ثم دخلت سنة ست وسبعين
وكان في أولها في مستهل صفر منها ليلة الأربعاء اجتماع صالح بن مسرح أمير الصفرية ، وشبيب بن يزيد أحد شجعان الخوارج ، فقام فيهم صالح بن مسرح ، فأمرهم بتقوى الله ، وحثهم على الجهاد ، وأن لا يقاتلوا أحدا حتى يدعوه إلى الدخول معهم .
ثم مالوا إلى دواب محمد بن مروان ، نائب الجزيرة لأخيه عبد الملك ، فأخذوها فتقووا بها ، وأقاموا بأرض دارا ثلاث عشرة ليلة ، وتحصن منهم أهل دارا ونصيبين وسنجار ، فبعث إليهم محمد بن مروان نائب الجزيرة خمسمائة فارس ، عليهم عدي بن عدي بن عميرة ، ثم زاده خمسمائة أخرى ، فسار في ألف من حران إليهم ، وكأنما يساق إلى الموت وهو ينظر ; لما يعلم من جلد الخوارج وقوتهم وشدة بأسهم ، فلما التقى مع الخوارج هزموه هزيمة شنيعة بالغة ، واحتووا على ما في معسكره ، ورجع فلهم إلى [ ص: 258 ] محمد بن مروان فغضب ، وبعث إليهم ألفا وخمسمائة مع الحارث بن جعونة ، وألفا وخمسمائة مع خالد بن جزء السلمي ، وقال لهما : أيكما سبق إليهم فهو الأمير على الناس . فساروا إليهم في ثلاثة آلاف مقاتل ، والخوارج في نحو من مائة نفس ، وعشرة أنفس ، فلما انتهوا إلى آمد توجه صالح إلى خالد بن جزء في شطر الناس ، ووجه شبيبا إلى الحارث بن جعونة في الباقين ، فاقتتل الناس في هذا اليوم قتالا شديدا إلى الليل ، فلما كان المساء انكف كل من الفريقين عن الآخر ، وقد قتل من الخوارج نحو السبعين ، وقتل من أصحاب ابن مروان نحو الثلاثين ، وهربت الخوارج في الليل ، فخرجوا من الجزيرة ، وأخذوا في أرض الموصل ، ومضوا حتى قطعوا الدسكرة ، فبعث إليهم الحجاج ثلاثة آلاف مع الحارث بن عميرة ، فسار نحوهم حتى لحقهم بأرض الموصل ، وليس مع صالح سوى تسعين رجلا ، فالتقى معهم ، [ ص: 259 ] وقد جعل صالح أصحابه ثلاثة كراديس ; فهو في كردوس ، وشبيب عن يمينه في كردوس ، وسويد بن سليمان عن يساره في كردوس ، وحمل عليهم الحارث بن عميرة ، وعلى ميمنته أبو الرواغ الشاكري ، وعلى ميسرته الزبير بن الأروح التميمي ، فصبرت الخوارج على قلتهم صبرا شديدا ، ثم انكشف وسويد بن سليمان ، ثم قتل صالح بن مسرح أميرهم ، وصرع شبيب عن فرسه ، فالتف عليه بقية الخوارج حتى احتملوه ، فدخلوا به حصنا هنالك ، وقد بقي معهم سبعون رجلا ، فأحاط بهم الحارث بن عميرة ، وأمر أصحابه أن يحرقوا الباب ، ففعلوا ، ورجع الناس إلى معسكرهم ينتظرون حريق الباب ، فيأخذون الخوارج قهرا ، فلما رجع الناس واطمأنوا خرجت عليهم الخوارج من الباب على الصعب والذلول ، فبيتوا جيش الحارث بن عميرة ، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وهرب الناس سراعا إلى المدائن ، واحتاز شبيب وأصحابه ما في معسكرهم ، فكان جيش الحارث بن عميرة أول جيش هزمه شبيب ، وكان مقتل صالح بن مسرح في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة من هذه السنة .
وفيها دخل شبيب الكوفة ومعه زوجته غزالة ، وذلك أن شبيبا جرت له [ ص: 260 ] فصول يطول تفصيلها بعد مقتل صالح بن مسرح ، واجتمعت عليه الخوارج وبايعوه ، وبعث إليه الحجاج جيشا آخر ، فقاتلوه فهزموه ثم هزمهم بعد ذلك ، ثم سار فحاصر المدائن ، فلم ينل منها شيئا ، فسار فأخذ دواب للحجاج من كلواذا ، ومن عزمه أن يبيت أهل المدائن ، فهرب من فيها من الجند إلى الكوفة فلما وصل الفل إلى الحجاج جهز جيشا أربعة آلاف مقاتل إلى شبيب ، فمروا على المدائن ، ثم ساروا في طلب شبيب ، فجعل شبيب يسير بين أيديهم قليلا قليلا ، وهو يريهم أنه خائف منهم ، ثم يكر في كل وقت على المقدمة فيكسرها ، وينهب ما فيها ، ولا يواجه أحدا إلا هزمه ، والحجاج يلح في طلبه ، ويجهز إليه السرايا والبعوث والمدد ، وشبيب لا يبالي بأحد ، وإن ما معه مائة وستون فارسا ، وهذا من أعجب العجب ، ثم سار من طريق أخرى حتى واجه الكوفة ، وهو يريد أن يحاصرها ، فخرج الجيش بكماله إلى السبخة لقتاله ، وبلغه ذلك فلم يبال بهم ، وانزعج الناس ، وخافوا منه وفرقوا ، وهموا أن يدخلوا الكوفة خوفا منه ، فيتحصنوا فيها منه ، حتى قيل لهم : إن سويد بن عبد الرحمن في آثارهم ، وقد اقترب منهم ، وشبيب نازل بالكوفة بالدير ، ليس عنده خبر منهم ولا خوف ، وقد أمر بطعام وشواء أن يصنع له ، فقيل له : قد جاءك الجند فأدرك نفسك . فجعل لا يلتفت إلى ذلك ولا يكترث بهم ، ويقول للدهقان [ ص: 261 ] الذي يصنع له الطعام : عجل به . فلما استوى أكله ، ثم توضأ ، ثم صلى بأصحابه صلاة تامة بتطويل وطمأنينة ، ثم لبس درعه ، وتقلد سيفين ، وأخذ عمود حديد ، ثم قال : أسرجوا لي البغلة . فقال له أخوه مصاد : أفي هذا اليوم تركب بغلة ، وقد أحاط بك الأعداء من كل جانب ؟ قال : نعم . فركبها ، ثم فتح باب الدير الذي هو فيه ، وهو يقول : أنا أبو المدله ، لا حكم إلا لله ، وتقدم إلى أمير الجيش الذي تقدموا إليه ، فضربه بالعمود الحديد فقتله ، وهو سعيد بن المجالد ، وحمل على الجيش الآخر الكثيف فصرع أميره ، وهرب الناس من بين يديه ، ولجئوا إلى الكوفة ، ومضى شبيب حتى أغار على أسفل الفرات ، وقتل جماعة هناك ، وخرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة ، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة ، ثم اقترب شبيب من الكوفة يريد دخولها ، فأعلم الدهاقين عروة بن المغيرة بذلك ، فكتب إلى الحجاج يعلمه بذلك ، فأسرع الحجاج الخروج من البصرة ، وقصد الكوفة ، فأسرع السير ، وبادره شبيب إلى الكوفة ، فسبقه الحجاج إليها ، فدخلها العصر ، ووصل شبيب إلى المربد عند الغروب ، فلما كان آخر الليل دخل شبيب الكوفة ، وقصد [ ص: 262 ] قصر الإمارة ، فضرب بابه بعموده الحديد ، فأثرت ضربته في الباب ، فكانت تعرف بعد ذلك ؛ يقال : هذه ضربة شبيب ، وسلك في طرق المدينة ، وتقصد محال القبائل ، وقتل رجالا من رؤساء أهل الكوفة وأشرافهم ، منهم أبو سليم والد ليث بن أبي سليم ، وعدي بن عمرو ، وأزهر بن عبد الله العامري ، في طائفة كثيرة من أهل الكوفة ، وكان مع شبيب امرأته غزالة ، وكانت معروفة بالشجاعة ، فدخلت مسجد الكوفة ، وجلست على منبره ، وجعلت تذم بني مروان .
ونادى الحجاج في الناس : يا خيل الله اركبي وأبشري . فخرج شبيب من الكوفة ، فجهز الحجاج في أثره ستة آلاف مقاتل ، فساروا وراءه ، وهو بين أيديهم ، ينعس ويهز رأسه ، وفي أوقات كثيرة يكر عليهم شبيب ، فيقتل منهم جماعة ، حتى قتل من جيش الحجاج خلقا كثيرا ، وقتل جماعة من الأمراء ، منهم : زائدة بن قدامة - قتله شبيب ، وهو ابن عم المختار - فوجه الحجاج مكانه لحربه عبد الرحمن بن الأشعث ، فلم يقابل شبيبا ورجع ، فوجه مكانه عثمان بن قطن الحارثي ، فالتقوا في آخر السنة ، فقتل عثمان بن قطن ، وانهزمت جموعه بعد أن قتل من أصحابه ستمائة نفس ، فمن أعيانهم عقيل بن شداد السلولي ، [ ص: 263 ] وخالد بن نهيك الكندي ، والأسود بن ربيعة .
واستفحل أمر شبيب ، وتزلزل له عبد الملك بن مروان ، و الحجاج ، وسائر الأمراء ، وخاف عبد الملك منه خوفا شديدا ، فبعث له جيشا من أهل الشام ، فقدموا في السنة الآتية ، وإن ما مع شبيب شرذمة قليلة ، وقد ملأ قلوب الناس رعبا ، وجرت خطوب كثيرة له معهم ، ولم يزل ذلك دأبه ودأبهم حتى استهلت هذه السنة .
قال ابن جرير : وفي هذه السنة نقش عبد الملك بن مروان على الدراهم والدنانير ، وهو أول من نقشها .
وقال القاضي الماوردي في كتاب " الأحكام السلطانية " : اختلف في أول من ضربها بالعربية في الإسلام ; فقال سعيد بن المسيب : أول من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان ، وكانت الدنانير رومية ، والدراهم كسروية . قال أبو الزناد وكان نقشه لها في سنة أربع وسبعين . وقال المدائني : خمس وسبعين . وضربت في الآفاق سنة ستة وسبعين . وذكر أنه ضرب على الجانب الواحد منها " الله أحد " ، وعلى الوجه الآخر " الله [ ص: 264 ] الصمد " ، قال : وحكى يحيى بن النعمان الغفاري ، عن أبيه ، أن أول من ضرب الدراهم مصعب بن الزبير ، عن أمر أخيه عبد الله بن الزبير ، سنة سبعين ، على ضرب الأكاسرة ، وعليها " الملك بركة " من جانب ، و " لله " من جانب ، ثم غيرها الحجاج ، وكتب اسمه عليها من جانب ، ثم خلصها بعده يوسف بن هبيرة في أيام يزيد بن عبد الملك ، ثم خلصها أجود منها خالد بن عبد الله القسري في أيام هشام ، ثم يوسف بن عمر أجود منهم كلهم . ولذلك كان المنصور لا يقبل منها إلا الهبيرية والخالدية واليوسفية .
وذكر أنه قد كان للناس نقود مختلفة ، منها الدرهم البغلي ، وكان ثمانية دوانق ، والطبري وكان أربعة دوانق ، والمصري ثلاثة دوانق ، واليمني دانقا ، فجمع عمر بن الخطاب بين البغلي والطبري ، ثم أخذ نصفها فجعله الدرهم الشرعي ، وهو نصف مثقال وخمس مثقال ، وذكروا أن المثقال لم يغيروا وزنه في جاهلية ولا إسلام ، وفي هذا نظر ، والله أعلم .
وفيها ولد مروان بن محمد بن مروان بن الحكم ، وهو مروان [ ص: 265 ] الحمار ، آخر من تولى الخلافة من بني أمية بالشام ، ومنه أخذها بنو العباس .
وفيها ولى عبد الملك بن مروان نيابة المدينة لأبان بن عثمان ، وعزل عنها يحيى بن مروان عمه ، واستدعاه إلى الشام .
وفيها حج بالناس أبان بن عثمان بن عفان نائب المدينة ، وكان على إمرة العراق الحجاج ، وعلى خراسان أمية بن عبد الله ، والله أعلم =========وممن توفي فيها من الأعيان :
أبو عثمان النهدي القضاعي
اسمه عبد الرحمن بن مل ، أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وغزا جلولاء والقادسية وتستر ونهاوند وأذربيجان وغيرها ، وكان كثير العبادة ، زاهدا عالما ، يصوم النهار ويقوم الليل ، توفي وعمره مائة وثلاثون سنة بالكوفة .
صلة بن أشيم العدوي
من كبار التابعين من أهل البصرة ، وكان ذا فضل وورع وعبادة وزهد ، كنيته أبو الصهباء ، كان يصلي حتى ما يستطيع أن يأتي الفراش إلا حبوا ، وله مناقب كثيرة جدا ، منها أنه كان يمر عليه شباب يلهون [ ص: 266 ] ويلعبون ، فيقول : أخبروني عن قوم أرادوا سفرا ، فحادوا في النهار عن الطريق ، وناموا الليل ، فمتى يقطعون سفرهم ؟ فقال لهم يوما هذه المقالة ، فقال شاب منهم : والله يا قوم إنه ما يعني بهذا غيرنا ، نحن بالنهار نلهو وبالليل ننام . ثم تبع صلة ، فلم يزل يتعبد معه حتى مات ، ومر عليه فتى يجر ثوبه ، فهم أصحابه أن يأخذوه بألسنتهم ، فقال : دعوني أكفكم أمره . ثم دعاه فقال : يابن أخى ، لي إليك حاجة . قال : وما حاجتك ؟ قال : أن ترفع إزارك . قال : نعم ، ونعمت عين . فرفع إزاره ، فقال صلة : هذا أمثل مما أردتم ، لو شتمتموه لشتمكم .
ومنها ما حكاه جعفر بن زيد قال : خرجنا في غزاة ، وفى الجيش صلة بن أشيم ، فنزل الناس عند العتمة ، فقلت : لأرمقن عمله الليلة . فدخل غيضة ، ودخلت في أثره ، فقام يصلي ، وجاء الأسد حتى دنا منه ، وصعدت أنا في شجرة . قال : فتراه التفت ، أو عده جروا حتى سجد ؟ فقلت : الآن يفترسه . فجلس ، ثم سلم ، فقال : أيها السبع ، إن كنت أمرت بشيء فافعل ، وإلا فاطلب الرزق من مكان آخر . فولى الأسد وإن له لزئيرا تصدع منه الجبال ، فلما كان عند الصباح جلس فحمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها ، ثم قال : اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار ، أو مثلي يجترئ أن يسألك الجنة ؟ ثم رجع إلى الجيش ، فأصبح كأنه بات على الحشايا ، وأصبحت وبي من الفترة شيء الله به عليم .
قال : وذهبت بغلته بثقلها ، فقال : اللهم إني أسألك أن ترد علي بغلتي [ ص: 267 ] بثقلها . فجاءت حتى قامت بين يديه . قال : فلما التقينا العدو حمل هو وهشام بن عامر ، فصنعا بهم طعنا وضربا ، فقال العدو : رجلان من العرب صنعا بنا هذا ؛ فكيف لو قاتلونا كلهم ؟ أعطوا المسلمين حاجتهم . يعني انزلوا على حكمهم .
وقال صلة : جعت مرة في غزاة جوعا شديدا ، فبينما أنا أسير أدعو ربي وأستطعمه ، إذ سمعت وجبة من خلفي ، فالتفت فإذا أنا بمنديل أبيض ، فإذا فيه دوخلة ملآنة رطبا ، فأكلت منه حتى شبعت ، وأدركني المساء ، فملت إلى دير راهب فحدثته الحديث ، فاستطعمني من الرطب فأطعمته ، ثم إني مررت على ذلك الراهب بعد زمان فإذا نخلات حسان ، فقال : إنهن لمن الرطبات التي أطعمتني . وجاء بذلك المنديل إلى امرأته فكانت تريه للناس .
ولما أهديت معاذة إلى صلة ، أدخله ابن أخيه الحمام ، ثم أدخله بيت العروس ; بيتا مطيبا ، فقام يصلي ، فقامت تصلي معه ، فلم يزالا يصليان حتى برق الصبح . قال : فأتيته ، فقلت له : أي عم ، أهديت إليك ابنة عمك الليلة ، فقمت تصلي وتركتها . قال : إنك أدخلتني بيتا أول النهار أذكرتني به النار ، وأدخلتني بيتا آخر النهار أذكرتني به الجنة ، فلم تزل فكرتي فيهما حتى أصبحت . البيت الذي أذكره به النار هو الحمام ، والبيت الذي أذكره به الجنة هو بيت العروس .
[ ص: 268 ] وقال له رجل : ادع الله لي . فقال : رغبك الله فيما يبقى ، وزهدك فيما يفنى ، ورزقك اليقين الذي لا تركن إلا إليه ، ولا تعول في الدين إلا عليه . وكان صلة في غزاة ، ومعه ابنه ، فقال له : أي بني ، تقدم فقاتل حتى أحتسبك . فحمل فقاتل حتى قتل ، ثم تقدم صلة فقاتل حتى قتل ، فاجتمع النساء عند امرأته معاذة العدوية ، فقالت : إن كنتن جئتن لتهنئنني فمرحبا بكن ، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن .
توفي صلة في غزاة هو وابنه نحو بلاد فارس في هذه السنة .
زهير بن قيس البلوي
شهد فتح مصر وسكنها ، له صحبة ، قتلته الروم ببرقة من بلاد المغرب ، وذلك أن الصريخ أتى الحاكم بمصر - وهو عبد العزيز بن مروان - أن الروم نزلوا برقة ، فأمره بالنهوض إليهم ، فساق زهير ومعه أربعون نفسا ، فوجد الروم ، فأراد أن يكف عن القتال حتى يلحقه العسكر ، فقالوا : يا أبا شداد ، احمل بنا عليهم . فحملوا ، فقتلوا جميعا .
المنذر بن الجارود
مات في هذه السنة . تولى بيت المال ، ووفد على معاوية ، والله سبحانه أعلم =======فيها أخرج الحجاج مقاتلة أهل الكوفة ، وكانوا أربعين ألفا ، وانضاف عليهم عشرة آلاف ، فصاروا خمسين ألفا ، وأمر عليهم عتاب بن ورقاء ، وأمره أن يقصد لشبيب بن يزيد أين كان ، وأن يصمم عليه ، وعلى من معه ، وكانوا قد تجمعوا ألف رجل ، وأن لا يفعلوا كما كانوا يفعلون قبلها من الفرار والهزيمة .
ولما بلغ شبيبا ما بعث به الحجاج إليه من الجنود ، لم يعبأ بهم شيئا ، بل قام في أصحابه خطيبا ، فوعظهم وذكرهم ، وحثهم على الصبر عند اللقاء ، ومناجزة الأعداء ، ثم سار شبيب بأصحابه نحو عتاب بن ورقاء ، فالتقيا في آخر النهار عند غروب الشمس ، فأمر شبيب مؤذنه سلام بن سيار الشيباني فأذن المغرب ، ثم صلى شبيب بأصحابه المغرب ، وصف عتاب أصحابه - وكان قد خندق حول جيشه من أول النهار - فلما صلى شبيب بأصحابه المغرب انتظر حتى طلع القمر وأضاء ، تأمل الميمنة والميسرة ، ثم حمل على أصحاب رايات عتاب ، وهو يقول : أنا شبيب أبو المدله ، لا حكم إلا لله . فهزمهم ، وقتل أميرهم قبيصة بن والق ، وجماعة من الأمراء معه ، ثم كر على الميمنة وعلى الميسرة ، ففرق شمل كل واحدة منهما ، ثم قصد القلب ، فما زال حتى قتل الأمير عتاب بن ورقاء ، [ ص: 270 ] وزهرة بن حوية ، وولى عامة الجيش مدبرين ، وداسوا الأمير عتابا ، وزهرة ، فوطئته الخيل ، وقتل في المعركة عمار بن يزيد الكلبي ، ثم قال شبيب لأصحابه : لا تتبعوا منهزما . وانهزم جيش الحجاج عن بكرة أبيهم راجعين إلى الكوفة .
وكان شبيب لما احتوى على المعسكر أخذ ممن بقي منهم البيعة له بالإمارة وقال لهم : إلى ساعة تهربون ؟ ثم احتوى على ما في المعسكر من الأموال والحواصل ، واستدعى بأخيه مصاد من المدائن ، ثم قصد نحو الكوفة ، وقد وفد إلى الحجاج سفيان بن الأبرد الكلبي ، وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي من مذحج في ستة آلاف فارس ، ومعهما خلق من أهل الشام ، فاستغنى الحجاج بهم عن نصرة أهل الكوفة ، وقام في الناس خطيبا ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، يا أهل الكوفة لا أعز الله من أراد بكم العز ، ولا نصر من أراد بكم النصر ، اخرجوا عنا فلا تشهدوا معنا قتال عدونا ، الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود والنصارى ، فلا يقاتلن معنا إلا من كان لنا عاملا ، ومن لم يشهد قتال عتاب بن ورقاء . وعزم الحجاج على قتال شبيب بنفسه ، وسار شبيب حتى بلغ الصراة ، وخرج إليه الحجاج بمن معه من الشاميين وغيرهم ، فلما تواجه الفريقان نظر الحجاج إلى شبيب وهو في ستمائة من أصحابه ، فخطب الحجاج أهل الشام وقال : يا أهل الشام ، [ ص: 271 ] أنتم أهل السمع والطاعة ، والصبر واليقين ، لا يغلبن باطل هؤلاء الأرجاس حقكم ، غضوا الأبصار ، واجثوا على الركب ، واستقبلوا بأطراف الأسنة . ففعلوا ذلك .
وأقبل شبيب وقد عبأ أصحابه ثلاث فرق ; واحدة معه ، وأخرى مع سويد بن سليم ، وأخرى مع المجلل بن وائل ، وأمر شبيب سويدا أن يحمل ، فحمل على جيش الحجاج ، فصبروا له حتى إذا دنا منهم وثبوا إليه وثبة واحدة ، فانهزم عنهم ، فنادى الحجاج : يا أهل السمع والطاعة ، هكذا فافعلوا . ثم أمر الحجاج فقدم كرسيه الذي هو جالس عليه إلى الأمام ، ثم أمر شبيب المجلل أن يحمل ، فحمل ، ففعلوا به كما فعلوا بسويد ، وقال لهم الحجاج كما قال لأولئك ، وقدم كرسيه إلى أمام ، ثم إن شبيبا حمل عليهم في كتيبته فثبتوا له ، حتى إذا غشى أطراف الأسنة وثبوا في وجهه فقاتلهم طويلا ، ثم إن أهل الشام طاعنوه قدما حتى ألحقوه بأصحابه ، فلما رأى صبرهم نادى : يا سويد ، احمل في خيلك على أهل هذه السكة ; لعلك تزيل أهلها عنها ، فأت الحجاج من ورائه ، ونحمل نحن عليه من أمامه . فحمل فلم يفد ذلك شيئا ، وذلك أن الحجاج كان قد جعل عروة بن المغيرة بن شعبة في ثلاثمائة فارس ردءا له من ورائه ; لئلا يؤتوا من خلفهم ، وكان الحجاج بصيرا بالحرب أيضا ، فعند ذلك حرض شبيب أصحابه على الحملة ، وأمرهم بها ، ففهم ذلك الحجاج ، فنادى : يا أهل السمع والطاعة ، اصبروا لهذه الشدة الواحدة ، ثم ورب السماء والأرض ما شيء دون الفتح . فجثوا على الركب ، وحمل عليهم شبيب بجميع أصحابه ، فلما غشيهم نادى [ ص: 272 ] الحجاج بجماعة الناس ، فوثبوا في وجهه ، فما زالوا يطعنون ويطعنون ، وهم مستظهرون على شبيب وأصحابه حتى ردوهم عن مواقفهم إلى ما وراءها ، فنادى شبيب في أصحابه : يا أولياء الله ، الأرض الأرض . ثم نزل ونزل أصحابه ، ونادى الحجاج : يا أهل الشام ، يا أهل السمع والطاعة ، هذا أول النصر والذي نفسي بيده . وصعد مسجدا هنالك لشبيب ، ومعه نحو من عشرين رجلا معهم النبل ، واقتتل الناس قتالا شديدا عامة النهار ، من أشد قتال في الأرض ، حتى أقر كل واحد من الفريقين لصاحبه ، والحجاج ينظر إلى الفريقين من مكانه ، ثم إن خالد بن عتاب استأذن الحجاج في أن يركب في جماعة فيأتي الخوارج من ورائهم ، فأذن له ، فانطلق في جماعة معه نحو من أربعة آلاف ، فدخل عسكر الخوارج من ورائهم ، فقتل مصادا أخا شبيب ، وغزالة امرأة شبيب ; قتلها رجل يقال له : فروة بن دفان الكلبي . وخرق في جيش شبيب ، ففرح بذلك الحجاج وأصحابه وكبروا ، وانصرف شبيب وأصحابه كل منهم على فرس ، فأمر الحجاج الناس أن ينطلقوا في تطلبهم ، فشدوا عليهم فهزموهم ، وتخلف شبيب في حامية الناس ، ثم انطلق واتبعه الطلب ، فجعل ينعس وهو على فرسه حتى يخفق برأسه ، ودنا منه الطلب ، فجعل بعض أصحابه ينهاه عن النعاس في هذه الساعة ، فجعل لا يكترث بهم ، ويعود فتخفق رأسه ، فلما طال ذلك بعث الحجاج إلى أصحابه يقول : دعوه في [ ص: 273 ] حرق النار . فتركوه ورجعوا .
ثم دخل الحجاج الكوفة ، فخطب الناس ، فقال في خطبته : إن شبيبا لم يهزم قبلها . ثم قصد شبيب الكوفة ، فخرجت إليه سرية من جيش الحجاج ، فالتقوا معه يوم الأربعاء ، فهزم الخوارج يوم الجمعة ، وسارت الخوارج هاربين .
وكان على سرية الحجاج الحارث بن معاوية الثقفي في ألف فارس معه ، فحمل شبيب على الحارث بن معاوية ، فكسره ومن معه ، وقتل منهم طائفة ، ودخل الناس الكوفة هاربين ، وحصن الناس السكك ، فخرج إليه أبو الورد مولى الحجاج في طائفة من الجيش ، فقاتل حتى قتل ، ثم هرب أصحابه ، ودخلوا الكوفة ، ثم خرج إليه أمير آخر فانكسر أيضا ، ثم سار شبيب بأصحابه نحو السواد ، فمروا بعامل الحجاج على تلك البلاد فقتلوه ، ثم خطب أصحابه وقال : اشتغلتم بالدنيا عن الآخرة . ثم رمى بالمال في الفرات ، ثم سار بهم حتى افتتح بلادا كثيرة ، ولا يبرز له أحد إلا قتله ، ثم خرج إليه بعض الأمراء الذين على بعض المدن ، فقال له : يا شبيب ابرز إلي وأبرز إليك - وكان صديقه - فقال له شبيب : إني لا أحب قتلك . فقال له : لكني أحب قتلك ، فلا تغرنك نفسك وما تقدم من الوقائع . ثم حمل عليه فضربه شبيب على رأسه ، فهمس رأسه حتى اختلط دماغه بلحمه وعظمه ، ثم كفنه ودفنه ، ثم إن الحجاج أنفق أموالا كثيرة على الجيوش والعساكر في طلب شبيب فلم يطيقوه ولم يقدروا عليه ، وإنما سلط الله عليه موتا قدرا [ ص: 274 ] من غير صنعهم ، ولا صنعه في هذه السنة===ذكر مقتل شبيب في هذه السنة عند ابن الكلبي
وكان سبب ذلك أن الحجاج كتب إلى نائبه على البصرة ; الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل ، وهو زوج ابنة الحجاج ، يأمره أن يجهز جيشا أربعة آلاف يتطلبون شبيبا ، ويكونون تبعا لسفيان بن الأبرد ، ففعل فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا ، وصبر كل من الفريقين لصاحبه ، ثم عزم أصحاب الحجاج فحملوا على الخوارج ، ففروا بين أيديهم ذاهبين حتى اضطروهم إلى جسر هناك ، فوقف عنده شبيب في مائة من أصحابه ، وعجز سفيان بن الأبرد عن مقاومته ، ورده عن موقفه هذا بعدما تقاتلوا نهارا كاملا أشد قتال يكون ، ثم أمر سفيان بن الأبرد الرماة من أصحابه فرشقوهم بالنبل رشقا واحدا ، ففرت الخوارج ، ثم كرت على الرماة ، فقتلوا منهم نحوا من ثلاثين رجلا ، [ ص: 275 ] من أصحاب ابن الأبرد ، وجاء الليل بظلامه ، فكف الناس بعضهم عن بعض ، وبات كل من الفريقين مصرا على مناهضة الآخر ، فلما طلع الفجر عبر شبيب وأصحابه على الجسر ، فبينما شبيب على متن الجسر ، وهو على حصان له وبين يديه فرس أنثى ، فنزا فرسه وهو على الجسر ، ونزل حافر فرس شبيب على حرف السفينة فسقط في الماء ، فقال : ليقضي الله أمرا كان مفعولا . ثم انغمر في الماء ، ثم ارتفع وهو يقول : ذلك تقدير العزيز العليم فغرق .
ولما تحققت الخوارج سقوطه في الماء كروا ، وانصرفوا ذاهبين مفرقين في البلاد ، وجاء أمير جيش الحجاج ، فاستخرج شبيبا من الماء ، وعليه درعه ، ثم أمر به فشق صدره ، فاستخرج قلبه ، فإذا هو مجتمع صلب كأنه صخرة ، وكانوا يضربون به الأرض فيثب قامة الإنسان ، وقيل : إنه كان معه رجال قد أبغضوه لما أصاب من عشائرهم ، فلما تخلف في الساقة اشتوروا وقالوا : نقطع الجسر به . ففعلوا ذلك ، فمالت السفن بالجسر ، ونفر فرسه ، فسقط في الماء فغرق ، فنادوا : غرق أمير المؤمنين . فعرف جيش الحجاج ذلك فجاءوا فاستخرجوه .
ولما نعي شبيب إلى أمه ، قالت : صدقتم ، إني كنت رأيت في المنام وأنا حامل به أنه قد خرج مني شهاب من نار ، فعلمت أنه لا يطفئه إلا الماء .
وكانت أمه جارية اسمها جهيزة ، وكانت جميلة ، وكانت من أشجع [ ص: 276 ] النساء ، تقاتل مع ابنها في الحروب .
وذكر القاضي ابن خلكان أنها قتلت في هذه الغزوة ، وكذلك قتلت زوجته غزالة . وكانت شديدة البأس خارجية ، وكان الحجاج مع هيبته يخاف منها أشد خوف ، حتى قال فيه بعض الشعراء :
أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى بل كان قلبك في جناحي طائر
قال : وقد كان شبيب بن يزيد بن نعيم بن قيس بن عمرو بن الصلت بن قيس بن شراحيل بن مرة بن ذهل بن شيبان الشيباني - يدعي الخلافة ، ويتسمى بأمير المؤمنين ، ولولا أن الله تعالى قهره بما قهره به من الغرق لنال الخلافة إن شاء الله ، ولما قدر عليه أحد ، وإنما قهره الله على يدي الحجاج ، لما أرسل إليه أمير المؤمنين عبد الملك بعساكر لقتاله ، فهرب غير مرة ، ولما ألقاه جواده على الجسر في نهر دجيل قال له رجل : أغرقا يا أمير المؤمنين ؟ [ ص: 277 ] قال : ذلك تقدير العزيز العليم قال : ثم أخرج ، وحمل إلى الحجاج ، فأمر فنزع قلبه من صدره ، فإذا هو مثل الحجر .
وكان شبيب رجلا طويلا أشمط جعدا ، وكان مولده في يوم عيد النحر سنة ست وعشرين ، وقد أمسك رجل من أصحابه ، فحمل إلى عبد الملك بن مروان ، فقال له : ألست القائل :
فإن يك منكم كان مروان وابنه وعمرو ومنكم هاشم ، و حبيب فمنا حصين ، و البطين وقعنب ومنا أمير المؤمنين شبيب فقال : إنما قلت : ومنا أمير المؤمنين شبيب . فأعجبه اعتذاره وأطلقه .
وفي هذه السنة كانت حروب كثيرة جدا بين المهلب بن أبي صفرة نائب الحجاج ، وبين الخوارج من الأزارقة ، وأميرهم قطري بن الفجاءة ، وكان أيضا من الفرسان الشجعان المذكورين المشهورين ، وقد تفرق عنه أصحابه ، ونفروا في هذه السنة ، وأما هو فشرد في الأرض لا يدرى أين ذهب ، وقد جرت بينهم مناوشات ومجاولات يطول بسطها واستقصاؤها ، وقد بالغ ابن جرير في ذكرها .
قال : وفي هذه السنة ثار بكير بن وشاح الذي كان نائب خراسان ، على [ ص: 278 ] نائبها أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد - كما سيأتي - وذلك أن بكيرا استجاش عليه الناس ، وغدر به وقتله ، وقد جرت بينهما خطوب طويلة ، قد استقصاها أبو جعفر - رحمه الله - في تاريخه .
وفي هذه السنة كانت وفاة شبيب بن يزيد الخارجي - كما قدمنا - وقد كان من الشجاعة والفروسية على جانب كبير ، لم أر بعد الصحابة مثله ، ومثل الأشتر وابنه إبراهيم ، ومصعب بن الزبير وأخيه عبد الله ، وممن يناط بهؤلاء في الشجاعة ; مثل قطري بن الفجاءة من الأزارقة الخوارج ، والله أعلم ====وفيها توفي من الأعيان :
كثير بن الصلت بن معدي كرب الكندي
كان كبيرا مطاعا في قومه ، وله بالمدينة دار كبيرة بالمصلى ، وقيل : إنه كان كاتب عبد الملك على الرسائل ، توفي بالشام .
محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله
كانت أخته تحت عبد الملك ، وولاه سجستان ، فلما سار إليها قيل له : إن شبيبا في طريقك ، وقد أعيا الناس ، [ ص: 279 ] فاعدل إليه لعلك أن تقتله ، فيكون ذكر ذلك وشهرته لك إلى الأبد . فلما سار لقيه شبيب فاقتتل معه ، فقتله شبيب ، وقيل غير ذلك ، والله أعلم .
عياض بن عمرو الأشعري
شهد اليرموك ، وحدث عن جماعة من الصحابة وغيرهم ، توفي بالبصرة ، رحمه الله .
مطرف بن المغيرة بن شعبة
وقد كانوا إخوة ; عروة ، و مطرف ، و حمزة ، وقد كانوا يميلون إلى بني أمية ، فاستعملهم الحجاج على أقاليم ، فاستعمل عروة على الكوفة ، و مطرفا على المدائن ، ، و حمزة على همدان ===] ثم دخلت سنة ثمان وسبعين
ففيها كانت غزوة عظيمة للمسلمين ببلاد الروم ، ففتحوا إرقيلية ، فلما رجعوا أصابهم مطر عظيم وثلج وبرد ، فأصيب بسببه ناس كثير .
وفيها ولى عبد الملك موسى بن نصير غزو بلاد المغرب جميعه ، فسار إلى طنجة وقدم على مقدمته طارقا ، فقتلوا ملوك تلك البلاد ، وبعضهم قطعوا أنفه ونفوه .
وفيها عزل عبد الملك أمية بن عبد الله عن إمرة خراسان ، وأضافها إلى الحجاج بن يوسف الثقفي مع سجستان أيضا ، وركب الحجاج بعد فراغه من شأن شبيب من الكوفة إلى البصرة ، وقد استخلف على الكوفة المغيرة بن عبد الله بن عامر الحضرمي ، فقدم المهلب على الحجاج وهو بالبصرة ، وقد فرغ من شأن الأزارقة أيضا ، فأجلسه معه على السرير ، واستدعى بأصحاب البلاء من جيشه ، فمن أثنى عليه المهلب أجزل الحجاج له العطية ، ثم ولى الحجاج المهلب إمرة سجستان ، وولى عبيد الله بن أبي بكرة إمرة خراسان ، ثم ناقل بينهما قبل خروجهما من عنده ، فقيل : كان ذلك بإشارة المهلب . وقيل : إنه استعان بصاحب الشرطة ، وهو عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العبشمي ، حتى [ ص: 281 ] أشار على الحجاج بذلك ، فأجابه الحجاج إلى ذلك ، وألزم المهلب بألف ألف درهم ; لكونه اعترض على ذلك .
قال أبو معشر : وحج بالناس فيها الوليد بن عبد الملك ، وكان أمير المدينة أبان بن عثمان ، وأمير العراق وخراسان وسجستان وتلك النواحي كلها الحجاج ، ونائبه على خراسان المهلب بن أبي صفرة ونائبه على سجستان عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي ، وعلى قضاء الكوفة شريح ، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس بن مالك الأنصاري .===وقد توفي في هذه السنة من الأعيان :
جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام
أبو عبد الله ، الأنصاري السلمي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وله روايات كثيرة ، وشهد العقبة ، وأراد أن يشهد بدرا فمنعه أبوه ، وخلفه على أخواته وإخوته ، وكانوا تسعة ، وقيل : إنه ذهب بصره قبل موته . توفي جابر بالمدينة ، وعمره أربع وتسعون سنة ، وأسند ألفا وخمسمائة وأربعين حديثا .
شريح بن الحارث بن قيس ، أبو أمية ، الكندي
وهو قاضي الكوفة ، وقد [ ص: 282 ] تولى القضاء لعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، ثم عزله علي ، ثم ولاه معاوية ، ثم استقل في القضاء ، إلى أن مات في هذه السنة ، وكان رزقه على القضاء في كل شهر مائة درهم ، وقيل : خمسمائة درهم . وكان إذا خرج إلى القضاء يقول : سيعلم الظالم حظ من نقص . وقيل : إنه كان إذا جلس للقضاء قرأ هذه الآية : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ( ص : 26 ) الآية ، وكان يقول : إن الظالم ينتظر العقاب ، والمظلوم ينتظر النصر ، أو المثوبة . وقيل له : كيف أصبحت ؟ فقال : كيف يصبح حال من شطر الناس عليه غضبان ؟ وقيل : إنه مكث قاضيا نحو سبعين سنة . وقيل : إنه استعفي من القضاء قبل موته بسنة ، فالله أعلم .
وأصله من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن ، وقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ، وتوفي بالكوفة ، وعمره مائة وثمان سنين .
[ ص: 283 ] عبد الرحمن بن غنم الأشعري
نزيل فلسطين ، وقد روى عن جماعة من الصحابة ، وقيل : إن له صحبة . وقد بعثه عمر بن الخطاب إلى الشام ; ليفقه أهلها في الدين ، وكان من العباد الصالحين .
جنادة بن أبي أمية الأزدي
شهد فتح مصر ، وكان أميرا على غزو البحر لمعاوية ، وكان موصوفا بالشجاعة والخير ، توفي بالشام وقد قارب الثمانين .
العلاء بن زياد البصري
كان من الصالحين العباد ، من أهل البصرة ، وكان كثير الخوف والورع ، وكان يعتزل في بيته ، ولا يخالط الناس ، وكان كثير البكاء ، لم يزل يبكي حتى عمي ، وله مناقب كثيرة ، توفي بالبصرة في هذه السنة .
سراقة بن مرداس الأزدي
كان شاعرا مطبقا ، هجا الحجاج فنفاه إلى [ ص: 284 ] الشام ، فتوفي بها .
النابغة الجعدي الشاعر
السائب بن يزيد الكندي
توفي في هذه السنة .
سفيان بن سلمة الأسدي
معاوية بن قرة البصري
زر بن حبيش========= ثم دخلت سنة تسع وسبعينإظهار التشكيل|إخفاء التشكيلمسألة: الجزء الثاني عشر التحليل الموضوعي[ ص: 285 ] ثم دخلت سنة تسع وسبعين
ففيها وقع طاعون عظيم بالشام ، حتى كادوا يفنون من شدته ، ولم يغز فيها أحد من أهل الشام ; لضعفهم وقلتهم ، ووصلت الروم فيها أنطاكية ، فأصابوا خلقا من أهلها ; لعلمهم بضعف الجنود والمقاتلة .
وفيها غزا عبيد الله بن أبي بكرة رتبيل ملك الترك حتى أوغل في بلاده ، ثم صالحه على مال يحمله إليه في كل سنة .
وفيها قتل عبد الملك بن مروان الحارث بن سعيد المتنبئ الكذاب ، ويقال له : الحارث بن عبد الرحمن بن سعيد الدمشقي ، مولى أبي الجلاس العبدري . ويقال : مولى الحكم بن مروان . كان أصله من الحولة ، فنزل دمشق ، وتعبد بها ، وتنسك وتزهد ، ثم مكر به ، ورجع القهقرى على عقبه ، وانسلخ من آيات الله تعالى ، وفارق حزب الله المفلحين ، وأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ، ولم يزل الشيطان يزخ في قفاه حتى أخسره دينه ودنياه ، وأخزاه وأشقاه ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وحسبنا الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
[ ص: 286 ] قال أبو بكر بن أبي خيثمة : ثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي ، حدثنا محمد بن مبارك ، ثنا الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن حسان ، قال : كان الحارث الكذاب من أهل دمشق ، وكان مولى لأبي الجلاس ، وكان له أب بالحولة ، فعرض له إبليس وكان رجلا متعبدا زاهدا ، لو لبس جبة من ذهب لرئيت عليه الزهادة والعبادة ، وكان إذا أخذ في التحميد لم يسمع السامعون مثل تحميده ، ولا أحسن من كلامه ، فكتب إلى أبيه ، وكان بالحولة : يا أبتاه ، أعجل علي ، فإني قد رأيت أشياء أتخوف أن يكون الشيطان قد عرض لي . قال : فزاده أبوه غيا على غيه ، فكتب إليه أبوه : يا بني ، أقبل على ما أمرت به فإن الله تعالى يقول : هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم ولست بأفاك ولا أثيم ، فامض لما أمرت به . فكان يجيء إلى أهل المسجد رجلا رجلا فيذاكرهم أمره ، ويأخذ عليهم العهد والميثاق ، إن هو يرى ما يرضى قبل وإلا كتم عليه .
قال : وكان يريهم الأعاجيب ; كان يأتي إلى رخامة في المسجد ، فينقرها بيده فتسبح تسبيحا بليغا ، حتى يضج من ذلك الحاضرون . قلت : وقد سمعت شيخنا العلامة أبا العباس ابن تيمية ، رحمه الله ، يقول : كان ينقر هذه الرخامة الحمراء التي في المقصورة فتسبح ، وكان زنديقا .
[ ص: 287 ] قال ابن أبي خيثمة في رواية : وكان الحارث يطعمهم فاكهة الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء ، وكان يقول لهم : اخرجوا حتى أريكم الملائكة . فيخرج بهم إلى دير المران ، فيريهم رجالا على خيل ، فتبعه على ذلك بشر كثير ، وفشا أمره في المسجد ، وكثر أصحابه وأتباعه ، حتى وصل الأمر إلى القاسم بن مخيمرة ، قال : فعرض على القاسم أمره ، وأخذ عليه العهد والميثاق ; إن هو رضي أمرا قبله ، وإن كرهه كتمه عليه . قال : فقال له : إني نبي . فقال القاسم : كذبت يا عدو الله ، ما أنت نبي .
وفي رواية : ولكنك أحد الكذابين الدجالين الذين أخبر عنهم رسول الله [ ص: 288 ] صلى الله عليه وسلم : إن الساعة لا تقوم حتى يخرج ثلاثون ، دجالون كذابون ، كلهم يزعم أنه نبي ، وأنت أحدهم ولا عهد لك . قال : ثم قام فخرج إلى أبي إدريس - وكان على القضاء بدمشق - فأعلمه بما سمع من الحارث ، فقال أبو إدريس : نعرفه . ثم أعلم أبو إدريس عبد الملك بذلك .
وفي رواية أخرى أن مكحولا ، وعبد الله بن أبي زكريا دخلا على الحارث فدعاهما إلى نبوته ، فكذباه وردا عليه ما قال ، ودخلا على عبد الملك فأعلماه بأمره ، فتطلبه عبد الملك طلبا حثيثا ، واختفى الحارث ، وصار إلى دار ببيت المقدس ، يدعو إلى نفسه سرا ، واهتم عبد الملك بشأنه ، حتى ركب إلى الصنبرة فنزلها ، فورد عليه هناك رجل من المسلمين من أهل البصرة ، ممن كان يدخل على الحارث وهو ببيت المقدس ، فأعلمه بأمره وأين هو ، وسأل من عبد الملك أن يبعث معه بطائفة من الجند الأتراك ليحتاط عليه ، فأرسل معه طائفة وكتب إلى نائب القدس ; ليكون في طاعة هذا الرجل ، ويفعل ما يأمره [ ص: 289 ] به ، فلما وصل الرجل إلى بيت المقدس بمن معه انتدب نائب القدس لخدمته ، فأمره أن يجمع ما يقدر عليه من الشموع ، ويجعل مع كل رجل شمعة ، فإذا أمرهم بإشعالها في الليل أشعلوها كلهم في سائر الطرق والأزقة ، حتى لا يخفى أمره ، وذهب الرجل بنفسه ، فدخل الدار التي فيها الحارث ، فقال لبوابه : استأذن لي على نبي الله . فقال : في هذه الساعة لا يؤذن عليه حتى يصبح . فصاح البصري : أسرجوا . فأسرج الناس شموعهم حتى صار الليل كأنه النهار ، وهجم البصري على الحارث ، فاختفى منه في سرب هناك ، فقال أصحابه : هيهات ، تريدون أن تصلوا إلى نبي الله ، إنه قد رفع إلى السماء .
قال : فأدخل البصري يده في ذلك السرب فإذا بثوبه ، فاجتره فأخرجه ، ثم قال للفرغانيين من أتراك الخليفة : تسلموا . قال : فأخذوه فربطوه فقيدوه ، فيقال : إن القيود والجامعة سقطت من عنقه مرارا ، ويعيدونها ، وجعل يقرأ : قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب [ سبأ : 50 ] ، وقال لأولئك الأتراك : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله [ غافر : 28 ] فقالوا له بلسانهم ولغتهم : هذا كراننا فهات كرانك . أي : هذا قرآننا فهات قرآنك . فلما انتهوا به إلى عبد الملك أمر بصلبه على خشبة ، وأمر رجلا فطعنه بحربة ، فانثنت في ضلع من أضلاعه ، فقال له عبد الملك : ويحك ، أذكرت اسم الله حين طعنته ؟ فقال : نسيت . فقال : ويحك ، سم الله ، ثم اطعنه . قال : فذكر اسم الله ثم طعنه فأنفذه ، وقد كان عبد الملك [ ص: 290 ] حبسه قبل صلبه ، وأمر رجالا من أهل العلم والفقه أن يعظوه ويعلموه أن هذا الذي به من الشيطان ، فأبى أن يقبل منهم ، فصلبه بعد ذلك ، وهذا من تمام العدل والدين .
وقال الوليد بن مسلم ، عن ابن جابر ، فحدثني من سمع عتبة الأعور يقول : سمعت العلاء بن زياد العدوي يقول : ما غبطت عبد الملك بشيء من ولايته إلا بقتله حارثا ; حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه نبي ، فمن قاله فاقتلوه ، ومن قتل منهم أحدا فله الجنة .
وقال الوليد بن مسلم : بلغني أن خالد بن يزيد بن معاوية قال لعبد الملك : لو حضرتك ما أمرتك بقتله . قال : ولم ؟ قال إنه إنما كان به المذهب ، فلو جوعته لذهب ذلك عنه . وقال الوليد ، عن المنذر بن نافع : سمعت خالد بن اللجلاج يقول لغيلان : ويحك يا غيلان ، ألم يأخذك في شبيبتك ترامي النساء في شهر رمضان بالتفاح ، ثم صرت حارثيا يحجب امرأته ، ويزعم أنها أم المؤمنين ، ثم تحولت فصرت قدريا زنديقا .
وفيها غزا عبيد الله بن أبي بكرة رتبيل - ملك الترك الأعظم فيهم - وقد كان يصانع المسلمين تارة ، ويتمرد أخرى ، فكتب الحجاج إلى ابن عبيد الله بن [ ص: 291 ] أبي بكرة أن ناجزه بمن معك من المسلمين حتى تستبيح أرضه ، وتهدم قلاعه ، وتقتل مقاتلته . فخرج في جمع من الجنود من بلاده ، وخلق من أهل البصرة والكوفة ، ثم التقى مع رتبيل - ملك الترك - فكسره ، وهدم أركانه بسطوة بتارة ، وجاس ابن أبي بكرة وجنده خلال ديارهم ، واستحوذ على كثير من أقاليمه ومدنه وأمصاره ، وتبر ما هنالك تتبيرا ، ثم إن رتبيل تقهقر منه منشمرا ، وما زال يتبعه حتى اقترب من مدينته العظمى ، حتى كانوا منها على ثمانية عشر فرسخا ، وخافت الأتراك منهم خوفا شديدا ، ثم إن الترك أخذت عليهم الطرق والشعاب ، وضيقوا عليهم المسالك ، حتى ظن كل من المسلمين أنه لا محالة هالك ، فعند ذلك طلب عبيد الله أن يصالح رتبيل على أن يدفع إليه سبعمائة ألف ، ويفتحوا للمسلمين طريقا يخرجون منه ، ويرجعون عنهم إلى بلادهم ، فانتدب شريح بن هانئ الحارثي - وكان صحابيا ، وكان من أكبر أصحاب علي ، وهو المقدم على أهل الكوفة - فندب الناس إلى القتال والمصابرة ، والنزال والجلاد بالسيوف والرماح والنبال ، فنهاه عبيد الله بن أبي بكرة فلم ينته ، وأجابه شرذمة من الناس من الشجعان وأهل الحفائظ ، فما زال يقاتل بهم الترك حتى فني أكثر المسلمين ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . قالوا : وجعل شريح بن هانئ يرتجز ، ويقول :
[ ص: 292 ] أصبحت ذا بث أقاسي الكبرا قد عشت بين المشركين أعصرا ثمت أدركت النبي المنذرا وبعده صديقه وعمرا ويوم مهران ويوم تسترا والجمع في صفينهم والنهرا هيهات ما أطول هذا عمرا ثم قاتل حتى قتل رضي الله عنه ، وقتل معه خلق من أصحابه ، ثم خرج من خرج من الناس صحبة عبيد الله بن أبي بكرة من أرض رتبيل ، وهم قليل ، وبلغ ذلك الحجاج فأخذه ما تقدم ، وما تأخر ، وكتب إلى عبد الملك يعلمه بذلك ، ويستشيره في بعث جيش كثيف إلى بلاد رتبيل ; لينتقموا منه بسبب ما حل بالمسلمين في بلاده ، فحين وصل البريد إلى عبد الملك كتب إلى الحجاج بالموافقة على ما رأى من المصلحة في ذلك ، وأن يعجل ذلك سريعا ، فحين وصل البريد إلى الحجاج بذلك أخذ في جمع الجيوش ، فجهز جيشا كثيفا لذلك ، على ما سيأتي تفصيله في السنة الآتية بعدها . وقيل : إنه قتل من المسلمين مع شريح بن هانئ ثلاثون ألفا ، وابتيع الرغيف مع المسلمين بدينار ، وقاسوا شدائد ، ومات بسبب الجوع منهم خلق كثير أيضا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وقد قتل المسلمون من الترك خلقا كثيرا أيضا ، قتلوا أضعافهم .
ويقال : إنه في هذه السنة استعفى شريح من القضاء فأعفاه الحجاج من ذلك ، وولى مكانه أبا بردة بن أبي موسى الأشعري ، وقد تقدمت [ ص: 293 ] ترجمة شريح عند وفاته في السنة الماضية . والله أعلم .
قال الواقدي ، وأبو معشر ، وغير واحد من أهل السير : وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان أمير المدينة النبوية .
وفي هذه السنة قتل قطري بن الفجاءة التميمي ، أبو نعامة الخارجي ، وكان من الشجعان المشاهير ، ويقال : إنه مكث عشرين سنة يسلم عليه أصحابه بالخلافة ، وقد جرت له خطوب وحروب مع جيش المهلب بن أبي صفرة من جهة الحجاج وغيره . وقد قدمنا منها طرفا صالحا في أماكنه .
وكان خروجه في زمن مصعب بن الزبير ، وتغلب على قلاع كثيرة وأقاليم وغيرها ، ووقائعه مشهورة ، وقد أرسل إليه الحجاج جيوشا كثيرة فهزمها ، وقيل : إنه برز إليه رجل من بعض الحرورية ، وهو على فرس أعجف ، وبيده عمود حديد ، فلما قرب منه كشف قطري عن وجهه ، فولى الرجل هاربا ، فقال له قطري : إلى أين ؟ أما تستحي أن تفر ولم تر طعنا ولا ضربا ؟ فقال : إن الإنسان لا يستحي أن يفر من مثلك .
ثم إنه في آخر أمره توجه إليه سفيان بن الأبرد الكلبي في جيش ، فاقتتلوا بطبرستان ، فعثر بقطري فرسه فوقع إلى الأرض ، فتكاثروا عليه فقتلوه ، وحملوا رأسه إلى الحجاج . وقيل : إن الذي قتله سودة بن الحر الدارمي .
[ ص: 294 ] وكان قطري بن الفجاءة - مع شجاعته المفرطة وإقدامه - من خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة ، وجودة الكلام ، والشعر الحسن ، فمن مستجاد شعره قوله يشجع نفسه وغيره ، ومن سمعها انتفع بها :
أقول لها وقد طارت شعاعا من الأبطال ويحك لن تراعي فإنك لو سألت بقاء يوم على الأجل الذي لك لم تطاعي فصبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع ولا ثوب الحياة بثوب عز فيطوى عن أخي الخنع اليراع سبيل الموت غاية كل حي وداعيه لأهل الأرض داعي ومن لا يغتبط يسأم ويهرم وتسلمه المنون إلى انقطاع وما للمرء خير في حياة إذا ما عد من سقط المتاع ذكرها صاحب الحماسة ، واستحسنها ابن خلكان في تاريخه كثيرا .
وفيها توفي عبيد الله بن أبي بكرة ، رحمه الله ، وهو أمير الجيش الذي دخل بلاد الترك ، وقاتلوا رتبيل - ملك الترك - وقد قتل من جيشه خلق كثير مع شريح بن هانئ كما تقدم ذلك .
وقد دخل عبيد الله بن أبي بكرة على الحجاج مرة ، وفي يده خاتم ، فقال له الحجاج : كم ختمت بخاتمك هذا ؟ قال : على أربعين ألف ألف دينار . قال : ففيم أنفقتها ؟ قال : في اصطناع المعروف ، ورد الملهوف ، والمكافأة بالصنائع ، وتزويج العقائل .
وقيل : إن عبيد الله عطش يوما [ ص: 295 ] فأخرجت له امرأة كوز ماء بارد ، فأعطاها ثلاثين ألفا . وقيل : إنه أهدي إليه وصيف ووصيفة ، وهو جالس بين أصحابه ، فقال لبعض أصحابه : خذهما لك . ثم فكر ، وقال : والله ، إن إيثار بعض الجلساء على بعض لشح قبيح ، ودناءة رديئة ، ثم قال : يا غلام ، ادفع إلى كل واحد من جلسائي وصيفا ووصيفة . فأحصي ذلك فكانوا ثمانين وصيفا ووصيفة .
توفي عبيد الله بن أبي بكرة ببست . وقيل : بذريح ، والله أعلم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق