الاثنين، 9 مايو 2016

ثم دخلت سنة ثمانين من الهجرة النبوية
فيها كان السيل الجحاف بمكة ; لأنه حجف على كل شيء مر به ، وحمل الحجاج من بطن مكة والجمال بما عليها ، والرجال والنساء لا يستطيع أحد أن ينقذهم منه ، وبلغ الماء إلى الحجون وغرق خلق كثير ، وقيل : إنه ارتفع حتى كاد أن يغطي البيت ، والله أعلم .
وحكى ابن جرير عن الواقدي أنه قال : كان بالبصرة في هذه السنة الطاعون الجارف . فالله أعلم . والمشهور أنه كان في سنة تسع وستين ، كما تقدم .
وفيها قطع المهلب بن أبي صفرة نهر بلخ ، وأقام بكش سنتين صابرا مصابرا للأعداء من الأتراك ، وجرت له معهم هناك فصول يطول ذكرها ، وقدم عليه في غبون هذه المدة كتاب ابن الأشعث بخلعه الحجاج ، فبعثه المهلب برمته إلى الحجاج حتى قرأه ، ثم كان ما سيأتي بيانه وتفصيله فيما بعد من حروب ابن الأشعث .
وفي هذه السنة جهز الحجاج الجيوش من البصرة والكوفة وغيرهما ; لقتال [ ص: 297 ] رتبيل ملك الترك ; ليقتصوا منه ما كان من قتل جيش عبيد الله بن أبي بكرة في السنة الماضية ، فجهز أربعين ألفا من كل من المصرين عشرين ألفا ، وأمر على الجميع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث مع أنه كان الحجاج يبغضه جدا ، حتى إنه كان يقول : ما رأيته قط إلا هممت بقتله .
ودخل ابن الأشعث يوما على الحجاج وعنده عامر الشعبي ، فقال : انظر إلى مشيته ، والله لقد هممت أن أضرب عنقه . فأسرها الشعبي إلى ابن الأشعث ، فقال ابن الأشعث : وأنا والله لأجهدن أن أزيله عن سلطانه إن طال بي وبه البقاء .
والمقصود أن الحجاج أخذ في استعراض هذه الجيوش ، وبذل فيهم العطاء ، ثم اختلف رأيه فيمن يؤمر عليهم ، ثم وقع اختياره على عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، فقدمه عليهم ، فأتى عمه إسماعيل بن الأشعث ، فقال للحجاج : إني أخاف أن تؤمره فلا يرى لك طاعة إذا جاوز جسر الفرات . فقال : ليس هو هنالك ، هو لي أهيب ، ومني أرهب أن يخالف أمري ، أو يخرج عن طاعتي ، فأمضاه عليهم ، فسار ابن الأشعث بالجيوش نحو أرض رتبيل ، فلما بلغ رتبيل مجيء ابن الأشعث بالجنود إليه كتب إليه رتبيل يعتذر مما أصاب المسلمين في بلاده في السنة الماضية ، وأنه كان لذلك كارها ، [ ص: 298 ] وأنهم ألجئوه إلى قتالهم ، وسأل من ابن الأشعث أن يصالحه ، وأن يبذل للمسلمين الخراج ، فلم يجبه ابن الأشعث إلى ذلك ، وصمم على دخول بلاده ، وجمع رتبيل جنوده ، وتهيأ له ولحربه ، وجعل ابن الأشعث كلما دخل بلدا أو مدينة ، أو أخذ قلعة من بلاد رتبيل استعمل عليها نائبا من جهته ، وجعل معه من يحفظها ، وجعل المسالح على كل أرض ومكان مخوف ، فاستحوذ على بلاد ومدن كثيرة من بلاد رتبيل ، وغنم أموالا كثيرة جزيلة ، وسبى خلقا كثيرة ، ثم حبس الناس عن التوغل في بلاد رتبيل حتى يصلحوا ما بأيديهم من البلاد ، ويتقووا بما فيها من المغلات والحواصل ، ثم يتقدموا في العام المقبل إلى أعدائهم ، فلا يزالون يجوزون الأراضي والأقاليم حتى يحاصروهم في مدينتهم - مدينة العظماء - على الكنوز والأموال والذراري حتى يغنموها ، ثم يقتلون مقاتلتهم ، وعزموا على ذلك ، وكان هذا هو الرأي .
وكتب ابن الأشعث إلى الحجاج يخبره بما وقع من الفتح ، وما صنع الله لهم ، وبهذا الرأي الذي رآه لهم ، وقال بعضهم : كان الحجاج قد وجه هميان بن عدي السدوسي إلى كرمان مسلحة لأهلها ; ليمد عامل سجستان والسند إن احتاجا إلى ذلك ، فعصى هميان ومن معه ، فوجه الحجاج إليه ابن الأشعث ، فهزمه وأقام بمن معه .
[ ص: 299 ] ومات عبيد الله بن أبي بكرة ، فكتب الحجاج إلى ابن الأشعث بإمرة سجستان مكان ابن أبي بكرة ، وجهز إلى ابن الأشعث جيشا أنفق عليه ألفي ألف سوى أعطياتهم ، وكان يدعى هذا الجيش جيش الطواويس ، وأمره بالإقدام على رتبيل ، فكان من أمره معه ما تقدم .
قال الواقدي ، و أبو معشر : وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان . وقال غيرهما : بل حج بهم سليمان بن عبد الملك . وكان على الصائفة في هذه السنة الوليد بن عبد الملك ، وعلى المدينة أبان بن عثمان ، وعلى المشرق بكماله الحجاج ، وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبي موسى ، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس بن مالك ====وممن توفي في هذه السنة من الأعيان :
أسلم مولى عمر بن الخطاب :
وهو أبو زيد بن أسلم ، أصله من سبي عين التمر ، اشتراه عمر بمكة لما حج سنة إحدى عشرة ، وتوفي وعمره مائة وأربع عشرة سنة ، وروى عن عمر عدة أحاديث ، وروى عن غيره من أصحابه أيضا ، وله مناقب كثيرة ، رحمه الله .
جبير بن نفير بن مالك الحضرمي
له صحبة ورواية ، وكان من علماء [ ص: 300 ] أهل الشام ، وكان مشهورا بالعبادة والعلم ، توفي بالشام وعمره مائة وعشرون سنة ، وقيل أكثر ، وقيل أقل .
عبد الله بن جعفر بن أبي طالب :
ولد بأرض الحبشة وأمه أسماء بنت عميس وهو آخر من رأى النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وفاة ، سكن المدينة ، ولما استشهد أبوه جعفر بمؤتة أتى النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمهم فقال : ائتوني ببني أخي . فأتي بهم كأنهم أفرخ ، فدعا بالحلاق فحلق رءوسهم ، ثم قال : اللهم اخلف جعفرا في أهله ، وبارك لعبد الله في صفقته فجاءت أمهم فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس لهم شيء ، فقال : أنا لهم عوضا من أبيهم . وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جعفر ، و عبد الله بن الزبير ، وعمرهما سبع سنين ، وهذا لم يتفق لغيرهما .
وكان عبد الله بن جعفر من أسخى الناس ، يعطي الجزيل الكثير ويستقله ، وقد تصدق مرة بألفي ألف ، وأعطى مرة رجلا ستين ألفا ، ومرة أعطى رجلا أربعة آلاف دينار ، وقيل : إن رجلا جلب مرة سكرا إلى المدينة فكسد عليه ، فلم يشتره أحد ، فأمر ابن جعفر قيمه أن يشتريه ، وأن يهبه للناس . وقيل : إن معاوية لما حج ونزل المدينة في دار مروان قال يوما لحاجبه : انظر هل ترى بالباب الحسن أو الحسين أو ابن جعفر أو فلانا - وعد جماعة - فخرج فلم ير [ ص: 301 ] أحدا ، فقيل له : هم مجتمعون عند عبد الله بن جعفر يتغدون . فأتى معاوية فأخبره فقال : ما أنا إلا كأحدهم . ثم أخذ عصا فتوكأ عليها ، ثم أتى باب ابن جعفر ، فاستأذن عليه ، ودخل فأجلسه في صدر فراشه ، فقال له معاوية : أين غداؤك يا ابن جعفر ؟ فقال : وما تشتهي من شيء فادع به . فقال معاوية : أطعمنا مخا . فقال : يا غلام هات مخا . فجاء بصحفة فأكل معاوية ، ثم قال ابن جعفر لغلامه : هات مخا . فجاء بصحفة أخرى ملآنة مخا ، إلى أن فعل ذلك ثلاث مرات ، فتعجب معاوية وقال : يا ابن جعفر ما يسعك إلا الكثير من العطاء . فلما خرج معاوية أمر له بخمسين ألف دينار . وكان ابن جعفر صديقا لمعاوية ، وكان يفد عليه كل سنة فيعطيه ألف ألف درهم ، ويقضي له مائة حاجة ، ولما حضرت معاوية الوفاة أوصى ابنه يزيد به . فلما قدم ابن جعفر على يزيد قال له : كم كان أمير المؤمنين يعطيك كل سنة ؟ قال : ألف ألف . فقال له : قد أضعفناها لك . وكان يعطيه ألفي ألف كل سنة ، فقال له عبد الله بن جعفر : بأبي أنت وأمي ، ما قلتها لأحد قبلك ، ولا أقولها لأحد بعدك . فقال يزيد : ولا أعطاكها أحد قبلي ، ولا يعطيكها أحد بعدي .
وقيل : إنه كان عند ابن جعفر جارية تغنيه تسمى عمارة ، وكان يحبها محبة عظيمة ، فحضر عنده يزيد بن معاوية يوما ، فغنت الجارية ، فلما سمعها يزيد [ ص: 302 ] افتتن بها ولم يجسر على ابن جعفر أن يطلبها منه ، خوفا أن يمنعه إياها ، فلم يزل في نفس يزيد منها حتى مات أبوه معاوية ، فبعث يزيد رجلا من أهل العراق ، ودفع إليه تجارة ، وأمره أن يتلطف في أمر هذه الجارية ، فقدم الرجل المدينة ، ونزل جوار ابن جعفر ، وأهدى إليه هدايا وتحفا كثيرة ، وأنس به ، ولا زال حتى أخذ الجارية ، وأتى بها يزيد ، وكان الحسن البصري يذم عبد الله بن جعفر على سماعه الغناء واللهو ، وشرائه المولدات ، ويقول : أما يكفيه هذا الأمر القبيح الذي هو متلبس به من هذه الأشياء وغيرها ؟ حتى زوج الحجاج بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان الحجاج يقول : إنما تزوجتها لأذل بها آل أبي طالب . وقيل : إنه لم يصل إليها . وقد كتب عبد الملك إليه أن يطلقها فطلقها . أسند عبد الله بن جعفر ثلاثة عشر حديثا
. أبو إدريس الخولاني
اسمه عائذ الله بن عبد الله ، له أحوال ومناقب ، كان يقول : قلب نقي في ثياب دنسة خير من قلب دنس في ثياب نقية . وقد تولى القضاء بدمشق ، وقد ذكرنا ترجمته في كتابنا " التكميل " .
معبد الجهني القدري
يقال : إنه معبد بن عبد الله بن عكيم راوي [ ص: 303 ] حديث لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب وقيل غير ذلك في نسبه . سمع الحديث من ابن عباس ، وابن عمر ، ومعاوية ، وعمران بن حصين ، وغيرهم ، وشهد يوم التحكيم ، وسأل أبا موسى في ذلك ، ووصاه ، ثم اجتمع بعمرو بن العاص فوصاه في ذلك ، فقال له : إيها يا تيس جهينة ، ما أنت من أهل السر ولا العلانية ، وإنه لا ينفعك الحق ولا يضرك الباطل . وهذا توسم فيه من عمرو بن العاص ; ولهذا كان هو أول من تكلم في القدر ، ويقال : إنه أخذ ذلك عن رجل من النصارى من أهل العراق يقال له : سوسن . وأخذ غيلان القدر من معبد .
وقد كانت لمعبد عبادة ، وفيه زهادة ، ووثقه ابن معين وغيره في حديثه .
