الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015
سرية أبي بكر الصديق إلى بني فزارة ==سرية عبد الله بن رواحة إلى يسير بن رزام اليهودي==سرية أبي حدرد إلى الغابة==سرية عبد الله بن حذافة السهمي == سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم == رد زينب بنت رسول الله على زوجها أبي العاص
== رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع
إظ===========قال الحافظ أبو بكر البيهقي في " الدلائل " : جماع أبواب السرايا التي تذكر بعد فتح خيبر وقبل عمرة القضية ، وإن كان تاريخ بعضها ليس بالواضح عند أهل المغازي . سرية أبي بكر الصديق إلى بني فزارة
قال الإمام أحمد : حدثنا بهز ، ثنا عكرمة بن عمار ، ثنا إياس بن سلمة ، حدثني أبي قال : خرجنا مع أبي بكر بن أبي قحافة ، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا ، فغزونا بني فزارة ، فلما دنونا من الماء ، أمرنا أبو بكر فعرسنا ، فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننا الغارة ، فقتلنا على الماء من قتلنا . قال سلمة : ثم نظرت إلى عنق من الناس فيه من الذرية والنساء ، نحو الجبل وأنا أعدو في آثارهم ، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل ، فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل . قال : فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر حتى أتيته على الماء ، وفيهم امرأة من فزارة عليها قشع من أدم ، ومعها ابنة لها من أحسن العرب . قال : فنفلني أبو بكر بنتها . قال : فما كشفت لها ثوبا حتى قدمت المدينة ، ثم بت فلم [ ص: 358 ] أكشف لها ثوبا . قال : فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق ، فقال لي : " يا سلمة هب لي المرأة " قال : فقلت : والله يا رسول الله لقد أعجبتني ، وما كشفت لها ثوبا . قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني ، حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال : " يا سلمة ، هب لي المرأة ، لله أبوك " . قال : فقلت : يا رسول الله ، والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا . وهي لك يا رسول الله . قال : فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ، وفي أيديهم أسارى من المسلمين ، ففداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة وقد رواه مسلم والبيهقي من حديث عكرمة بن عمار ، به . ============سرية عبد الله بن رواحة إلى يسير بن رزام اليهودي
ثم أورد من طريق ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، ومن طريق موسى بن عقبة ، عن الزهري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبا ، فيهم عبد الله بن أنيس ، إلى يسير بن رزام اليهودي ، حتى أتوه بخيبر ، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجمع غطفان ليغزوه بهم ، فأتوه فقالوا : أرسلنا إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعملك على خيبر فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلا ، مع كل رجل منهم رديف من المسلمين ، فلما بلغوا قرقرة ثبار ، وهي من خيبر على ستة أميال ، ندم يسير بن رزام ، فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن أنيس ، ففطن له عبد الله بن أنيس ، فزجر بعيره ، ثم اقتحم يسوق بالقوم ، حتى إذا استمكن من يسير ، ضرب رجله فقطعها ، [ ص: 360 ] واقتحم يسير وفي يده مخرش من شوحط ، فضرب به وجه عبد الله بن أنيس ، فشجه شجة مأمومة ، وانكفأ كل رجل من المسلمين على رديفه فقتله ، غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شدا ، ولم يصب من المسلمين أحد ، وبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في شجة عبد الله بن أنيس ، فلم تقح ولم تؤذه حتى مات . ===========سرية أبي حدرد إلى الغابة
قال يونس ، عن محمد بن إسحاق : كان من حديث قصة أبي حدرد [ ص: 365 ] وغزوته إلى الغابة ما حدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم ، عن أبي حدرد قال : تزوجت امرأة من قومي فأصدقتها مائتي درهم . قال : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على نكاحي فقال : " كم أصدقت ؟ " فقلت : مائتي درهم . فقال : " سبحان الله! والله لو كنتم تأخذونها من واد ما زاد ، والله ما عندي ما أعينك به " . فلبثت أياما ، ثم أقبل رجل من جشم بن معاوية يقال له : رفاعة بن قيس ، أو قيس بن رفاعة . في بطن عظيم من جشم ، حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة ، يريد أن يجمع قيسا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ذا اسم وشرف في جشم . قال : فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين من المسلمين فقال : " اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم " . وقدم لنا شارفا عجفاء ، فحمل عليه أحدنا ، فوالله ما قامت به ضعفا ، حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم ، حتى استقلت وما كادت ، وقال : " تبلغوا على هذه " فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف ، حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر مع غروب الشمس ، فكمنت في ناحية ، وأمرت صاحبي فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم ، وقلت لهما : إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في العسكر فكبرا وشدا معي . فوالله إنا لكذلك ننتظر أن نرى غرة أو نرى شيئا ، وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء ، وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد ، فأبطأ عليهم وتخوفوا عليه ، فقام صاحبهم رفاعة بن قيس ، فأخذ [ ص: 366 ] سيفه فجعله في عنقه فقال : والله لأتيقنن أمر راعينا ، ولقد أصابه شر . فقال نفر ممن معه : والله لا تذهب ، نحن نكفيك . فقال : لا يذهب إلا أنا . قالوا : فنحن معك . فقال : والله لا يتبعني منكم أحد . وخرج حتى يمر بي ، فلما أمكنني نفحته بسهم ، فوضعته في فؤاده ، فوالله ما تكلم ، فوثبت إليه فاحتززت رأسه ، ثم شددت ناحية العسكر وكبرت ، وشد صاحباي وكبرا ، فوالله ما كان إلا النجاء ممن كان فيه ، عندك عندك ، بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم ، واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة ، فجئنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجئت برأسه أحمله معي ، فأعطاني من تلك الإبل ثلاثة عشر بعيرا في صداقي ، فجمعت إلي أهلي ============== سرية عبد الله بن حذافة السهمي
ثبت في " الصحيحين " من طريق الأعمش ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي بن أبي طالب قال : استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأنصار على سرية ، بعثهم وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا . قال : فأغضبوه في شيء فقال : اجمعوا لي حطبا . فجمعوا ، فقال : أوقدوا نارا ، فأوقدوا ، ثم قال : ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا ؟ قالوا : بلى . قال : فادخلوها . قال : فنظر بعضهم إلى بعض ، وقالوا : إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار . قال : فسكن غضبه وطفئت النار ، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له ، فقال : " لو دخلوها ما خرجوا منها ، إنما الطاعة في المعروف وهذه القصة ثابتة أيضا في " الصحيحين " من طريق يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وقد تكلمنا على هذه الآية بما فيه كفاية في " التفسير " ولله الحمد والمنة .
================= فصل سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم
ذكر البيهقي هاهنا سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم ، ثم ساق بسنده عن الواقدي : حدثني محمد بن عبد الله بن مسلم ، عن الزهري قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرة القضية ، رجع في ذي الحجة من سنة سبع ، فبعث ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلا ، فخرج إلى بني سليم ، وكان عين بني سليم معه ، فلما فصل من المدينة ، خرج العين إلى قومه ، فحذرهم وأخبرهم ، فجمعوا جمعا كثيرا ، وجاءهم ابن أبي العوجاء والقوم معدون ، فلما أن رآهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا جمعهم ، دعوهم إلى الإسلام ، فرشقوهم بالنبل ولم يسمعوا قولهم ، وقالوا : لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه ، فرموهم ساعة ، وجعلت الأمداد تأتي ، حتى أحدقوا بهم من كل جانب ، فقاتل القوم قتالا شديدا ، حتى قتل عامتهم ، وأصيب ابن أبي العوجاء بجراحات كثيرة ، فتحامل حتى رجع إلى المدينة بمن بقي معه من أصحابه في أول يوم من شهر صفر سنة ثمان .==============================فصل رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على زوجها
قال الواقدي : في المحرم من هذه السنة - يعني سنة سبع - رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع - وقد قدمنا الكلام على ذلك - وفيها قدم حاطب بن أبي بلتعة من عند المقوقس ومعه مارية وسيرين ، وقد أسلمتا في الطريق ، وغلام خصي . قال الواقدي : وفيها اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منبره درجتين ومقعده . قال : والثبت عندنا أنه عمل في سنة ثمان ========فصل سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم
ذكر البيهقي هاهنا سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم ، ثم ساق بسنده عن الواقدي : حدثني محمد بن عبد الله بن مسلم ، عن الزهري قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرة القضية ، رجع في ذي الحجة من سنة سبع ، فبعث ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلا ، فخرج إلى بني سليم ، وكان عين بني سليم معه ، فلما فصل من المدينة ، خرج العين إلى قومه ، فحذرهم وأخبرهم ، فجمعوا جمعا كثيرا ، وجاءهم ابن أبي العوجاءوالقوم معدون ، فلما أن رآهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا جمعهم ، دعوهم إلى الإسلام ، فرشقوهم بالنبل ولم يسمعوا قولهم ، وقالوا : لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه ، فرموهم ساعة ، وجعلت الأمداد تأتي ، حتى أحدقوا بهم من كل جانب ، فقاتل القوم قتالا شديدا ، حتى قتل عامتهم ، وأصيب ابن أبي العوجاء بجراحات كثيرة ، فتحامل حتى رجع إلى المدينة بمن بقي معه من أصحابه في أول يوم من شهر صفر سنة ثمان .=============================
سرية عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، إلى تربة من أرض هوازن ، وراء مكة بأربعة أميال==سرية أخرى مع بشير بن سعد == السرية التي قتل فيها محلم بن جثامة عامر بن الأضبط===============
ثم أورد البيهقي من طريق الواقدي بأسانيده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، في ثلاثين راكبا ، ومعه دليل من بني هلال ، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار ، فلما انتهوا إلى بلادهم هربوا منهم ، وكر عمر راجعا إلى المدينة ، فقيل له : هل لك في قتال خثعم ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرني إلا بقتال هوازن في أرضهم . =============================سرية أخرى مع بشير بن سعد
روى من طريق الواقدي بإسناده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بشير بن سعد في ثلاثين راكبا إلى بني مرة في أرض فدك ، فاستاق نعمهم ، فقاتلوه وقتلوا عامة من معه ، وصبر هو يومئذ صبرا عظيما ، وقاتل قتالا شديدا ، ثم لجأ إلى فدك ، فبات بها عند رجل من اليهود ، ثم كر راجعا إلى المدينة .
قال الواقدي : ثم بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله ومعه جماعة من كبار الصحابة ، فذكر منهم أسامة بن زيد ، وأبا مسعود البدري ، وكعب بن عجرة ، ثم ذكر مقتل أسامة بن زيد لمرداس بن نهيك حليف بني مرة ، وقوله حين علاه بالسيف : لا إله إلا الله . وأن الصحابة لاموه على [ ص: 361 ] ذلك حتى سقط في يده وندم على ما فعل . وقد ذكر هذه القصة يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، عن شيخ من بني سلمة ، عن رجال من قومه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غالب بن عبد الله الكلبي إلى أرض بني مرة ، فأصاب مرداس بن نهيك حليفا لهم من الحرقة ، قال : فقتله أسامة .
قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة ، عن أبيه ، عن جده أسامة بن زيد قال : أدركته أنا ورجل من الأنصار - يعني مرداس بن نهيك - فلما شهرنا عليه السلاح قال : أشهد أن لا إله إلا الله . فلم ننزع عنه حتى قتلناه ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه ، فقال : " يا أسامة ، من لك بلا إله إلا الله ؟ " فقلت : يا رسول الله ، إنما قالها تعوذا من القتل . قال : " فمن لك يا أسامة بلا إله إلا الله ؟ " فوالذي بعثه بالحق ما زال يرددها علي حتى تمنيت أن ما مضى من إسلامي لم يكن ، وأني أسلمت يومئذ ولم أقتله . فقلت : إني أعطي الله عهدا أن لا أقتل رجلا يقول لا إله إلا الله أبدا . فقال : " بعدي يا أسامة " . فقلت : بعدك .
قال الإمام أحمد : حدثنا هشيم بن بشير ، أنبأنا حصين ، عن أبي ظبيان قال : سمعت أسامة بن زيد يحدث قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة . قال : فصبحناهم ، وكان منهم رجل إذا أقبل القوم كان من أشدهم [ ص: 362 ] علينا ، وإذا أدبروا كان حاميتهم . قال : فغشيته أنا ورجل من الأنصار ، فلما تغشيناه قال : لا إله إلا الله . فكف عنه الأنصاري وقتلته ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " يا أسامة ، أقتلته بعد ما قال : لا إله إلا الله ؟ " قال : قلت : يا رسول الله ، إنما كان متعوذا من القتل . قال : فكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ وأخرجه البخاري ومسلم من حديث هشيم به نحوه .
وقال ابن إسحاق : حدثني يعقوب بن عتبة ، عن مسلم بن عبد الله الجهني ، عن جندب بن مكيث الجهني قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الكلبي ، كلب ليث ، إلى بني الملوح بالكديد ، وأمره أن يغير عليهم ، وكنت في سريته ، فمضينا حتى إذا كنا بالقديد ، لقينا الحارث بن مالك بن البرصاء الليثي ، فأخذناه فقال : إني إنما جئت لأسلم . فقال له غالب بن عبد الله : إن كنت إنما جئت لتسلم ، فلا يضرك رباط يوم وليلة ، وإن كنت على غير ذلك استوثقنا منك . قال : فأوثقه رباطا وخلف عليه رويجلا أسود كان معنا ، وقال : امكث معه حتى نمر عليك ، فإن نازعك فاحتز رأسه . ومضينا حتى أتينا بطن الكديد ، فنزلنا عشية بعد العصر ، فبعثني أصحابي إليه ، فعمدت إلى تل يطلعني على الحاضر فانبطحت عليه ، وذلك قبل غروب الشمس ، فخرج [ ص: 363 ] رجل منهم ، فنظر فرآني منبطحا على التل ، فقال لامرأته : إني لأرى سوادا على هذا التل ما رأيته في أول النهار ، فانظري لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك ؟ فنظرت فقالت : والله ما أفقد منها شيئا . قال : فناوليني قوسي وسهمين من نبلي . فناولته ، فرماني بسهم في جبيني - أو قال : في جنبي - فنزعته فوضعته ولم أتحرك ، ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبي ، فنزعته فوضعته ولم أتحرك ، فقال لامرأته : أما والله لقد خالطه سهماي ، ولو كان ربيئة لتحرك ، فإذا أصبحت فابتغي سهمي فخذيهما ، لا تمضغهما علي الكلاب .
قال : فأمهلنا ، حتى إذا راحت روايحهم ، وحتى احتلبوا وعطنوا وسكنوا ، وذهبت عتمة من الليل ، شننا عليهم الغارة فقتلنا واستقنا النعم ، ووجهنا قافلين به ، وخرج صريخ القوم إلى قومهم بقربنا . قال : وخرجنا سراعا حتى نمر بالحارث بن مالك بن البرصاء وصاحبه ، فانطلقنا به معنا ، وأتانا صريخ الناس ، فجاءنا ما لا قبل لنا به ، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي من قديد ، بعث الله من حيث شاء ماء ، ما رأينا قبل ذلك مطرا ولا حالا ، وجاء بما لا يقدر أحد أن يقدم عليه ، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا ، ما يقدر أحد منهم أن يقدم عليه ونحن نجد بها أو نحدوها - شك [ ص: 364 ] النفيلي - فذهبنا سراعا حتى أسندنا بها في المسلك ، ثم حدرنا عنه حتى أعجزنا القوم بما في أيدينا . وقد رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق ، فقال في روايته : عبد الله بن غالب . والصواب غالب بن عبد الله كما تقدم .
وذكر الواقدي هذه القصة بإسناد آخر ، وقال فيه : وكان معه من الصحابة مائة وثلاثون رجلا .
ثم ذكر البيهقي من طريق الواقدي سرية بشير بن سعد أيضا إلى ناحية خيبر ، فلقوا جمعا من العرب ، وغنموا نعما كثيرا ، وكان بعثه في هذه السرية بإشارة أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، وكان معه من المسلمين ثلاثمائة رجل ، ودليله حسيل بن نويرة ، وهو الذي كان دليل النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر . قاله الواقدي . ===================================السرية التي قتل فيها محلم بن جثامة عامر بن الأضبط قال ابن إسحاق : حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن ابن عبد الله بن أبي حدرد ، عن أبيه قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم في نفر [ ص: 367 ] من المسلمين منهم ، أبو قتادة الحارث بن ربعي ، ومحلم بن جثامة بن قيس ، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم ، مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له ، معه متيع له ، ووطب من لبن ، فسلم علينا بتحية الإسلام ، فأمسكنا عنه ، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينه وبينه ، وأخذ بعيره ومتيعه ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه الخبر ، فنزل فينا القرآن : يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا ( النساء : 94 ) وهكذا رواه الإمام أحمد ، عن يعقوب ، عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد ، عن أبيه فذكره .
قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر ، سمعت زياد بن ضميرة بن سعد الضمري يحدث عروة بن الزبير ، عن أبيه وجده ، قال [ ص: 368 ] - وكانا شهدا حنينا - قال : فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر ، فقام إلى ظل شجرة ، فقعد فيه ، فقام إليه عيينة بن بدر يطلب بدم عامر بن الأضبط الأشجعي ، وهو سيد قيس ، وجاء الأقرع بن حابس يرد عن محلم بن جثامة وهو سيد خندف ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوم عامر : " هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة ؟ " فقال عيينة بن بدر والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزن مثل ما أذاق نسائي . فقام رجل من بني ليث يقال له : ابن مكيتل . وهو قصد من الرجال ، فقال : يا رسول الله ، ما أجد لهذا القتيل مثلا في غرة الإسلام إلا كغنم وردت فرميت أولاها فنفرت أخراها ، اسنن اليوم وغير غدا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل لكم أن تأخذوا خمسين بعيرا الآن وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة ؟ " فلم يزل بهم حتى رضوا بالدية ، فقال قوم محلم بن جثامة : ائتوا به حتى يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فجاء رجل طوال ضرب اللحم ، في حلة قد تهيأ فيها للقتل ، فقام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم لا تغفر لمحلم " . قالها ثلاثا ، فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ثوبه قال محمد بن إسحاق : زعم قومه [ ص: 369 ] أنه استغفر له بعد ذلك . وهكذا رواه أبو داود من طريق حماد بن سلمة ، عن ابن إسحاق ورواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي خالد الأحمر ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر ، عن زيد بن ضميرة ، عن أبيه وعمه ، فذكر بعضه . والصواب كما رواه ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر ، عن زياد بن سعد بن ضميرة ، عن أبيه وجده . وهكذا رواه أبو داود من طريق ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، عن محمد بن جعفر ، عن زياد بن سعد بن ضميرة ، عن أبيه وجده ، بنحوه كما تقدم .
وقال ابن إسحاق : حدثني سالم أبو النضر أنه قال : لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس فخلا بهم وقال : يا معشر قيس ، سألكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه ، أفأمنتم أن يغضب عليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغضب الله لغضبه ، أو يلعنكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلعنكم الله بلعنته لكم ، والله لتسلمنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآتين بخمسين من بني تميم كلهم يشهدون أن القتيل كافر ما صلى قط ، فلأطلن دمه . فلما قال ذلك لهم ، أخذوا الدية . وهذا منقطع معضل . [ ص: 370 ]
وقد روى ابن إسحاق ، عمن لا يتهم ، عن الحسن البصري ، أن محلما لما جلس بين يديه ، عليه الصلاة والسلام ، قال له : " أمنته بالله ثم قتلته ؟! " ثم دعا عليه . قال الحسن : فوالله ما مكث محلم إلا سبعا حتى مات ، فلفظته الأرض ، ثم دفنوه ، فلفظته الأرض ، ثم دفنوه ، فلفظته الأرض ، فرضموا عليه من الحجارة حتى واروه ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إن الأرض لتطابق على من هو شر منه ، ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم بما أراكم منه .
وقال ابن جرير : ثنا وكيع ، ثنا جرير ، عن ابن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، محلم بن جثامة مبعثا ، فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الإسلام - وكانت بينهم حنة في الجاهلية - فرماه محلم بسهم فقتله ، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتكلم فيه عيينة والأقرع ، فقال الأقرع : يا رسول الله ، سن اليوم وغير غدا . فقال عيينة : لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي . فجاء محلم في بردين ، فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا غفر الله لك " . [ ص: 371 ] فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه ، فما مضت له سابعة حتى مات ، فدفنوه فلفظته الأرض ، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له ، فقال : " إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ، ولكن الله أراد أن يعظكم من حرمتكم " . ثم طرحوه بين صدفي جبل ، فألقوا عليه من الحجارة ، ونزلت : يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا الآية وقد ذكره موسى بن عقبة ، عن الزهري ، ورواه شعيب ، عن الزهري ، عن عبد الله بن موهب ، عن قبيصة بن ذؤيب نحو هذه القصة ، إلا أنه لم يسم محلم بن جثامة ، ولا عامر بن الأضبط ، وكذلك رواه البيهقي عن الحسن البصري بنحو هذه القصة ، وقال : وفيه نزل قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا الآية .
قلت : وقد تكلمنا في سبب نزول هذه الآية ومعناها في " التفسير " بما فيه الكفاية ، ولله الحمد والمنة===========================عمرة القضاء=)ذكر خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة بعد قضاء عمرته
)))
ويقال : القصاص . ورجحه السهيلي . ويقال : عمرة القضية . فالأول قضاء عما كان أحصر عام الحديبية والثاني من قوله تعالى : والحرمات قصاص ( البقرة : 194 ) والثالث من المقاضاة التي كان قاضاهم عليها ، على أن يرجع عنهم عامه هذا ، ثم يأتي في العام القابل ، ولا يدخل مكة إلا في جلبان السلاح ، وأن لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام ، وهذه العمرة هي المذكورة في قوله تعالى في سورة " الفتح " المباركة : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون الآية ( الفتح : 27 ) . وقد تكلمنا عليها مستقصى في كتابنا " التفسير " بما فيه كفاية . وهي الموعود بها في قوله ، عليه الصلاة والسلام ، لعمر بن الخطاب حين قال له : ألم تكن تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : " بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا ؟ " قال : لا . قال : " فإنك آتيه ومطوف به وهي المشار إليها في قول عبد الله بن رواحة حين دخل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، يوم عمرة القضاء وهو يقول : [ ص: 374 ]
خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله
أي هذا تأويل الرؤيا التي كان رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جاءت مثل فلق الصبح .
قال ابن إسحاق : فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى المدينة ، أقام بها شهري ربيع وجماديين ورجبا وشعبان وشهر رمضان وشوالا ، يبعث فيما بين ذلك سراياه ، ثم خرج من ذي القعدة ، في الشهر الذي صده فيه المشركون ، معتمرا عمرة القضاء ، مكان عمرته التي صدوه عنها - قالابن هشام : واستعمل على المدينة عويف بن الأضبط الدئلي - ويقال لها : عمرة القصاص ، لأنهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ست ، فاقتص رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ، فدخل مكة في ذي القعدة ، في الشهر الحرام الذي صدوه فيه من سنة سبع . بلغنا عن ابن عباس أنه قال : فأنزل الله تعالى في ذلك : والحرمات قصاص .
وقال معتمر بن سليمان ، عن أبيه في " مغازيه " : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر أقام بالمدينة وبعث سراياه ، حتى استهل ذي القعدة ، فنادى في الناس أن يتجهزوا للعمرة . فتجهزوا وخرجوا إلى مكة .
وقال ابن إسحاق : وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه في عمرته [ ص: 375 ] تلك ، وهي سنة سبع ، فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه ، وتحدثت قريش بينها أن محمدا وأصحابه في عسرة وجهد وشدة .
قال ابن إسحاق : فحدثني من لا أتهم ، عن عبد الله بن عباس قال : صفوا له عند دار الندوة ، لينظروا إليه وإلى أصحابه ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ، اضطبع بردائه ، وأخرج عضده اليمنى ، ثم قال : " رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة " . ثم استلم الركن ، وخرج يهرول ، ويهرول أصحابه معه ، حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليماني ، مشى حتى يستلم الركن الأسود ، ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها فكان ابن عباس يقول : كان الناس يظنون أنها ليست عليهم ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما صنعها لهذا الحي من قريش ، للذي بلغه عنهم ، حتى حج حجة الوداع ، فلزمها ، فمضت السنة بها .
وقال البخاري : ثنا سليمان بن حرب ، ثنا حماد ، هو ابن زيد ، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فقال المشركون : إنه يقدم عليكم وفد وهنهم حمى يثرب . [ ص: 376 ] فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، وأن يمشوا ما بين الركنين ، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم قال أبو عبد الله : وزاد ابن سلمة - يعني حماد بن سلمة - عن أيوب ، عن سعيد ، عن ابن عباس قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم لعامهم الذي استأمن قال : " ارملوا " . ليرى المشركون قوتهم ، والمشركون من قبل قعيقعان ورواه مسلم ، عن أبي الربيع الزهراني ، عن حماد بن زيد . وأسند البيهقي طريق حماد بن سلمة
وقال البخاري : ثنا علي بن عبد الله ، ثنا سفيان ، ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، سمع ابن أبي أوفى يقول : لما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سترناه من غلمان المشركين ومنهم ، أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وسيأتي بقية الكلام على هذا المقام .
قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة في تلك العمرة ، دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته يقول :
خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير في رسوله [ ص: 377 ]
يا رب إني مؤمن بقيله أعرف حق الله في قبوله
نحن قتلناكم على تأويله كما قتلناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله
قال ابن هشام : نحن قتلناكم على تأويله . إلى آخر الأبيات لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم . يعني يوم صفين . قاله السهيلي . قال ابن هشام : والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين ، والمشركون لم يقروا بالتنزيل ، وإنما يقتل على التأويل من أقر بالتنزيل .
وفيما قاله ابن هشام نظر ، فإن الحافظ البيهقي روى من غير وجه ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أنس قال : لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء ، مشى عبد الله بن رواحة بين يديه - وفي رواية : وهو آخذ بغرزه - وهو يقول :
خلوا بني الكفار عن سبيله قد نزل الرحمن في تنزيله
بأن خير القتل في سبيله نحن قتلناكم على تأويله
وفي رواية بهذا الإسناد بعينه : [ ص: 378 ]
خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله
يا رب إني مؤمن بقيله
وقال يونس بن بكير ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام القضية مكة فطاف بالبيت على ناقته ، واستلم الركن بمحجنه - قال هشام : من غير علة - والمسلمون يشتدون حوله ، وعبد الله بن رواحة يقول :
بسم الذي لا دين إلا دينه بسم الذي محمد رسوله
خلوا بني الكفار عن سبيله
قال موسى بن عقبة عن الزهري : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل من عام الحديبية معتمرا ، في ذي القعدة سنة سبع ، وهو الشهر الذي صده المشركون عن المسجد الحرام ، حتى إذا بلغ يأجج وضع الأداة كلها ، الحجف والمجان والرماح والنبل ، ودخلوا بسلاح الراكب ، السيوف ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة بنت الحارث [ ص: 379 ] العامرية ، فخطبها عليه ، فجعلت أمرها إلى العباس ، وكان تحته أختها أم الفضل بنت الحارث ، فزوجها العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أمر أصحابه فقال : " اكشفوا عن المناكب ، واسعوا في الطواف " . ليرى المشركون جلدهم وقوتهم ، وكان يكايدهم بكل ما استطاع ، فاستكف أهل مكة ، الرجال والنساء والصبيان ، ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وهم يطوفون بالبيت ، وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشحا بالسيف وهو يقول :
خلوا بني الكفار عن سبيله أنا الشهيد أنه رسوله
قد أنزل الرحمن في تنزيله في صحف تتلى على رسوله
فاليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله
قال : وتغيب رجال من أشراف المشركين أن ينظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، غيظا ، وحنقا ، ونفاسة ، وحسدا ، وخرجوا إلى الخندمة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وأقام ثلاث ليال ، وكان ذلك آخر القضية يوم الحديبية فلما أن أصبح من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو ، وحويطب بن عبد العزى ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة ، فصاح حويطب بن عبد العزى : نناشدك الله والعقد لما خرجت من أرضنا ، فقد مضت الثلاث . فقال سعد بن عبادة كذبت ، لا أم لك ، ليس بأرضك ولا [ ص: 380 ] بأرض آبائك ، والله لا يخرج . ثم نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيلا وحويطبا فقال : " إني قد نكحت فيكم امرأة ، فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها ، ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا ؟ " . فقالوا : نناشدك الله والعقد إلا خرجت عنا . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع فأذن بالرحيل ، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بطن سرف ، وأقام المسلمون ، وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع ليحمل ميمونة ، وأقام بسرف حتى قدمت عليه ميمونة ، وقد لقيت ميمونة ومن معها عناء وأذى من سفهاء المشركين ومن صبيانهم ، فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف ، فبنى بها ، ثم أدلج ، فسار حتى قدم المدينة وقدر الله أن يكون موت ميمونة بسرف بعد ذلك بحين ، فماتت حيث بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر قصة ابنة حمزة ، إلى أن قال : وأنزل الله عز وجل ، في تلك العمرة : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فاعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشهر الحرام الذي صد فيه ، وقد روى ابن لهيعة عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير نحوا من هذا السياق .
ولهذا السياق شواهد كثيرة من أحاديث متعددة ، ففي " صحيح البخاري " من طريق فليح بن سليمان ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا ، فحال كفار قريش بينه وبين البيت ، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية ، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل ، ولا يحمل سلاحا [ ص: 381 ] إلا سيوفا ، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا ، فاعتمر من العام المقبل ، فدخلها كما كان صالحهم ، فلما أن أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج .
وقال الواقدي : حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه ، عن ابن عمر قال : لم تكن هذه عمرة قضاء ، وإنما كانت شرطا على المسلمين أن يعتمروا من قابل ، في الشهر الذي صدهم فيه المشركون .
وقال أبو داود : ثنا النفيلي ، ثنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، سمعت أبا حاضر الحميري يحدث أبي ميمون بن مهران قال : خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة ، وبعث معي رجال من قومي بهدي . قال : فلما انتهينا إلى أهل الشام ، منعونا أن ندخل الحرم . قال : فنحرت الهدي مكاني ، ثم أحللت ، ثم رجعت ، فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي ، فأتيت ابن عباس فسألته ، فقال : أبدل الهدي ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء . تفرد به أبو داود من حديث أبي حاضر عثمان بن حاضر الحميري ، عن ابن عباس ، فذكره .
وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا الحاكم ، أنبأنا الأصم ، ثنا أحمد بن عبد الجبار ، ثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، حدثني عمرو بن ميمون قال : [ ص: 382 ] كان أبي يسأل كثيرا : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدل هديه الذي نحر ، حين صده المشركون عن البيت ؟ ولا يجد في ذلك شيئا ، حتى سمعته يسأل أبا حاضر الحميري عن ذلك ، فقال له : على الخبير سقطت ، حججت عام ابن الزبير في الحصر الأول ، فأهديت هديا ، فحالوا بيننا وبين البيت ، فنحرت في الحرم ، ورجعت إلى اليمن ، وقلت : لي برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة . فلما كان العام المقبل حججت ، فلقيت ابن عباس ، فسألته عما نحرت : علي بدله أم لا ؟ قال : نعم فأبدل ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أبدلوا الهدي الذي نحروا عام صدهم المشركون ، فأبدلوا ذلك في عمرة القضاء فعزت الإبل عليهم ، فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في البقر .
وقال الواقدي : حدثني غانم بن أبي غانم ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب الأسلمي على هديه ، يسير بالهدي أمامه ، يطلب الرعي في الشجر ، معه أربعة فتيان من أسلم ، وقد ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية ستين بدنة .
فحدثني محمد بن نعيم المجمر ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : كنت مع صاحب البدن أسوقها .
قال الواقدي : وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي والمسلمون معه يلبون ، ومضى محمد بن مسلمة بالخيل إلى مر الظهران ، فيجد بها نفرا من [ ص: 383 ] قريش ، فسألوا محمد بن مسلمة ، فقال : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله . ورأوا سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد ، فخرجوا سراعا حتى أتوا قريشا ، فأخبروهم بالذي رأوا من السلاح والخيل ، ففزعت قريش وقالوا : والله ما أحدثنا حدثا ، وإنا على كتابنا وهدنتنا ، ففيم يغزونا محمد في أصحابه ؟ ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران ، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح إلى بطن يأجج ، حيث ينظر إلى أنصاب الحرم ، وبعثت قريش مكرز بن حفص بن الأحنف في نفر من قريش ، حتى لقوه ببطن يأجج ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه والهدي والسلاح ، قد تلاحقوا ، فقالوا : يا محمد ، ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر ، تدخل بالسلاح في الحرم على قومك ، وقد شرطت لهم أن لا تدخل إلا بسلاح المسافر ، السيوف في القرب ؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني لا أدخل عليهم السلاح " . فقال مكرز بن حفص : هذا الذي تعرف به ، البر والوفاء . ثم رجع سريعا بأصحابه إلى مكة فقال : إن محمدا لا يدخل بسلاح ، وهو على الشرط الذي شرط لكم . فلما أن جاء مكرز بن حفص يخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، خرجت قريش من مكة إلى رءوس الجبال ، وخلوا مكة ، وقالوا : لا ننظر إليه ولا إلى أصحابه ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدي أمامه حتى حبس بذي طوى ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو على ناقته القصواء ، وهم محدقون به يلبون ، وهم متوشحون السيوف ، فلما انتهى إلى ذي طوى ، وقف على ناقته القصواء ، والمسلمون حوله ، ثم دخل من الثنية التي تطلعه على الحجون على راحلته القصواء ، وابن رواحة آخذ بزمامها ، وهو يرتجز [ ص: 384 ] بشعره ويقول :
خلوا بني الكفار عن سبيله
إلى آخره .
وفي " الصحيحين " من حديث ابن عباس قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة - يعني من ذي القعدة سنة سبع - فقال المشركون : إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتهم حمى يثرب . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، وأن يمشوا ما بين الركنين ، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم .
قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن الصباح ، ثنا إسماعيل ، يعني ابن زكريا ، عن عبد الله بن عثمان ، عن أبي الطفيل ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مر الظهران في عمرته ، بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشا تقول : ما يتباعثون من العجف . فقال أصحابه : لو انتحرنا من ظهرنا ، فأكلنا من لحمه ، وحسونا من مرقه ، أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة . فقال : " لا تفعلوا ، ولكن اجمعوا لي من أزوادكم " . [ ص: 385 ] فجمعوا له ، وبسطوا الأنطاع ، فأكلوا حتى تركوا ، وحثا كل واحد منهم في جرابه ، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد ، وقعدت قريش نحو الحجر ، فاضطبع بردائه ثم قال : " لا يرى القوم فيكم غميزة " . فاستلم الركن ثم رمل ، حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود فقالت قريش : ما يرضون بالمشي ، أما إنهم لينقزون نقز الظباء! ففعل ذلك ثلاثة أطواف ، فكانت سنة قال أبو الطفيل : وأخبرني ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في حجة الوداع . تفرد به أحمد من هذا الوجه .
قال أبو داود : ثنا أبو سلمة موسى ، ثنا حماد - يعني ابن سلمة - أنبأنا أبو عاصم الغنوي ، عن أبي الطفيل قال : قلت لابن عباس : يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمل بالبيت ، وأن ذلك سنة . فقال : صدقوا وكذبوا . قلت : ما صدقوا وما كذبوا ؟! قال : صدقوا ، رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبوا ليس بسنة ، إن قريشا زمن الحديبية قالت : دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف . فلما صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام ، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركون من قبل قعيقعان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " ارملوا بالبيت ثلاثا " . قال : وليس بسنة وقد رواه مسلم من [ ص: 386 ] حديث سعيد الجريري ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين ، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر ، ثلاثتهم عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، عن ابن عباس ، به نحوه .
وكون الرمل في الطواف سنة مذهب الجمهور ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل في عمرة القضاء ، وفي عمرة الجعرانة أيضا ، كما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن أبي الطفيل ، عن ابن عباس ، فذكره . وثبت في حديث جابر عند مسلم وغيره ، أنه صلى الله عليه وسلم رمل في حجة الوداع في الطواف . ولهذا قال عمر بن الخطاب : فيم الرملان وقد أطأ الله الإسلام ؟ ومع هذا لا نترك شيئا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم . وموضع تقرير هذا كتاب " الأحكام " .
وكان ابن عباس في المشهور عنه لا يرى ذلك سنة ، كما ثبت في " الصحيحين " من حديث سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار عن عطاء ، عن ابن عباس قال : إنما سعى النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت وبين الصفا والمروة ، ليري [ ص: 387 ] المشركين قوته . لفظ البخاري .
وقال الواقدي : لما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسكه في القضاء ، دخل البيت ، فلم يزل فيه حتى أذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك ، فقال عكرمة بن أبي جهل : لقد أكرم الله أبا الحكم حيث لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول . وقال صفوان بن أمية : الحمد لله الذي أذهب أبي قبل أن يرى هذا . وقال خالد بن أسيد : الحمد لله الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم ، حين يقوم بلال ابن أم بلال ينهق فوق الكعبة . وأما سهيل بن عمرو ورجال معه ، لما سمعوا بذلك غطوا وجوههم . قال الحافظ البيهقي : قد أكرم الله أكثرهم بالإسلام .
قلت : كذا ذكره البيهقي من طريق الواقدي ، أن هذا كان في عمرة القضاء . والمشهور أن ذلك كان في عام الفتح . والله أعلم .================================= ذكر خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة بعد قضاء عمرته
قد تقدم ما ذكره موسى بن عقبة ، أن قريشا بعثوا إليه حويطب بن عبد العزى بعد مضي أربعة أيام ليرحل عنهم ، كما وقع به الشرط ، فعرض عليهم أن يعمل وليمة عرسه بميمونة عندهم ، وإنما أراد تأليفهم بذلك ، فأبوا عليه وقالوا : بل اخرج عنا . فخرج . وكذلك ذكره ابن إسحاق
وقال البخاري : حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة ، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة ، حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة أيام ، فلما كتبوا الكتاب ، كتبوا : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله . قالوا : لا نقر بهذا ، لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا ، ولكن أنت محمد بن عبد الله . قال : " أنا رسول الله ، وأنا محمد بن عبد الله " . ثم قال لعلي بن أبي طالب : " امح رسول الله " . قال : لا والله لا أمحوك أبدا . فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب ، وليس يحسن يكتب ، فكتب : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ، لا يدخل مكة إلا السيف في القراب ، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه ، [ ص: 394 ] وأن لا يمنع من أصحابه أحدا أراد أن يقيم بها . فلما دخلها ومضى الأجل ، أتوا عليا فقالوا : قل لصاحبك : اخرج عنا ، فقد مضى الأجل ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته ابنة حمزة تنادي : يا عم ، يا عم . فتناولها علي فأخذ بيدها ، وقال لفاطمة : دونك ابنة عمك ، فحملتها ، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر ، فقال علي : أنا أخذتها وهي ابنة عمي . وقال جعفر : ابنة عمي ، وخالتها تحتي . وقال زيد : ابنة أخي . فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال : " الخالة بمنزلة الأم " . وقال لعلي : " أنت مني وأنا منك " . وقال لجعفر : " أشبهت خلقي وخلقي " وقال لزيد : " أنت أخونا ومولانا " . قال علي : ألا تتزوج ابنة حمزة ؟ قال : " إنها ابنة أخي من الرضاعة تفرد به البخاري من هذا الوجه .
وقد روى الواقدي قصة ابنة حمزة ، فقال : حدثني ابن أبي حبيبة ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن عمارة ابنة حمزة بن عبد المطلب ، وأمها سلمى بنت عميس ، كانت بمكة ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم علي بن أبي طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " علام نترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهراني المشركين ؟ فلم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن إخراجها ، فخرج بها ، فتكلم زيد بن حارثة وكان وصي حمزة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين ، فقال : أنا أحق بها ، ابنة أخي . فلما سمع بذلك جعفر قال : الخالة والدة ، وأنا أحق بها لمكان خالتها عندي أسماء بنت عميس وقال علي : ألا أراكم تختصمون! هي ابنة عمي ، وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين ، وليس [ ص: 395 ] لكم إليها سبب دوني ، وأنا أحق بها منكم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أنا أحكم بينكم ، أما أنت يا زيد فمولى الله ومولى رسول الله ، وأما أنت يا علي فأخي وصاحبي ، وأما أنت يا جعفر فتشبه خلقي وخلقي ، وأنت يا جعفر أولى بها ، تحتك خالتها ، ولا تنكح المرأة على خالتها ولا على عمتها " فقضى بها لجعفر .
قال الواقدي : فلما قضى بها لجعفر ، قام جعفر فحجل حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " ما هذا يا جعفر ؟ " فقال : يا رسول الله ، كان النجاشي إذا أرضى أحدا ، قام فحجل حوله . فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : تزوجها . فقال : " ابنة أخي من الرضاعة " . فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة بن أبي سلمة ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " هل جزيت سلمة ؟ .
قلت : لأنه ذكر الواقدي وغيره ، أنه هو الذي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمه أم سلمة ، لأنه كان أكبر من أخيه عمر بن أبي سلمة . والله أعلم .
قال ابن إسحاق : ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ذي [ ص: 396 ] الحجة ، وتولى المشركون تلك الحجة . قال ابن هشام : وأنزل الله في هذه العمرة ، فيما حدثني أبو عبيدة ، قوله تعالى : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ( الفتح : 27 ) يعني خيبر============================================== عمرة القضاء » قصة تزويجه عليه الصلاة والسلام بميمونة
إظهار التشكيل
|
إخفاء التشكيل
مسألة: الجزء السادس التحليل الموضوعي
[ ص: 388 ] وأما قصة تزويجه ، عليه الصلاة والسلام ، بميمونة
فقال ابن إسحاق : حدثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح ، عن عطاء ومجاهد ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام ، وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب قال ابن هشام : كانت جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل ، فجعلت أم الفضل أمرها إلى زوجها العباس ، فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصدقها عنه أربعمائة درهم . وذكر السهيلي أنه لما انتهت إليها خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وهي راكبة بعيرا قالت : الجمل وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : وفيها نزلت الآية : وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين ( الأحزاب : 50 ) .
وقد روى البخاري من طريق أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم ، وبنى بها وهو حلال ، وماتت بسرف . [ ص: 389 ]
قال السهيلي : وروى الدارقطني من طريق أبي الأسود يتيم عروة ، ومن طريق مطر الوراق ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال ، قال : وتأولوا رواية ابن عباس الأولى أنه كان محرما ، أي في شهر حرام ، كما قال الشاعر :
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما فدعا فلم أر مثله مخذولا
أي في شهر حرام .
قلت : وفي هذا التأويل نظر ، لأن الروايات متظافرة عن ابن عباس بخلاف ذلك ، ولا سيما قوله : تزوجها وهو محرم ، وبنى بها وهو حلال ، وقد كان في شهر ذي القعدة أيضا ، وهو شهر حرام .
وقال محمد بن يحيى الذهلي : ثنا عبد الرزاق قال : قال لي الثوري : لا تلتفت إلى قول أهل المدينة ، أخبرني عمرو ، عن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج وهو محرم . قال أبو عبد الله : قلت لعبد الرزاق : روى سفيان الحديثين جميعا ، عن عمرو بن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس ، وابن خثيم ، [ ص: 390 ] عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ؟ قال : نعم ، أما حديث ابن خثيم فحدثنا هاهنا - يعني باليمن - وأما حديث عمرو فحدثنا ثم - يعني بمكة - وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث عمرو بن دينار به .
وفي " صحيح البخاري " من طريق الأوزاعي ، أنبأنا عطاء ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم .
فقال سعيد بن المسيب : وهل ابن عباس ، وإن كانت خالته ، ما تزوجها إلا بعد ما أحل .
وقال يونس ، عن ابن إسحاق : حدثني ثقة ، عن سعيد بن المسيب أنه قال : هذا عبد الله بن عباس ، يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم . فذكر كلمته : إنما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، فكان الحل والنكاح جميعا ، فشبه ذلك على الناس . [ ص: 391 ]
وروى مسلم وأهل السنن من طرق ، عن يزيد بن الأصم العامري ، عن خالته ميمونة بنت الحارث قالت : تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف . لكن قال الترمذي : روى غير واحد هذا الحديث ، عن يزيد بن الأصم مرسلا ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال .
وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصفهاني الزاهد ، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، ثنا سليمان بن حرب ، ثنا حماد بن زيد ، ثنا مطر الوراق ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن سليمان بن يسار ، عن أبي رافع قال : تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال ، وبنى بها وهو حلال ، وكنت الرسول بينهما ، وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا ، عن قتيبة ، عن حماد بن زيد ، به . ثم قال الترمذي : حسن ، ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد ، عن مطر ، ورواه مالك ، عن ربيعة ، عن سليمان مرسلا ، ورواه سليمان بن بلال ، عن ربيعة [ ص: 392 ] مرسلا .
قلت : وكانت وفاتها بسرف سنة ثلاث وستين ، ويقال : سنة ستين . رضي الله عنها
فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم حصون خيبر==حصار رسول الله أهل خيبر ==فصل من شهد خيبر
======فصل من استشهد بخيبر من الصحابة==فصل في مروره صلى الله عليه وسلم بوادي القرى ومحاصرته قوما من اليهود ، ومصالحة يهود تيماء على ما ذكره الواقدي====
على ما ذكره ابن إسحاق بن يسار ، رحمه الله ، وغيره من أصحاب المغازي
فمن خير المهاجرين ، ربيعة بن أكثم بن سخبرة الأسدي ، مولى بني أمية ، وثقيف بن عمرو ، ورفاعة بن مسروح ، حلفاء بني أمية ، وعبد الله [ ص: 341 ] بن الهبيب بن أهيب بن سحيم بن غيرة ، من بني سعد بن ليث ، حليف بني أسد وابن أختهم .
ومن الأنصار ، بشر بن البراء بن معرور - من أكلة الشاة المسمومة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم - وفضيل بن النعمان السلميان ، ومسعود بن سعد بن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق الزرقي ، ومحمود بن مسلمة الأشهلي ، وأبو ضياح بن ثابت بن النعمان العمري ، والحارث بن حاطب ، وعروة بن مرة بن سراقة ، وأوس الفائد ، وأنيف بن حبيب ، وثابت بن أثلة ، وطلحة ، وعمارة بن عقبة رمي بسهم فقتله ، وعامر بن الأكوع ، أصابه طرف سيفه في ركبته فقتله ، رحمه الله كما تقدم ، والأسود الراعي . وقد أفرد ابن إسحاق هاهنا قصته ، وقد أسلفناها في أوائل الغزوة ، ولله الحمد والمنة . [ ص: 342 ]
قال ابن إسحاق : وممن استشهد بخيبر - فيما ذكره ابن شهاب - من بني زهرة ، مسعود بن ربيعة ، حليف لهم من القارة ، ومن الأنصار ثم من بني عمرو بن عوف ، أوس بن قتادة ، رضي الله عنهم أجمعين
قال ابن إسحاق ، وتدنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأموال ، يأخذها مالا مالا ، ويفتتحها حصنا حصنا ، وكان أول حصونهم فتح حصن ناعم ، وعنده قتل محمود بن مسلمة ، ألقيت عليه رحى منه فقتلته ، ثم القموص حصن بني أبي الحقيق ، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبايا ؛ منهن صفية بنت حيي بن [ ص: 279 ] أخطب ، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وبنتا عم لها ، فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه ، وكان دحية بن خليفة قد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية ، فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتي عمها ، قال : وفشت السبايا من خيبر في المسلمين ، وأكل الناس لحوم الحمر . فذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم عن أكلها . وقد اعتنى البخاري بهذا الفصل ؛ فأورد النهي عنها من طرق جيدة ، وتحريمها مذهب جمهور العلماء سلفا وخلفا ، وهو مذهب الأئمة الأربعة . وقد ذهب بعض السلف - منهم ابن عباس - إلى إباحتها وتنوعت أجوبتهم عن الأحاديث الواردة في النهي عنها ، فقيل : لأنها كانت ظهرا يستعينون بها في الحمولة ، وقيل : لأنها لم تكن خمست بعد . وقيل : لأنها كانت تأكل العذرة . يعني جلالة . [ ص: 280 ]
والصحيح أنه نهي عنها لذاتها ؛ فإن في الأثر الصحيح أنه نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر ؛ فإنها رجس . فأكفئوها والقدور تفور بها . وموضع تقرير ذلك في كتاب " الأحكام " .
قال ابن إسحاق : حدثني سلام بن كركرة ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن عبد الله - ولم يشهد جابر خيبر - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر أذن لهم في لحوم الخيل . وهذا الحديث أصله ثابت في " الصحيحين " من حديث حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن علي ، عن جابر رضي الله عنه ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ، ورخص في الخيل . لفظ البخاري .
قال ابن إسحاق : وحدثنا عبد الله بن أبي نجيح ، عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم يومئذ عن أربع ؛ عن إتيان الحبالى من النساء ، وعن أكل الحمار الأهلي ، وعن أكل كل ذي ناب من السباع ، وعن بيع المغانم حتى تقسم . وهذا مرسل .
وقال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي مرزوق مولى تجيب ، عن حنش الصنعاني قال : غزونا مع رويفع بن ثابت الأنصاري [ ص: 281 ] المغرب ، فافتتح قرية من قرى المغرب يقال لها : جربة . فقام فينا خطيبا فقال : أيها الناس ، إني لا أقول فيكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فينا يوم خيبر ؛ قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره " يعني إتيان الحبالى من السبي " ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه وهكذا روى هذا الحديث أبو داود من طريق محمد بن إسحاق ، به . ورواه الترمذي ، عن عمر بن حفص الشيباني ، عن ابن وهب ، عن يحيى بن أيوب ، عن ربيعة بن سليم ، عن بسر بن عبيد الله ، عن رويفع بن ثابت ، مختصرا ، وقال : حسن . [ ص: 282 ]
وفي " صحيح البخاري " عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن أكل الثوم . وقد حكى ابن حزم ، عن علي وشريك بن الحنبل ، أنهما ذهبا إلى تحريم البصل والثوم النيئ . والذي نقله الترمذي عنهما الكراهة . فالله أعلم .
وقد تكلم الناس في الحديث الوارد في " الصحيحين " من طريق الزهري ، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية ، عن أبيهما ، عن أبيه علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر ، وعن لحوم الحمر الأهلية . هذا لفظ " الصحيحين " من طريق مالك وغيره ، عن الزهري وهو يقتضي تقييد تحريم نكاح المتعة بيوم خيبر وهو مشكل من وجهين ؛ أحدهما ، أن يوم خيبر لم يكن ثم نساء يتمتعون بهن ؛ إذ قد حصل لهم الاستغناء بالسباء عن نكاح المتعة . الثاني ، أنه قد ثبت في " صحيح مسلم " عن الربيع بن سبرة بن معبد ، عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لهم في المتعة زمن الفتح ، ثم لم يخرج من مكة حتى نهى عنها ، وقال : " إن الله قد حرمها إلى يوم القيامة فعلى هذا يكون قد نهى عنها ثم أذن فيها ، ثم حرمت ، فيلزم النسخ مرتين ، وهو بعيد . ومع هذا فقد نص [ ص: 283 ] الشافعي على أنه لا يعلم شيئا أبيح ثم حرم ، ثم أبيح ثم حرم ، غير نكاح المتعة ، وما حداه على هذا - رحمه الله - إلا اعتماده على هذين الحديثين ، كما قدمناه .
وقد حكى السهيلي وغيره ، عن بعضهم أنه ادعى أنها أبيحت ثلاث مرات ، وحرمت ثلاث مرات . وقال آخرون : أربع مرات . وهذا بعيد جدا . والله أعلم . واختلفوا ؛ أي وقت أول ما حرمت ؟ فقيل : في خيبر . وقيل : في عمرة القضاء . وقيل : في عام الفتح . وهو الذي يظهر ، وقيل : في أوطاس . وهو قريب من الذي قبله . وقيل : في تبوك . وقيل : في حجة الوداع . رواه أبو داود .
وقد حاول بعض العلماء أن يجيب عن حديث علي ، رضي الله عنه ، بأنه وقع فيه تقديم وتأخير .
وإنما المحفوظ فيه ما رواه الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن الحسن وعبد الله ابني محمد عن أبيهما - وكان حسن أرضاهما في أنفسهما - أن عليا قال لابن عباس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح [ ص: 284 ] المتعة ، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر قالوا : فاعتقد الراوي أن قوله : " خيبر " ظرف للمنهي عنهما ، وليس كذلك ، إنما هو ظرف للنهي عن لحوم الحمر ، فأما نكاح المتعة فلم يذكر له ظرفا ، وإنما جمعه معه ؛ لأن عليا ، رضي الله عنه ، بلغه أن ابن عباس أباح نكاح المتعة ، ولحوم الحمر الأهلية ، كما هو المشهور عنه ، فقال له أمير المؤمنين علي : إنك امرؤ تائه ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر . فجمع له النهي ليرجع عما كان يعتقده في ذلك من الإباحة . وإلى هذا التقرير كان ميل شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي ، تغمده الله برحمته ، آمين . ومع هذا ما رجع ابن عباس عما كان يذهب إليه من إباحة الحمر والمتعة ، أما النهي عن الحمر فتأوله بأنها كانت حمولتهم ، وأما المتعة فإنما كان يبيحها عند الضرورة في الأسفار ، وحمل النهي على ذلك في حال الرفاهية والوجدان ، وقد تبعه على ذلك طائفة من أصحابه وأتباعهم ، ولم يزل ذلك مشهورا عن علماء الحجاز ، إلى زمن ابن جريج ، وبعده . وقد حكي عن الإمام أحمد بن حنبل رواية كمذهب ابن عباس ، وهي ضعيفة ، وحاول بعض من صنف في الخلاف نقل رواية عن الإمام أحمد بمثل ذلك ، ولا يصح أيضا . والله أعلم . وموضع تحرير ذلك في كتاب " الأحكام " وبالله المستعان . [ ص: 285 ]
قال ابن إسحاق : ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدنى الحصون والأموال ، فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدثه بعض من أسلم أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : والله يا رسول الله ، لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء . فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يعطيهم إياه ، فقال : " اللهم إنك قد عرفت حالهم ، وأن ليست بهم قوة ، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه ، فافتح عليهم أعظم حصونها عندهم ، وأكثرها طعاما وودكا " فغدا الناس ففتح عليهم حصن الصعب بن معاذ ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه .
قال ابن إسحاق : ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ما افتتح ، وحاز من الأموال ما حاز ، انتهوا إلى حصنهم الوطيح ، والسلالم ، وكان آخر حصون خيبر افتتاحا ، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة . قال ابن هشام : وكان شعارهم يوم خيبر يا منصور ، أمت أمت .
قال ابن إسحاق : وحدثني بريدة بن سفيان الأسلمي ، عن بعض [ ص: 286 ] رجال بني سلمة ، عن أبي اليسر كعب بن عمرو قال : إنا لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ذات عشية ، إذ أقبلت غنم لرجل من يهود ، تريد حصنهم ونحن محاصروهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من رجل يطعمنا من هذه الغنم ؟ " . قال أبو اليسر : فقلت : أنا يا رسول الله . قال : " فافعل " . قال : فخرجت أشتد مثل الظليم ، فلما نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا قال : " اللهم أمتعنا به " . قال : فأدركت الغنم وقد دخلت أولها الحصن ، فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدي ، ثم جئت بهما أشتد كأنه ليس معي شيء ، حتى ألقيتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذبحوهما فأكلوهما ، فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم موتا ، وكان إذا حدث هذا الحديث بكى ، ثم قال : أمتعوا بي لعمري ، حتى كنت من آخرهم موتا .
وقال الحافظ البيهقي في " الدلائل " : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني ، حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي ، حدثنا سعدان بن نصر ، حدثنا أبو معاوية ، عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، أو عن أبي قلابة قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر قدم والثمرة خضرة ، قال : فأسرع الناس فيها ، فحموا ، فشكوا ذلك إليه ، فأمرهم أن يقرسوا الماء في الشنان ، ثم [ ص: 287 ] يحدروا عليهم بين أذاني الفجر ، ويذكروا اسم الله عليه ، ففعلوا ذلك فكأنما نشطوا من عقل . قال البيهقي : ورويناه عن عبد الرحمن بن رافع موصولا ، وعنه : بين صلاتي المغرب والعشاء .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى وبهز قالا : حدثنا سليمان بن المغيرة ، حدثنا حميد بن هلال ، حدثنا عبد الله بن مغفل ، قال : دلي جراب من شحم يوم خيبر . قال : فالتزمته ، فقلت : لا أعطي أحدا منه شيئا . قال : فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم .
وقال أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا شعبة ، عن حميد بن هلال ، عن عبد الله بن مغفل ، قال : كنا محاصرين قصر خيبر ، فألقي إلينا جراب فيه شحم ، فذهبت آخذه ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فاستحييت . وقد أخرجه صاحبا " الصحيح " من حديث شعبة . ورواه مسلم أيضا عن شيبان بن فروخ ، عن سليمان بن المغيرة به نحوه . [ ص: 288 ]
وقال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم ، عن عبد الله بن مغفل المزني ، قال : أصبت من فيء خيبر جراب شحم . قال : فاحتملته على عنقي إلى رحلي وأصحابي . قال : فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها ، فأخذ بناحيته ، وقال : هلم هذا حتى نقسمه بين المسلمين قال : وقلت : لا والله لا أعطيكه . قال : وجعل يجاذبني الجراب . قال : فرآنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصنع ذلك فتبسم ضاحكا ، ثم قال لصاحب المغانم : " لا أبا لك ، خل بينه وبينه " قال : فأرسله ، فانطلقت به إلى رحلي وأصحابي فأكلناه . وقد استدل الجمهور بهذا الحديث على الإمام مالك في تحريمه شحوم ذبائح اليهود - ما كان حراما عليهم - على غيرهم من المسلمين ؛ لأن الله تعالى قال : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ( المائدة : 5 ) قال : لكم . قال : وليس هذا من طعامهم . فاستدلوا عليه بهذا الحديث ، وفيه نظر ، وقد يكون هذا الشحم مما كان حلالا لهم . والله أعلم . وقد استدلوا بهذا الحديث على أن الطعام لا يخمس .
ويعضد ذلك ما رواه الإمام أبو داود : حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا أبو إسحاق الشيباني ، عن محمد بن أبي مجالد ، عن [ ص: 289 ] عبد الله بن أبي أوفى قال : قلت : هل كنتم تخمسون الطعام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أصبنا طعاما يوم خيبر ، فكان الرجل يجيء ، فيأخذ منه قدر ما يكفيه ، ثم ينصرف . تفرد به أبو داود ، وهو حسن .=============================قال ابن إسحاق : وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم ، حتى إذا أيقنوا بالهلكة ، سألوه أن يسيرهم وأن يحقن دماءهم ، ففعل ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الأموال كلها ؛ الشق ، والنطاة ، والكتيبة ، وجميع حصونهم ، إلا ما كان من ذينك الحصنين ، فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا ، بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم ، ويخلوا له الأموال ، ففعل ، وكان ممن مشى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود ، أخو بني حارثة ، فلما نزل أهل خيبر على ذلك ، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم في الأموال على النصف ، وقالوا : نحن أعلم بها منكم ، وأعمر لها . فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف ، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم . وعامل أهل فدك بمثل ذلك ==================================فصل من شهد خيبر
وأما من شهد خيبر من العبيد والنساء ، فرضخ لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الغنيمة ، ولم يسهم لهم .
قال أبو داود : حدثنا أحمد بن حنبل ، ثنا بشر بن المفضل ، عن محمد بن زيد ، حدثني عمير مولى آبي اللحم قال : شهدت خيبر مع سادتي ، فكلموا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بي فقلدت سيفا ، فإذا أنا أجره ، فأخبر أني مملوك ، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع . ورواه الترمذي والنسائي جميعا ، عن قتيبة ، عن بشر بن المفضل به . وقال الترمذي : حسن صحيح . ورواه ابن ماجه ، عن علي بن محمد عن وكيع ، عن هشام بن سعد ، عن محمد بن زيد بن [ ص: 312 ] المهاجر عن قنفذ ، عن عمير ، به .
وقال محمد بن إسحاق : وشهد خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء ، فرضخ لهن ، ولم يضرب لهن بسهم ، حدثني سليمان بن سحيم ، عن أمية بنت أبي الصلت ، عن امرأة من بني غفار قد سماها لي ، قالت : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من بني غفار ، فقلنا : يا رسول الله ، قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا - وهو يسير إلى خيبر - فنداوي الجرحى ، ونعين المسلمين بما استطعنا . فقال : " على بركة الله " . قالت : فخرجنا معه . قالت : وكنت جارية حدثة ، فأردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقيبة رحله . قالت : فوالله لنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح وأناخ ، ونزلت عن حقيبة رحله . قالت : وإذا بها دم مني ، وكانت أول حيضة حضتها . قالت : فتقبضت إلى الناقة واستحييت . فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ، ورأى الدم ، قال : " ما لك ؟ لعلك نفست؟ " قالت : قلت : نعم . قال : " فأصلحي من نفسك ، ثم خذي إناء من ماء ، فاطرحي فيه ملحا ، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم ، ثم عودي لمركبك " . قالت : فلما فتح الله خيبر ، رضخ لنا من الفيء ، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي ، فأعطانيها وعلقها بيده في عنقي ، فوالله لا [ ص: 313 ] تفارقني أبدا . وكانت في عنقها حتى ماتت ، ثم أوصت أن تدفن معها . قالت : وكانت لا تطهر من حيضها إلا جعلت في طهورها ملحا ، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت وهكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود ، من حديث محمد بن إسحاق به . قال شيخنا أبو الحجاج المزي في " أطرافه " : ورواه الواقدي ، عن أبي بكر بن أبي سبرة ، عن سليمان بن سحيم ، عن أم علي بنت أبي الحكم ، عن أمية بنت أبي الصلت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، ثنا رافع بن سلمة الأشجعي ، حدثني حشرج بن زياد ، عن جدته أم أبيه ، قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة خيبر وأنا سادسة ست نسوة . قالت : فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن معه نساء . قالت : فأرسل إلينا فدعانا . قالت : فرأينا في وجهه الغضب ، فقال : " ما أخرجكن ، وبأمر من خرجتن؟ " قلنا : خرجنا نناول السهام ، ونسقي السويق ، ومعنا دواء للجرحى ، ونغزل الشعر فنعين به في سبيل الله . قال : " قمن فانصرفن " . قالت : فلما فتح الله عليه خيبر أخرج لنا سهاما كسهام الرجال . فقلت لها : يا جدة ، وما الذي أخرج لكن ؟ قالت : تمرا .
قلت : إنما أعطاهن من الحاصل ، فأما أنه أسهم لهن في الأرض كسهام [ ص: 314 ] الرجال فلا . والله أعلم .
وقال الحافظ البيهقي : وفي كتابي ، عن أبي عبد الله الحافظ ، أن عبد الله الأصبهاني أخبره ، حدثنا الحسين بن الجهم ، ثنا الحسين بن الفرج ، ثنا الواقدي ، حدثني عبد السلام بن موسى بن جبير ، عن أبيه ، عن جده ، عن عبد الله بن أنيس ، قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ، ومعي زوجتي وهي حبلى ، فنفست في الطريق ، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : " انقع لها تمرا ، فإذا انغمر بله ، فامرثه لتشربه " . ففعلت ، فما رأت شيئا تكرهه ، فلما فتحنا خيبر أجدى النساء ، ولم يسهم لهن ، فأجدى زوجتي وولدي الذي ولد قال عبد السلام : لست أدري غلام أو جارية .==============================ذكر قصة الشاة المسمومة ، وما كان من البرهان الذي ظهر عندها
قال البخاري : رواه عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . ثم قال : حدثنا عبد الله بن يوسف ، ثنا الليث ، حدثني سعيد ، عن أبي هريرة قال : لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم . هكذا أورده هاهنا مختصرا .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، ثنا ليث ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة قال : لما فتحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود " . فجمعوا له ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني سائلكم عن شيء ، فهل أنتم صادقي عنه ؟ " قالوا : نعم يا أبا القاسم . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أبوكم ؟ قالوا : أبونا فلان . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كذبتم ، بل أبوكم فلان " . قالوا : [ ص: 325 ] صدقت وبررت . فقال : " هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه ؟ " قالوا : نعم يا أبا القاسم ، وإن كذبناك عرفت كذبنا ، كما عرفته في أبينا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أهل النار ؟ " فقالوا : نكون فيها يسيرا ، ثم تخلفونا فيها . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والله لا نخلفكم فيها أبدا " . ثم قال لهم : " هل أنتم صادقي عن شيء سألتكم ؟ " فقالوا : نعم يا أبا القاسم . فقال : " هل جعلتم في هذه الشاة سما ؟ " فقالوا : نعم . قال : " ما حملكم على ذلك ؟ " . قالوا : أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك ، وإن كنت نبيا لم يضرك .
وقد رواه البخاري في الجزية ، عن عبد الله بن يوسف ، وفي المغازي أيضا ، عن قتيبة كلاهما عن الليث ، به .
وقال البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو العباس الأصم ، حدثنا سعيد بن سليمان ، ثنا عباد بن العوام ، عن سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة [ ص: 326 ] أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة ، فقال لأصحابه : " أمسكوا ، فإنها مسمومة " وقال لها : ما حملك على ما صنعت ؟ قالت : أردت أن أعلم ، إن كنت نبيا فسيطلعك الله عليه ، وإن كنت كاذبا أريح الناس منك . قال : فما عرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود ، عن هارون بن عبد الله ، عن سعيد بن سليمان ، به . ثم روى البيهقي ، عن طريق عبد الملك بن أبي نضرة ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله نحو ذلك .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سريج ، ثنا عباد ، عن هلال - هو ابن خباب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة ، فأرسل إليها فقال : " ما حملك على ما صنعت ؟ " قالت : أحببت - أو أردت - إن كنت نبيا فإن الله سيطلعك عليه ، وإن لم تكن نبيا أريح الناس منك . قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد من ذلك شيئا احتجم . قال : فسافر مرة ، فلما أحرم وجد من ذلك شيئا فاحتجم تفرد به أحمد ، وإسناده حسن .
وفي " الصحيحين " من حديث شعبة ، عن هشام بن زيد ، عن أنس بن مالك أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة ، فأكل منها ، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألها عن ذلك ، قالت : أردت لأقتلك . فقال : " ما [ ص: 327 ] كان الله ليسلطك علي " . أو قال : " على ذلك " . قالوا : ألا نقتلها ؟ قال : " لا " قال : أنس فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال أبو داود : حدثنا سليمان بن داود المهري ، ثنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب : قال كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ، ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع ، فأكل منها ، وأكل رهط من أصحابه معه ، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ارفعوا أيديكم " . وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة ، فدعاها فقال لها : " أسممت هذه الشاة ؟ " قالت اليهودية : من أخبرك ؟ قال : " أخبرتني هذه التي في يدي " . وهي الذراع . قالت : نعم . قال : " فما أردت بذلك ؟ " قالت : قلت : إن كنت نبيا فلن تضرك ، وإن لم تكن نبيا استرحنا منك . فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يعاقبها ، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة ، واحتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله ، من أجل الذي [ ص: 328 ] أكل من الشاة ، حجمه أبو هند بالقرن ، والشفرة وهو مولى لبني بياضة من الأنصار .
ثم قال أبو داود : حدثنا وهب بن بقية ، ثنا خالد ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية ، نحو حديث جابر ، قال : فمات بشر بن البراء بن معرور ، فأرسل إلى اليهودية ، فقال : " ما حملك على الذي صنعت ؟ " فذكر نحو حديث جابر ، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت . ولم يذكر أمر الحجامة .
قال البيهقي : ورويناه من حديث حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : ويحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء ، ثم لما مات بشر بن البراء أمر بقتلها .
وروى البيهقي من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، أن امرأة يهودية أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية بخيبر ، فقال : " ما هذه ؟ " قالت : هدية . وحذرت أن تقول : صدقة . فلا يأكل . قال : فأكل وأصحابه ، ثم قال : " أمسكوا " . ثم قال [ ص: 329 ] للمرأة : " هل سممت هذه الشاة ؟ " قالت : من أخبرك هذا ؟ قال : " هذا العظم " . لساقها ، وهو في يده . قالت : نعم . قال : " لم ؟ " قالت : أردت إن كنت كاذبا أن نستريح منك ، وإن كنت نبيا لم يضرك . قال : فاحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكاهل ، وأمر أصحابه فاحتجموا ، ومات بعضهم . قال الزهري : فأسلمت ، فتركها النبي صلى الله عليه وسلم . قال البيهقي : هذا مرسل ، ولعله قد يكون عبد الرحمن حمله عن جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه .
وذكر ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، وكذلك موسى بن عقبة ، عن الزهري قالوا : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ، وقتل منهم من قتل ، أهدت زينب بنت الحارث اليهودية - وهي ابنة أخي مرحب - لصفية شاة مصلية وسمتها ، وأكثرت في الكتف والذراع ، لأنه بلغها أنه أحب أعضاء الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية ، ومعه بشر بن البراء بن معرور ، وهو أحد بني سلمة ، فقدمت إليهم الشاة المصلية ، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتف ، وانتهش منها ، وتناول بشر عظما فانتهش منه ، فلما استرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لقمته ، استرط بشر بن البراء ما في فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ارفعوا أيديكم ، فإن كتف هذه الشاة يخبرني أني نعيت فيها " . [ ص: 330 ] فقال بشر بن البراء : والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت ، فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمتك أن أنغصك طعامك ، فلما أسغت ما في فيك ، لم أرغب بنفسي عن نفسك ، ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها نعي . فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان ، وماطله وجعه ، حتى كان لا يتحول حتى يحول قال الزهري : قال جابر : واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ، حجمه مولى بني بياضة بالقرن والشفرة ، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده ثلاث سنين ، حتى كان وجعه الذي توفي فيه ، فقال : " ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر عدادا ، حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري " . فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا .
وقال محمد بن إسحاق : فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية ، وقد سألت : أي عضو أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل لها : الذراع ، فأكثرت فيها من السم ، ثم سمت سائر الشاة ، ثم جاءت بها ، فلما وضعتها بين يديه ، تناول الذراع ، فلاك [ ص: 331 ] منها مضغة فلم يسغها ، ومعه بشر بن البراء بن معرور ، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما بشر فأساغها ، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها ، ثم قال : " إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم " . ثم دعا بها ، فاعترفت ، فقال : " ما حملك على ذلك ؟ " قالت : بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت : إن كان كذابا استرحت منه ، وإن كان نبيا فسيخبر قال : فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومات بشر من أكلته التي أكل .
قال ابن إسحاق : وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفي فيه - ودخلت عليه أم بشر بن البراء بن معرور - : " يا أم بشر ، إن هذا الأوان وجدت انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر " . قال ابن هشام : الأبهر : العرق المعلق بالقلب . قال : فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا ، مع ما أكرمه الله به من النبوة .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا هلال بن بشر وسليمان بن سيف [ ص: 332 ] الحراني قالا : ثنا أبو عتاب سهل بن حماد ، ثنا عبد الملك بن أبي نضرة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري : أن يهودية أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة سميطا ، فلما بسط القوم أيديهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمسكوا فإن عضوا من أعضائها يخبرني أنها مسمومة " . فأرسل إلى صاحبتها : " أسممت طعامك ؟ " قالت : نعم . قال : " ما حملك على ذلك ؟ " قالت : إن كنت كاذبا أن أريح الناس منك ، وإن كنت صادقا علمت أن الله سيطلعك عليه . فبسط يده وقال : " كلوا بسم الله " . قال : فأكلنا وذكرنا اسم الله ، فلم يضر أحد منا ثم قال : لا يروى عن عبد الملك بن أبي نضرة إلا من هذا الوجه .
قلت : وفيه نكارة وغرابة شديدة . والله أعلم .
وذكر الواقدي أن عيينة بن حصن قبل أن يسلم رأى في منامه رؤيا ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر خيبر ، فطمع من رؤياه أن يقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظفر به ، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وجده قد افتتحها ، فقال : يا محمد ، أعطني ما غنمت من حلفائي - يعني أهل خيبر - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كذبت رؤياك " . وأخبره بما رأى ، فرجع عيينة ، فلقيه الحارث بن عوف فقال : ألم أقل إنك توضع في غير شيء ؟! والله ليظهرن محمد على ما [ ص: 333 ] بين المشرق والمغرب ، وإن يهود كانوا يخبروننا بهذا ، أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن أبي الحقيق يقول : إنا لنحسد محمدا على النبوة حيث خرجت من بني هارون ، إنه لمرسل ، ويهود لا تطاوعني على هذا ، ولنا منه ذبحان ، واحد بيثرب ، وآخر بخيبر ، قال الحارث : قلت لسلام : يملك الأرض ؟! قال : نعم والتوراة التي أنزلت على موسى ، وما أحب أن تعلم يهود بقولي فيه .================================فصل من استشهد بخيبر من الصحابة
على ما ذكره ابن إسحاق بن يسار ، رحمه الله ، وغيره من أصحاب المغازي
فمن خير المهاجرين ، ربيعة بن أكثم بن سخبرة الأسدي ، مولى بني أمية ، وثقيف بن عمرو ، ورفاعة بن مسروح ، حلفاء بني أمية ، وعبد الله [ ص: 341 ] بن الهبيب بن أهيب بن سحيم بن غيرة ، من بني سعد بن ليث ، حليف بني أسد وابن أختهم .
ومن الأنصار ، بشر بن البراء بن معرور - من أكلة الشاة المسمومة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم - وفضيل بن النعمان السلميان ، ومسعود بن سعد بن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق الزرقي ، ومحمود بن مسلمة الأشهلي ، وأبو ضياح بن ثابت بن النعمان العمري ، والحارث بن حاطب ، وعروة بن مرة بن سراقة ، وأوس الفائد ، وأنيف بن حبيب ، وثابت بن أثلة ، وطلحة ، وعمارة بن عقبة رمي بسهم فقتله ، وعامر بن الأكوع ، أصابه طرف سيفه في ركبته فقتله ، رحمه الله كما تقدم ، والأسود الراعي . وقد أفرد ابن إسحاق هاهنا قصته ، وقد أسلفناها في أوائل الغزوة ، ولله الحمد والمنة . [ ص: 342 ]
قال ابن إسحاق : وممن استشهد بخيبر - فيما ذكره ابن شهاب - من بني زهرة ، مسعود بن ربيعة ، حليف لهم من القارة ، ومن الأنصار ثم من بني عمرو بن عوف ، أوس بن قتادة ، رضي الله عنهم أجمعين =================================================فصل في مروره صلى الله عليه وسلم بوادي القرى ومحاصرته قوما من اليهود ، ومصالحة يهود تيماء على ما ذكره الواقدي
قال الواقدي : حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى ، وكان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي قد وهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا أسود يقال له : مدعم . وكان يرحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما نزلنا بوادي القرى انتهينا إلى يهود ، وقدم إليها ناس من العرب ، فبينا مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد استقبلتنا يهود بالرمي حين نزلنا ، ولم نكن على تعبية ، وهم يصيحون في آطامهم ، فيقبل سهم عائر ، فأصاب مدعما فقتله ، فقال الناس : هنيئا له بالجنة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " كلا والذي نفسي بيده ، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم ، لتشتعل عليه نارا " . [ ص: 352 ] فلما سمع بذلك الناس ، جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " شراك من نار أو شراكان من نار وهذا الحديث في " الصحيحين " من حديث مالك ، عن ثور بن يزيد ، عن أبي الغيث ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه .
قال الواقدي : فعبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال وصفهم ، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة ، وراية إلى الحباب بن المنذر ، وراية إلى سهل بن حنيف ، وراية إلى عباد بن بشر ، ثم دعاهم إلى الإسلام ، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم ، وحسابهم على الله . قال : فبرز رجل منهم ، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله ، ثم برز آخر فبرز إليه علي فقتله ، ثم برز آخر ، فبرز إليه أبو دجانة فقتله ، حتى قتل منهم أحد عشر رجلا كلما قتل منهم رجل ، دعا من بقي منهم إلى الإسلام ، ولقد كانت الصلاة تحضر ذلك اليوم ، فيصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ، ثم يعود فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله عز وجل ورسوله ، وقاتلهم حتى أمسوا ، وغدا عليهم ، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم ، وفتحها عنوة ، وغنمهم الله أموالهم ، وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا ، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي القرى أربعة أيام ، فقسم ما أصاب على أصحابه ، وترك الأرض والنخيل في أيدي اليهود [ ص: 353 ] وعاملهم عليها ، فلما بلغ يهود تيماء ما وطئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وفدك ووادي القرى ، صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية ، وأقاموا بأيديهم أموالهم ، فلما كان عمر أخرج يهود خيبر وفدك ، ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى ، لأنهما داخلتان في أرض الشام ، ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز ، وما وراء ذلك من الشام . قال : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة بعد أن فرغ من خيبر ووادي القرى ، وغنمه الله عز وجل .
قال الواقدي : حدثني يعقوب بن محمد ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة ، عن الحارث بن عبد الله بن كعب ، عن أم عمارة ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجرف وهو يقول : لا تطرقوا النساء بعد صلاة العشاء قالت : فذهب رجل من الحي ، فطرق أهله فوجد ما يكره ، فخلى سبيله ولم يهجه ، وضن بزوجته أن يفارقها ، وكان له منها أولاد ، وكان يحبها ، فعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى ما يكره
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)