرفاهية والوجدان ، وقد تبعه على ذلك طائفة من أصحابه وأتباعهم ، ولم يزل ذلك مشهورا عن علماء الحجاز ، إلى زمن ابن جريج ، وبعده . وقد حكي عن الإمام أحمد بن حنبل رواية كمذهب ابن عباس ، وهي ضعيفة ، وحاول بعض من صنف في الخلاف نقل رواية عن الإمام أحمد بمثل ذلك ، ولا يصح أيضا . والله أعلم . وموضع تحرير ذلك في كتاب " الأحكام " وبالله المستعان . [ ص: 285 ]

قال ابن إسحاق : ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدنى الحصون والأموال ، فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدثه بعض من أسلم أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : والله يا رسول الله ، لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء . فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يعطيهم إياه ، فقال : " اللهم إنك قد عرفت حالهم ، وأن ليست بهم قوة ، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه ، فافتح عليهم أعظم حصونها عندهم ، وأكثرها طعاما وودكا " فغدا الناس ففتح عليهم حصن الصعب بن معاذ ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه .

قال ابن إسحاق : ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ما افتتح ، وحاز من الأموال ما حاز ، انتهوا إلى حصنهم الوطيح ، والسلالم ، وكان آخر حصون خيبر افتتاحا ، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة . قال ابن هشام : وكان شعارهم يوم خيبر يا منصور ، أمت أمت .

قال ابن إسحاق : وحدثني بريدة بن سفيان الأسلمي ، عن بعض [ ص: 286 ] رجال بني سلمة ، عن أبي اليسر كعب بن عمرو قال : إنا لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ذات عشية ، إذ أقبلت غنم لرجل من يهود ، تريد حصنهم ونحن محاصروهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من رجل يطعمنا من هذه الغنم ؟ " . قال أبو اليسر : فقلت : أنا يا رسول الله . قال : " فافعل " . قال : فخرجت أشتد مثل الظليم ، فلما نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا قال : " اللهم أمتعنا به " . قال : فأدركت الغنم وقد دخلت أولها الحصن ، فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدي ، ثم جئت بهما أشتد كأنه ليس معي شيء ، حتى ألقيتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذبحوهما فأكلوهما ، فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم موتا ، وكان إذا حدث هذا الحديث بكى ، ثم قال : أمتعوا بي لعمري ، حتى كنت من آخرهم موتا .

وقال الحافظ البيهقي في " الدلائل " : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني ، حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي ، حدثنا سعدان بن نصر ، حدثنا أبو معاوية ، عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، أو عن أبي قلابة قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر قدم والثمرة خضرة ، قال : فأسرع الناس فيها ، فحموا ، فشكوا ذلك إليه ، فأمرهم أن يقرسوا الماء في الشنان ، ثم [ ص: 287 ] يحدروا عليهم بين أذاني الفجر ، ويذكروا اسم الله عليه ، ففعلوا ذلك فكأنما نشطوا من عقل . قال البيهقي : ورويناه عن عبد الرحمن بن رافع موصولا ، وعنه : بين صلاتي المغرب والعشاء .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى وبهز قالا : حدثنا سليمان بن المغيرة ، حدثنا حميد بن هلال ، حدثنا عبد الله بن مغفل ، قال : دلي جراب من شحم يوم خيبر . قال : فالتزمته ، فقلت : لا أعطي أحدا منه شيئا . قال : فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم .

وقال أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا شعبة ، عن حميد بن هلال ، عن عبد الله بن مغفل ، قال : كنا محاصرين قصر خيبر ، فألقي إلينا جراب فيه شحم ، فذهبت آخذه ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فاستحييت . وقد أخرجه صاحبا " الصحيح " من حديث شعبة . ورواه مسلم أيضا عن شيبان بن فروخ ، عن سليمان بن المغيرة به نحوه . [ ص: 288 ]

وقال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم ، عن عبد الله بن مغفل المزني ، قال : أصبت من فيء خيبر جراب شحم . قال : فاحتملته على عنقي إلى رحلي وأصحابي . قال : فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها ، فأخذ بناحيته ، وقال : هلم هذا حتى نقسمه بين المسلمين قال : وقلت : لا والله لا أعطيكه . قال : وجعل يجاذبني الجراب . قال : فرآنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصنع ذلك فتبسم ضاحكا ، ثم قال لصاحب المغانم : " لا أبا لك ، خل بينه وبينه " قال : فأرسله ، فانطلقت به إلى رحلي وأصحابي فأكلناه . وقد استدل الجمهور بهذا الحديث على الإمام مالك في تحريمه شحوم ذبائح اليهود - ما كان حراما عليهم - على غيرهم من المسلمين ؛ لأن الله تعالى قال : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ( المائدة : 5 ) قال : لكم . قال : وليس هذا من طعامهم . فاستدلوا عليه بهذا الحديث ، وفيه نظر ، وقد يكون هذا الشحم مما كان حلالا لهم . والله أعلم . وقد استدلوا بهذا الحديث على أن الطعام لا يخمس .

ويعضد ذلك ما رواه الإمام أبو داود : حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا أبو إسحاق الشيباني ، عن محمد بن أبي مجالد ، عن [ ص: 289 ] عبد الله بن أبي أوفى قال : قلت : هل كنتم تخمسون الطعام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أصبنا طعاما يوم خيبر ، فكان الرجل يجيء ، فيأخذ منه قدر ما يكفيه ، ثم ينصرف . تفرد به أبو داود ، وهو حسن .=============================قال ابن إسحاق : وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم ، حتى إذا أيقنوا بالهلكة ، سألوه أن يسيرهم وأن يحقن دماءهم ، ففعل ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الأموال كلها ؛ الشق ، والنطاة ، والكتيبة ، وجميع حصونهم ، إلا ما كان من ذينك الحصنين ، فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا ، بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم ، ويخلوا له الأموال ، ففعل ، وكان ممن مشى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود ، أخو بني حارثة ، فلما نزل أهل خيبر على ذلك ، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم في الأموال على النصف ، وقالوا : نحن أعلم بها منكم ، وأعمر لها . فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف ، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم . وعامل أهل فدك بمثل ذلك ==================================فصل من شهد خيبر

وأما من شهد خيبر من العبيد والنساء ، فرضخ لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الغنيمة ، ولم يسهم لهم .

قال أبو داود : حدثنا أحمد بن حنبل ، ثنا بشر بن المفضل ، عن محمد بن زيد ، حدثني عمير مولى آبي اللحم قال : شهدت خيبر مع سادتي ، فكلموا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بي فقلدت سيفا ، فإذا أنا أجره ، فأخبر أني مملوك ، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع . ورواه الترمذي والنسائي جميعا ، عن قتيبة ، عن بشر بن المفضل به . وقال الترمذي : حسن صحيح . ورواه ابن ماجه ، عن علي بن محمد عن وكيع ، عن هشام بن سعد ، عن محمد بن زيد بن [ ص: 312 ] المهاجر عن قنفذ ، عن عمير ، به .

وقال محمد بن إسحاق : وشهد خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء ، فرضخ لهن ، ولم يضرب لهن بسهم ، حدثني سليمان بن سحيم ، عن أمية بنت أبي الصلت ، عن امرأة من بني غفار قد سماها لي ، قالت : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من بني غفار ، فقلنا : يا رسول الله ، قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا - وهو يسير إلى خيبر - فنداوي الجرحى ، ونعين المسلمين بما استطعنا . فقال : " على بركة الله " . قالت : فخرجنا معه . قالت : وكنت جارية حدثة ، فأردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقيبة رحله . قالت : فوالله لنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح وأناخ ، ونزلت عن حقيبة رحله . قالت : وإذا بها دم مني ، وكانت أول حيضة حضتها . قالت : فتقبضت إلى الناقة واستحييت . فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ، ورأى الدم ، قال : " ما لك ؟ لعلك نفست؟ " قالت : قلت : نعم . قال : " فأصلحي من نفسك ، ثم خذي إناء من ماء ، فاطرحي فيه ملحا ، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم ، ثم عودي لمركبك " . قالت : فلما فتح الله خيبر ، رضخ لنا من الفيء ، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي ، فأعطانيها وعلقها بيده في عنقي ، فوالله لا [ ص: 313 ] تفارقني أبدا . وكانت في عنقها حتى ماتت ، ثم أوصت أن تدفن معها . قالت : وكانت لا تطهر من حيضها إلا جعلت في طهورها ملحا ، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت وهكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود ، من حديث محمد بن إسحاق به . قال شيخنا أبو الحجاج المزي في " أطرافه " : ورواه الواقدي ، عن أبي بكر بن أبي سبرة ، عن سليمان بن سحيم ، عن أم علي بنت أبي الحكم ، عن أمية بنت أبي الصلت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، ثنا رافع بن سلمة الأشجعي ، حدثني حشرج بن زياد ، عن جدته أم أبيه ، قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة خيبر وأنا سادسة ست نسوة . قالت : فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن معه نساء . قالت : فأرسل إلينا فدعانا . قالت : فرأينا في وجهه الغضب ، فقال : " ما أخرجكن ، وبأمر من خرجتن؟ " قلنا : خرجنا نناول السهام ، ونسقي السويق ، ومعنا دواء للجرحى ، ونغزل الشعر فنعين به في سبيل الله . قال : " قمن فانصرفن " . قالت : فلما فتح الله عليه خيبر أخرج لنا سهاما كسهام الرجال . فقلت لها : يا جدة ، وما الذي أخرج لكن ؟ قالت : تمرا .

قلت : إنما أعطاهن من الحاصل ، فأما أنه أسهم لهن في الأرض كسهام [ ص: 314 ] الرجال فلا . والله أعلم .

وقال الحافظ البيهقي : وفي كتابي ، عن أبي عبد الله الحافظ ، أن عبد الله الأصبهاني أخبره ، حدثنا الحسين بن الجهم ، ثنا الحسين بن الفرج ، ثنا الواقدي ، حدثني عبد السلام بن موسى بن جبير ، عن أبيه ، عن جده ، عن عبد الله بن أنيس ، قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ، ومعي زوجتي وهي حبلى ، فنفست في الطريق ، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : " انقع لها تمرا ، فإذا انغمر بله ، فامرثه لتشربه " . ففعلت ، فما رأت شيئا تكرهه ، فلما فتحنا خيبر أجدى النساء ، ولم يسهم لهن ، فأجدى زوجتي وولدي الذي ولد قال عبد السلام : لست أدري غلام أو جارية .==============================ذكر قصة الشاة المسمومة ، وما كان من البرهان الذي ظهر عندها

قال البخاري : رواه عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . ثم قال : حدثنا عبد الله بن يوسف ، ثنا الليث ، حدثني سعيد ، عن أبي هريرة قال : لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم . هكذا أورده هاهنا مختصرا .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، ثنا ليث ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة قال : لما فتحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود " . فجمعوا له ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني سائلكم عن شيء ، فهل أنتم صادقي عنه ؟ " قالوا : نعم يا أبا القاسم . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أبوكم ؟ قالوا : أبونا فلان . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كذبتم ، بل أبوكم فلان " . قالوا : [ ص: 325 ] صدقت وبررت . فقال : " هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه ؟ " قالوا : نعم يا أبا القاسم ، وإن كذبناك عرفت كذبنا ، كما عرفته في أبينا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أهل النار ؟ " فقالوا : نكون فيها يسيرا ، ثم تخلفونا فيها . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والله لا نخلفكم فيها أبدا " . ثم قال لهم : " هل أنتم صادقي عن شيء سألتكم ؟ " فقالوا : نعم يا أبا القاسم . فقال : " هل جعلتم في هذه الشاة سما ؟ " فقالوا : نعم . قال : " ما حملكم على ذلك ؟ " . قالوا : أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك ، وإن كنت نبيا لم يضرك .

وقد رواه البخاري في الجزية ، عن عبد الله بن يوسف ، وفي المغازي أيضا ، عن قتيبة كلاهما عن الليث ، به .

وقال البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو العباس الأصم ، حدثنا سعيد بن سليمان ، ثنا عباد بن العوام ، عن سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة [ ص: 326 ] أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة ، فقال لأصحابه : " أمسكوا ، فإنها مسمومة " وقال لها : ما حملك على ما صنعت ؟ قالت : أردت أن أعلم ، إن كنت نبيا فسيطلعك الله عليه ، وإن كنت كاذبا أريح الناس منك . قال : فما عرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود ، عن هارون بن عبد الله ، عن سعيد بن سليمان ، به . ثم روى البيهقي ، عن طريق عبد الملك بن أبي نضرة ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله نحو ذلك .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سريج ، ثنا عباد ، عن هلال - هو ابن خباب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة ، فأرسل إليها فقال : " ما حملك على ما صنعت ؟ " قالت : أحببت - أو أردت - إن كنت نبيا فإن الله سيطلعك عليه ، وإن لم تكن نبيا أريح الناس منك . قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد من ذلك شيئا احتجم . قال : فسافر مرة ، فلما أحرم وجد من ذلك شيئا فاحتجم تفرد به أحمد ، وإسناده حسن .

وفي " الصحيحين " من حديث شعبة ، عن هشام بن زيد ، عن أنس بن مالك أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة ، فأكل منها ، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألها عن ذلك ، قالت : أردت لأقتلك . فقال : " ما [ ص: 327 ] كان الله ليسلطك علي " . أو قال : " على ذلك " . قالوا : ألا نقتلها ؟ قال : " لا " قال : أنس فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال أبو داود : حدثنا سليمان بن داود المهري ، ثنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب : قال كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ، ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع ، فأكل منها ، وأكل رهط من أصحابه معه ، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ارفعوا أيديكم " . وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة ، فدعاها فقال لها : " أسممت هذه الشاة ؟ " قالت اليهودية : من أخبرك ؟ قال : " أخبرتني هذه التي في يدي " . وهي الذراع . قالت : نعم . قال : " فما أردت بذلك ؟ " قالت : قلت : إن كنت نبيا فلن تضرك ، وإن لم تكن نبيا استرحنا منك . فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يعاقبها ، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة ، واحتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله ، من أجل الذي [ ص: 328 ] أكل من الشاة ، حجمه أبو هند بالقرن ، والشفرة وهو مولى لبني بياضة من الأنصار .

ثم قال أبو داود : حدثنا وهب بن بقية ، ثنا خالد ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية ، نحو حديث جابر ، قال : فمات بشر بن البراء بن معرور ، فأرسل إلى اليهودية ، فقال : " ما حملك على الذي صنعت ؟ " فذكر نحو حديث جابر ، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت . ولم يذكر أمر الحجامة .

قال البيهقي : ورويناه من حديث حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : ويحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء ، ثم لما مات بشر بن البراء أمر بقتلها .

وروى البيهقي من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، أن امرأة يهودية أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية بخيبر ، فقال : " ما هذه ؟ " قالت : هدية . وحذرت أن تقول : صدقة . فلا يأكل . قال : فأكل وأصحابه ، ثم قال : " أمسكوا " . ثم قال [ ص: 329 ] للمرأة : " هل سممت هذه الشاة ؟ " قالت : من أخبرك هذا ؟ قال : " هذا العظم " . لساقها ، وهو في يده . قالت : نعم . قال : " لم ؟ " قالت : أردت إن كنت كاذبا أن نستريح منك ، وإن كنت نبيا لم يضرك . قال : فاحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكاهل ، وأمر أصحابه فاحتجموا ، ومات بعضهم . قال الزهري : فأسلمت ، فتركها النبي صلى الله عليه وسلم . قال البيهقي : هذا مرسل ، ولعله قد يكون عبد الرحمن حمله عن جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه .

وذكر ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، وكذلك موسى بن عقبة ، عن الزهري قالوا : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ، وقتل منهم من قتل ، أهدت زينب بنت الحارث اليهودية - وهي ابنة أخي مرحب - لصفية شاة مصلية وسمتها ، وأكثرت في الكتف والذراع ، لأنه بلغها أنه أحب أعضاء الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية ، ومعه بشر بن البراء بن معرور ، وهو أحد بني سلمة ، فقدمت إليهم الشاة المصلية ، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتف ، وانتهش منها ، وتناول بشر عظما فانتهش منه ، فلما استرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لقمته ، استرط بشر بن البراء ما في فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ارفعوا أيديكم ، فإن كتف هذه الشاة يخبرني أني نعيت فيها " . [ ص: 330 ] فقال بشر بن البراء : والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت ، فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمتك أن أنغصك طعامك ، فلما أسغت ما في فيك ، لم أرغب بنفسي عن نفسك ، ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها نعي . فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان ، وماطله وجعه ، حتى كان لا يتحول حتى يحول قال الزهري : قال جابر : واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ، حجمه مولى بني بياضة بالقرن والشفرة ، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده ثلاث سنين ، حتى كان وجعه الذي توفي فيه ، فقال : " ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر عدادا ، حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري " . فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا .

وقال محمد بن إسحاق : فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية ، وقد سألت : أي عضو أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل لها : الذراع ، فأكثرت فيها من السم ، ثم سمت سائر الشاة ، ثم جاءت بها ، فلما وضعتها بين يديه ، تناول الذراع ، فلاك [ ص: 331 ] منها مضغة فلم يسغها ، ومعه بشر بن البراء بن معرور ، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما بشر فأساغها ، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها ، ثم قال : " إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم " . ثم دعا بها ، فاعترفت ، فقال : " ما حملك على ذلك ؟ " قالت : بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت : إن كان كذابا استرحت منه ، وإن كان نبيا فسيخبر قال : فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومات بشر من أكلته التي أكل .

قال ابن إسحاق : وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفي فيه - ودخلت عليه أم بشر بن البراء بن معرور - : " يا أم بشر ، إن هذا الأوان وجدت انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر " . قال ابن هشام : الأبهر : العرق المعلق بالقلب . قال : فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا ، مع ما أكرمه الله به من النبوة .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا هلال بن بشر وسليمان بن سيف [ ص: 332 ] الحراني قالا : ثنا أبو عتاب سهل بن حماد ، ثنا عبد الملك بن أبي نضرة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري : أن يهودية أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة سميطا ، فلما بسط القوم أيديهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمسكوا فإن عضوا من أعضائها يخبرني أنها مسمومة " . فأرسل إلى صاحبتها : " أسممت طعامك ؟ " قالت : نعم . قال : " ما حملك على ذلك ؟ " قالت : إن كنت كاذبا أن أريح الناس منك ، وإن كنت صادقا علمت أن الله سيطلعك عليه . فبسط يده وقال : " كلوا بسم الله " . قال : فأكلنا وذكرنا اسم الله ، فلم يضر أحد منا ثم قال : لا يروى عن عبد الملك بن أبي نضرة إلا من هذا الوجه .

قلت : وفيه نكارة وغرابة شديدة . والله أعلم .

وذكر الواقدي أن عيينة بن حصن قبل أن يسلم رأى في منامه رؤيا ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر خيبر ، فطمع من رؤياه أن يقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظفر به ، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وجده قد افتتحها ، فقال : يا محمد ، أعطني ما غنمت من حلفائي - يعني أهل خيبر - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كذبت رؤياك " . وأخبره بما رأى ، فرجع عيينة ، فلقيه الحارث بن عوف فقال : ألم أقل إنك توضع في غير شيء ؟! والله ليظهرن محمد على ما [ ص: 333 ] بين المشرق والمغرب ، وإن يهود كانوا يخبروننا بهذا ، أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن أبي الحقيق يقول : إنا لنحسد محمدا على النبوة حيث خرجت من بني هارون ، إنه لمرسل ، ويهود لا تطاوعني على هذا ، ولنا منه ذبحان ، واحد بيثرب ، وآخر بخيبر ، قال الحارث : قلت لسلام : يملك الأرض ؟! قال : نعم والتوراة التي أنزلت على موسى ، وما أحب أن تعلم يهود بقولي فيه .================================فصل من استشهد بخيبر من الصحابة

على ما ذكره ابن إسحاق بن يسار ، رحمه الله ، وغيره من أصحاب المغازي

فمن خير المهاجرين ، ربيعة بن أكثم بن سخبرة الأسدي ، مولى بني أمية ، وثقيف بن عمرو ، ورفاعة بن مسروح ، حلفاء بني أمية ، وعبد الله [ ص: 341 ] بن الهبيب بن أهيب بن سحيم بن غيرة ، من بني سعد بن ليث ، حليف بني أسد وابن أختهم .

ومن الأنصار ، بشر بن البراء بن معرور - من أكلة الشاة المسمومة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم - وفضيل بن النعمان السلميان ، ومسعود بن سعد بن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق الزرقي ، ومحمود بن مسلمة الأشهلي ، وأبو ضياح بن ثابت بن النعمان العمري ، والحارث بن حاطب ، وعروة بن مرة بن سراقة ، وأوس الفائد ، وأنيف بن حبيب ، وثابت بن أثلة ، وطلحة ، وعمارة بن عقبة رمي بسهم فقتله ، وعامر بن الأكوع ، أصابه طرف سيفه في ركبته فقتله ، رحمه الله كما تقدم ، والأسود الراعي . وقد أفرد ابن إسحاق هاهنا قصته ، وقد أسلفناها في أوائل الغزوة ، ولله الحمد والمنة . [ ص: 342 ]

قال ابن إسحاق : وممن استشهد بخيبر - فيما ذكره ابن شهاب - من بني زهرة ، مسعود بن ربيعة ، حليف لهم من القارة ، ومن الأنصار ثم من بني عمرو بن عوف ، أوس بن قتادة ، رضي الله عنهم أجمعين =================================================فصل في مروره صلى الله عليه وسلم بوادي القرى ومحاصرته قوما من اليهود ، ومصالحة يهود تيماء على ما ذكره الواقدي

قال الواقدي : حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى ، وكان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي قد وهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا أسود يقال له : مدعم . وكان يرحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما نزلنا بوادي القرى انتهينا إلى يهود ، وقدم إليها ناس من العرب ، فبينا مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد استقبلتنا يهود بالرمي حين نزلنا ، ولم نكن على تعبية ، وهم يصيحون في آطامهم ، فيقبل سهم عائر ، فأصاب مدعما فقتله ، فقال الناس : هنيئا له بالجنة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " كلا والذي نفسي بيده ، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم ، لتشتعل عليه نارا " . [ ص: 352 ] فلما سمع بذلك الناس ، جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " شراك من نار أو شراكان من نار وهذا الحديث في " الصحيحين " من حديث مالك ، عن ثور بن يزيد ، عن أبي الغيث ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه .

قال الواقدي : فعبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال وصفهم ، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة ، وراية إلى الحباب بن المنذر ، وراية إلى سهل بن حنيف ، وراية إلى عباد بن بشر ، ثم دعاهم إلى الإسلام ، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم ، وحسابهم على الله . قال : فبرز رجل منهم ، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله ، ثم برز آخر فبرز إليه علي فقتله ، ثم برز آخر ، فبرز إليه أبو دجانة فقتله ، حتى قتل منهم أحد عشر رجلا كلما قتل منهم رجل ، دعا من بقي منهم إلى الإسلام ، ولقد كانت الصلاة تحضر ذلك اليوم ، فيصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ، ثم يعود فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله عز وجل ورسوله ، وقاتلهم حتى أمسوا ، وغدا عليهم ، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم ، وفتحها عنوة ، وغنمهم الله أموالهم ، وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا ، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي القرى أربعة أيام ، فقسم ما أصاب على أصحابه ، وترك الأرض والنخيل في أيدي اليهود [ ص: 353 ] وعاملهم عليها ، فلما بلغ يهود تيماء ما وطئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وفدك ووادي القرى ، صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية ، وأقاموا بأيديهم أموالهم ، فلما كان عمر أخرج يهود خيبر وفدك ، ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى ، لأنهما داخلتان في أرض الشام ، ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز ، وما وراء ذلك من الشام . قال : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة بعد أن فرغ من خيبر ووادي القرى ، وغنمه الله عز وجل .

قال الواقدي : حدثني يعقوب بن محمد ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة ، عن الحارث بن عبد الله بن كعب ، عن أم عمارة ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجرف وهو يقول : لا تطرقوا النساء بعد صلاة العشاء قالت : فذهب رجل من الحي ، فطرق أهله فوجد ما يكره ، فخلى سبيله ولم يهجه ، وضن بزوجته أن يفارقها ، وكان له منها أولاد ، وكان يحبها ، فعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى ما يكره