وقال الحسن البصري : إياكم ومعبدا ; فإنه ضال مضل . وكان ممن خرج مع ابن الأشعث ، فعاقبه الحجاج عقوبة عظيمة بأنواع العذاب ، ثم قتله ، وقال سعيد بن عفير : بل صلبه عبد الملك بن مروان في سنة ثمانين بدمشق ، ثم قتله . وقال [ ص: 303 ] خليفة بن خياط : مات قبل التسعين . فالله أعلم ====05 ] ثم دخلت سنة إحدى وثمانين
ففيها : فتح عبيد الله بن عبد الملك بن مروان مدينة قاليقلا ، وغنم المسلمون منها غنائم كثيرة ، وفيها قتل بكير بن وشاح ; قتله بحير بن ورقاء الصريمي ، وكان بكير من الأمراء الشجعان ، ثم ثار لبكير بن وشاح رجل من قومه يقال له : صعصعة بن حرب العوفي الصريمي . فقتل بحير بن ورقاء الذي قتل بكيرا ; طعنه بخنجر ، وهو جالس عند المهلب بن أبي صفرة ، فحمل إلى منزله وهو بآخر رمق ، فبعث المهلب بصعصعة إليه ، فلما تمكن منه بحير بن ورقاء قال : ضعوا رأسه عند رجلي . فوضعوه ، فطعنه بحير بحربته حتى قتله ، ومات على إثره . وقد قال له أنس بن طارق : اعف عنه ، فقد قتلت بكير بن وشاح . فقال : لا والله ، لا أموت وهذا حي . ثم قتله . وقد قيل : إنه إنما قتل بعد موته ، فالله أعلم ===تنة ابن الأشعث
قال أبو مخنف : كان ابتداؤها في هذه السنة . وقال الواقدي : في سنة [ ص: 305 ] ثنتين وثمانين ، وقد ساقها ابن جرير في هذه السنة ، فوافقناه في ذلك .
وكان سبب هذه الفتنة أن ابن الأشعث كان الحجاج يبغضه ، وكان هو يفهم ذلك ، ويضمر له السوء وزوال الملك عنه ، فلما أمره الحجاج على ذلك الجيش المتقدم ذكره ، وأمره بدخول بلاد رتبيل ملك الترك ، فمضى وصنع ما قدمناه من أخذه بعض بلاد الترك ، ثم رأى لأصحابه أن يقيموا حتى يتقووا إلى العام المقبل ، فكتب إلى الحجاج بذلك ، فكتب إليه الحجاج يستهجن رأيه في ذلك ، ويستضعف عقله ، ويقرعه بالجبن والنكول عن الحرب ، ويأمره حتما بدخول بلاد رتبيل ، ثم أردف ذلك بكتاب ثان ثم ثالث ، فلما تواردت كتب الحجاج إليه يحثه على التوغل في بلاد رتبيل ، جمع من معه ، وقام فيهم ، فأعلمهم بما كان رأى من الرأي في ذلك ، وبما كتب إليه الحجاج من الأمر بمعاجلة رتبيل ، فثار [ ص: 307 ] إليه الناس ، وقالوا : لا ، بل نأبى على عدو الله الحجاج ، ولا نسمع له ولا نطيع . قال أبو مخنف : فحدثني مطرف بن عامر بن واثلة الكناني ، أن أباه كان أول من تكلم في ذلك ، وكان شاعرا خطيبا ، وكان مما قال : إن مثل الحجاج في هذا الرأي ومثلنا كما قال الأول لأخيه : احمل عبدك على الفرس ، فإن هلك هلك ، وإن نجا فلك . إنكم إن ظفرتم كان ذلك زيادة في سلطانه ، وإن هلكتم كنتم الأعداء البغضاء . ثم قال : اخلعوا عدو الله الحجاج - ولم يذكر خلع عبد الملك - وبايعوا لأميركم عبد الرحمن بن الأشعث ، فإني أشهدكم أني أول خالع للحجاج . فقال الناس من كل جانب : خلعنا عدو الله . ووثبوا إلى عبد الرحمن بن الأشعث فبايعوه عوضا عن الحجاج ، ولم يذكروا خلع عبد الملك بن مروان .
وبعث ابن الأشعث إلى رتبيل ، فصالحه على أنه إن ظفر بالحجاج فلا خراج على رتبيل أبدا ، ثم سار ابن الأشعث بالجنود الذين معه مقبلا من سجستان إلى الحجاج ; ليقاتله ويأخذ منه العراق ، ثم لما توسطوا الطريق قالوا : إن خلعنا للحجاج خلع لابن مروان . فخلعوهما جميعا ، وجددوا البيعة لابن الأشعث ، فبايعهم على كتاب الله وسنة رسوله ، وخلع أئمة الضلالة وجهاد المحلين . فإذا قالوا : نعم . بايعهم . فلما بلغ الحجاج ما صنعوا من خلعه وخلع [ ص: 308 ] ابن مروان ، كتب إلى عبد الملك يعلمه بذلك ، ويستعجله في بعثه الجنود إليه ، وجاء الحجاج حتى نزل البصرة ، وبلغ المهلب خبر ابن الأشعث ، وكتب إليه يدعوه إلى ذلك فأبى عليه ، وبعث بكتابه إلى الحجاج ، وكتب المهلب إلى ابن الأشعث يقول له : إنك يا ابن الأشعث قد وضعت رجلك في ركاب طويل ، أبق على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، الله الله ، انظر لنفسك فلا تهلكها ، ودماء المسلمين فلا تسفكها ، والجماعة فلا تفرقها ، والبيعة فلا تنكثها ، فإن قلت : أخاف الناس على نفسي ، فالله أحق أن تخافه من الناس ، فلا تعرضها لله في سفك الدماء ، أو استحلال محرم ، والسلام عليك .
وكتب المهلب إلى الحجاج : أما بعد ، فإن أهل العراق قد أقبلوا إليك مثل السيل المنحدر من عل ، ليس شيء يرده حتى ينتهي إلى قراره ، وإن لأهل العراق شرة في أول مخرجهم وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم ، فليس شيء يردهم حتى يصلوا إلى أهليهم ، ويشموا أولادهم ، ثم واقعهم عندها ، فإن الله ناصرك عليهم إن شاء الله .
[ ص: 309 ] فلما قرأ الحجاج كتابه قال : فعل الله به وفعل ، لا والله ما لي نظر ، ولكن لابن عمه نصح . ولما وقع كتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله ذلك ، ثم نزل عن سريره ، وبعث إلى خالد بن يزيد بن معاوية ، فأقرأه كتاب الحجاج ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن كان هذا الحدث من قبل خراسان فخفه ، وإن كان من قبل سجستان فلا تخفه .
ثم أخذ عبد الملك في تجهيز الجنود من الشام إلى العراق في نصرة الحجاج ، وتجهيز الحجاج للخروج إلى ابن الأشعث ، وعصى رأي المهلب فيما أشار به عليه ، وكان فيه النصح والصدق ، وجعلت كتب الحجاج لا تنقطع عن عبد الملك بخبر ابن الأشعث صباحا ومساء ; أين نزل ؟ ومن أين ارتحل ؟ وأي الناس إليه أسرع ؟ وجعل الناس يلتفون على ابن الأشعث من كل جانب ، حتى قيل : إنه سار معه ثلاثة وثلاثون ألف فارس ، ومائة وعشرون ألف راجل ، وخرج الحجاج في جنود الشام من البصرة نحو ابن الأشعث ، فنزل تستر ، وقدم بين يديه مطهر بن حي العكي أميرا على المقدمة ، ومعه عبد الله بن زميت أميرا آخر ، فانتهوا إلى دجيل ، فإذا مقدمة ابن الأشعث في ثلاثمائة فارس عليها عبد الله بن أبان الحارثي ، فالتقوا في يوم الأضحى عند نهر دجيل ، فهزمت مقدمة الحجاج ، وقتل أصحاب ابن الأشعث منهم خلقا كثيرا ، نحو ألف وخمسمائة ، [ ص: 310 ] واحتازوا ما في معسكرهم من خيول وقماش وأموال ، وجاء الخبر إلى الحجاج بهزيمة أصحابه ، فأخذه ما دب ودرج ، وقد كان قائما يخطب ، فقال : أيها الناس ، ارجعوا إلى البصرة ، فإنه أرفق بالجند ، فرجع بالناس ، واتبعتهم خيول ابن الأشعث لا يدركون منهم شاذا إلا قتلوه ، ولا فاذا إلا أهلكوه ، ومضى الحجاج هاربا لا يلوي على شيء ، حتى أتى الزاوية ، فعسكر عندها ، وجعل يقول : لله در المهلب ! أي صاحب حرب هو ؟ ! قد أشار علينا بالرأي ، ولكنا لم نقبل .
وأنفق الحجاج على جيشه - وهو بهذا المكان - مائة وخمسين ألف ألف درهم ، وخندق حول جيشه خندقا ، وجاء أهل العراق فدخلوا البصرة ، واجتمعوا بأهاليهم وشموا أولادهم ، ودخل ابن الأشعث البصرة ، فخطب الناس بها ، وبايعهم وبايعوه على خلع عبد الملك ونائبه الحجاج بن يوسف ، وقال لهم ابن الأشعث : ليس الحجاج بشيء ، ولكن اذهبوا بنا إلى عبد الملك لنقاتله . ووافقه على خلعهما جميع من بالبصرة من الفقهاء والقراء والشيوخ والشباب ، ثم أمر ابن الأشعث بخندق حول البصرة فعمل ذلك ، وكان ذلك في أواخر ذي الحجة من هذه السنة .
وحج بالناس فيها سليمان بن عبد الملك فيما ذكره الواقدي وأبو [ ص: 311 ] معشر . والله سبحانه وتعالى أعلم .
وفيها غزا موسى بن نصير أمير بلاد المغرب من جهة عبد الملك بلاد الأندلس ، فافتتح مدنا كثيرة ، وأراضي عامرة ، وأوغل في بلاد المغرب إلى أن وصل إلى الزقاق المنبثق من البحر الأخضر المحيط . والله أعلم .=====وممن توفي فيها من الأعيان :
بحير بن ورقاء الصريمي البصري
أحد الأشراف بخراسان ، والقواد والأمراء ، وهو الذي حارب ابن خازم وقتله ، وقتل بكير بن وشاح .
ثم قتل في هذه السنة :
سويد بن غفلة بن عوسجة بن عامر
أبو أمية الجعفي الكوفي ، شهد اليرموك ، وحدث عن جماعة من الصحابة ، وكان من كبار المخضرمين ، ويقال : إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وصلى معه ، والصحيح أنه لم يره ، وكان مولده عام ولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : إنه ولد بعده بسنتين . وعاش مائة وعشرين سنة ، لم ير يوما محتبيا ولا متساندا ، وافتض بكرا عام وفاته ، وكانت وفاته في سنة إحدى وثمانين ، قاله أبو عبيد وغير واحد . وقيل : إنه توفي في سنة ثنتين [ ص: 312 ] وثمانين . فالله أعلم .
عبد الله بن شداد بن الهاد
كان من العباد الزهاد العلماء ، وله وصايا وكلمات حسان ، وقد روى عدة أحاديث عن الصحابة ، وعنه خلق من التابعين .
[ ص: 313 ] محمد بن علي بن أبي طالب : أبو القاسم وأبو عبد الله أيضا ، وهو المعروف بابن الحنفية ، وكانت أمه أمة سوداء سندية من سبي بني حنيفة ، اسمها خولة .
ولد محمد في خلافة عمر بن الخطاب ، ووفد على معاوية ، وعلى عبد الملك بن مروان ، وقد صرع مروان يوم الجمل ، وقعد على صدره ، وأراد قتله ، فناشده مروان بالله ، وتذلل له فأطلقه ، فلما وفد على عبد الملك ذكره بذلك ، فقال : عفوا يا أمير المؤمنين . فعفا عنه ، وأجزل له الجائزة ، وكان محمد بن علي من سادات قريش ، ومن الشجعان المشهورين ، ومن الأقوياء المذكورين ، ولما بويع لابن الزبير لم يبايعه ، فجرى بينهما شر عظيم ، حتى هم ابن الزبير به وبأهله ، كما تقدم ذلك فلما قتل ابن الزبير ، واستقر أمر عبد الملك ، وبايعه ابن عمر ، تابعه ابن الحنفية ، وقدم المدينة فمات بها في هذه السنة . وقيل : في التي قبلها ، أو في التي بعدها . ودفن بالبقيع ، والرافضة يزعمون أنه بجبل رضوى ، وأنه حي يرزق ، وهم ينتظرونه ، وقد قال كثير عزة في ذلك :

ألا إن الأئمة من قريش ولاة الحق أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط إيمان وبر وسبط غيبته كربلاء [ ص: 314 ] وسبط لا تراه العين حتى يقود الخيل يقدمها لواء تغيب لا يرى عنهم زمانا برضوى عنده عسل وماء[ ص: 315 ] وقال الزبير بن بكار : كانت شيعته تزعم أنه لم يمت ، وفيه يقول السيد :

ألا قل للوصي فدتك نفسي أطلت بذلك الجبل المقاما أضر بمعشر والوك منا وسموك الخليفة والإماما وعادوا فيك أهل الأرض طرا مقامك عنهم ستين عاما وما ذاق ابن خولة طعم موت ولا وارت له أرض عظاما لقد أمسى بمورق شعب رضوى تراجعه الملائكة الكلاما وإن له به لمقيل صدق وأندية تحدثه كراما هدانا الله إذ حزتم لأمر به وعليه نلتمس التماما تمام مودة المهدي حتى تروا راياته تترى نظاما وقد ذهب طائفة من الرافضة إلى إمامته ، وأنه ينتظر خروجه في آخر الزمان ، كما ينتظر طائفة أخرى منهم الحسن بن محمد العسكري ، الذي يخرج في زعمهم من سرداب سامرا ، وهذا من خرافاتهم وهذيانهم وجهلهم وضلالهم وبهتانهم ، وسنزيد ذلك وضوحا في موضعه إن شاء الله====ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين
ففي المحرم منها كانت وقعة الزاوية بين ابن الأشعث والحجاج في آخره ، وكان أول يوم لأهل العراق على أهل الشام ، ثم تواقعوا يوما آخر ، فحمل سفيان بن الأبرد - أحد أمراء أهل الشام - على ميمنة ابن الأشعث فهزمها ، وقتل خلقا كثيرا من القراء من أصحاب ابن الأشعث في هذا اليوم ، وخر الحجاج لله ساجدا بعدما كان جثا على ركبتيه ، وسل شيئا من سيفه ، وجعل يترحم على مصعب بن الزبير ويقول : ما كان أكرمه حين صبر نفسه للقتل .
وكان من جملة من قتل من أصحاب ابن الأشعث : أبو الطفيل بن عامر بن واثلة الليثي . ولما فر أصحاب ابن الأشعث رجع ابن الأشعث بمن بقي معه ، ومن اتبعه من أهل البصرة ، فسار حتى دخل الكوفة ، فعمد أهل البصرة إلى عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فبايعوه ، فقاتل الحجاج خمس ليال أشد القتال ، ثم انصرف فلحق بابن الأشعث ، وتبعه طائفة من أهل البصرة ، فاستناب الحجاج على البصرة أيوب بن الحكم بن أبي عقيل ، [ ص: 317 ] ودخل ابن الأشعث الكوفة ، فبايعه أهلها على خلع الحجاج وعبد الملك بن مروان ، وتفاقم الأمر ، وكثر متابعو ابن الأشعث على ذلك ، واشتد الحال ، وتفرقت الكلمة جدا ، وعظم الخطب ، واتسع الخرق .
قال الواقدي : لما التقى جيش الحجاج وجيش ابن الأشعث بالزاوية ، جعل جيش الحجاج يحمل عليهم مرة بعد مرة ، فقال القراء - وكان عليهم جبلة بن زحر - : أيها الناس ، ليس الفرار من أحد بأقبح منه منكم ، فقاتلوا عن دينكم ودنياكم . وقال سعيد بن جبير نحو ذلك ، وقال الشعبي : قاتلوهم على جورهم ، واستذلالهم الضعفاء ، وإماتتهم الصلاة . ثم حملت القراء - وهم العلماء - على جيش الحجاج حملة صادقة ، فبدعوا فيهم ، ثم رجعوا فإذا هم بمقدمهم جبلة بن زحر صريعا ، فهدهم ذلك ، فناداهم جيش الحجاج : يا أعداء الله ، قد قتلنا طاغيتكم . ثم حمل سفيان بن الأبرد - وهو على خيل الحجاج - على ميسرة ابن الأشعث - وعليها الأبرد بن قرة التميمي - فانهزموا ، ولم يقاتلوا كثير قتال ، فأنكر الناس منهم ذلك ، وكان أمير ميسرة ابن الأشعث - الأبرد - شجاعا لا يفر ، وظنوا أنه قد خامر ، فنقضت الصفوف ، وركب الناس [ ص: 318 ] بعضهم بعضا ، وكان ابن الأشعث يحرض الناس على القتال ، فلما رأى ما الناس فيه أخذ من اتبعه وذهب إلى الكوفة ، فبايعه أهلها .=======ثم كانت وقعة دير الجماجم في شعبان من هذه السنة . قاله الواقدي .
وذلك أن ابن الأشعث لما قصد الكوفة خرج إليه أهلها ، فتلقوه ، وحفوا به ، ودخلوا بين يديه ، غير أن شرذمة قليلة أرادت أن تقاتله دون مطر بن ناجية نائب الحجاج ، فلم يمكنهم من ذلك ، فعدلوا إلى القصر ، فلما وصل ابن الأشعث إلى الكوفة أمر بالسلاليم فنصبت على قصر الإمارة ، فأخذه ، واستنزل مطر بن ناجية ، وأراد قتله ، فقال له : استبقني; فإني خير من فرسانك . فحبسه ، ثم استدعاه فأطلقه وبايعه ، واستوثق لابن الأشعث أمر الكوفة ، وانضم إليه من جاء من أهل البصرة ، وكان ممن قدم عليه عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن عبد المطلب ، وأمر بالمسالح من كل جانب ، وحفظت الثغور والطرق والمسالك .
ثم إن الحجاج ركب فيمن معه من الجيوش الشامية من البصرة في البر ، حتى مر بين القادسية والعذيب ، وبعث إليه ابن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من المصرين ، فمنعوا الحجاج من نزول القادسية ، فسار الحجاج حتى نزل دير قرة ، وجاء ابن الأشعث بمن معه من الجيوش البصرية والكوفية حتى نزل دير الجماجم ، ومعه جنود كثيرة ، وفيهم القراء من المصرين ، وخلق من [ ص: 319 ] الصالحين ، وكان الحجاج بعد ذلك يقول : قاتل الله ابن الأشعث ، أما كان يزجر الطير حيث رآني قد نزلت دير قرة ، ونزل هو بدير الجماجم . وكان جملة من اجتمع مع ابن الأشعث مائة ألف مقاتل ، ممن يأخذ العطاء ، ومعهم مثلهم من مواليهم ، وقدم على الحجاج في غبون ذلك أمداد كثيرة من الشام ، وخندق كل من الطائفتين على نفسه وحول جيشه خندقا ، يمتنع به من الوصول إليهم ، غير أن الناس كان يبرز بعضهم لبعض في كل يوم فيقتتلون قتالا شديدا في كل يوم ، حتى أصيب من رءوس الناس خلق من قريش وغيرهم ، واستمر هذا الحال مدة طويلة ، واجتمع الأمراء من أهل المشورة عند عبد الملك بن مروان ، فقالوا له : إن كان أهل العراق يرضيهم منك أن تعزل عنهم الحجاج فهو أيسر من قتالهم وسفك دمائهم ، فاستحضر عبد الملك عند ذلك أخاه محمد بن مروان ، وابنه عبد الله بن عبد الملك بن مروان ، ومعهما جنود كثيرة جدا ، وكتب معهما كتابا إلى أهل العراق يقول لهم : إن كان يرضيكم مني عزل الحجاج عنكم عزلته ، وأبقيت عليكم أعطياتكم مثل أهل الشام ، وليختر ابن الأشعث أي بلد شاء يكون عليه أميرا ما عاش وعشت ، وتكون إمرة العراق لمحمد بن مروان . وقال في عهده هذا : فإن لم يجب أهل العراق إلى ذلك فالحجاج على ما هو عليه ، وإليه إمرة الحرب ، ومحمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك في طاعته وتحت أمره ، لا يخرجون [ ص: 320 ] عن رأيه في الحرب وغيره .
ولما بلغ الحجاج ما كتب به عبد الملك إلى أهل العراق من عزله إن رضوا به ، شق عليه ذلك مشقة عظيمة جدا ، وعظم شأن هذا الرأي عنده ، وكتب إلى عبد الملك : يا أمير المؤمنين ، والله لئن أعطيت أهل العراق نزعي عنهم لا يلبثون إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك ، ولا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك ، ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر النخعي على ابن عفان فلما سألهم : ما تريدون؟ قالوا : نزع سعيد بن العاص ، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه؟ وإن الحديد بالحديد يفلح ، كان الله لك فيما ارتأيت ، والسلام عليك .
قال : فأبى عبد الملك إلا عرض هذه الخصال على أهل العراق كما أمر ، فتقدم عبد الله ومحمد ، فنادى عبد الله : يا معشر أهل العراق ، أنا عبد الله ابن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان وإنه يعرض عليكم كيت وكيت ، فذكر ما كتب به أبوه معه إليهم من هذه الخصال . وقال محمد بن مروان : وأنا رسول أخي أمير المؤمنين إليكم بذلك . فقالوا : ننظر في أمرنا غدا ، ونرد عليكم الخبر عشية ، ثم انصرفوا ، فاجتمع جميع الأمراء إلى ابن الأشعث ، فقام فيهم خطيبا ، [ ص: 321 ] وندبهم إلى قبول ما عرض عليهم من عزل الحجاج عنهم ، وبيعة عبد الملك ، وإبقاء الأعطيات ، وإمرة محمد بن مروان على العراق بدل الحجاج . فنفر الناس من كل جانب ، وقالوا : لا والله لا نقبل ذلك; نحن أكثر عددا وعددا ، وهم في ضيق من الحال ، وقد حكمنا عليهم وذلوا لنا ، والله لا نجيب إلى ذلك أبدا . ثم جددوا خلع عبد الملك بن مروان ثانية ، واتفقوا على ذلك كلهم .
فلما بلغ عبد الله بن عبد الملك وعمه محمد بن مروان الخبر قالا للحجاج : شأنك بهم إذا ، فنحن في طاعتك كما أمرنا أمير المؤمنين . فكانا إذا لقياه سلما عليه بالإمرة ، ويسلم هو أيضا عليهم بالإمرة ، وتولى الحجاج أمر الحرب وتدبيرها ، كما كان قبل ذلك ، فعند ذلك برز كل من الفريقين للقتال والحرب ، فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليمان الكلبي ، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمي ، وعلى الخيل سفيان بن الأبرد ، وعلى الرجالة عبد الرحمن بن حبيب الحكمي ، وجعل ابن الأشعث على ميمنته الحجاج بن حارثة الخثعمي ، وعلى الميسرة الأبرد بن قرة التميمي ، وعلى الخيالة عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة ، وعلى الرجالة محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري ، وعلى القراء جبلة بن زحر بن قيس الجعفي ، وكان في القراء سعيد بن جبير ، وعامر الشعبي ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وكميل بن زياد - وكان شجاعا فاتكا على [ ص: 322 ] كبر سنه - وأبو البختري الطائي وغيرهم .
وجعلوا يقتتلون في كل يوم ، وأهل العراق تأتيهم الميرة من الرساتيق والأقاليم ، من العلف والطعام وغيره ، وأما أهل الشام الذين مع الحجاج ففي ضيق من العيش ، وقلة من الطعام ، وقد فقدوا اللحم بالكلية فلا يجدونه ، وما زالت الحرب في هذه المدة كلها ، حتى انسلخت هذه السنة وهم على حالهم وقتالهم في كل يوم ، أو يوم بعد يوم ، والدائرة لأهل العراق على أهل الشام في أكثر الأيام ، وقد قتل من أصحاب الحجاج زياد بن غنم ، وكسر بسطام بن مصقلة في أربعة آلاف جفون سيوفهم ، واستقتلوا ، وكانوا من أصحاب ابن الأشعث ======وفي هذه السنة كانت وفاة المهلب بن أبي صفرة
وهو المهلب بن أبي صفرة ظالم ، أبو سعيد الأزدي ، أحد أشراف أهل البصرة ، ووجوههم ودهاتهم وأجوادهم وكرمائهم ، ولد عام الفتح ، وكانوا ينزلون فيما بين عمان والبحرين ، وقد ارتد قومه فقاتلهم عكرمة بن أبي جهل فظفر بهم ، وبعث بهم إلى [ ص: 323 ] الصديق ، وفيهم أبو صفرة ، وابنه المهلب غلام لم يبلغ الحنث ، ثم نزل المهلب البصرة وقد غزا في أيام معاوية أرض الهند سنة أربع وأربعين ، وولي الجزيرة لابن الزبير سنة ثمان وستين ، ثم ولي حرب الخوارج أول دولة الحجاج ، وقتل منهم في وقعة واحدة أربعة آلاف وثمانمائة ، فعظمت منزلته عند الحجاج . وكان فاضلا شجاعا كريما ، يحب المدح ، وله كلام حسن ، فمنه : نعم الخصلة السخاء ، تستر عورة الشريف ، وتلحق خسيسة الوضيع ، وتحبب المزهود فيه . وقال : يعجبني في الرجل خصلتان : أن أرى عقله زائدا على لسانه ، ولا أرى لسانه زائدا على عقله .
توفي المهلب غازيا بمرو الروذ ، وعمره ستة وسبعون سنة رحمه الله ، وكان له عشرة من الولد وهم : يزيد ، وزياد ، والمفضل ، ومدرك ، وحبيب ، والمغيرة ، وقبيصة ، ومحمد ، وهند ، وفاطمة .
توفي المهلب في ذي الحجة منها ، وكان من الشجعان ، وله مواقف حميدة ، وغزوات مشهورة في الترك والأزارقة وغيرهم من أنواع الخوارج ، وجعل الأمر من بعده لولده يزيد بن المهلب على إمرة خراسان ، فأمضى له ذلك الحجاج وعبد الملك بن مروان .
وفي جمادى الآخرة منها عزل أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان عن [ ص: 324 ] إمرة المدينة أبان بن عثمان ، وولى عليها هشام بن إسماعيل المخزومي ، وكانت ولاية أبان على المدينة سبع سنين وثلاثة أشهر وثلاثة عشر يوما ، وكان على إمرة بلاد المشرق بكماله الحجاج بن يوسف ، والنواب في الأقاليم من تحت يده ، وهو مشغول عن تدبير الممالك بحرب ابن الأشعث في هذه المدة كلها .
قال أبو معشر : وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان الذي كان نائب المدينة .
وفيها توفي أسماء بن خارجة الفزاري الكوفي
كان جوادا ممدحا ، حكي عنه أنه رأى يوما شابا على باب داره جالسا ، فسأله عن قعوده على بابه ، فقال : حاجة لا أستطيع ذكرها . فألح عليه ، فقال : جارية رأيتها دخلت هذه الدار لم أر أحسن منها ، وقد خطفت قلبي معها ، فأخذ بيده ، وأدخله داره ، وعرض عليه كل جارية عنده ، حتى مرت تلك الجارية ، فقال : هذه . فقال له : اخرج فاجلس على الباب مكانك . فخرج الشاب فجلس مكانه ، ثم خرج إليه بعد ساعة والجارية معه ، قد ألبسها أنواع الحلي ، وقال له : ما منعني أن أدفعها إليك وأنت داخل الدار إلا أن الجارية كانت لأختي ، وكانت ضنينة بها ، فاشتريتها لك منها بثلاثة آلاف ، وألبستها هذا الحلي ، فهي لك بما عليها ، فأخذها الشاب وانصرف .
[ ص: 325 ] المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة
كان جوادا ممدحا شجاعا ، له مواقف مشهورة .
الحارث بن عبد الله بن ربيعة المخزومي
المعروف بقباع ، ولي إمرة البصرة لابن الزبير .
محمد بن أسامة بن زيد بن حارثة
كان من فضلاء أبناء الصحابة وأعقلهم ، توفي بالمدينة ، ودفن بالبقيع .
عبد الله بن أبي طلحة بن الأسود
والد الفقيه إسحاق ، حملت به أمه أم سليم ليلة مات ابنها ، فأصبح أبو طلحة فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم : أعرستم؟ بارك الله لكما في ليلتكما ولما ولد حنكه بتمرات .
عبد الله بن كعب بن مالك
كان قائد كعب حين عمي ، له روايات ، توفي بالمدينة هذه السنة .
[ ص: 326 ] سفيان بن وهب أبو أيمن ، الخولاني المصري
له صحبة ورواية ، وغزا المغرب ، وسكن مصر ، وبها مات .
جميل بن عبد الله بن معمر بن صباح بن ظبيان بن الحسن بن ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كثير بن عذرة بن سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة ، أبو عمرو الشاعر
صاحب بثينة ، كان قد خطبها فمنعت منه ، فتغزل فيها واشتهر بها ، وكان أحد عشاق العرب ، كانت إقامته بوادي القرى ، وكان عفيفا صينا ، [ ص: 327 ] دينا شاعرا إسلاميا ، من أفصح الشعراء في زمانه .
وكان كثير عزة راويته ، وهو يروي عن هدبة بن خشرم ، عن الحطيئة ، عن زهير بن أبي سلمى ، وابنه كعب . قال كثير عزة : كان جميل أشعر العرب ، حيث يقول :

وخبرتماني أن تيماء منزل لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت فما للنوى ترمي بليلى المرامياومنها قوله :

وما زلت بي يا بثن حتى لو انني من الشوق أستبكي الحمام بكى ليا وما زادني الواشون إلا صبابة ولا كثرة الناهين إلا تماديا وما أحدث النأي المفرق بيننا سلوا ولا طول الليالي تقاليا ألم تعلمي يا عذبة الريق أنني أظل إذا لم ألق وجهك صاديا لقد خفت أن ألقى المنية بغتة وفي النفس حاجات إليك كما هيا ومما أورده له القاضي ابن خلكان في الوفيات قوله :
[ ص: 328 ] إني لأحفظ غيبكم ويسرني لو تعلمين بصالح أن تذكري إلى أن قال :

ما أنت والوعد الذي تعدينني إلا كبرق سحابة لم تمطر وقوله - وروي لعمر بن أبي ربيعة فيما نقله ابن عساكر - :

ما زلت أبغي الحي أتبع فلهم حتى دفعت إلى ربيبة هودج فدنوت مختفيا ألم ببيتها حتى ولجت إلى خفي المولج قالت وعيش أخي ونعمة والدي لأنبهن الحي إن لم تخرج فتناولت رأسي لتعرف مسه بمخضب الأطراف غير مشنج فخرجت خيفة أهلها فتبسمت فعلمت أن يمينها لم تحرج فلثمت فاها آخذا بقرونها شرب النزيف ببرد ماء الحشرج [ ص: 329 ] قال كثير عزة : لقيني جميل بثينة ، فقال : من أين أقبلت؟ فقلت : من عند هذه الحبيبة . فقال : وإلى أين؟ فقلت : إلى هذه الحبيبة - يعني عزة - فقال : أقسمت عليك لما رجعت إلى بثينة فواعدتها لي; فإن لي من أول الصيف ما رأيتها ، وكان آخر عهدي بها بوادي القرى ، وهي تغسل هي وأمها ثوبا ، فتحادثنا إلى الغروب . قال كثير : فرجعت حتى أنخت بهم ، فقال أبو بثينة : ما ردك يا ابن أخي؟ فقلت : أبيات قلتها ، فرجعت لأعرضها عليك ، فقال : وما هي؟ فأنشدته ، وبثينة تسمع من وراء الحجاب :

فقلت لها يا عز أرسل صاحبي إليك رسولا والرسول موكل بأن تجعلي بيني وبينك موعدا وأن تأمريني ما الذي فيه أفعل وآخر عهدي منك يوم لقيتني بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل [ ص: 330 ] قال : فضربت بثينة جانب خدرها ، وقالت : اخسأ ، اخسأ . فقال أبوها : مهيم؟ فقالت : كلب يأتينا إذا نام الناس ، من وراء الرابية . ثم قالت لجاريتها : ابغينا من الدومات حطبا ليشوى به لكثير شاة . فقلت : أنا أعجل من ذلك . وانطلقت إلى جميل ، فقلت : موعدك الدومات . قال : فلما كان الليل أقبلت بثينة إلى المكان الذي واعدته إليه ، وجاء جميل ، وكنت معهم ، فما رأيت ليلة أعجب منها ، ولا أحسن منادمات ، وانفض ذلك المجلس وما أدري أيهما أفهم لما في ضمير صاحبه منه .
وذكر الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي أنه دخل على جميل وهو يموت فقال له : ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط ، ولم يزن قط ، ولم يسرق ، ولم يقتل النفس ، وهو يشهد أن لا إله إلا الله . قال : أظنه قد نجا ، وأرجو له الجنة ، فمن هذا؟ قال : أنا . فقلت : والله ما أظنك سلمت ، وأنت تشبب منذ عشرين سنة ببثينة . فقال : لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وإني لفي أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا إن كنت [ ص: 331 ] وضعت يدي عليها بريبة . قال : فما برحنا حتى مات .
قلت : كانت وفاته بمصر; لأنه كان قد قدم على عبد العزيز بن مروان ، فأكرمه وسأله عن حبه بثينة ، فقال : شديد ، واستنشده من أشعاره ومدائحه فأنشده ، فوعده أن يجمع بينه وبينها ، فعاجلته المنية في سنة ثنتين وثمانين ، رحمه الله آمين .
وقد ذكر الأصمعي ، عن رجل ، أن جميلا قال له : هل أنت مبلغ عني رسالة إلى حي بثينة ، ولك ما عندي؟ قال : نعم . قال : إذا أنا مت فاركب ناقتي ، والبس حلتي هذه . وأمره أن يقول أبياتا منها قوله :

قومي بثينة فاندبي بعويل وابك خليلا دون كل خليل فلما انتهى إلى حيهم أنشد الأبيات ، قال : فخرجت بثينة كأنها بدر بدا في دجنة ، وهي تتثنى في مرطها ، فقالت له : ويحك إن كنت صادقا فقد قتلتني ، وإن كنت كاذبا فقد فضحتني . فقلت : بلى ، والله صادق ، وهذه حلته وناقته . فلما تحققت ذلك صاحت بأعلى صوتها ، وصكت وجهها ، واجتمع نساء الحي إليها يبكين معها ، ثم صعقت مغشيا عليها ، ثم أفاقت ، وهي تقول :
[ ص: 332 ] وإن سلوي عن جميل لساعة من الدهر ما حانت ولا حان حينها سواء علينا يا جميل بن معمر إذا مت بأساء الحياة ولينها قال الرجل : فما رأيت أكثر باكيا ولا باكية من يومئذ .
وروى ابن عساكر عنه أنه قيل له بدمشق : لو تركت الشعر وحفظت القرآن؟ فقال : هذا أنس بن مالك يخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن من الشعر لحكمة .
عمر بن عبيد الله بن معمر بن عثمان ، أبو حفص القرشي التميمي
أحد الأجواد ، والأمراء الأمجاد ، فتحت على يديه بلدان كثيرة ، وكان نائبا لابن الزبير على البصرة ، وقد فتح كابل مع عبد الله بن خازم ، وهو الذي قتل قطري بن الفجاءة .
روى عن ابن عمر وجابر وغيرهما ، وعنه عطاء بن أبي رباح ، وابن عون . ووفد على عبد الملك ، فتوفي بدمشق سنة ثنتين وثمانين ، قاله المدائني .
[ ص: 333 ] وحكي أن رجلا اشترى جارية كانت تحسن القرآن والشعر وغيره ، فأحبها حبا شديدا ، وأنفق عليها ماله كله حتى أفلس ، ولم يبق له شيء سوى هذه الجارية ، فقالت له الجارية : قد أرى ما بك من قلة الشيء ، فلو بعتني وانتفعت بثمني صلح حالك ، فباعها لعمر بن عبيد الله هذا - وهو يومئذ أمير البصرة - بمائة ألف درهم ، فلما قبض المال ندم وندمت الجارية ، فأنشأت تخاطب مولاها الذي باعها :

هنيئا لك المال الذي قد أخذته ولم يبق في كفي إلا تفكري أقول لنفسي وهي في كرب غشية أقلي فقد بان الخليط أو أكثري إذا لم يكن في الأمر عندك حيلة ولم تجدي بدا من الصبر فاصبري فأجابها سيدها ، فقال :

ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن لفرقتنا شيء سوى الموت فاعذري أءوب بحزن من فراقك موجع أناجي به قلبا طويل التذكر عليك سلام لا زيارة بيننا ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر فلما سمعهما ابن معمر قد شببت ، قال : والله لا فرقت بين محبين أبدا . [ ص: 334 ] ثم أعطاه المال - وهو مائة ألف - والجارية; لما رأى من توجعهما على فراق كل منهما صاحبه ، فأخذ الرجل الجارية وثمنها وانطلق .
توفي عمر بن عبيد الله بن معمر هذا بدمشق بالطاعون ، وصلى عليه عبد الملك بن مروان ، ومشى في جنازته ، وحضر دفنه ، وأثنى عليه بعد موته ، وكان له من الولد طلحة ، وهو من سادات قريش ، تزوج فاطمة بنت القاسم بن محمد بن جعفر على صداق أربعين ألف دينار ، فأولدها إبراهيم ورملة ، فتزوج رملة إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس على صداق مائة ألف دينار ، رحمهم الله .
كميل بن زياد بن نهيك بن الهيثم ، النخعي الكوفي
روى عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي هريرة ، وشهد مع علي صفين ، وكان شجاعا فاتكا ، وزاهدا عابدا ، قتله الحجاج في هذه السنة ، - وقد عاش مائة سنة - قتله صبرا بين يديه ، وإنما نقم عليه; لأنه طلب من عثمان بن عفان القصاص من لطمة لطمها إياه ، فلما أمكنه عثمان من نفسه عفا عنه ، فقال له الحجاج : أو مثلك يسأل من أمير المؤمنين القصاص؟ ثم أمر فضربت عنقه . قالوا : [ ص: 335 ] وذكر الحجاج عليا في غبون ذلك فنال منه ، وصلى عليه كميل ، فقال له الحجاج : والله لأبعثن إليك من يبغض عليا أكثر مما تحبه أنت . فأرسل إليه ابن أدهم ، وكان من أهل حمص ، ويقال : أبا الجهم بن كنانة ، فضرب عنقه .
وقد روى عن كميل جماعة كثيرة من التابعين ، وله الأثر المشهور عن علي بن أبي طالب الذي أوله : القلوب أوعية ، فخيرها أوعاها . وهو طويل ، قد رواه جماعة من الحفاظ الثقات ، وفيه مواعظ وكلام حسن ، رضي الله عن قائله .
زاذان أبو عمرو الكندي
أحد التابعين ، كان أولا يشرب المسكر ويضرب بالطنبور ، فرزقه الله التوبة على يد عبد الله بن مسعود ، وحصلت له إنابة ورجوع إلى الحق ، وخشية شديدة ، حتى كان في الصلاة كأنه خشبة .
وقال مرة : إني جائع . فنزل عليه من الروزنة رغيف مثل الرحا . وهو ثقة عند ابن معين وغيره . قال خليفة : توفي سنة ثنتين وثمانين .
قال خليفة : وفيها توفي زر بن حبيش ، أحد أصحاب ابن مسعود وعائشة ، [ ص: 336 ] وقد أتت عليه مائة وعشرون سنة . وقال أبو عبيد : مات سنة إحدى وثمانين ، وقد تقدمت له ترجمة .
وشقيق بن سلمة أبو وائل
أدرك من زمن الجاهلية سبع سنين ، وأسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم .
أم الدرداء الصغرى
اسمها هجيمة ، ويقال : جهيمة ، تابعية عابدة عالمة فقيهة ، كان الرجال يقرءون عليها ويتفقهون في الحائط الشمالي بجامع دمشق وكان عبد الملك بن مروان يجلس في حلقتها مع المتفقهة ، يشتغل عليها وهو خليفة ، رضي الله عنها .=======ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين
استهلت هذه السنة والناس متواقفون لقتال الحجاج وأصحابه بدير قرة ، وابن الأشعث وأصحابه بدير الجماجم ، والمبارزة في كل يوم بينهم واقعة ، وفي غالب الأيام تكون النصرة لأهل العراق على أهل الشام ، حتى قيل : إن أصحاب ابن الأشعث - وهم أهل العراق - كسروا أهل الشام - وهم أصحاب الحجاج - بضعا وثمانين مرة ينتصرون عليهم . ومع هذا فالحجاج ثابت في مكانه صابر ومصابر ، لا يتزحزح عن موضعه الذي هو فيه ، بل إذا حصل له ظفر في يوم من الأيام يتقدم بجيشه إلى نحر عدوه ، وكان له خبرة بالحرب ، وما زال ذلك دأبه ودأبهم حتى أمر بالحملة على كتيبة القراء; لأن الناس كانوا تبعا لهم ، وهم الذين يحرضونهم على القتال ، والناس يقتدون بهم ، فصبر القراء لحملة جيشه ، ثم جمع الرماة من جيشه وحمل بهم ، وما انفك حتى قتل منهم خلقا كثيرا ، ثم حمل على جيش ابن الأشعث ، فانهزم أصحاب ابن الأشعث وذهبوا في كل وجه ، وهرب ابن الأشعث بين أيديهم ، ومعه فل قليل من الناس ، فأتبعه الحجاج جيشا كثيفا مع عمارة بن تميم اللخمي ، ومعه محمد بن الحجاج ، والإمرة لعمارة ، فساقوا وراءهم يطردونهم لعلهم يظفرون به قتلا أو [ ص: 338 ] أسرا ، فما زال يسوق ويخترق الأقاليم والكور والرساتيق ، وهم في أثره ، حتى وصل إلى كرمان واتبعه الشاميون ، فنزلوا في قصر كان فيه أهل العراق قبلهم ، فإذا فيه كتاب قد كتبه بعض أهل الكوفة من أصحاب ابن الأشعث الذين فروا معه ، من شعر أبي جلدة اليشكري ، يقول :

أيا لهفا ويا حزنا جميعا ويا حر الفؤاد لما لقينا تركنا الدين والدنيا جميعا وأسلمنا الحلائل والبنينا فما كنا أناسا أهل دنيا فنمنعها ولو لم نرج دينا تركنا دورنا لطغام عك وأنباط القرى والأشعريناثم إن ابن الأشعث دخل هو ومن معه من الفل إلى بلاد رتبيل ملك الترك ، فأكرمه رتبيل ، وأنزله عنده ، وأمنه وعظمه .
قال الواقدي : ومر ابن الأشعث وهو ذاهب إلى بلاد رتبيل على عامل له في بعض المدن ، كان ابن الأشعث قد استعمله على ذلك عند رجوعه إلى العراق ، فأكرمه ذلك العامل ، وأهدى إليه هدايا وأنزله; فعل ذلك خديعة به ومكرا ، وقال له : ادخل إلى عندي إلى البلد لتتحصن بها من عدوك ، ولكن لا تدع أحدا ممن معك يدخل المدينة . فأجابه إلى ذلك ، وإنما أراد المكر به ، فمنعه أصحابه ، فلم يقبل منهم ، فتفرق عنه أصحابه ، فلما دخل المدينة وثب عليه العامل [ ص: 339 ] فمسكه وأوثقه بالحديد ، وأراد أن يتخذ به يدا عند الحجاج ، وقد كان الملك رتبيل سر بقدوم ابن الأشعث ، فلما بلغه ما حدث له من جهة ذلك العامل بمدينة بست ، سار حتى أحاط ببست ، وأرسل إلى عاملها يقول له : والله لئن آذيت ابن الأشعث لا أبرح حتى أستنزلك ، وأقتل جميع من في بلدك . فخافه ذلك العامل ، وسير إليه ابن الأشعث ، فأكرمه رتبيل ، فقال ابن الأشعث لرتبيل : إن هذا العامل كان عاملي ومن جهتي ، فغدر بي ، وفعل ما رأيت فأذن لي في قتله . فقال : قد أمنته . وكان مع ابن الأشعث عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وكان هو الذي يصلي بالناس هنالك في بلاد رتبيل ، ثم إن جماعة من الفل الذين هربوا من الحجاج اجتمعوا وساروا وراء ابن الأشعث; ليدركوه فيكونوا معه ، وهم قريب من ستين ألفا ، فلما وصلوا إلى سجستان وجدوا ابن الأشعث قد دخل إلى عند رتبيل فتغلبوا على سجستان ، وعذبوا عاملها عبد الله بن عامر البعار وإخوته وقرائبه ، واستحوذوا على ما فيها من الأموال ، وانتشروا في تلك البلاد وأخذوها ، ثم كتبوا إلى ابن الأشعث : أن اخرج إلينا حتى نكون معك; ننصرك على من يخالفك ، ونأخذ بلاد خراسان ، فإن بها جندا عظيما منا ، فنكون بها حتى يهلك الله الحجاج أو عبد الملك ، فنرى بعد ذلك رأينا ، فخرج إليهم ابن الأشعث ، وسار بهم قليلا إلى نحو خراسان ، فاعتزله شرذمة من أهل العراق مع عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة ، فقام فيهم ابن [ ص: 340 ] الأشعث خطيبا ، فذكر غدرهم ونكولهم عن الحرب ، وقال : لا حاجة لي بكم ، وأنا ذاهب إلى صاحبي رتبيل فأكون عنده ، ثم انصرف عنهم ، وتبعه طائفة منهم ، وبقي معظم الجيش ، فلما انفصل عنهم ابن الأشعث بايعوا عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة الهاشمي ، وساروا معه إلى خراسان ، فخرج إليهم أميرها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة ; ليمنعهم من دخول بلاده ، وكتب يزيد إلى عبد الرحمن بن عباس يقول له : إن في البلاد متسعا ، فاذهب إلى أرض ليس بها سلطان ، فإني أكره قتالك ، وإن كنت تريد مالا بعثت إليك . فقال له : إنا لم نجئ لقتال أحد ، وإنما جئنا نستريح ونريح خيلنا ، ثم نذهب ، وليست بنا حاجة إلى حاجة مما عرضت ، ثم أقبل عبد الرحمن على أخذ الخراج مما حوله من البلاد من كور خراسان ، فخرج إليه يزيد بن المهلب ومعه أخوه المفضل في جيوش كثيفة ، فلما صادفوهم اقتتلوا غير كثير ، ثم انهزم أصحاب عبد الرحمن بن عباس ، وقتل يزيد منهم مقتلة عظيمة ، وأسر منهم أسرى كثيرة ، واحتاز ما في معسكرهم ، وبعث بالأسارى - وفيهم محمد بن سعد بن أبي وقاص - إلى الحجاج ، ويقال : إن محمد بن سعد قال ليزيد بن المهلب : أسألك بدعوة أبي لأبيك لما أطلقتني . فأطلقه . قال أبو جعفر بن جرير : ولهذا الكلام خبر فيه طول .
[ ص: 341 ] ولما قدمت الأسارى على الحجاج قتل أكثرهم ، وعفا عن بعضهم ، وقد كان الحجاج يوم ظهر على ابن الأشعث بدير الجماجم نادى مناديه في الناس : من رجع فهو آمن ، ومن لحق بقتيبة بن مسلم بالري فهو آمن ، فلحق به خلق كثير ممن كان مع ابن الأشعث ، فأمنهم الحجاج ، ومن لم يلحق به شرع الحجاج في تتبعهم ، فقتل منهم خلقا كثيرا ، حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير على ما سيأتي بيانه .
وكان الشعبي من جملة من صار إلى قتيبة بن مسلم ، فذكره يوما الحجاج ، فقيل له : إنه سار إلى قتيبة . فكتب إليه : أن ابعث إلي بالشعبي . قال الشعبي : فلما دخلت عليه سلمت عليه بالإمرة ، ثم قلت : أيها الأمير ، إن الناس قد أمروني أن أعتذر إليك بغير ما يعلم الله أنه الحق ، وايم الله لا أقول في هذا المقام إلا الحق ، قد والله تمردنا عليك ، وحرضنا وجهدنا كل الجهد ، فما آلونا ، فما كنا بالأقوياء الفجرة ، ولا بالأتقياء البررة ، ولقد نصرك الله علينا ، وأظفرك بنا ، فإن سطوت فبذنوبنا ، وما جرت إليك أيدينا ، وإن عفوت عنا فبحلمك ، وبعد فالحجة لك علينا . فقال الحجاج : أنت والله يا شعبي أحب إلي ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ، ثم يقول : ما فعلت ولا شهدت . قد أمنت [ ص: 342 ] عندنا يا شعبي . قال : فانصرفت ، فلما مشيت قليلا قال : هلم يا شعبي . قال : فوجل لذلك قلبي ، ثم ذكرت قوله : قد أمنت يا شعبي ، فاطمأنت نفسي . فقال : كيف وجدت الناس بعدنا يا شعبي؟ قال : - وكان لي مكرما - فقلت : أصلح الله الأمير ، قد اكتحلت بعدك السهر ، واستوعرت السهولة ، واستوخمت الجناب ، واستحلست الخوف ، واستحليت الهم ، وفقدت صالح الإخوان ، ولم أجد من الأمير خلفا . قال : انصرف يا شعبي . فانصرفت . ورواه أبو مخنف ، عن السري بن إسماعيل ، عن الشعبي .
وروى البيهقي أنه سأله عن المسألة الخرقاء في الفرائض ، وهي : أم وزوج وأخت ، وما كان يقوله فيها الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ، [ ص: 343 ] وكان لكل منهم قول فيها ، فنقل ذلك كله الشعبي في ساعته ، فاستحسن قول علي ، وحكم بقول عثمان ، وأطلق الشعبي بسبب ذلك .
وقيل : إن الحجاج قتل خمسة آلاف أسير ، ممن سيرهم إليه يزيد بن المهلب كما تقدم ذلك ، ثم سار إلى الكوفة فدخلها ، فجعل لا يبايع أحدا من أهلها إلا قال : أتشهد على نفسك أنك قد كفرت . فإذا قال : نعم . بايعه ، وإن أبى قتله ، فقتل منهم خلقا كثيرا ، ممن أبى أن يشهد على نفسه بالكفر . قال : فأتي برجل ، فقال الحجاج : ما أظن هذا يشهد على نفسه بالكفر; لصلاحه ودينه ، وأراد الحجاج مخادعته ، فقال : أخادعي أنت عن نفسي ، أنا أكفر أهل الأرض ، وأكفر من فرعون وهامان ونمرود . قال : فضحك الحجاج وخلى سبيله .
وذكر ابن جرير من طريق أبي مخنف ، أن أعشى همدان أتي به إلى الحجاج ، وكان قد عمل قصيدة هجا فيها الحجاج وعبد الملك بن مروان ، ويمدح فيها ابن الأشعث وأصحابه ، فاستنشده إياها فأنشده قصيدة طويلة دالية ، فيها مدح كثير لعبد الملك وأهل بيته ، فجعل أهل الشام يقولون : قد أحسن أيها الأمير ، فقال الحجاج : إنه لم يحسن ، إنما يقول هذا مصانعة . ثم ألح عليه حتى أنشده قصيدته الأخرى ، فلما أنشدها غضب عند ذلك الحجاج ، وأمر به فضربت عنقه صبرا بين يديه .
واسم الأعشى هذا عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث ، أبو المصبح الهمداني ، [ ص: 344 ] الكوفي ، الشاعر ، أحد الفصحاء البلغاء المشهورين ، وقد كان له فضل وعبادة في مبتدئه ، ثم ترك ذلك ، وأقبل على الشعر فعرف به ، وقد وفد على النعمان بن بشير - وهو أمير بحمص - فامتدحه ، وكان محصوله في رحلته إليه منه ومن جند حمص أربعين ألف دينار ، وكان زوج أخت الشعبي ، كما أن الشعبي كان زوج أخته أيضا ، وكان ممن خرج مع ابن الأشعث ، فقتله الحجاج كما ذكرنا ، رحمه الله .
وقد كان الحجاج وهو مواقف لابن الأشعث بعث كمينا يأتون جيش ابن الأشعث من ورائه ، ثم تواقف الحجاج وابن الأشعث ، وهرب الحجاج بمن معه ، وترك معسكره ، فجاء ابن الأشعث فاحتاز ما في المعسكر ، وبات فيه ، فجاءت السرية إليهم ليلا ، وقد وضعوا أسلحتهم ، فمالوا عليهم ميلة واحدة ، ورجع الحجاج بأصحابه فأحاطوا بهم ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وقتل من أصحاب ابن الأشعث خلق كثير ، وغرق خلق كثير منهم في دجلة ودجيل ، وجاء الحجاج إلى معسكرهم فقتل من وجده فيه ، فقتل منهم نحوا من أربعة آلاف ، منهم جماعة من الرؤساء والأعيان ، واحتازوه بكماله ، وانطلق ابن الأشعث هاربا في ثلاثمائة ، فركبوا دجيلا في السفن ، وعقروا دوابهم ، وجازوا إلى البصرة ، ثم ساروا من هنالك ، وكان من أمرهم من دخولهم بلاد رتبيل ما كان ، ثم شرع الحجاج في تتبع أصحاب ابن الأشعث ، فقتلهم مثنى [ ص: 345 ] وفرادى ، حتى قيل : إنه قتل منهم بين يديه صبرا مائة ألف وثلاثين ألفا . قاله النضر بن شميل ، عن هشام بن حسان . منهم محمد بن سعد بن أبي وقاص ، وجماعات من السادات ، حتى كان آخرهم سعيد بن جبير رحمهم الله ورضي عنهم ، كما سيأتي ذلك في موضعه . ====بناء واسط
قال ابن جرير : وفي هذه السنة بنى الحجاج واسطا ، وكان سبب بنائه لها أنه رأى راهبا على أتان قد أجاز دجلة ، فلما مر بموضع واسط وقفت أتانه فبالت ، فنزل عنها وعمد إلى موضع بولها فاحتفره ، ورمى به في دجلة ، فقال الحجاج : علي به . فأتي به ، فقال له : لم صنعت هذا ؟ قال : إنا نجد في كتبنا أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الأرض أحد يوحده . فعند ذلك اختط الحجاج مدينة واسط في ذلك المكان ، وبنى المسجد في ذلك الموضع .
وفيها كانت غزوة عطاء بن رافع صقلية====وممن توفي فيها من الأعيان :
عبد الرحمن بن حجيرة الخولاني المصري
روى عن جماعة من الصحابة ، وكان عبد العزيز بن مروان أمير مصر قد جمع له [ ص: 346 ] بين القضاء والقصص وبيت المال ، وكان رزقه في العام ألف دينار ، وكان لا يدخر منها شيئا .
طارق بن شهاب بن عبد شمس الأحمسي
ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، وغزا في خلافة الصديق وعمر رضي الله عنهما بضعا وأربعين غزاة ، توفي بالمدينة هذه السنة .
عبيد الله بن عدي بن الخيار
أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وحدث عن جماعة من الصحابة ، وكان من فقهاء قريش وعلمائهم ، وأبوه عدي ممن قتل يوم بدر كافرا .
عبد الله بن قيس بن مخرمة
كان قاضي المدينة ، وتوفي بها في هذه السنة .
مرثد بن عبد الله أبو الخير ، اليزني
وفيها فقد جماعة من القراء والعلماء الذين كانوا مع ابن الأشعث ; منهم [ ص: 347 ] من هرب ، ومنهم من قتل في المعركة ، ومنهم من أسر فضرب الحجاج عنقه ، ومنهم من تتبعه الحجاج حتى قتله .
وقد سمى منهم خليفة بن خياط طائفة من الأعيان ; فمنهم مسلم بن يسار المزني ، وأبو مرانة العجلي قتل ، وعقبة بن عبد الغافر قتل ، وعقبة بن وساج قتل ، وعبد الله بن غالب الجهضمي قتل ، وأبو الجوزاء الربعي قتل ، والنضر بن أنس ، وعمران والد أبي جمرة الضبعي ، وأبو المنهال سيار بن سلامة الرياحي ، ومالك بن دينار ، ومرة بن دباب الهدادي ، وأبو نجيد الجهضمي ، وأبو شيخ الهنائي ، وسعيد بن أبي الحسن ، وأخوه الحسن البصري .
قال أيوب : قيل لابن الأشعث : إن أحببت أن يقتل الناس حولك كما [ ص: 348 ] قتلوا حول هودج عائشة يوم الجمل فأخرج الحسن معك ، فأخرجه .
ومن أهل الكوفة سعيد بن جبير ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وعبد الله بن شداد ، والشعبي ، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، والمعرور بن سويد ، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص ، وأبو البختري ، وطلحة بن مصرف ، وزبيد بن الحارث الياميان ، وعطاء بن السائب . قال أيوب : فما منهم من أحد صرع مع ابن الأشعث إلا رغب عن مصرعه ، ولا نجا أحد منهم إلا حمد الله الذي سلمه .
ومن أعيان من قتل الحجاج
عمران بن عصام الضبعي
والد أبي جمرة ، كان من علماء أهل البصرة ، وكان صالحا عابدا ، أتي به أسيرا إلى الحجاج ، فقال له : اشهد على نفسك بالكفر حتى أطلقك . فقال : والله إني ما كفرت بالله منذ آمنت به . فأمر فضربت عنقه .
عبد الرحمن بن أبي ليلى
روى عن جماعة من الصحابة ، ولأبيه [ ص: 349 ] أبي ليلى صحبة ، أخذ عبد الرحمن القرآن عن علي بن أبي طالب . خرج مع ابن الأشعث فأتي به الحجاج أسيرا ، فضرب عنقه بين يديه صبرا ==========ثم دخلت سنة أربع وثمانينإظهار التشكيل|إخفاء التشكيلمسألة: الجزء الثاني عشر التحليل الموضوعي[ ص: 350 ] ثم دخلت سنة أربع وثمانين
قال الواقدي : فيها افتتح عبد الله بن عبد الملك بن مروان المصيصة .
وفيها غزا محمد بن مروان أرمينية فقتل منهم خلقا كثيرا ، وحرق كنائسهم ، وضياعهم . وتسمى سنة الحريق .
وفيها استعمل الحجاج على فارس محمد بن القاسم الثقفي وأمره بقتل الأكراد .
وفيها ولى عبد الملك الإسكندرية عياض بن غنم التجيبي ، وعزل عنها عبد الملك بن أبي الكنود الذي كان قد وليها في العام الماضي .
وفيها افتتح موسى بن نصير طائفة من بلاد المغرب من ذلك بلد أوربة ، وقتل من أهلها بشرا كثيرا جدا ، وأسر نحوا من خمسين ألفا .
وفيها قتل الحجاج أيضا جماعة من رؤساء أصحاب ابن الأشعث منهم :
أيوب بن القرية
وكان فصيحا بليغا واعظا ، قتله صبرا بين يديه ، [ ص: 351 ] ويقال : إنه ندم على قتله ، وهو أيوب بن زيد بن قيس أبو سليمان الهلالي ، المعروف بابن القرية .
وعبد الله بن الحارث بن نوفل ، وسعد بن إياس الشيباني .
وأبو عنبة الخولاني
له صحبة ورواية ، سكن حمص ، وبها توفي ، وقد قارب المائة سنة . عبد الله بن قتادة .
وغير هؤلاء جماعة ; منهم من قتله الحجاج .
ومنهم من توفي
أبو زرعة الجذامي الفلسطيني
كان ذا منزلة عند أهل الشام فخاف منه معاوية ، ففهم منه ذلك أبو زرعة فقال : يا أمير المؤمنين ، لا تهدم ركنا بنيته ، ولا تحزن صاحبا سررته ، ولا تشمت عدوا كبته ، فكف عنه معاوية .
وفيها توفي
عتبة بن الندر السلمي
صحابي جليل .
[ ص: 352 ] عمران بن حطان الخارجي
كان أولا من أهل السنة والجماعة ، فتزوج امرأة من الخوارج حسنة جميلة جدا فأحبها ، وكان هو دميم الشكل ، فأراد أن يردها إلى السنة فأبت ، فارتد معها إلى مذهبها . وقد كان من الشعراء المطبقين ، وهو القائل في قتل علي وقاتله :

يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوما فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا أكرم بقوم بطون الطير قبرهم لم يخلطوا دينهم بغيا وعدواناوقد كان الثوري يتمثل بأبياته هذه في الزهد في الدنيا ، وهي قوله :

أرى أشقياء الناس لا يسأمونها على أنهم فيها عراة وجوع أراها وإن كانت تحب فإنها سحابة صيف عن قليل تقشع كركب قضوا حاجاتهم وترحلوا طريقهم بادي العلامة مهيع [ ص: 353 ] مات عمران بن حطان سنة أربع وثمانين ، وقد رد عليه بعض العلماء في أبياته المتقدمة في قتل علي رضي الله عنه ، بأبيات على قافيتها ووزنها :

بل ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا إني لأذكره يوما فأحسبه أشقى البرية عند الله ميزانا روح بن زنباع الجذامي
كان من أمراء الشام ، وكان عبد الملك يستشيره في أموره .
وفيها كان مهلك عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي ، وقيل : في التي بعدها فالله أعلم ; وذلك أن الحجاج كتب إلى رتبيل ملك الترك الذي لجأ ابن الأشعث إليه يقول له : والله الذي لا إله إلا هو لئن لم تبعث إلي بابن الأشعث لأبعثن إلى بلادك ألف ألف مقاتل ، ولأخربنها . فلما تحقق الوعيد من الحجاج استشار في ذلك بعض الأمراء فأشار عليه بتسليم ابن الأشعث إليه قبل أن يخرب الحجاج دياره ، ويأخذ عامة أمصاره ، فأرسل إلى الحجاج يشترط عليه أن لا يقاتل عشر سنين ، وأن لا يؤدي في كل سنة منها إلا مائة ألف من الخراج ، فأجابه الحجاج إلى ذلك ، وقيل : إن الحجاج وعده أن [ ص: 354 ] يطلق له خراج أرضه سبع سنين ، فعند ذلك غدر رتبيل بابن الأشعث ، فقيل : إنه أمر بضرب عنقه صبرا بين يديه ، وبعث برأسه إلى الحجاج وقيل : بل كان ابن الأشعث قد مرض مرضا شديدا فقتله وهو بآخر رمق ، والمشهور أنه قبض عليه وعلى ثلاثين من أقربائه فقيدهم في الأصفاد ، وبعث بهم مع رسل الحجاج إليه ، فلما كانوا ببعض الطريق بمكان يقال له : الرخج ، صعد ابن الأشعث وهو مقيد بالحديد إلى سطح قصر ، ومعه رجل موكل به; لئلا يفر ، وألقى نفسه من ذلك القصر ، وسقط معه الموكل به فماتا جميعا ، فعمد الرسول إلى رأس ابن الأشعث فاحتزه ، وقتل من معه من أصحاب ابن الأشعث ، وبعث برءوسهم إلى الحجاج ، فأمر فطيف برأسه في العراق ، ثم بعثه إلى أمير المؤمنين عبد الملك فطيف برأسه في الشام ، ثم بعث به إلى أخيه عبد العزيز بمصر فطيف برأسه هنالك ، ثم دفنوا رأسه بمصر وجثته بالرخج ، وقد قال بعض الشعراء في ذلك :

هيهات موضع جثة من رأسها رأس بمصر وجثة بالرخج وإنما ذكر ابن جرير مقتل ابن الأشعث في سنة خمس وثمانين . فالله أعلم .
وعبد الرحمن هذا هو ابن محمد بن الأشعث بن قيس ، ومنهم من يقول عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس ، الكندي الكوفي ، قد روى [ ص: 355 ] له أبو داود والنسائي ، عن أبيه ، عن جده ، عن ابن مسعود ، حديث : إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ، فالقول ما قال البائع ، أو يتتاركان وعنه أبو العميس ويقال : إن الحجاج قتله بعد التسعين سنة . فالله أعلم .
والعجب كل العجب من هؤلاء الذين بايعوه بالإمارة ، وليس من قريش وإنما هو كندي من اليمن ، وقد اجتمع الصحابة يوم السقيفة على أن الإمارة لا تكون إلا في قريش ، واحتج عليهم الصديق بالحديث في ذلك ، حتى إن الأنصار سألوا أن يكون منهم أمير مع أمير المهاجرين ، فأبى الصديق عليهم ذلك ، ثم مع هذا كله ضرب سعد بن عبادة - الذي دعا إلى ذلك أولا ، ثم رجع عنه - كما قررنا ذلك فيما تقدم ، فكيف يعمدون إلى خليفة قد بويع له بالإمارة على المسلمين من سنين ، فيعزلونه وهو من صليبة قريش ، ويبايعون لرجل كندي بيعة لم يتفق عليها أهل الحل والعقد؟ ولهذا لما كانت هذه زلة وفلتة نشأ بسببها شر كثير هلك فيه خلق كثير ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
أيوب ابن القرية
وهي أمه ، واسم أبيه يزيد بن قيس بن زرارة بن مسلم ، النمري الهلالي ، كان أعرابيا أميا ، وكان يضرب به المثل في فصاحته وبيانه وبلاغته ، صحب الحجاج ، ووفد على عبد الملك ، ثم بعثه رسولا إلى ابن [ ص: 356 ] الأشعث ، فقال له ابن الأشعث : لئن لم تقم خطيبا فتخلع الحجاج لأضربن عنقك . ففعل ، وأقام عنده فلما ظهر الحجاج استحضره ، وجرت له معه مقامات ومقالات في الكلام ، ثم في آخر الأمر ضرب عنقه ، وندم بعد ذلك على ما فعل من ضرب عنقه ، ولكن ندم حيث لا ينفعه الندم كما قيل :

وجادت بوصل حين لا ينفع الوصلوقد ذكره ابن عساكر في تاريخه ، وابن خلكان في الوفيات ، وأطال ترجمته ، وذكر فيها أشياء حسنة . قال : والقرية بكسر القاف وتشديد الياء ، وهي جدته ، واسمها خماعة بنت جشم .
قال ابن خلكان : ومن الناس من أنكر وجوده ، ووجود مجنون ليلى ، وابن أبي العقب صاحب الملحمة ، وهو يحيى بن عبد الله بن أبي العقب . والله أعلم .
روح بن زنباع بن سلامة الجذامي أبو زرعة
ويقال : أبو زنباع الدمشقي ، داره بدمشق في طرف البزوريين ، عند دار ابن [ ص: 357 ] أبي العقب صاحب الملحمة ، وهو تابعي جليل ، روى عن أبيه - وكانت له صحبة - وتميم الداري ، وعبادة بن الصامت ، ومعاوية ، وكعب الأحبار وغيرهم ، وعنه جماعة منهم عبادة بن نسي .
كان روح عند عبد الملك كالوزير; لا يكاد يفارقه ، وكان مع أبيه مروان يوم مرج راهط وقد أمره يزيد بن معاوية على جند فلسطين . وزعم مسلم بن الحجاج أن روح بن زنباع كانت له صحبة ، ولم يتابع مسلم على هذا القول ، والصحيح أنه تابعي وليس بصحابي .
ومن مآثره التي تفرد بها أنه كان كلما خرج من الحمام يعتق نسمة . قال ابن زبر : مات سنة أربع وثمانين بالأردن ، وزعم بعضهم أنه بقي إلى أيام هشام بن عبد الملك .
وقد حج مرة ، فنزل على ماء بين مكة والمدينة ، فأمر فأصلحت له أطعمة مختلفة الألوان ، ثم وضعت بين يديه ، فبينما هو يأكل إذ جاء راع من الرعاة يرد الماء ، فدعاه روح بن زنباع إلى الأكل من ذلك الطعام ، فجاء الراعي فنظر إلى طعامه ، وقال : إني صائم . فقال له روح : في مثل هذا اليوم الطويل الشديد الحر تصوم يا راعي؟ فقال الراعي : أفأغبن أيامي من أجل طعيمك؟ ثم إن الراعي ارتاد لنفسه مكانا فنزله ، وترك روح بن زنباع ، فقال روح بن زنباع :
[ ص: 358 ] لقد ضننت بأيامك يا راعي إذ جاد بها روح بن زنباع ثم إن روحا بكى طويلا ، وأمر بتلك الأطعمة فرفعت ، وقال : انظروا ، هل تجدون لها آكلا من هذه الأعراب أو الرعاة؟ ثم سار من ذلك المكان ، وقد أخذ الراعي بمجامع قلبه ، وصغرت إليه نفسه . والله سبحانه وتعالى أعلم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق