الأربعاء، 22 يونيو 2016

ثم دخلت سنة تسعين من الهجرة

فيها غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بلاد الروم ، ففتحا حصونا ، وقتلا خلقا من الروم ، وغنما وأسرا خلقا كثيرا . وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر ، وذهبوا به إلى ملكهم ، فأهداه ملك الروم إلى الوليد بن عبد الملك .

وفيها عزل الوليد أخاه عبد الله بن عبد الملك عن إمرة مصر ، وولى عليها قرة بن شريك .

وفيها قتل محمد بن القاسم الثقفي ملك السند داهر بن صصة ، وكان محمد بن القاسم هذا على جيش من جهة الحجاج ، وفيها فتح قتيبة بن مسلم مدينة بخارى ، وهزم جمع العدو من الترك بها ، وجرت بينهم فصول يطول ذكرها ، وقد تقصاها ابن جرير ، وفيها طلب طرخون ملك الصغد بعد فتح بخارى من قتيبة أن يصالحه على مال يبذله في كل عام ، فأجابه قتيبة إلى ذلك ، وأخذ منه رهنا عليه .

وفيها استنجد وردان خذاه بالترك ، فأتوه من جميع النواحي وهو صاحب بخارى بعد أخذ قتيبة لها وخرج وردان خذاه وحمل على المسلمين فحطموهم ، ثم عاد المسلمون عليهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وصالح قتيبة ملك الصغد ، وفتح بخارى وحصونها ، ورجع قتيبة بالجند إلى بلاده فأذن له الحجاج ، فلما سار إلى بلاده بلغه أن صاحب الصغد قال لملوك الترك : إن العرب بمنزلة اللصوص ، فإن أعطوا شيئا ذهبوا ، وإن قتيبة هكذا يقصد الملوك ، فإن [ ص: 423 ] أعطوه شيئا أخذه ورجع عنهم ، وإن قتيبة ليس بملك ، ولا يطلب ملكا . فبلغ قتيبة قوله ، فرجع إليهم ، فكاتب نيزك ملك الترك ملوك ما وراء النهر; منهم ملك الطالقان ، وكان قد صالح قتيبة فنقض الصلح الذي كان بينه وبين قتيبة ، واستجاش عليه بالملوك كلها ، فأتاه ملوك كثير كانوا قد عاهدوا قتيبة على الصلح ، فنقضوا كلهم وصاروا يدا واحدة على قتيبة ، واتعدوا إلى الربيع ، وتعاهدوا وتعاقدوا على أن يجتمعوا فيقاتلوا كلهم في فصل الربيع من السنة الآتية ، فقتل منهم قتيبة في ذلك الحين مقتلة عظيمة جدا لم يسمع بمثلها ، وصلب منهم سماطين في مسافة أربعة فراسخ في نظام واحد ، وذلك مما كسر جموعهم كلهم .

وفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلب وأخواه المفضل وعبد الملك من سجن الحجاج ، فلحقوا بسليمان بن عبد الملك ، فأمنهم من الحجاج ، وذلك أن الحجاج كان قد احتاط عليهم قبل ذلك ، وعاقبهم عقوبة عظيمة ، وأخذ منهم ستة آلاف ألف ، وكان أصبرهم على العقوبة يزيد بن المهلب ، كان لا يسمع له صوت ، ولو فعلوا به ما فعلوا ، فكان ذلك يغيظ الحجاج ، حتى قال قائل للحجاج : إن في ساقه أثر نشابة بقي نصلها فيه ، وإنه متى أصابها شيء لا يملك نفسه أن يصرخ ، فأمر الحجاج أن ينال ذلك الموضع منه بعذاب ، فصاح ، فلما سمعت أخته هند بنت المهلب وكانت تحت الحجاج صوته بكت [ ص: 424 ] وناحت عليه فطلقها الحجاج ، ثم أودعهم السجن ، ثم خرج الحجاج إلى بعض المحال لينفذ جيشا إلى الأكراد ، واستصحبهم معه ، فخندق حولهم ، ووكل بهم الحرس ، فلما كان في بعض الليالي أمر يزيد بن المهلب بطعام كثير فصنع للحرس ، فاشتغلوا به ، ثم تنكر في هيئة بعض الطباخين ، وجعل لحيته لحية بيضاء ، ثم خرج ، فرآه بعض الحرس فقال : ما رأيت مشية أشبه بمشية يزيد بن المهلب من هذا . ثم اتبعه يتحققه ، فلما رأى بياض لحيته انصرف عنه ، ثم لحقه أخواه ، فركبوا السفن ، وساروا نحو الشام ، فلما بلغ الحجاج هربهم انزعج لذلك ، وذهب وهمه أنهم ساروا إلى خراسان ، فكتب إلى قتيبة بن مسلم يحذره قدومهم ، ويأمره بالاستعداد لهم ، وأن يرصدهم في كل مكان ، ويكتب إلى أمراء الثغور والكور بتحصيلهم ، وكتب إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك يخبره بهربهم ، وأنه لا يراهم هربوا إلا إلى خراسان ، وخاف الحجاج من يزيد بن المهلب ، أن يصنع كما صنع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث من الخروج عليه ، وجمع الناس له .

وأما يزيد بن المهلب فإنه سلك على البطائح ، وجاءته خيول كان قد أعدها له أخوه مروان بن المهلب لهذا اليوم ، فركبها وسلك به دليل من بني كلب يقال له : عبد الجبار بن يزيد . فأخذ بهم على السماوة . وجاء الخبر إلى الحجاج بعد يومين أن يزيد قد سلك نحو الشام ، فكتب إلى الوليد يعلمه بذلك ، [ ص: 425 ] وسار يزيد حتى نزل الأردن ، على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي وكان كريما على سليمان بن عبد الملك فسار وهيب إلى سليمان بن عبد الملك فقال له : إن يزيد بن المهلب وأخويه في منزلي ، قد جاءوا مستعيذين بك من الحجاج . قال : فاذهب فائتني بهم ، فهم آمنون ما دمت حيا . فجاءهم ، فذهب بهم حتى أدخلهم على سليمان بن عبد الملك ، فأمنهم سليمان ، وكتب إلى أخيه الوليد : إن آل المهلب قد أمنتهم ، وإنما بقي للحجاج عندهم ثلاثة آلاف ألف ، وهي عندي . فكتب إليه : لا والله لا أؤمنه حتى تبعث به إلي . فكتب إليه : لا والله لا أبعثه حتى أجيء معه ، فأنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تفضحني أو تخفرني في جواري . فكتب إليه : لا والله لا تجئ معه وابعث به إلي في وثاق . فقال يزيد : ابعثني إليه ، فما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة وحربا ، فابعثني إليه ، وابعث معي ابنك ، واكتب إليه بألطف عبارة تقدر عليها . فبعثه وبعث معه ابنه أيوب ، وقال لابنه : إذا دخلت في الدهليز فادخل مع يزيد في السلسلة ، وادخلا عليه كذلك .

فلما رأى الوليد ابن أخيه في السلسلة ، قال : والله لقد بلغنا من سليمان . ودفع أيوب كتاب أبيه إلى عمه ، وقال : يا أمير المؤمنين ، نفسي فداؤك لا تخفر ذمة أبي ، وأنت أحق من منعها ، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك ، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك .

ثم قرأ الوليد كتاب سليمان بن عبد الملك فإذا فيه :

أما بعد يا أمير المؤمنين ، فوالله إن كنت لأظن لو استجار بي عدو قد نابذك وجاهدك فأنزلته وأجرته ، أنك لا تذل [ ص: 426 ] جاري ، ولا تخفر جواري ، بل لم أجر إلا سامعا مطيعا ، حسن البلاء والأثر في الإسلام ، هو وأبوه وأهل بيته ، وقد بعثت به إليك ، فإن كنت إنما تعد قطيعتي والإخفار بذمتي والإبلاغ في مساءتي ، فقد قدرت إن أنت فعلت ، وأنا أعيذك بالله من احتراد قطيعتي ، وانتهاك حرمتي ، وترك بري وصلتي ، فوالله يا أمير المؤمنين ما تدري ما بقائي وبقاؤك ، ولا متى يفرق الموت بيني وبينك ، فإن استطاع أمير المؤمنين أدام الله سروره أن لا يأتي أجل الوفاة علينا إلا وهو لي واصل ، ولحقي مؤد ، وعن مساءتي نازع ، فليفعل ، ووالله يا أمير المؤمنين ما أصبحت بشيء من أمر الدنيا بعد تقوى الله بأسر مني برضاك وسرورك ، وإن رضاك وسرورك مما ألتمس به رضوان الله عز وجل ، وإن كنت يا أمير المؤمنين يوما من الدهر تريد مسرتي وصلتي وكرامتي وإعظام حقي فتجاوز لي عن يزيد ، وكل ما طلبته به فهو علي .

فلما قرأ الوليد كتابه قال : لقد أشفقنا على سليمان . ثم دعا ابن أخيه ، فأدناه منه ، وتكلم يزيد بن المهلب فحمد الله ، وأثنى عليه ، وصلى على رسوله ، ثم قال : يا أمير المؤمنين إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء ، فمن ينسى ذلك فلسنا ناسيه ، ومن يكفره فلسنا بكافريه ، وقد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم [ ص: 427 ] والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العظام في المشارق والمغارب ما إن المنة علينا فيه عظيمة . فقال له : اجلس . فجلس ، فأمنه ، وكف عنه ، ورده إلى سليمان ، فكان عنده يعلمه الهيئة ، ويصف له ألوان الأطعمة الطيبة ، وكان حظيا عنده لا يهدى إليه بهدية إلا بعث إليه بنصفها ، وتقرب يزيد بن المهلب إلى سليمان بأنواع الهدايا والتحف والتقادم .

وكتب الوليد إلى الحجاج : إني لم أصل إلى يزيد بن المهلب ، وأهل بيته مع أخي سليمان ، فاكفف عنهم ، واله عن الكتاب إلي فيهم . فكف الحجاج عن آل المهلب ، وترك ما كان يطالبهم به من الأموال ، حتى ترك لأبي عيينة بن المهلب ألف ألف درهم ، ولم يزل يزيد بن المهلب عند سليمان بن عبد الملك حتى هلك الحجاج في سنة خمس وتسعين كما سيأتي بيانه ثم ولي يزيد بلاد العراق بعد الحجاج ، كما أخبره الراهب .==وفيها توفي من الأعيان

تياذوق الطبيب الحاذق

له مصنفات في فنه ، وكان حظيا عند الحجاج ، مات في حدود سنة تسعين بواسط .

وفيها توفي عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة ، وأبو العالية الرياحي ، [ ص: 428 ] وسنان بن سلمة بن المحبق ، أحد الشجعان المذكورين ، أسلم يوم الفتح ، وتولى غزو الهند ، وطال عمره .

وتوفي في هذه السنة محمد بن يوسف الثقفي أخو الحجاج ، وكان أميرا على اليمن وكان يلعن عليا على المنابر . قيل : إنه أمر حجرا المدري أن يلعن عليا . فقال : بل لعن الله من يلعن عليا ، ولعنة الله على من لعنه الله . وقيل : إنه ورى في لعنه . فالله أعلم .

خالد بن يزيد بن معاوية ، أبو هاشم الأموي الدمشقي

وكانت داره بدمشق تلي دار الحجارة ، وكان عالما شاعرا ، وينسب إليه شيء من علم الكيمياء ، وكان يعرف شيئا من علوم الطبيعة . روى عن أبيه ودحية الكلبي ، وعنه الزهري وغيره .

قال الزهري : كان خالد يصوم الأعياد كلها : الجمعة والسبت والأحد . يعني يوم الجمعة ، وهو عيد المسلمين ، ويوم السبت ، وهو عيد اليهود ، والأحد للنصارى . وقال أبو زرعة الدمشقي : كان هو وأخوه معاوية من [ ص: 429 ] خيار القوم . وقد ذكر للخلافة بعد أخيه معاوية بن يزيد ، وكان ولي العهد من بعد مروان ، فلم يلتئم له الأمر ، وكان مروان زوج أمه ، ومن كلامه : أقرب شيء الأجل ، وأبعد شيء الأمل ، وأرجى شيء العمل .

وقد امتدحه بعض الشعراء فقال :


سألت الندا والجود حران أنتما فقالا جميعا إننا لعبيد فقلت ومن مولاكما فتطاولا
علي وقالا خالد بن يزيد
قال : فأمر له بمائة ألف .

وكانت وفاته في هذا العام ، وقيل : في سنة أربع وثمانين . وقد ذكر هناك ، والصحيح الأول .

[ ص: 430 ] عبد الله بن الزبير بن سليم الأسدي ، الشاعر أبو كثير

ويقال : أبو سعد . وهو مشهور ، وفد على عبد الله بن الزبير فامتدحه ، فلم يعطه شيئا ، فقال : لعن الله ناقة حملتني إليك . فقال ابن الزبير : إن وصاحبها . يقال : إنه مات في زمن الحجاج=====ثم دخلت سنة إحدى وتسعين

فيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك ، وابن أخيه عبد العزيز بن الوليد .

وفيها غزا مسلمة بلاد الترك حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان ، ففتح مدائن وحصونا كثيرة أيضا ، وكان الوليد قد عزل عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأذربيجان ، وولاهما أخاه مسلمة بن عبد الملك .

وفيها غزا موسى بن نصير بلاد المغرب ، ففتح مدنا كثيرة ، ودخل في تلك البلاد ، وولج فيها حتى دخل أراضي غابرة قاصية ، فيها آثار قصور وبيوت ليس بها ساكن ، ووجد هناك من آثار نعمة أهل تلك البلاد ما يلوح على سماتها أن أهلها كانوا أصحاب أموال ونعمة دارة سابغة ، فبادوا جميعا فلا مخبر بها .

وفيها مهد قتيبة بن مسلم بلاد الترك الذين كانوا قد نقضوا ما كانوا عاهدوه عليه من المصالحة ، وذلك بعد قتال شديد ، وحرب يشيب لها الوليد ، وذلك أن ملوكهم كانوا قد اتعدوا في العام الماضي في أوان الربيع أن يجتمعوا ، ويقاتلوا قتيبة ، وأن لا يولوا عن القتال حتى يخرجوا العرب من بلادهم ، فاجتمعوا اجتماعا هائلا لم يجتمعوا مثله في موقف ، فكسرهم قتيبة ، وقتل منهم أمما كثيرة ، ورد الأمور إلى ما كانت عليه ، حتى ذكر أنه صلب منهم في [ ص: 432 ] بعض المواضع من جملة من أخذ من الأسارى سماطين طولهما أربعة فراسخ من هاهنا وهاهنا ، واتبع نيزك خان ملك الترك الأعظم من إقليم إلى إقليم ، ومن كورة إلى كورة ، ومن رستاق إلى رستاق ، ولم يزل ذلك دأبه ودأبه حتى حصره في قلعة هنالك شهرين متتابعين ، حتى نفد ما عند نيزك خان من الأطعمة ، وأشرف هو ومن معه على الهلاك ، فبعث إليه قتيبة من جاء به مستأمنا مذموما مخذولا ، فسجنه عنده ، ثم كتب إلى الحجاج في أمره ، فجاء الكتاب بعد أربعين يوما بقتله ، فجمع قتيبة الأمراء ، فاستشارهم فيه فاختلفوا عليه; فقائل يقول : اقتله . وقائل يقول : لا تقتله . فقال له بعض الأمراء : إنك أعطيت الله عهدا أنك إن ظفرت به لتقتلنه ، وقد أمكنك الله منه . فقال قتيبة : والله لو لم يبق من عمري إلا ما يسع ثلاث كلمات لقتلته . ثم قال : اقتلوه اقتلوه اقتلوه ، فقتل هو وسبعمائة من أصحابه في غداة واحدة ، وأخذ قتيبة من أموالهم وخيولهم وثيابهم وأبنائهم ونسائهم شيئا كثيرا ، وفتح في هذا العام مدنا كثيرة ، وقرر ممالك كثيرة .

[ ص: 433 ] قال الواقدي وغيره : وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك ، فلما قرب من المدينة أمر عمر بن عبد العزيز نائب المدينة أشراف المدينة فتلقوه ، فرحب بهم ، وأحسن إليهم ، ودخل المدينة النبوية ، فأخلي له المسجد النبوي ، فلم يبق به أحد سوى سعيد بن المسيب ، لم يتجاسر أحد أن يخرجه ، وإنما عليه ثياب لا تساوي خمسة دراهم ، فقالوا له : تنح عن المسجد أيها الشيخ ، فإن أمير المؤمنين قادم . فقال : والله لا أخرج منه . فدخل الوليد المسجد فجعل يدور فيه يصلي هاهنا وهاهنا ، ويدعو الله عز وجل ، قال عمر بن عبد العزيز : وجعلت أعدل به عن موضع سعيد خشية أن يراه ، فحانت منه التفاتة ، فقال : من هذا ؟ أهو سعيد بن المسيب؟ فقلت : نعم يا أمير المؤمنين ، ولو علم بمكانك لقام إليك وسلم عليك . فقال الوليد : قد علمت حاله . وجعل يدور في المسجد ، ويتفرج في عمارته ، ويسألني عن سعيد بن المسيب ، فقلت : يا أمير المؤمنين إنه وإنه ، وقصدت موافقته في ذلك ، فشرع الوليد يثني عليه بالعلم والدين ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنه ضعيف البصر وإنما قلت ذلك لأعتذر له فقال : نحن أحق بالسعي إليه . فجاء فوقف عليه فسلم عليه ، فلم يقم له سعيد ، ثم قال [ ص: 434 ] الوليد : كيف الشيخ؟ فقال : بخير والحمد لله ، كيف أمير المؤمنين؟ فقال الوليد : بخير والحمد لله وحده . ثم انصرف ، وهو يقول لعمر بن عبد العزيز : هذا بقية الناس . فقال : أجل يا أمير المؤمنين .

قالوا : ثم خطب الوليد على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس في الخطبة الأولى ، وانتصب قائما في الثانية ، وقال : هكذا خطب عثمان بن عفان . ثم انصرف ، فصرف على الناس من أهل المدينة ذهبا كثيرا وفضة كثيرة ، ثم كسا المسجد النبوي كسوة من كسوة الكعبة التي معه ، وهي من ديباج غليظ ===وتوفي في هذه السنة

السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة

وقد حج به أبوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان عمر السائب سبع سنين . رواه البخاري . فلهذا قال الواقدي : إنه ولد سنة ثلاث من الهجرة ، وتوفي في سنة إحدى وتسعين . وقال غيره : سنة ست . وقيل : ثمان وثمانين . والله أعلم .

سهل بن سعد الساعدي ، صحابي مدني جليل ، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وله من العمر خمس عشرة سنة ، وكان ممن ختمه الحجاج في عنقه في سنة أربع وسبعين ، هو وأنس بن مالك ، وجابر بن عبد الله في يده; ليذلهم كيلا يسمع الناس من رأيهم . قال الواقدي : توفي سنة إحدى وتسعين [ ص: 435 ] عن مائة سنة ، وهو آخر من مات في المدينة من الصحابة . قال محمد بن سعد : ليس في هذا خلاف . وقد قال البخاري وغيره : إنه توفي سنة ثمان وثمانين . والله أعلم =====ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين

فيها غزا مسلمة ، وابن أخيه عمر بن الوليد بلاد الروم ، ففتحا حصونا كثيرة ، وغنما شيئا كثيرا ، وهربت منهم الروم إلى أقصى بلادهم .

وفيها غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير بلاد الأندلس في اثني عشر ألفا ، فخرج إليه ملكها أذرينوق في جحافله ، وعليه تاجه ومعه سرير ملكه ، فقاتله طارق فهزمه ، وغنم ما في معسكره ، فكان من جملة ذلك السرير ، وتملك بلاد الأندلس بكمالها . قال الذهبي : كان طارق بن زياد أمير طنجة ، وهي أقصى بلاد المغرب ، وكان نائبا لمولاه موسى بن نصير ، فكتب إليه صاحب الجزيرة الخضراء يستنجد به على عدوه ، فدخل طارق إلى جزيرة الأندلس من زقاق سبتة ، وانتهز الفرصة لكون الفرنج قد اقتتلوا فيما بينهم ، وأمعن طارق في بلاد الأندلس فافتتح قرطبة ، وقتل ملكها أذرينوق ، وكتب إلى موسى بن نصير بالفتح ، فحسده موسى على الانفراد بهذا الفتح ، وكتب إلى الوليد يبشره بالفتح ، وينسبه إلى نفسه ، وكتب إلى طارق يتوعده لكونه دخل بغير أمره ، ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به ، ثم سار إليه مسرعا بجيوشه ، فدخل الأندلس ومعه حبيب بن أبي عبيدة الفهري ، فأقام سنين يفتح في بلاد الأندلس ، ويأخذ المدن والأموال ، ويقتل الرجال ، ويأسر النساء والأطفال ، فغنم شيئا لا يحد ولا [ ص: 437 ] يوصف ولا يعد من الجواهر واليواقيت والذهب والفضة ، ومن آنية الذهب والفضة والأثاث والخيول والبغال وغير ذلك شيئا كثيرا ، وفتح من الأقاليم الكبار والمدن شيئا كثيرا .

وكان مما فتح مسلمة وابن أخيه عمر بن الوليد من حصون بلاد الروم حصن سوسنة ، وبلغا إلى خليج القسطنطينية .

وفيها فتح قتيبة بن مسلم شومان وكس ، ونسف ، وامتنع عليه أهل فرياب فأحرقها ، وجهز أخاه عبد الرحمن إلى الصغد إلى طرخون خان ملك تلك البلاد ، فصالحه عبد الرحمن وأعطاه طرخون خان أموالا كثيرة ، وقدم على أخيه وهو ببخارى فرجع إلى مرو ، ولما صالح طرخون عبد الرحمن ورحل عنه ، اجتمعت الصغد وقالوا لطرخون : إنك قد بؤت بالذل وأديت الجزية ، وأنت شيخ كبير فلا حاجة لنا فيك ، ثم عزلوه وولوا عليهم غوزك خان أخا طرخون خان ، ثم إنهم عصوا ونقضوا العهد ، وكان من أمرهم ما سيأتي .

وفيها غزا قتيبة سجستان يريد رتبيل ملك الترك الأعظم ، فلما انتهى إلى أول مملكة رتبيل تلقته رسله يريدون منه الصلح على أموال عظيمة; خيول ورقيق ونساء من بنات الملوك يحمل ذلك إليه ، فصالحه .

وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز نائب المدينة ، رحمه الله ===وتوفي فيها من الأعيان

مالك بن أوس بن الحدثان النصري أبو سعيد المدني

مختلف في [ ص: 438 ] صحبته . وقال بعضهم : ركب الخيل في الجاهلية ، ورأى أبا بكر . وقال محمد بن سعد : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يحفظ منه شيئا . وأنكر ذلك ابن معين والبخاري وأبو حاتم وقالوا : لا تصح له صحبة . والله أعلم . مات في هذه السنة ، وقيل : في التي قبلها . فالله أعلم .

طويس المغني

اسمه عيسى بن عبد الله ، أبو عبد المنعم المدني ، مولى بني مخزوم ، كان بارعا في صناعته ، وكان طويلا مضطربا أحول العين ، وكان مشئوما; لأنه ولد يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفطم يوم توفي الصديق ، واحتلم يوم قتل عمر ، وتزوج يوم قتل عثمان ، وولد له يوم قتل الحسين بن علي . وقيل : ولد له يوم قتل علي . حكاه ابن خلكان وغيره . وكانت وفاته في هذه السنة عن ثنتين وثمانين سنة بالسويداء ، وهي على مرحلتين من المدينة .

الأخطل

كان شاعرا مطبقا ، فاق أقرانه في الشعر .
====== ] وممن توفي فيها من الأعيان

أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار أبو حمزة

ويقال : أبو ثمامة الأنصاري النجاري ، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، وأمه أم حرام مليكة بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام ، زوجة أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري . روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث جمة ، وأخبر بعلوم مهمة ، وروى عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وغيرهم ، وحدث عنه خلق من التابعين . قال أنس : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا ابن عشر سنين ، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة .

وقال محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن أبيه عن ثمامة قال : قيل لأنس : أشهدت بدرا؟ فقال : وأين أغيب عن بدر لا أم لك؟ قال الأنصاري : شهدها يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي : لم يذكر ذلك أحد من أصحاب المغازي . قلت : الظاهر أنه إنما شهد ما بعد ذلك من المغازي . والله أعلم .

[ ص: 447 ] وقد ثبت أن أمه أتت به وفي رواية : عمه زوج أمه أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، هذا أنس خادم لبيب يخدمك . فوهبته له ، فقبله ، وسألته أن يدعو له فقال : اللهم أكثر ماله وولده ، وأدخله الجنة وثبت عنه أنه قال : كناني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقلة كنت أجتنيها . وقد استعمله أبو بكر ، ثم عمر على عمالة البحرين وشكراه في ذلك .

وقد ثبت عنه أنه قال : خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما ضربني ، ولا سبني ، ولا عبس في وجهي ، ولا قال لي لشيء : لم لا فعلت كذا؟ وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له ، فقال : اللهم كثر ماله وولده ، وطول حياته وكان أنس رضي الله عنه كثير الصلاة والصيام والعبادة .

وقد انتقل بعد النبي صلى الله عليه وسلم فسكن البصرة ، وكان له بها أربع دور ، وقد ناله أذى من جهة الحجاج ، وذلك في فتنة ابن الأشعث; توهم الحجاج منه أنه داخل في الأمر ، وأنه أفتى فيه ، فختمه الحجاج في عنقه : هذا عتيق الحجاج . [ ص: 448 ] وقد شكاه أنس كما قدمنا إلى عبد الملك ، فكتب إلى الحجاج يعنفه ، ففزع الحجاج من ذلك وصالح أنسا . وقد وفد أنس على الوليد بن عبد الملك في أيام ولايته ، قيل : في سنة ثنتين وتسعين ، وهو يبني جامع دمشق .

قال مكحول : رأيت أنسا يمشي في مسجد دمشق ، فقمت إليه فسألته عن الوضوء من الجنازة ، فقال : لا وضوء . وقال الأوزاعي : حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر قال : قدم أنس على الوليد ، فقال له الوليد : ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر به الساعة؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أنتم والساعة كهاتين ورواه عبد الرزاق بن عمر ، عن إسماعيل قال : قدم أنس على الوليد في سنة ثنتين وتسعين ، فذكره .

وقال الزهري : دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي ، فقلت : ما يبكيك؟ قال : لا أعرف مما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا هذه الصلاة ، وقد صنعتم فيها ما صنعتم . وفي رواية : وهذه الصلاة قد [ ص: 449 ] ضيعت . يعني ما كان يفعله خلفاء بني أمية من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسع; كانوا يواظبون على التأخير إلا عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته ، كما سيأتي .

وقال عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق ، عن جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس قال : جاءت بي أمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام ، فقالت : يا رسول الله ، أنيس فادع الله له . فقال : اللهم أكثر ماله وولده ، وأدخله الجنة . قال : فقد رأيت اثنتين ، وأنا أرجو الثالثة . وفي رواية : قال أنس : فوالله إن مالي لكثير حتى نخلي وكرمي ليثمر في السنة مرتين ، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة . وفي رواية : وإن ولدي لصلبي مائة وستة . ولهذا الحديث طرق كثيرة ، وألفاظ منتشرة جدا ، وفي رواية : قال أنس : وأخبرتني ابنتي أمينة : أنه دفن لصلبي إلى حين مقدم الحجاج عشرون ومائة . وقد تقصى ذلك بطرقه وأسانيده ، وأورد ألفاظه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أنس ، وقد أوردنا طرفا من ذلك في كتاب دلائل النبوة في أواخر السيرة ، ولله الحمد .

[ ص: 450 ] وقال ثابت لأنس : هل مست يدك كف رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : نعم . قال : فأعطنيها أقبلها . وقال محمد بن سعد عن أبي نعيم ، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن المنهال بن عمرو ، قال : كان أنس صاحب نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإداوته . وقال محمد بن سعد : عن مسلم بن إبراهيم ، عن المثنى بن سعيد الذارع قال : سمعت أنس بن مالك يقول : ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي صلى الله عليه وسلم . ثم يبكي .

وقال أبو داود : ثنا الحكم بن عطية ، عن ثابت عن أنس قال : إني لأرجو أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقول : يا رسول الله ، خويدمك .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس ، ثنا حرب بن ميمون ، عن النضر بن أنس ، عن أنس قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة ، قال : أنا فاعل قلت : فأين أطلبك يوم القيامة يا نبي الله؟ قال : اطلبني أول ما تطلبني على الصراط . قلت : فإذا لم ألقك؟ قال : فأنا عند الميزان . قلت : فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال : فأنا عند الحوض ، لا أخطئ هذه الثلاث مواطن يوم القيامة . ورواه الترمذي وغيره ، من حديث حرب بن ميمون أبي [ ص: 451 ] الخطاب الأنصاري به ، وقال : حسن غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

وقال شعبة ، عن ثابت قال : قال أبو هريرة : ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أم سليم ، يعني أنس بن مالك . وقال أنس بن سيرين : كان أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر . وقال أنس : يا ثابت خذ مني; فإني أخذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل ، ولست تجد أوثق مني .

وقال معتمر بن سليمان ، عن أبيه : سمعت أنسا يقول : ما بقي أحد صلى القبلتين غيري .

وقال محمد بن سعد : حدثنا عفان ، حدثني شيخ لنا يكنى أبا حباب ، سمعت الجريري يقول : أحرم أنس من ذات عرق ، فما سمعناه متكلما إلا [ ص: 452 ] بذكر الله عز وجل حتى أحل . فقال لي : يا ابن أخي ، هكذا الإحرام .

وقال صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف : دخل علينا أنس يوم الجمعة ، ونحن في بعض أبيات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم نتحدث فقال : مه . فلما أقيمت الصلاة قال : إني أخاف أن أكون قد أبطلت جمعتي بقولي لكم : مه .

وقال ابن أبي الدنيا ثنا بشار بن موسى الخفاف ، ثنا جعفر بن سليمان ، عن ثابت قال : كنت مع أنس فجاء قهرمانه ، فقال : يا أبا حمزة ، عطشت أرضنا . قال : فقام أنس ، فتوضأ وخرج إلى البرية ، فصلى ركعتين ثم دعا ، فرأيت السحاب يلتئم ، ثم مطرت حتى ملأت كل شيء ، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال : انظر أين بلغت السماء ، فنظر فلم تعد أرضه إلا يسيرا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا معاذ بن معاذ ، ثنا ابن عون ، عن محمد قال : كان أنس إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ففرغ منه قال : أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال الأنصاري ، عن ابن عون ، عن محمد قال : بعث [ ص: 453 ] أمير من الأمراء إلى أنس شيئا من الفيء ، فقال : أخمس؟ قال : لا . فلم يقبله .

وقال النضر بن شداد ، عن أبيه : مرض أنس ، فقيل له : ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال : الطبيب أمرضني .

وقال حنبل بن إسحاق : ثنا أبو عبد الله الرقاشي ، ثنا جعفر بن سليمان ، ثنا علي بن يزيد ، قال : كنت في القصر مع الحجاج وهو يعرض الناس ليالي ابن الأشعث ، فجاء أنس بن مالك فقال الحجاج : هي يا خبيث ، جوال في الفتن ، مرة مع علي ، ومرة مع ابن الزبير ، ومرة مع ابن الأشعث ، أما والذي نفس الحجاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة ، ولأجردنك كما يجرد الضب . قال : يقول أنس : من يعني الأمير؟ قال : إياك أعني ، أصم الله سمعك . قال : فاسترجع أنس ، وشغل الحجاج ، فخرج أنس فتبعناه إلى الرحبة ، فقال : لولا أني ذكرت ولدي وخفته عليهم لكلمته بكلام في مقامي هذا لا يستحييني بعده أبدا .

وقد ذكر أبو بكر بن عياش أن أنسا بعث إلى عبد الملك يشكو إليه الحجاج ، ويقول في كتابه : إني خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، والله لو أن [ ص: 454 ] اليهود والنصارى أدركوا رجلا خدم نبيهم لأكرموه . وذكر له أذية الحجاج له ، فلما قرأ عبد الملك كتابه حصل عنده أمر عظيم ، فكتب إليه يقول : ويلك ، لقد خشيت أن لا يصلح على يدي أحد . وذكر له كلاما فيه غلظة ، ويقول فيه : إذا جاءك كتابي فقم إلى أنس ، واعتذر له . فجاء كتاب عبد الملك إلى الحجاج بالغلظة في ذلك ، فهم أن ينهض إلى أنس ، فأشار إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر الذي قدم بالكتاب أن لا يذهب إلى أنس ، وأشار على أنس أن يبادر إلى الحجاج بالمصالحة وكان إسماعيل صديق الحجاج فجاء أنس ، فقام إليه الحجاج يتلقاه ، وقال : إنما مثلي ومثلك ، كما قيل : إياك أعني واسمعي يا جارة . أردت أن لا يبقى لأحد علي منطق .

وقال ابن قتيبة : كتب عبد الملك إلى الحجاج لما قال لأنس ما قال : يا ابن المستفرمة بحب الزبيب ، لقد هممت أن أركلك ركلة تهوي بها إلى نار [ ص: 455 ] جهنم ، قاتلك الله أخيفش العينين ، أقيبل الرجلين ، أسود الجاعرتين . ومعنى قوله : المستفرمة بحب الزبيب ، أي : تضيق فرجها عند الجماع به . ومعنى : أركلك ، أي : أرفسك برجلي . وسيأتي بسط ذلك في ترجمة الحجاج في سنة خمس وتسعين .

وقال أحمد بن صالح العجلي : لم يبتل أحد من الصحابة إلا رجلين; معيقيب كان به الجذام ، وأنس بن مالك; كان به وضح . وقال الحميدي : عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي جعفر قال : رأيت أنسا يأكل ، فرأيته يلقم لقما عظاما ، ورأيت به وضحا شديدا .

وقال أبو يعلى : ثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري ، ثنا أبي ، ثنا عمران ، عن أيوب قال : ضعف أنس عن الصوم فصنع جفنة من ثريد ، [ ص: 456 ] ودعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم ، وذكره البخاري تعليقا . وقال شعبة ، عن موسى السنبلاني ، قلت لأنس : أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : قد بقي قوم من الأعراب ، فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي .

وقيل له في مرضه : ألا ندعو لك طبيبا؟ فقال : الطبيب أمرضني . وجعل يقول : لقنوني لا إله إلا الله . وهو محتضر ، فلم يزل يقولها حتى قبض ، وكانت عنده عصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها فدفنت معه .

قال عمر بن شبة وغير واحد : مات وله مائة وسبع سنين . وقال الإمام أحمد في مسنده : ثنا معتمر بن سليمان ، عن حميد ، أن أنسا عمر مائة سنة غير سنة .

قال الواقدي : وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة ، وكذا قال علي بن المديني والفلاس وغير واحد .

وقد اختلف المؤرخون في سنة وفاته; فقيل : سنة تسعين . وقيل : إحدى وتسعين . وقيل : ثنتين وتسعين . وقيل : ثلاث وتسعين . وهذا هو المشهور ، وعليه الجمهور ، والله أعلم .

[ ص: 457 ] وقال الإمام أحمد : حدثني أبو نعيم قال : توفي أنس بن مالك ، وجابر بن زيد في جمعة واحدة سنة ثلاث وتسعين . وقال قتادة : لما مات أنس قال مورق العجلي : ذهب اليوم نصف العلم . قيل له : وكيف ذاك يا أبا المعتمر؟ قال : كان الرجل من أهل الأهواء ، إذا خالفونا في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلنا لهم : تعالوا إلى من سمعه منه .

عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، الشاعر المشهور

يقال : إنه ولد يوم توفي عمر بن الخطاب ، وختن يوم مقتل عثمان ، وتزوج يوم مقتل علي . فالله أعلم . وكان مشهورا بالتغزل المليح البليغ ، كان يتغزل في امرأة يقال لها : الثريا بنت علي بن عبد الله الأموية ، وقد تزوجها سهل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري ، فقال في ذلك عمر بن أبي ربيعة :


أيها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت
وسهيل إذا استقل يمان
ومن مستجاد شعره ما أورده ابن خلكان :

[ ص: 458 ]
حي طيفا من الأحبة زارا بعد ما صرع الكرى السمارا
طارقا في المنام تحت دجى اللي ل ضنينا بأن يزور نهارا
قلت ما بالنا جفينا وكنا قبل ذاك الأسماع والأبصارا
قال إنا كما عهدت ولكن شغل الحلي أهله أن يعارا ======ثم دخلت سنة أربع وتسعين

فيها غزا العباس بن الوليد أرض الروم ، فقيل : إنه فتح أنطالية .

وغزا أخوه عبد العزيز بن الوليد فبلغ غزالة ، وبلغ الوليد بن هشام المعيطي أرض برج الحمام ، وبلغ يزيد بن أبي كبشة أرض سورية .

وفيها كانت الرجفة بالشام .

وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك سندرة من أرض الروم .

وفيها فتح الله على الإسلام فتوحات عظيمة في دولة الوليد بن عبد الملك ، على يدي أولاده وأقربائه وأمرائه ، حتى عاد الجهاد شبيها بأيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

وفيها افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرض الهند ، وغنم أموالا لا تعد ولا توصف ، وقد ورد في غزو الهند حديث رواه الحافظ ابن عساكر وغيره .

وفيها غزا قتيبة بن مسلم الشاش وفرغانة حتى بلغ خجندة ، [ ص: 461 ] وكاشان مدينتي فرغانة ، وذلك بعد فراغه من الصغد ، وفتح سمرقند ، ثم خاض تلك البلاد يفتح فيها حتى وصل إلى كابل ، فحاصرها وافتتحها ، وقد لقيه المشركون في جموع هائلة من الترك فقاتلهم قتيبة عند خجندة مرارا .

كل ذلك يكون الظفر له .

قال ابن جرير : وقد قال سحبان وائل يذكر قتالهم بخجندة :


فسل الفوارس في خجن دة تحت مرهفة العوالي هل كنت أجمعهم إذا
هزموا وأقدم في قتالي أم كنت أضرب هامة ال
عاتي وأصبر للنزال هذا وأنت قريع قي
س كلها ضخم النوال وفضلت قيسا في الندى
وأبوك في الحجج الخوالي تمت مروءتكم ونا
غى عزكم غلب الجبال ولقد تبين عدل حك
مك فيهم في كل مال
هكذا ذكر ابن جرير أن هذا من شعر سحبان وائل في هذه الغزوة . وقد [ ص: 462 ] ذكرنا ما أورده ابن الجوزي في منتظمه; أن سحبان مات في خلافة معاوية بن أبي سفيان بعد الخمسين ، فالله أعلم ======مقتل سعيد بن جبير ، رحمه الله

قال ابن جرير : وفي هذه السنة قتل الحجاج بن يوسف سعيد بن جبير ، وكان سبب ذلك أن الحجاج كان قد جعله على نفقات الجند حين بعثه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى قتال رتبيل ، فلما خلعه ابن الأشعث خلعه معه سعيد بن جبير ، فلما ظفر الحجاج بابن الأشعث وأصحابه هرب سعيد بن جبير إلى أصبهان ، فكتب الحجاج إلى نائبها أن يبعثه إليه ، فلما سمع بذلك سعيد هرب منها ، ثم كان يعتمر في كل سنة ويحج ، ثم إنه لجأ إلى مكة فأقام بها إلى أن وليها خالد بن عبد الله القسري ، فأشار من أشار على سعيد بالهرب منها ، فقال سعيد : والله لقد استحييت من الله ، مم أفر ولا مفر من قدره؟!

وتولى على المدينة عثمان بن حيان بدل عمر بن عبد العزيز ، فجعل يبعث من بالمدينة من أصحاب ابن الأشعث من أهل العراق إلى الحجاج في القيود ، فتعلم منه خالد بن عبد الله القسري ، فعين من عنده من مكة سعيد بن جبير ، وعطاء [ ص: 463 ] بن أبي رباح ، ومجاهد بن جبر ، وعمرو بن دينار ، وطلق بن حبيب .

ويقال : إن الحجاج كتب إلى الوليد يخبره أن بمكة أقواما من أهل الشقاق ، فبعث خالد بهؤلاء إليه ، ثم عفا عن عطاء ، وعمرو بن دينار; لأنهما من أهل مكة ، وبعث بأولئك الثلاثة ، فأما طلق فمات في الطريق قبل أن يصل ، وأما مجاهد فحبس حتى مات الحجاج .

وأما سعيد بن جبير فلما وقف بين يدي الحجاج قال له : يا سعيد ، ألم أشركك في أمانتي؟ ألم أستعملك؟ ألم أفعل ، ألم أفعل؟ كل ذلك يقول : نعم . حتى ظن من عنده أنه سيخلي سبيله حتى قال له : فما حملك على أن خرجت علي ، وخلعت بيعة أمير المؤمنين؟ فقال سعيد : إن ابن الأشعث أخذ مني البيعة على ذلك ، وعزم علي . فغضب عند ذلك الحجاج غضبا شديدا ، وانتفخ حتى سقط أحد طرفي ردائه عن منكبه ، وقال له : ويحك ، ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها ، وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك؟ قال : بلى . قال : ثم قدمت الكوفة واليا على العراق فجددت لأمير المؤمنين البيعة ، فأخذت بيعتك له ثانية؟ قال : بلى . قال : فتنكث بيعتين لأمير المؤمنين ، وتفي بواحدة للحائك ابن الحائك؟ يا حرسي اضرب عنقه . قال : فضربت عنقه ، فندر رأسه ، عليه لاطئة صغيرة بيضاء .

[ ص: 464 ] وقال الواقدي : لما أوقف سعيد بن جبير قدام الحجاج ، قال : يا شقي بن كسير ، أما قدمت الكوفة فجعلتك إماما؟ قال : بلى . قال : أما وليتك القضاء ، فضج أهل الكوفة : إنه لا يصلح للقضاء إلا عربي . فجعلت أبا بردة ، وأمرته أن لا يقطع أمرا دونك؟ قال : بلى . قال : أما أعطيتك مائة ألف تفرقها على أهل الحاجة؟ قال : بلى . قال : فما أخرجك علي؟ قال : بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث . فغضب الحجاج ، وقال : أما كانت بيعة أمير المؤمنين في عنقك من قبل؟ ثم قال : أكفرت إذ خرجت علي؟ قال : ما كفرت منذ آمنت . فقال : اختر أي قتلة أقتلك . فقال : اختر أنت ، فإن القصاص أمامك . فقال الحجاج : يا حرسي ، اضرب عنقه . وذلك في رمضان سنة خمس وتسعين بواسط ، وقبره ظاهر يزار .

ولما قتله خرج منه دم كثير حتى راع الحجاج ، فدعا طبيبا ، فسأله عن ذلك ، فقال : إنك قتلته ونفسه معه ، وقلبه حاضر . وقيل : إن الحجاج رئي في المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك؟ فقال : قتلني بكل رجل قتلته قتلة ، وقتلني بسعيد بن جبير اثنتين وسبعين قتلة . والله أعلم .

[ ص: 465 ] قال ابن جرير فحدثت عن أبي غسان مالك بن إسماعيل قال : سمعت خلف بن خليفة يذكر عن رجل ، قال : لما قتل الحجاج سعيد بن جبير فندر رأسه هلل ثلاثا; مرة يفصح بها ، وفي الثنتين يقول مثل ذلك لا يفصح بها .

وذكر أبو بكر الباهلي قال : سمعت أنس بن أبي شيخ يقول : لما أتي الحجاج بسعيد بن جبير قال : لعن ابن النصرانية يعني خالدا القسري ، وكان هو الذي أرسل به من مكة أما كنت أعرف مكانه؟! بلى والله ، والبيت الذي هو فيه بمكة . ثم أقبل عليه ، فقال : يا سعيد ، ما أخرجك علي؟ فقال أصلح الله الأمير ، أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ، ويصيب أخرى . فطابت نفس الحجاج ، وانطلق وجهه ، ورجا الحجاج أن يتخلص من أمره ، ثم عاوده في شيء فقال سعيد : إنما كانت بيعة في عنقي . فغضب عند ذلك الحجاج ، فكان ما كان من قتله .

وذكر عتاب بن بشير عن سالم الأفطس قال : أتي الحجاج بسعيد بن جبير ، وهو يريد الركوب ، وقد وضع إحدى رجليه في الغرز ، فقال : والله لا أركب حتى تتبوأ مقعدك من النار ، اضربوا عنقه . فضربت عنقه ، قال : والتبس الحجاج في عقله مكانه ، فجعل يقول : قيودنا قيودنا . فظنوا أنه يريد القيود [ ص: 466 ] التي على سعيد ، فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه ، وأخذوا القيود .

وقال محمد بن حاتم : ثنا عبد الملك بن عبد الله ، عن هلال بن خباب قال : جيء بسعيد بن جبير إلى الحجاج فقال : كتبت إلى مصعب بن الزبير؟ فقال : بل كتب إلي مصعب . قال : والله لأقتلنك . قال : إني إذا لسعيد كما سمتني أمي . قال : فقتله . فلم يلبث الحجاج بعده إلا أربعين يوما ، فكان إذا نام يراه في المنام يأخذ بمجامع ثوبه ، ويقول : يا عدو الله فيم قتلتني؟ فيقول الحجاج : ما لي ولسعيد بن جبير ، ما لي ولسعيد بن جبير؟ !

قال ابن خلكان : كان سعيد بن جبير بن هشام الأسدي ، مولى بني والبة كوفيا ، أحد الأعلام من التابعين ، وكان أسود اللون ، وكان لا يكتب على الفتيا ، فلما عمي ابن عباس كتب ، فغضب ابن عباس من ذلك . وذكر مقتله كنحو ما تقدم ، وذكر أنه كان في شعبان ، وأن الحجاج مات بعده في رمضان ، وقيل : بستة أشهر .

وذكر عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال : قتل سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج أو قال : مفتقر إلى علمه . [ ص: 467 ] ويقال إن الحجاج لم يسلط بعده على أحد . وسيأتي في ترجمة الحجاج أيضا شيء من هذا .

قال ابن جرير : وكان يقال لهذه السنة : سنة الفقهاء; لأنه مات فيها عامة فقهاء المدينة; مات في أولها علي بن الحسين زين العابدين ، ثم عروة بن الزبير ، ثم سعيد بن المسيب ، وأبو بكر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وسعيد بن جبير من أهل مكة .

وقد ذكرنا تراجم هؤلاء في كتابنا " التكميل " ، وسنذكر طرفا صالحا هاهنا ، إن شاء الله تعالى .

قال ابن جرير : واستقضى الوليد بن عبد الملك في هذه السنة على الشام سليمان بن حبيب .

وحج بالناس أخوه مسلمة بن عبد الملك ، في قول بعضهم .

وقال الواقدي : حج بالناس فيها عبد العزيز بن الوليد ، ويقال : [ ص: 468 ] مسلمة بن عبد الملك .

وكان على نيابة مكة خالد بن عبد الله القسري ، وعلى المدينة عثمان بن حيان ، وعلى المشرق بكماله الحجاج ، وعلى خراسان قتيبة بن مسلم ، وعلى الكوفة من جهة الحجاج زياد بن جرير ، وعلى قضائها أبو بكر بن أبي موسى ، وعلى إمرة البصرة من جهة الحجاج الجراح بن عبد الله الحكمي ، وعلى قضائها عبد الله بن أذينة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .==================ذكر من توفي فيها من المشاهير والأعيان

سعيد بن جبير الأسدي الوالبي

مولاهم ، أبو محمد ، ويقال : أبو عبد الله ، الكوفي المكي ، من أكابر أصحاب ابن عباس ، كان من أئمة الإسلام في التفسير والفقه وأنواع العلوم ، وكثرة العمل الصالح ، رحمه الله ، وقد رأى خلقا من الصحابة ، وروى عن جماعة منهم ، وعنه خلق من التابعين ، يقال : إنه كان يقرأ القرآن فيما بين المغرب والعشاء ختمة تامة ، وكان يقعد في الكعبة القعدة فيقرأ فيها الختمة ، وربما قرأها في ركعة [ ص: 469 ] في جوف الكعبة ، وقد قال ابن عباس ، وقد أتاه أهل الكوفة يسألونه : أليس فيكم سعيد بن جبير؟

وقال سفيان الثوري ، عن عمرو بن ميمون ، عن أبيه قال : لقد مات سعيد بن جبير ، وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه .

وكان في جملة من خرج مع ابن الأشعث على الحجاج ، فلما ظفر الحجاج هرب سعيد إلى أصبهان ، ثم كان يتردد في كل سنة إلى مكة مرتين; مرة للعمرة ومرة للحج ، وربما دخل الكوفة في بعض الأحيان فحدث بها ، وكان بخراسان يتحزن; لأنه كان لا يسأله أحد عن شيء من العلم هناك ، وكان يقول : إن مما يهمني ما عندي من العلم ، وددت أن الناس أخذوه . واستمر في هذا الحال مختفيا من الحجاج قريبا من ثنتي عشرة سنة ، ثم أرسله خالد القسري من مكة إلى الحجاج ، فكان من مخاطبته له ما ذكرناه قريبا .

وقال أبو نعيم في كتابه " حلية الأولياء " : ثنا أبو حامد بن جبلة ، ثنا محمد بن إسحاق ، ثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف ، ثنا سفيان ، عن سالم بن أبي حفصة قال : لما أتي بسعيد بن جبير إلى الحجاج قال له : أنت شقي [ ص: 470 ] بن كسير؟ قال : لا ، إنما أنا سعيد بن جبير . قال : لأقتلنك . قال : أنا إذا كما سمتني أمي . ثم قال : دعوني أصل ركعتين . قال : وجهوه إلى قبلة النصارى . قال : فأينما تولوا فثم وجه الله . قال : إني أستعيذ منك بما استعاذت به مريم . قال : وما عاذت به؟ قال : قالت : إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال سفيان : لم يقتل بعده إلا رجلا واحدا .

وقد ذكرنا صفة مقتله إياه ، وقد رويت آثار غريبة في صفة مقتله ، أكثرها لا يصح ، وقد عوقب الحجاج بعده وعوجل بالعقوبة ، فلم يلبث بعده إلا قليلا ثم أخذه الله أخذ عزيز مقتدر كما سنذكر وفاته في السنة الآتية فقيل : إنه مكث بعده خمسة عشر يوما . وقيل : أربعين يوما . وقيل : ستة أشهر . فالله أعلم .

واختلفوا في عمر سعيد بن جبير ، رحمه الله ، حين قتل ، فقيل : كان عمره تسعا وأربعين سنة . وقيل : سبعا وخمسين . فالله أعلم .

[ ص: 471 ] قال أبو القاسم اللالكائي : كان مقتله في سنة خمس وتسعين . وذكر ابن جرير مقتله في هذه السنة; سنة أربع وتسعين . فالله أعلم .

سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي

أبو محمد المدني المخزومي ، سيد التابعين على الإطلاق ، ولد لسنتين مضتا - وقيل : بقيتا - من خلافة عمر بن الخطاب . وقيل : لأربع مضين منها . وقول الحاكم أبي عبد الله : أنه أدرك العشرة . وهم منه . والله أعلم . ولكن أرسل عنهم كما أرسل كثيرا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عن عمر كثيرا ، فقيل : سمع منه . وقيل : لم يسمع . وعن عثمان وعلي وسعد وأبي هريرة وكان زوج ابنته وأعلم الناس بحديثه وروى عن جماعة من الصحابة ، وحدث عن جماعة من التابعين ، وخلق ممن سواهم .

[ ص: 472 ] قال ابن عمر : كان سعيد أحد المفتين . وقال الزهري : جالسته سبع حجج ، وأنا لا أظن عند أحد علما غيره . وقال محمد بن إسحاق ، عن مكحول قال : طفت الأرض كلها في طلب العلم ، فما لقيت أعلم من سعيد بن المسيب .

وقال الأوزاعي : سئل الزهري ومكحول : من أفقه من لقيتما؟ قالا : سعيد بن المسيب .

وقال قتادة : ما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه . وكان الحسن إذا أشهل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيب . وقال غيره كان يقال له : فقيه الفقهاء .

وقال مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب : كنت أرحل الأيام [ ص: 473 ] والليالي في طلب الحديث الواحد .

قال مالك : وبلغني أن ابن عمر كان يرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن قضايا عمر وأحكامه .

وقال الربيع عن الشافعي ، أنه قال : إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن .

وقال الإمام أحمد بن حنبل : هي صحاح . قال : وسعيد بن المسيب أفضل التابعين .

وقال علي بن المديني : لا أعلم في التابعين أوسع علما منه . وإذا قال سعيد : مضت السنة . فحسبك به ، وهو عندي أجل التابعين .

وقال أحمد بن عبد الله العجلي : كان سعيد رجلا صالحا فقيها ، كان لا يأخذ العطاء ، وكانت له بضاعة ، أربعمائة دينار ، وكان يتجر في الزيت ، وكان أعور .

وقال أبو زرعة : مدني ثقة إمام .

[ ص: 474 ] وقال أبو حاتم : ليس في التابعين أنبل منه ، وهو أثبتهم في أبي هريرة . قال الواقدي : توفي في سنة الفقهاء ، وهي سنة أربع وتسعين ، عن خمس وسبعين سنة . رحمه الله .

[ ص: 475 ] طلق بن حبيب العنزي

تابعي جليل ، روى عن أنس ، وجابر ، وابن الزبير ، وابن عباس ، وعبد الله بن عمرو ، وغيرهم ، وعنه حميد الطويل ، والأعمش وطاوس ، وهو من أقرانه ، وأثنى عليه في قراءته عمرو بن دينار ، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة ، ولكن تكلموا فيه من جهة أنه كان يقول بالإرجاء .

وقد كان فيمن خرج مع ابن الأشعث ، وكان يقول : اتقوها بالتقوى . فقيل له : صف لنا التقوى . فقال : التقوى العمل بطاعة الله على نور من الله ، رجاء رحمة الله ، والتقوى ترك معاصي الله ، على نور من الله; مخافة عذاب الله .

وقال أيضا : إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد ، وإن نعمه أكثر من أن تحصى ، ولكن أصبحوا تائبين ، وأمسوا تائبين . قال مالك : قتله الحجاج وجماعة من القراء; منهم سعيد بن جبير .

[ ص: 476 ] وقد ذكر ابن جرير فيما سبق أن خالد بن عبد الله القسري بعث من مكة ثلاثة إلى الحجاج ، وهم مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وطلق بن حبيب ، فمات طلق في الطريق ، وحبس مجاهد ، وكان من أمر سعيد ما كان ، والله أعلم .

عروة بن الزبير بن العوام ، القرشي الأسدي ، أبو عبد الله المدني

تابعي جليل ، روى عن أبيه ، وعن العبادلة ، ومعاوية ، والمغيرة ، وأبي هريرة ، وأمه أسماء ، وخالته عائشة ، وأم سلمة ، وعنه جماعة من التابعين ، وخلق ممن سواهم .

قال محمد بن سعد : كان عروة ثقة ، كثير الحديث ، عالما مأمونا ثبتا .

وقال العجلي : مدني ، تابعي ، رجل صالح ، لم يدخل في شيء من الفتن .

وقال الواقدي : كان فقيها ، عالما ، حافظا ، ثبتا ، حجة ، عالما بالسير ، وهو أول من صنف المغازي ، وكان من فقهاء المدينة المعدودين ، ولقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه ، وكان أروى الناس للشعر .

وقال أبو بكر بن محمد بن الحارث بن هشام : العلم لواحد من ثلاثة : لذي حسب يزينه به ، أو ذي دين [ ص: 477 ] يسوس به دينه ، أو مختلط بسلطان يتحفه بعلمه . وقال : ولا أعلم أحدا أشرط لهذه الخصال الثلاث إلا عروة بن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز .

وكان عروة يقرأ كل يوم ربع القرآن ، ويقوم به في الليل . وكان أيام الرطب يثلم حائطه ، ثم يأذن للناس ، فيدخلون فيأكلون ويحملون ، فإذا ذهب الرطب أعاده . وقال الزهري : كان عروة بحرا لا ينزف ، وقال مرة : كان بحرا لا تكدره الدلاء .

وقال عمر بن عبد العزيز : ما أحد أعلم من عروة ، وما أعلمه يعلم شيئا أجهله .

وقد ذكره غير واحد في فقهاء المدينة السبعة الذين ينتهى إلى قولهم . وكان من جملة الفقهاء العشرة الذين كان عمر بن عبد العزيز يرجع إلى قولهم في زمن ولايته على المدينة . وقد ذكر غير واحد أنه وفد على الوليد بدمشق ، فلما رجع أصابته في رجله الأكلة ، فأرادوا قطعها ، فعرضوا عليه أن يشرب شيئا يغيب عقله ، حتى لا يحس بالألم ، ويتمكنوا من قطعها ، [ ص: 478 ] فقال : ما ظننت أن أحدا يؤمن بالله يشرب شيئا يغيب عقله حتى لا يعرف ربه عز وجل ، ولكن هلموا فاقطعوها . فقطعوها من ركبته وهو صامت لا يتكلم ، ولا يسمع له حس . وروي أنهم قطعوها وهو في الصلاة فلم يشعر لشغله بالصلاة . فالله أعلم .

ووقع في هذه الليلة التي قطعت فيها رجله ولد له يسمى محمدا كان أحب أولاده من سطح فمات ، فدخلوا عليه فعزوه فيه ، فقال : اللهم لك الحمد ، كانوا سبعة فأخذت واحدا ، وأبقيت ستة ، وكن أطرافا أربعا ، فأخذت واحدة ، وأبقيت ثلاثا ، فلئن كنت قد أخذت فلقد أعطيت ، ولئن كنت قد ابتليت فلقد عافيت .

وقيل : إنه لما رأى المقطوعة في الطست ، قال : الله أعلم أني ما مشيت بها إلى معصية قط .

قيل : إنه ولد في حياة عمر . والصحيح أنه ولد بعد عمر في سنة ثلاث وعشرين ، وكانت وفاته في سنة أربع وتسعين على المشهور ، وقيل : سنة تسعين . وقيل : سنة مائة . وقيل : إحدى وتسعين . وقيل : إحدى ومائة . وقيل : سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع ، أو خمس وتسعين . وقيل : سنة تسع وتسعين . والله أعلم .

[ ص: 479 ] علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، القرشي الهاشمي ، المشهور بزين العابدين

وأمه أم ولد اسمها سلامة ، وكان له أخ أكبر منه يقال له : علي أيضا ، قتل مع أبيه ، روى علي هذا الحديث عن أبيه ، وعمه الحسن بن علي ، وجابر ، وابن عباس ، والمسور بن مخرمة ، وأبي هريرة ، وصفية ، وعائشة ، وأم سلمة ، أمهات المؤمنين .

وعنه جماعة ، منهم بنوه : زيد ، وعبد الله ، وعمر ، وأبو جعفر محمد بن علي الباقر ، وزيد بن أسلم ، وطاوس وهو من أقرانه ، والزهري ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وأبو سلمة ، وهو من أقرانه ، وخلق .

قال القاضي ابن خلكان : كانت أمه سلامة بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس .

وذكر الزمخشري في " ربيع الأبرار " : أن يزدجرد كان له ثلاث بنات سبين في زمن عمر بن الخطاب ، فحصلت واحدة لعبد الله بن عمر فأولدها سالما ، والأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق فأولدها القاسم ، والأخرى للحسين بن علي فأولدها عليا زين العابدين هذا ، فكلهم بنو خالة .

[ ص: 480 ] قال ابن خلكان : ولما قتل قتيبة بن مسلم فيروز بن يزدجرد بعث بابنتيه إلى الحجاج فأخذ إحداهما ، وبعث بالأخرى إلى الوليد بن عبد الملك ، فأولدها الوليد يزيد الناقص .

وذكر ابن قتيبة في كتاب " المعارف " ; أن زين العابدين هذا كانت أمه سندية ، يقال لها : سلامة . ويقال : غزالة .

وكان مع أبيه بكربلاء ، فاستبقي لصغره ، وقيل : لمرضه . فإنه كان ابن ثلاث وعشرين سنة . وقيل أكثر من ذلك . وقد هم بقتله عبيد الله بن زياد ، ثم صرفه الله عنه . وأشار بعض الفجرة على يزيد بن معاوية بقتله أيضا ، فمنعه الله تعالى من ذلك ، فلله الحمد والمنة ، ثم كان يزيد بعد ذلك يكرمه ويعظمه ، ويجلسه معه ، ولا يأكل إلا وهو عنده ، ثم بعثهم إلى المدينة مكرمين ، وكان علي بالمدينة محترما معظما .

قال الحافظ ابن عساكر : ومسجده بدمشق المنسوب إليه معروف . قلت : وهو الذي يقال له : مشهد علي شرقي جامع دمشق ، وقد استقدمه عبد الملك بن مروان مرة أخرى إلى دمشق فاستشاره في جواب ملك الروم عن بعض ما كتب إليه فيه من أمر السكة وطراز القراطيس .

[ ص: 481 ] قال الزهري : ما رأيت قرشيا أفضل منه ، وكان مع أبيه يوم قتل ابن ثلاث وعشرين سنة ، وهو مريض ، فقال عمر بن سعد : لا تعرضوا لهذا المريض .

وقال الواقدي : كان من أورع الناس ، وأعبدهم ، وأتقاهم لله عز وجل ، وكان إذا مشى لا يخطر بيده ، وكان يعتم بعمامة بيضاء يرخيها من ورائه ، وكان كنيته أبو الحسن ، وقيل : أبو محمد . وقيل : أبو عبد الله .

وقال محمد بن سعد : كان ثقة مأمونا ، كثير الحديث ، عاليا ، رفيعا ورعا . وأمه غزالة خلف عليها بعد الحسين مولاه زبيد ، فولدت له عبد الله بن زبيد .

وهو علي الأصغر ، فأما علي الأكبر فقتل مع أبيه ، وكذا قال غير واحد .

وقال سعيد بن المسيب ، وزيد بن أسلم ، ومالك ، وأبو حازم : لم يكن في أهل البيت مثله . وقال يحيى بن سعيد الأنصاري : سمعت علي بن الحسين وهو أفضل هاشمي أدركته يقول : يا أيها الناس ، أحبونا حب الإسلام ، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارا . وفي رواية : حتى بغضتمونا إلى الناس .

وقال الأصمعي : لم يكن للحسين عقب إلا من علي بن الحسين ، ولم [ ص: 482 ] يكن لعلي بن الحسين نسل إلا من ابنة عمه الحسن ، فقال له مروان بن الحكم : لو اتخذت السراري حتى يكثر أولادك . فقال : ليس لي ما أتسرى به . فأقرضه مائة ألف ، فاشترى له السراري ، فولدن له ، وكثر نسله ، ثم لما مرض مروان أوصى أن لا يؤخذ من علي بن الحسين ما كان أقرضه ، فجميع الحسينيين من نسله . رضي الله عنه .

وقال أبو بكر بن أبي شيبة : أصح الأسانيد كلها الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده . وذكروا أنه احترق البيت الذي هو فيه وهو قائم يصلي ، فلما انصرف قالوا له : ما لك لم تنصرف؟ فقال : إني اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى . وكان إذا توضأ يصفر لونه ، فإذا قام إلى الصلاة ارتعد من الفرق ، فقيل له في ذلك فقال : ألا تدرون بين يدي من أريد أن أقوم ولمن أناجي؟ ولما حج أراد أن يلبي ، فارتعد وقال : أخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك . فيقول لي : لا لبيك . فشجعوه ، وقالوا : لا بد من التلبية؟ فلما لبى غشي عليه حتى سقط عن الراحلة ، وأنه كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة .

وقال طاوس : سمعته وهو ساجد عند الحجر يقول : عبيدك بفنائك ، [ ص: 483 ] مسكينك بفنائك ، سائلك بفنائك ، فقيرك بفنائك . قال طاوس : فوالله ما دعوت بها في كرب قط إلا كشف عني ، وذكروا أنه كان كثير الصدقة بالليل ، وكان يقول : صدقة الليل تطفئ غضب الرب . وأنه قاسم الله تعالى ماله مرتين .

وقال محمد بن إسحاق : كان ناس بالمدينة يعيشون ، لا يدرون من أين يعيشون ومن يعطيهم ، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك ، فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم في الليل بما يأتيهم به . ولما مات وجدوا في ظهره وأكتافه أثر حمل الجرب إلى بيوت الأرامل والمساكين في الليل . وقيل : إنه كان يعول مائة أهل بيت بالمدينة ، ولا يدرون بذلك حتى مات . ودخل علي بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد يعوده ، فبكى ابن أسامة ، فقال له : ما يبكيك؟ قال : علي دين . قال : وكم هو؟ قال : خمسة عشر ألف دينار . وفي رواية سبعة عشر ألف دينار فقال : هي علي .

وقال علي بن الحسين : كان أبو بكر ، وعمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته بمنزلتهما منه بعد وفاته . ونال منه رجل يوما فجعل يتغافل عنه يريه أنه [ ص: 484 ] لم يسمعه فقال له الرجل : إياك أعني . فقال له علي : وعنك أغضي .

وخرج يوما من المسجد ، فسبه رجل ، فابتدر الناس إليه فقال : دعوه . ثم أقبل عليه ، فقال : ما ستر عنك من أمرنا أكثر ، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل ، فألقى إليه خميصة كانت عليه ، وأمر له بألف درهم ، فكان الرجل بعد ذلك يقول : أشهد أنك من أولاد الأنبياء .

قالوا : واختصم علي بن الحسين وحسن بن حسن وكان بينهما منافسة فنال منه حسن بن حسن ، وهو ساكت ، فلما كان الليل ذهب علي بن الحسين إلى منزله ، فقال : يا ابن عم ، إن كنت صادقا يغفر الله لي ، وإن كنت كاذبا يغفر الله لك ، والسلام عليك . ثم رجع ، فلحقه فصالحه . وقيل له : من أعظم الناس خطرا؟ فقال : من لم يرض الدنيا لنفسه خطرا . وقال أيضا : الفكرة مرآة تري المؤمن حسناته وسيئاته . [ ص: 485 ] وقال : فقد الأحبة غربة . وكان يقول : إن قوما عبدوا الله رهبة ، فتلك عبادة العبيد ، وآخرون عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار ، وآخرون عبدوه محبة وشكرا ، فتلك عبادة الأحرار الأخيار .

وقال لابنه : يا بني ، لا تصحب فاسقا; فإنه يبيعك بأكلة وأقل منها ، يطمع فيها ثم لا ينالها ، ولا بخيلا; فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه ، ولا كذابا; فإنه كالسراب يقرب منك البعيد ويباعد عنك القريب ، ولا أحمق; فإنه يريد أن ينفعك فيضرك ، ولا قاطع رحم; فإنه ملعون في كتاب الله قال الله تعالى : فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ( محمد : 22 ) .

وكان علي بن الحسين إذا دخل المسجد تخطى الناس حتى يجلس في حلقة زيد بن أسلم ، فقال له نافع بن جبير بن مطعم : غفر الله لك ، أنت سيد الناس تأتي تخطى حتى تجلس مع هذا العبد الأسود؟ فقال له علي بن الحسين : إنما يجلس الرجل حيث ينتفع ، وإن العلم يبتغى ويؤتى ، ويطلب من حيث كان . وقال الأعمش ، عن مسعود بن مالك قال : قال لي علي بن الحسين : [ ص: 486 ] أتستطيع أن تجمع بيني وبين سعيد بن جبير؟ فقلت : ما تصنع به؟ قال : أريد أن أسأله عن أشياء ينفعنا الله بها ، إنه ليس عندنا ما يرمينا به هؤلاء . وأشار بيده إلى العراق .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن آدم ، ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن رزين بن عبيد قال : كنت عند ابن عباس ، فأتى علي بن الحسين فقال ابن عباس : مرحبا بالحبيب ابن الحبيب .

وقال أبو بكر بن محمد بن يحيى الصولي ، ثنا العلائي ، ثنا إبراهيم بن بشار ، عن سفيان بن عيينة ، عن أبي الزبير قال : كنا عند جابر بن عبد الله ، فدخل عليه علي بن الحسين فقال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليه الحسين بن علي ، فضمه إليه وقبله وأقعده إلى جنبه ، ثم قال : يولد لابني هذا ابن يقال له علي ، إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش : ليقم سيد العابدين ، فيقوم هو . هذا حديث غريب جدا ، أورده ابن عساكر .

وقال الزهري : كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين ، وما رأيت أفقه منه ، وكان قليل الحديث ، وكان من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة ، وأحبهم [ ص: 487 ] إلى مروان ، وابنه عبد الملك ، وكان يسميه : زين العابدين .

وقال جويرية بن أسماء : ما أكل علي بن الحسين بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم درهما قط ، رحمه الله ورضي عنه .

وقال محمد بن سعد : أنبأ علي بن محمد ، عن سعيد بن خالد ، عن المقبري ، قال : بعث المختار إلى علي بن الحسين بمائة ألف ، فكره أن يقبلها ، وخاف أن يردها ، فاحتبسها عنده ، فلما قتل المختار كتب إلى عبد الملك بن مروان : إن المختار بعث إلي بمائة ألف ، فكرهت أن أقبلها ، وكرهت أن أردها ، فابعث من يقبضها . فكتب إليه عبد الملك : يا ابن عم ، خذها فقد طيبتها لك . فقبلها .

وقال علي بن الحسين : سادة الناس في الدنيا الأسخياء الأتقياء ، وفي الآخرة أهل الدين وأهل الفضل والعلم ; لأن العلماء ورثة الأنبياء .

وقال أيضا : إني لأستحي من الله عز وجل أن أرى الأخ من إخواني ، فأسأل الله له الجنة ، وأبخل عليه بالدنيا ، فإذا كان يوم القيامة قيل لي : لو كانت الجنة بيدك لكنت بها أبخل وأبخل وأبخل .

وذكروا أنه كان كثير البكاء ، فقيل له في ذلك فقال : إن يعقوب عليه [ ص: 488 ] السلام ، بكى حتى ابيضت عيناه على يوسف ، ولم يعلم أنه مات ، وإني رأيت بضعة عشر من أهل بيتي يذبحون في غداة واحدة ، أفترون حزنهم يذهب من قلبي أبدا؟!

وقال عبد الرزاق : سكبت جارية لعلي بن الحسين عليه ماء ليتوضأ ، فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه ، فرفع رأسه إليها ، فقالت الجارية : إن الله عز وجل يقول : والكاظمين الغيظ فقال : قد كظمت غيظي . قالت : والعافين عن الناس . فقال : قد عفا الله عنك . فقالت : والله يحب المحسنين ( آل عمران : 134 ) . قال : فاذهبي ، أنت حرة .

وقال الزبير بن بكار : ثنا عبد الله بن إبراهيم ، أبو قدامة الجمحي ، عن أبيه ، عن جده ، عن محمد بن علي ، عن أبيه قال : جلس إلي قوم من أهل العراق فذكروا أبا بكر وعمر ، فنالوا منهما ، ثم ابتدءوا في عثمان ، فقلت لهم : أخبروني ، أنتم من المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وإلى قوله : أولئك هم الصادقون ( الحشر : 8 ) ؟ قالوا : لا ، لسنا منهم . قلت : فأنتم من الذين قال الله عز وجل : والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم [ ص: 489 ] إلى قوله : فأولئك هم المفلحون ( الحشر : 9 ) . قالوا : لا ، لسنا منهم . قال : فقلت لهم : أما أنتم فقد تبرأتم وأقررتم وشهدتم أن تكونوا منهم ، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة ، الذين قال الله تعالى فيهم : والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ( الحشر : 10 ) قوموا عني ، لا بارك الله فيكم ، ولا قرب دوركم ، أنتم مستهزئون بالإسلام ، ولستم من أهله .

وجاء رجل فسأله : متى يبعث علي؟ فقال : يبعث والله يوم القيامة ، وتهمه نفسه .

وقال ابن أبي الدنيا : حدثت عن سعيد بن سليمان ، عن علي بن هاشم ، عن أبي حمزة الثمالي ، أن علي بن الحسين كان إذا خرج من بيته قال : اللهم إني أتصدق اليوم أو أهب عرضي اليوم من استحله .

وروى ابن أبي الدنيا أن غلاما سقط من يده سفود ، وهو يشوي شيئا في التنور على رأس صبي لعلي بن الحسين فقتله ، فنهض علي بن الحسين مسرعا ، فلما نظر إليه قال للغلام : يا بني ، إنك لم تتعمد أنت حر . ثم شرع في [ ص: 490 ] جهاز ابنه .

وقال المدائني : سمعت سفيان يقول : كان علي بن الحسين يقول : ما يسرني أن لي بنصيبي من الذل حمر النعم . ورواه الزبير بن بكار من غير وجه عنه .

ومات لرجل ولد مسرف على نفسه ، فجزع عليه من أجل إسرافه ، فقال له علي بن الحسين إن من وراء ابنك خلالا ثلاثا : شهادة أن لا إله إلا الله ، وشفاعة رسول الله ، ورحمة الله عز وجل .

وقال المدائني : قارف الزهري ذنبا ، فاستوحش منه ، وهام على وجهه ، وترك أهله وماله ، فلما اجتمع بعلي بن الحسين قال له : يا زهري ، قنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أعظم من ذنبك . فقال الزهري : الله أعلم حيث يجعل رسالته وفي رواية أنه كان أصاب دما خطأ ، فأمره علي بالتوبة والاستغفار ، وأن يبعث الدية إلى أهله . وكان الزهري يقول : علي بن الحسين أعظم الناس علي منة .

وقال سفيان بن عيينة : كان علي بن الحسين يقول : لا يقول رجل في [ ص: 491 ] رجل من الخير ما لا يعلم إلا أوشك أن يقول فيه من الشر ما لا يعلم ، وما اصطحب اثنان على معصية إلا أوشك أن يفترقا على غير طاعة الله .

وذكروا أنه زوج ابنة من مولى له ، وأعتق أمة فتزوجها ، فأرسل إليه عبد الملك يلومه في ذلك ، فكتب إليه لقد كان لكم في رسول الله أسوة وقد أعتق صفية فتزوجها ، وزوج مولاه زيد بن حارثة من ابنة عمته زينب بنت جحش .

قالوا : وكان يلبس في الشتاء خميصة من خز بخمسين دينارا ، فإذا جاء الصيف تصدق بها ، ويلبس في الصيف الثياب المرقعة ودونها ، ويتلو قوله تعالى : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ( الأعراف : 32 ) .

وقد روي من طرق ذكرها الصولي والجريري وغير واحد ، أن هشام بن عبد الملك حج في خلافة أبيه أو أخيه الوليد فطاف بالبيت ، فلما أراد أن يستلم الحجر لم يتمكن حتى نصب له منبر ، فاستلم وجلس عليه ، وقام أهل الشام حوله ، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين ، فلما دنا من الحجر; ليستلمه تنحى عنه الناس إجلالا له وهيبة واحتراما ، وهو في بزة حسنة ، وشكل مليح ، فقال أهل الشام لهشام : من هذا؟ فقال : لا أعرفه . لئلا يرغب فيه أهل الشام . فقال [ ص: 492 ] الفرزدق وكان حاضرا : أنا أعرفه . فقالوا : ومن هو؟ فأنشأ الفرزدق يقول :


هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم
هذا التقي النقي الطاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلها
إلى مكارم هذا ينتهي الكرم ينمى إلى ذروة العز التي قصرت
عن نيلها عرب الإسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته
ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم يغضي حياء ويغضى من مهابته
فما يكلم إلا حين يبتسم بكفه خيزران ريحها عبق
من كف أروع في عرنينه شمم مشتقة من رسول الله نبعته
طابت عناصرها والخيم والشيم ينجاب نور الهدى من نور غرته
كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم حمال أثقال أقوام إذا فدحوا
حلو الشمائل تحلو عنده نعم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله
بجده أنبياء الله قد ختموا الله فضله قدما وشرفه
جرى بذاك له في لوحه القلم من جده دان فضل الأنبياء له
وفضل أمته دانت لها الأمم عم البرية بالإحسان فانقشعت
عنها الغيابة والإملاق والظلم كلتا يديه غياث عم نفعهما
يستوكفان ولا يعروهما العدم سهل الخليقة لا تخشى بوادره
يزينه اثنان حسن الخلق والكرم لا يخلف الوعد ميمون نقيبته
رحب الفناء أريب حين يعتزم من معشر حبهم دين وبغضهم
كفر وقربهم منجى ومعتصم يستدفع السوء والبلوى بحبهم
ويسترب به الإحسان والنعم مقدم بعد ذكر الله ذكرهم
في كل حكم ومختوم به الكلم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم
أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم لا يستطيع جواد بعد غايتهم
ولا يدانيهم قوم وإن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت
والأسد أسد الشرى والبأس محتدم يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم
خيم كريم وأيد بالندى هضم لا ينقص العسر بسطا من أكفهم
سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا أي الخلائق ليست في رقابهم
لأولية هذا أو له نعم فليس قولك " من هذا؟ " بضائره
العرب تعرف من أنكرت والعجم من يعرف الله يعرف أولية ذا
فالدين من بيت هذا ناله الأمم
[ ص: 494 ] قال : فغضب هشام من ذلك ، وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة ، فلما بلغ ذلك علي بن الحسين بعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم ، وأرسل يعتذر إليه أن ليس عنده اليوم غيرها ، فردها الفرزدق ، وقال : إنما قلت ما قلت لله عز وجل ، ونصرة للحق ، وقياما بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذريته ، ولست أعتاض عن ذلك بشيء . فأرسل إليه علي بن الحسين يقول : قد علم الله صدق نيتك في ذلك ، وأقسمت لتقبلنها . فقبلها منه ثم جعل يهجو هشاما ، فكان مما قال فيه :


يحبسني بين المدينة والتي إليها قلوب الناس يهوي منيبها
يقلب رأسا لم يكن رأس سيد وعينين حولاوين باد عيوبها
وقد روينا عن علي بن الحسين أنه كان إذا مرت به الجنازة يقول :


نراع إذا الجنائز قابلتنا ونلهو حين تمضي ذاهبات
كروعة ثلة لمغار سبع فلما غاب عادت راتعات
وروى الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن عبد الله المقرئ ، حدثني سفيان بن عيينة ، عن الزهري قال : سمعت علي بن الحسين سيد العابدين [ ص: 495 ] يحاسب نفسه ، ويناجي ربه يقول :

يا نفس حتام إلى الدنيا غرورك ، وإلى عمارتها ركونك ، أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك ، ومن وارته الأرض من ألافك؟ ومن فجعت به من إخوانك ، ونقل إلى البلى من أقرانك؟


فهم في بطون الأرض بعد ظهورها محاسنهم فيها بوال دواثر
خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم وساقتهم نحو المنايا المقادر
وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها وضمتهم تحت التراب الحفائر
كم تخرمت أيدي المنون من قرون بعد قرون ، وكم غيرت الأرض ببلائها ، وغيبت في ثراها ممن عاشرت من صنوف الناس ، وشيعتهم إلى الأرماس ،


وأنت على الدنيا مكب منافس لخطابها فيها حريص مكاثر
على خطر تمسي وتصبح لاهيا أتدري بماذا لو عقلت تخاطر
وإن امرأ يسعى لدنياه دائبا ويذهل عن أخراه لا شك خاسر
فحتام على الدنيا إقبالك؟ وبشهواتك اشتغالك؟ وقد وخطك القتير ، [ ص: 496 ] وأتاك النذير ، وأنت عما يراد بك ساه ، وبلذة يومك لاه .


وفي ذكر هول الموت والقبر والبلى عن اللهو واللذات للمرء زاجر
أبعد اقتراب الأربعين تربص وشيب قذال منذر لك كاسر
كأنك معني بما هو صائر لنفسك عمدا أو عن الرشد جائر
انظر إلى الأمم الماضية ، والملوك الفانية كيف أفنتهم الأيام ووافاهم الحمام; فانمحت من الدنيا آثارهم ، وبقيت فيها أخبارهم .


وأضحوا رميما في التراب وعطلت مجالس منهم أقفرت ومقاصر
وحلوا بدار لا تزاور بينهم وأنى لسكان القبور تزاور
فما إن ترى إلا جثى قد ثووا بها مسطحة تسفي عليها الأعاصر
كم من ذي منعة وسلطان ، وجنود وأعوان ، تمكن من دنياه ، ونال فيها ما [ ص: 497 ] تمناه ، وبنى فيها القصور والدساكر ، وجمع الأعلاق ، والذخائر .
فما صرفت كف المنية إذ أتت مبادرة تهوي إليه الذخائر
ولا دفعت عنه الحصون التي بنى وحف بها أنهاره والدساكر
ولا قارعت عنه المنية حيلة ولا طمعت في الذب عنه العساكر
أتاه من الله ما لا يرد ، ونزل به من قضائه ما لا يصد ، فتعالى الله الملك الجبار ، المتكبر ، القهار قاصم الجبارين ، ومبيد المتكبرين .


مليك عزيز لا يرد قضاؤه حكيم عليم نافذ الأمر قاهر
عنا كل ذي عز لعزة وجهه فكل عزيز للمهيمن صاغر
لقد خضعت واستسلمت وتضاءلت لعزة ذي العرش الملوك الجبابر
فالبدار البدار ، والحذار الحذار من الدنيا ومكايدها ، وما نصبت لك من مصايدها ، وتحلت لك من زينتها ، وأظهرت لك من بهجتها .

[ ص: 498 ]
وفي دون ما عاينت من فجعاتها إلى رفضها داع وبالزهد آمر
فجد ولا تغفل فعيشك زائل وأنت إلى دار الإقامة صائر
ولا تطلب الدنيا فإن طلابها وإن نلت منها غبة لك ضائر
فهل يحرص عليها لبيب ، أو يسر بها أريب؟ وهو على ثقة من فنائها ، وغير طامع في بقائها ، أم كيف تنام عينا من يخشى البيات ، وتسكن نفس من يتوقع الممات .


ألا لا ولكنا نغر نفوسنا وتشغلنا اللذات عما نحاذر
وكيف يلذ العيش من هو موقن بموقف عدل يوم تبلى السرائر
كأنا نرى أن لا نشور وأننا سدى ما لنا بعد الممات مصائر
وما عسى أن ينال صاحب الدنيا من لذتها ، ويتمتع به من بهجتها ، مع صنوف عجائبها وكثرة تعبه في طلبها ، وما يكابد من أسقامها وأوصابها وآلامها؟


أما قد ترى في كل يوم وليلة يروح علينا صرفها ويباكر
؟ تعاورنا آفاتها وهمومها وكم قد ترى يبقى لها المتعاور
فلا هو مغبوط بدنياه آمن ولا هو عن تطلابها النفس قاصر
[ ص: 499 ] كم قد غرت الدنيا من مخلد إليها ، وصرعت من مكب عليها ، فلم تنعشه من عثرته ، ولم تقمه من صرعته ، ولم تشفه من ألمه ، ولم تبره من سقمه .
بلى أوردته بعد عز ومنعة موارد سوء ما لهن مصادر
فلما رأى أن لا نجاة وأنه هو الموت لا ينجيه منه التحاذر
تندم إذ لم تغن عنه ندامة عليه وأبكته الذنوب الكبائر
بكى على ما سلف من خطاياه ، وتحسر على ما خلف من دنياه ، حين لا ينفعه الاستغفار ، ولا ينجيه الاعتذار ، عند هول المنية ونزول البلية .


أحاطت به أحزانه وهمومه وأبلس لما أعجزته المعاذر
فليس له من كربة الموت فارج وليس له مما يحاذر ناصر
وقد جشأت خوف المنية نفسه ترددها منه اللها والحناجر
هنالك خف عواده ، وأسلمه أهله وأولاده ، وارتفعت الرنة بالعويل ، وقد أيسوا من العليل ، فغمضوا بأيديهم عينيه ، ومد عند خروج روحه رجليه .
فكم موجع يبكي عليه ومفجع ومستنجد صبرا وما هو صابر
ومسترجع داع له الله مخلصا يعدد منه خير ما هو ذاكر
وكم شامت مستبشر بوفاته وعما قليل كالذي صار صائر
[ ص: 500 ] فشق جيوبها نساؤه ، ولطم خدودها إماؤه ، وأعول لفقده جيرانه ، وتوجع لرزئه إخوانه ، ثم أقبلوا على جهازه ، وشمروا لإبرازه .


وظل أحب القوم كان لقربه يحث على تجهيزه ويبادر
وشمر من قد أحضروه لغسله ووجه لما قام للقبر حافر
وكفن في ثوبين واجتمعت له مشيعة إخوانه والعشائر


فلو رأيت الأصغر من أولاده ، وقد غلب الحزن على فؤاده ، وغشي من الجزع عليه ، وخضبت الدموع خديه ، وهو يندب أباه ويقول : يا ويلاه .


لعاينت من قبح المنية منظرا يهال لمرآه ويرتاع ناظر
أكابر أولاد يهيج اكتئابهم إذا ما تناساه البنون الأصاغر
ورنة نسوان عليه جوازع مدامعهم فوق الخدود غوازر
ثم أخرج من سعة قصره إلى ضيق قبره ، فلما استقر في اللحد وهى عليه [ ص: 501 ] اللبن ، وحثوا بأيديهم عليه التراب ، وأكثروا التلدد عليه والانتحاب ، ثم وقفوا ساعة عليه ، وأيسوا من النظر إليه .


فولوا عليه معولين وكلهم لمثل الذي لاقى أخوه محاذر
كشاء رتاع آمنين بدا لها بمديته بادي الذراعين حاسر
فريعت ولم ترتع قليلا وأجفلت فلما نأى عنها الذي هو جازر
عادت إلى مرعاها ، ونسيت ما في أختها دهاها ، أفبأفعال البهائم اقتدينا؟ أم على عادتها جرينا؟ عد إلى ذكر المنقول إلى دار البلى والثرى ، واعتبر بموضعه تحت الثرى ، المدفوع إلى هول ما ترى .


ثوى مفردا في لحده وتوزعت مواريثه أرحامه والأواصر
وأحنوا على أمواله يقسمونها فلا حامد منهم عليها وشاكر
فيا عامر الدنيا ويا ساعيا لها ويا آمنا من أن تدور الدوائر
كيف أمنت هذه الحالة وأنت صائر إليها لا محالة؟! أم كيف تتهنأ لحياتك ، وهي مطيتك إلى مماتك؟! أم كيف تسيغ طعامك وأنت منتظر حمامك؟! .

[ ص: 502 ]
ولم تتزود للرحيل وقد دنا وأنت على حال وشيكا مسافر
فيا لهف نفسي كم أسوف توبتي وعمري فان والردى لي ناظر
وكل الذي أسلفت في الصحف مثبت يجازي عليه عادل الحكم قادر
فكم ترقع بآخرتك دنياك؟ وتركب في ذلك هواك؟ أراك ضعيف اليقين ، يا مؤثر الدنيا على الدين ، أبهذا أمرك الرحمن؟ أم على هذا نزل القرآن؟


تخرب ما يبقى وتعمر فانيا فلا ذاك موفور ولا ذاك عامر
وهل لك إن وافاك حتفك بغتة ولم تكتسب خيرا لدى الله عاذر
أترضى بأن تفنى الحياة وتنقضي ودينك منقوص ومالك وافر
وقد اختلف أهل التاريخ في السنة التي توفي فيها علي بن الحسين زين العابدين; فالمشهور عن الجمهور أنه توفي في هذه السنة أعني سنة أربع وتسعين في أولها عن ثمان وخمسين سنة ، وصلي عليه بالبقيع ، ودفن به .

قال الفلاس : مات سعيد بن المسيب ، وعلي بن الحسين ، وعروة ، وأبو بكر بن عبد الرحمن سنة أربع وتسعين .

وقال بعضهم : توفي ثنتين - أو ثلاث - وتسعين .

[ ص: 503 ] وأغرب المدائني في قوله : إنه توفي سنة تسع وتسعين . والله أعلم .

وممن توفي فيها من الأعيان :

أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث

بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المدني ، أحد الفقهاء السبعة ، قيل : اسمه محمد . وقيل : اسمه أبو بكر ، وكنيته أبو عبد الرحمن . والصحيح أن اسمه وكنيته واحد ، وله من الأولاد والإخوة كثير ، وهو تابعي جليل ، روى عن عمار ، وأبي هريرة ، وأسماء بنت أبي بكر ، وعائشة ، وأم سلمة ، وغيرهم ، وعنه جماعة : منهم بنوه سلمة ، وعبد الله ، وعبد الملك ، وعمر ، ومولاه سمي ، وعامر الشعبي ، وعمر بن عبد العزيز ، وعمرو بن دينار ، ومجاهد ، والزهري .

ولد في خلافة عمر ، وكان يقال له : راهب قريش . لكثرة صلاته ، وكان مكفوفا ، وكان يصوم الدهر ، وكان من الثقة والأمانة والفقه وصحة الرواية على جانب عظيم .

وكان عبد الملك بن مروان يكرمه ويعرف فضله ، ويقول : إني أهم [ ص: 504 ] بالشيء أفعله بأهل المدينة; لسوء أثرهم عندنا ، فأذكر أبا بكر بن عبد الرحمن فأستحي منه ، وأترك ذلك الأمر من أجله . وله مناقب كثيرة .

قال أبو داود : وكان قد كف ، وكان إذا سجد يضع يده في طست; لعلة كان يجدها . والصحيح أنه مات في هذه السنة . وقيل : في التي قبلها . وقيل : في التي بعدها . والله أعلم . ========== ثم دخلت سنة خمس وتسعين

فيها غزا العباس بن الوليد بلاد الروم ، وافتتح حصونا كثيرة .

وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك مدينة الباب من إرمينية ، وخربها ، ثم بناها مسلمة بعد ذلك بتسع سنين .

وفيها افتتح محمد بن القاسم الثقفي مدينة المولتان من أرض الهند ، وأخذ منها أموالا جزيلة .

وفيها قدم موسى بن نصير من بلاد الأندلس إلى إفريقية ، ومعه الأموال على العجل تحمل من كثرتها ، ومعه ثلاثون ألف رأس من السبي .

وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الشاش ففتح مدنا وأقاليم كثيرة ، فلما كان هناك جاءه الخبر بموت الحجاج بن يوسف ، فقمعه ذلك ، ورجع بالناس إلى مدينة مرو ، وتمثل بقول بعض الشعراء :


لعمري لنعم المرء من آل جعفر بحوران أمسى أعلقته الحبائل فإن تحي لا أملل حياتي وإن تمت
فما في حياتي بعد موتك طائل
[ ص: 506 ] وفيها كتب الوليد إلى قتيبة بأن يستمر على ما هو عليه من مناجزة الأعداء ، ويعده على ذلك ، ويجزيه خيرا ، ويثني عليه بما صنع من الجهاد ، وفتح البلاد ، وقتال أهل الكفر والعناد ، وقد كان الحجاج استخلف على الصلاة ابنه عبد الله ، فولى الوليد الصلاة والحرب بالمصرين الكوفة والبصرة يزيد بن أبي كبشة ، وولى خراجهما يزيد بن مسلم ، وقيل : إن الحجاج كان يستخلفهما على ذلك ، فأقرهما الوليد . واستمر سائر نواب الحجاج على ما كانوا عليه ، وكانت وفاة الحجاج لخمس ، وقيل : لثلاث بقين من رمضان . وقيل : مات في شوال من هذه السنة .

وحج بالناس فيها بشر بن الوليد بن عبد الملك ، قاله أبو معشر والواقدي .

وفيها قتل الوضاحي بأرض الروم ، ومعه ألف من أصحابه .

وفي هذه السنة كان مولد أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس .
========== وهذه ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته

هو الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف وهو قسي بن منبه بن بكر بن هوازن أبو محمد الثقفي ، سمع ابن عباس ، وروى عن أنس ، وسمرة بن جندب ، وعبد الملك بن مروان ، وأبي بردة بن أبي موسى . وروى عنه أنس بن مالك ، وثابت البناني ، وحميد الطويل ، ومالك بن دينار ، وجراد بن مجالد ، وقتيبة بن مسلم ، وسعيد بن أبي عروبة ، قاله ابن عساكر .

قال : وكانت له بدمشق آدر منها دار الزاوية بقرب قصر ابن أبي الحديد ، وولاه عبد الملك الحجاز ، فقتل ابن الزبير ، ثم عزله عنها وولاه العراق ، وقدم دمشق وافدا على عبد الملك .

ثم روى من طريق المغيرة بن مسلم ، حدثنا سالم بن قتيبة بن مسلم ، سمعت أبي يقول : خطبنا الحجاج بن يوسف ، فذكر [ ص: 508 ] القبر ، فما زال يقول : إنه بيت الوحدة ، وبيت الغربة . حتى بكى وبكى من حوله ، ثم قال : سمعت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان يقول : سمعت مروان يقول في خطبته : خطبنا عثمان بن عفان ، فقال في خطبته : ما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر أو ذكره إلا بكى . وهذا الحديث له شاهد في " سنن أبي داود " وغيره ، وساق من طريق أحمد بن عبد الجبار : ثنا سيار ، عن جعفر ، عن مالك بن دينار قال : دخلت يوما على الحجاج ، فقال لي : يا أبا يحيى ، ألا أحدثك بحديث حسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت : بلى . فقال : حدثني أبو بردة ، عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كانت له إلى الله حاجة فليدع بها في دبر صلاة مفروضة وهذا الحديث له شاهد عن فضالة بن عبيد وغيره في السنن والمسانيد ، والله أعلم .

قال الشافعي : سمعت من يذكر أن المغيرة بن شعبة دخل على امرأته وهي تتخلل أي تخلل أسنانها ليخرج ما بينها من أذى وكان ذلك في أول النهار ، فقال : والله لئن كنت باكرت الغذاء إنك لرغيبة دنية ، وإن كان الذي [ ص: 509 ] تخللين منه شيء بقي في فيك من البارحة إنك لقذرة . فطلقها ، فقالت : والله ما كان شيء مما ذكرت ، ولكنني باكرت ما تباكره الحرة من السواك ، فبقيت شظية في فمي منه فحاولتها لأخرجها . فقال المغيرة ليوسف أبي الحجاج : تزوجها ، فإنها لخليقة أن تأتي برجل يسود . فتزوجها يوسف أبو الحجاج . قال الشافعي : فأخبرت أن أبا الحجاج لما بنى بها واقعها فنام ، فقيل له في النوم : ما أسرع ما ألقحت بالمبير .

قال ابن خلكان : واسم أمه الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي ، وكان زوجها الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب . وذكر عنه هذه الحكاية في السواك . وذكر صاحب " العقد " أن الحجاج كان هو وأبوه يعلمان الغلمان بالطائف ، ثم قدم دمشق فكان عند روح بن زنباع وزير عبد الملك ، فشكا عبد الملك إلى روح أن الجيش لا ينزلون لنزوله ولا يرحلون لرحيله ، فقال روح : عندي رجل توليه ذلك . فولى عبد الملك الحجاج أمر الجيش ، فكان لا يتأخر أحد في النزول والرحيل ، حتى اجتاز إلى فسطاط روح بن زنباع وهم يأكلون ، فضربهم وطوف بهم ، وأحرق الفسطاط ، فشكا روح ذلك إلى عبد الملك ، فقال للحجاج : لم صنعت هذا؟ فقال : لم أفعله ، إنما فعله أنت; فإن يدي يدك وسوطي سوطك ، وما ضرك إذا أعطيت روحا فسطاطين بدل فسطاطه ، وبدل الغلام غلامين ، ولا تكسرني في الذي وليتني؟ ففعل ذلك ، وتقدم الحجاج عنده .

قال : وبنى واسط في سنة أربع وثمانين ، وفرغ منها في سنة ست [ ص: 510 ] وثمانين . وقيل قبل ذلك . قال : وفي أيامه نقطت المصاحف . وذكر في حكايته ما يدل على أنه كان أولا يسمى كليبا ، ثم سمي الحجاج . وذكر أنه ولد ولا مخرج له حتى فتق له مخرج ، وأنه لم يرتضع أياما حتى سقوه دم جدي أياما ، ثم دم سالخ ، ولطخ وجهه بدمه فارتضع ، وكانت فيه شهامة وحب لسفك الدماء; لأنه أول ما ارتضع ذلك الدم الذي لطخ به وجهه .

ويقال : إن أمه هي المتمنية لنصر بن حجاج بن علاط . وقيل : إنها أم أبيه . والله أعلم .

وكانت فيه شهامة عظيمة ، وفي سيفه رهق ، وكان كثير قتل النفوس التي حرمها الله بأدنى شبهة ، وكان يغضب غضب الملوك ، وكان فيما يزعم يتشبه بزياد بن أبيه ، وكان زياد يتشبه بعمر بن الخطاب ، فيما يزعم أيضا . ولا سواء ولا قريب .

وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة سليم بن عتر التجيبي قاضي مصر ، وكان من كبار التابعين ، وكان ممن شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية ، وكان من الزهادة والعبادة على جانب عظيم ، وكان يختم القرآن في كل ليلة ثلاث ختمات في الصلاة وغيرها .

والمقصود أن الحجاج كان مع أبيه بمصر في جامعها ، فاجتاز بهما سليم بن عتر هذا ، فنهض إليه أبو الحجاج فسلم [ ص: 511 ] عليه ، وقال له : إني ذاهب إلى أمير المؤمنين ، فهل من حاجة لك عنده؟ قال : نعم ، تسأله أن يعزلني عن القضاء . فقال : سبحان الله! والله لا أعلم قاضيا اليوم خيرا منك . ثم رجع إلى ابنه الحجاج ، فقال له ابنه : يا أبه ، أتقوم إلى رجل من تجيب وأنت ثقفي ؟ فقال له : يا بني والله إني لأحسب أن الناس إنما يرحمون بهذا وأمثاله . فقال الحجاج : والله ما على أمير المؤمنين أضر من هذا وأمثاله . فقال : ولم يا بني؟ قال : لأن هذا وأمثاله يجتمع الناس إليهم فيحدثونهم عن سيرة أبي بكر وعمر ، فيحقر الناس سيرة أمير المؤمنين ولا يرونها شيئا عند سيرتهما ، فيخلعونه ويخرجون عليه ، ويبغضونه ولا يرون طاعته ، والله لو خلص إلي من الأمر شيء لأضربن عنق هذا وأمثاله . فقال له أبوه : يا بني ، والله إني لأظن أن الله عز وجل خلقك شقيا . وهذا يدل على أن أباه كان ذا وجاهة عند الخليفة ، وأنه كان ذا فراسة صحيحة; فإنه تفرس في ابنه ما آل إليه أمره بعد ذلك .

قالوا : وكان مولد الحجاج في سنة تسع وثلاثين . وقيل : في سنة أربعين . وقيل : في سنة إحدى وأربعين . ثم نشأ شابا لبيبا فصيحا بليغا حافظا للقرآن ، قال بعض السلف : كان الحجاج يقرأ القرآن في كل ليلة . وقال أبو العلاء : ما رأيت أفصح منه ومن الحسن البصري . وكان الحسن أفصح منه .

وقال الدارقطني : ذكر سليمان بن أبي شيخ ، عن صالح بن سليمان قال : [ ص: 512 ] قال عتبة بن عمرو : ما رأيت عقول الناس إلا قريبا بعضها من بعض ، إلا الحجاج وإياس بن معاوية ، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس .

وتقدم أن عبد الملك لما قتل مصعب بن الزبير سنة ثلاث وسبعين بعث الحجاج إلى أخيه عبد الله بمكة فحاصره بها ، وأقام للناس الحج عامئذ ، ولم يتمكن الحجاج ومن معه من الطواف بالبيت ، ولا تمكن ابن الزبير ومن عنده من الوقوف بعرفة ، ولم يزل محاصره حتى ظفر به في جمادى سنة ثلاث وسبعين ، ثم استنابه عبد الملك على مكة والمدينة والطائف واليمن ، ثم ولاه عبد الملك العراق بعد موت أخيه بشر ، فدخل الكوفة كما ذكرنا ، وقال لهم وفعل بهم ما تقدم إيراده مفصلا ، فأقام بين ظهرانيهم عشرين سنة كاملة . وفتح فيها فتوحات كثيرة هائلة منتشرة ، حتى وصلت خيوله إلى بلاد الهند والسند ، ففتح فيها جملة مدن وأقاليم ، ووصلت خيوله أيضا إلى قريب من بلاد الصين ، وجرت له فصول قد ذكرناها . ونحن نورد هنا أشياء أخر مما وقع له من الأمور والجراءة والإقدام ، والتهور في الأمور العظام ، مما يمدح على مثله ، ومما يذم بقوله وفعله ، مما ساقه الحافظ ابن عساكر وغيره :

فروى أبو بكر بن أبي خيثمة ، عن يحيى بن أيوب ، عن عبد الله بن [ ص: 513 ] كثير ابن أخي إسماعيل بن جعفر المديني ما معناه أن الحجاج بن يوسف صلى مرة بجنب سعيد بن المسيب وذلك قبل أن يلي شيئا فجعل يرفع قبل الإمام ويقع قبله في السجود ، فلما سلم أخذ سعيد بطرف ردائه وكان له ذكر يقوله بعد الصلاة فما زال الحجاج ينازعه رداءه حتى قضى سعيد ذكره ، ثم أقبل عليه سعيد فقال له : يا سارق يا خائن ، تصلي هذه الصلاة! لقد هممت أن أضرب بهذا النعل وجهك . فلم يرد عليه ، ثم مضى الحجاج إلى الحج ، ثم رجع فعاد إلى الشام ، ثم جاء نائبا على الحجاز ، فلما قتل ابن الزبير كر راجعا إلى المدينة نائبا عليها ، فلما دخل المسجد إذا مجلس سعيد بن المسيب فقصده الحجاج فخشي الناس على سعيد منه ، فجاء حتى جلس بين يديه ، فقال له : أنت صاحب الكلمات؟ فضرب سعيد صدره بيده وقال : نعم . قال : فجزاك الله من معلم ومؤدب خيرا ، ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا أذكر قولك . ثم قام ومضى .

وروى الرياشي ، عن الأصمعي وأبي زيد ، عن معاذ بن العلاء أخي أبي عمرو بن العلاء قال : لما قتل الحجاج ابن الزبير ارتجت مكة بالبكاء ، فأمر بالناس فجمعوا في المسجد ، ثم صعد المنبر ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه : يا أهل مكة ، بلغني إكباركم قتل ابن الزبير ، ألا وإن ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة ، حتى رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها ، فنزع طاعة الله واستكن بحرم الله ، ولو كان شيء مانع العصاة لمنعت آدم حرمة الله; إن الله خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته وأباح له كرامته ، وأسكنه جنته ، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته ، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير ، والجنة أعظم حرمة [ ص: 514 ] من الكعبة ، اذكروا الله يذكركم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن يوسف ، ثنا عوف ، عن أبي الصديق الناجي ، أن الحجاج دخل على أسماء بنت أبي بكر بعدما قتل ابنها عبد الله فقال : إن ابنك ألحد في هذا البيت ، وإن الله أذاقه من عذاب أليم ، وفعل به وفعل . فقالت : كذبت ، كان برا بوالديه ، صواما قواما ، والله لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخرج من ثقيف كذابان; الآخر منهما شر من الأول ، وهو مبير .

ورواه أبو يعلى ، عن وهب بن بقية ، عن خالد ، عن عوف ، عن أبي الصديق . قال : بلغني أن الحجاج دخل على أسماء . . . فذكر مثله .

وقال أبو يعلى : ثنا زهير ، ثنا جرير ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن قيس بن الأحنف ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة ، وسمعته يقول : يخرج من ثقيف رجلان كذاب ومبير . قالت : فقلت للحجاج : أما الكذاب فقد رأيناه ، وأما المبير فأنت هو يا حجاج .

وقال عبد بن حميد : أنبأ يزيد بن هارون ، أنبأ العوام بن حوشب ، حدثني من سمع أسماء بنت أبي بكر الصديق تقول للحجاج حين دخل عليها [ ص: 515 ] يعزيها في ابنها : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يخرج من ثقيف رجلان مبير وكذاب . فأما الكذاب فابن أبي عبيد تعني المختار وأما المبير فأنت . وتقدم في " صحيح مسلم " من وجه آخر أوردناه عند مقتل ابنها عبد الله ، وقد رواه غير أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم . فقال أبو يعلى : ثنا أحمد بن عمر الوكيعي ، ثنا وكيع ، حدثتنا أم غراب ، عن امرأة يقال لها : عقيلة . عن سلامة بنت الحر قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : في ثقيف كذاب ومبير . تفرد به أبو يعلى .

وقد روى الإمام أحمد ، عن وكيع ، عن أم غراب واسمها طلحة عن عقيلة ، عن سلامة حديثا آخر في الصلاة . وأخرجه أبو داود وابن ماجه . وروي من حديث ابن عمر ، فقال أبو يعلى : ثنا أمية بن بسطام ، ثنا يزيد بن زريع ، ثنا إسرائيل ، ثنا عبد الله بن عصمة ، قال : سمعت ابن عمر ، أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في ثقيف مبيرا وكذابا . وأخرجه الترمذي من حديث شريك ، عن عبد الله بن عصم ويقال : عصمة وقال : حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث شريك .

[ ص: 516 ] وقال الشافعي : أنبأ مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، عن نافع أن ابن عمر اعتزل ليالي قتال ابن الزبير والحجاج بمنى ، فكان يصلي مع الحجاج . وقال الثوري ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر أنه دخل على الحجاج فلم يسلم عليه ولم يكن يصلي وراءه . وقال إسحاق بن راهويه : أنبأ جرير ، عن القعقاع بن الصلت قال : خطب الحجاج ، فقال : إن ابن الزبير غير كتاب الله . فقال ابن عمر : ما سلطه الله على ذلك ، ولا أنت معه ولو شئت أن أقول : كذبت ، لفعلت .

وروي عن شهر بن حوشب وغيره أن الحجاج أطال الخطبة ، فجعل ابن عمر يقول : الصلاة الصلاة ، مرارا ، ثم قام فأقام الصلاة فقام الناس ، فصلى الحجاج بالناس ، فلما انصرف قال لابن عمر : ما حملك على ذلك؟ فقال : إنما نجيء للصلاة ، فصل الصلاة لوقتها ، ثم بقبق ما شئت بعد من بقبقة .

وقال الأصمعي : سمعت عمي يقول : بلغني أن الحجاج لما فرغ من ابن الزبير وقدم إلى المدينة لقي شيخا خارجا من المدينة فسأله عن حال أهل المدينة فقال : بشر حال; قتل ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال الحجاج : ومن قتله؟ قال : الفاجر اللعين الحجاج عليه لعائن الله وتهلكته; من [ ص: 517 ] قليل المراقبة لله . فغضب الحجاج غضبا شديدا ، ثم قال : أيها الشيخ ، أتعرف الحجاج إذا رأيته؟ قال : نعم . فلا عرفه الله خيرا ، ولا وقاه ضرا . فكشف الحجاج عن لثامه ، وقال : ستعلم أيها الشيخ الآن إذا سال دمك الساعة . فلما تحقق الشيخ الجد ، قال : والله إن هذا لهو العجب يا حجاج ، لو كنت تعرفني ما قلت هذه المقالة ، أنا العباس بن أبي داود ، أصرع كل يوم خمس مرات ، فقال الحجاج : انطلق ، فلا شفى الله الأبعد من جنونه ولا عافاه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، ثنا حماد بن سلمة ، عن ابن أبي رافع ، عن عبد الله بن جعفر أنه زوج ابنته من الحجاج بن يوسف ، فقال لها : إذا دخل بك فقولي : لا إله إلا الله الحليم الكريم ، سبحان الله رب العرش العظيم ، الحمد لله رب العالمين . وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر قال هذا . قال حماد : فظننت أنه قال : فلم يصل إليها .

قال الشافعي : لما تزوج الحجاج بنت عبد الله بن جعفر ، قال خالد بن يزيد بن معاوية لعبد الملك بن مروان : أتمكنه من ذلك؟ فقال : وما بأس بذلك؟ قال : أشد البأس والله . قال : كيف؟ قال : والله يا أمير المؤمنين لقد ذهب ما في صدري على آل الزبير منذ تزوجت رملة بنت الزبير . قال : فكأنه كان نائما فأيقظه ، فكتب إلى الحجاج يعزم عليه في طلاقها فطلقها .

وقال سعيد بن أبي عروبة : حج الحجاج مرة ، فمر بين مكة والمدينة ، فأتي [ ص: 518 ] بغدائه فقال لحاجبه : انظر من يأكل معي . فذهب فإذا أعرابي نائم فضربه برجله ، وقال : أجب الأمير . فقام ، فلما دخل على الحجاج قال له : اغسل يديك ثم تغد معي . فقال : إنه دعاني من هو خير منك فأجبته . قال : ومن هو؟ قال : الله دعاني إلى الصوم فأجبته . قال : في هذا الحر الشديد؟ قال : نعم صمت ليوم هو أشد حرا منه . قال : فأفطر وصم غدا . قال : إن ضمنت لي البقاء إلى غد . قال : ليس ذلك إلي . قال : فكيف تسألني عاجلا بآجل لا تقدر عليه؟ قال : إن طعامنا طعام طيب . قال : لم تطيبه أنت ولا الطباخ ، إنما طيبته العافية . ==========فصل ( كيفية دخول الحجاج الكوفة في سنة خمس وسبعين )

قد ذكرنا كيفية دخول الحجاج الكوفة في سنة خمس وسبعين ، وخطبته إياهم بغتة ، وتهديده ووعيده إياهم ، وأنهم خافوه مخافة شديدة ، وأنه قتل عمير بن ضابئ ، وكذلك قتل كميل بن زياد صبرا أيضا ، ثم كان من أمره في قتال ابن الأشعث ما قدمنا ذكره; من ظفره به بعد المطاولة والمقاتلة ، وتسلطه على من كان معه من الرؤساء والأمراء والعباد والقراء ، حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير ، قال القاضي المعافى بن زكريا : ثنا أحمد بن محمد بن سعيد الكلبي ، ثنا محمد بن زكريا [ ص: 519 ] الغلابي ، ثنا محمد يعني ابن عبيد الله بن عباس عن عطاء يعني ابن مصعب عن عاصم قال : خطب الحجاج أهل العراق بعد دير الجماجم فقال : يا أهل العراق ، إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم والعصب والمسامع والأطراف ثم أفضى إلى الأسماخ والأمخاخ والأشباح والأرواح ، ثم ارتفع فعشش ، ثم باض وفرخ ، ثم دب ودرج ، فحشاكم نفاقا وشقاقا ، وأشعركم خلافا ، اتخذتموه دليلا تتبعونه ، وقائدا تطيعونه ، ومؤامرا تشاورونه وتستأمرونه ، فكيف تنفعكم تجربة أو ينفعكم بيان؟ ألستم أصحابي بالأهواز حيث رمتم المكر وأجمعتم على الكفر ، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته؟ وأنا أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لواذا ، وتنهزمون سراعا . يوم الزاوية وما يوم الزاوية؟ مما كان من فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم ونكوس قلوبكم; إذ وليتم كالإبل الشاردة عن أوطانها النوازع ، لا يسأل المرء عن أخيه ، ولا يلوي الشيخ على بنيه حين عضكم السلاح ونخستكم الرماح . يوم دير الجماجم وما يوم دير الجماجم ! بها كانت المعارك والملاحم ، بضرب يزيل الهام عن مقيله ، ويذهل الخليل عن خليله ، [ ص: 520 ] يا أهل العراق ، يا أهل الكفرات بعد الفجرات ، والغدرات بعد الخترات ، والنزوة بعد النزوات ، إن بعثناكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم ، وإن أمنتم أرجفتم ، وإن خفتم نافقتم ، لا تذكرون نعمة ولا تشكرون معروفا ، هل استخفكم ناكث أو استغواكم غاو ، أو استنقذكم عاص ، أو استنصركم ظالم ، أو استعضدكم خالع إلا لبيتم دعوته ، وأجبتم صيحته ، ونفرتم إليه خفافا وثقالا ، وفرسانا ورجالا؟ يا أهل العراق ، هل شغب شاغب أو نعب ناعب ، أو زفر زافر إلا كنتم أتباعه وأنصاره؟ يا أهل العراق ، ألم تنفعكم المواعظ؟ ألم تزجركم الوقائع؟ ألم يشدد الله عليكم وطأته ، ويذقكم حر سيفه ، وأليم بأسه ومثلاته؟

ثم التفت إلى أهل الشام فقال : يا أهل الشام ، إنما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ، ينفي عنها القذر ، ويباعد عنها الحجر ، ويكنها من المطر ، ويحميها من الضباب ، ويحرسها من الذباب ، يا أهل الشام ، أنتم [ ص: 521 ] الجنة والرداء ، وأنتم الملاءة والحذاء ، أنتم الأولياء والأنصار ، والشعار والدثار ، بكم يذب عن البيعة والحوزة ، وبكم ترمى كتائب الأعداء ، ويهزم من عاند وتولى .

قال ابن أبي الدنيا : حدثني محمد بن أبي الحسين ، حدثنا عبيد الله بن محمد التميمي ، سمعت شيخا من قريش يكنى أبا بكر التيمي ، قال : كان الحجاج يقول في خطبته وكان لسنا : إن الله خلق آدم وذريته من الأرض فأمشاهم على ظهرها ، فأكلوا ثمارها ، وشربوا أنهارها ، وهتكوها بالمساحي والمرور ، ثم أدال الله الأرض منهم فردهم إليها ، فأكلت لحومهم كما أكلوا ثمارها ، وشربت دماءهم كما شربوا أنهارها ، وقطعتهم في جوفها ، وفرقت أوصالهم كما هتكوها بالمساحي والمرور .

ومما رواه غير واحد عن الحجاج أنه قال في خطبته في المواعظ : أيها الرجل ، وكلكم ذلك الرجل ، رجل خطم نفسه وزمها فقادها بخطامها إلى طاعة الله ، وكفها بزمامها عن معاصي الله ، رحم الله امرأ رد نفسه ، امرأ اتهم نفسه ، امرأ [ ص: 522 ] اتخذ نفسه عدوه ، امرأ حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره ، امرأ نظر إلى ميزانه ، امرأ نظر إلى حسابه ، امرأ وزن عمله ، امرأ فكر فيما يقرأ غدا في صحيفته ، ويراه في ميزانه ، وكان عند قلبه زاجرا ، وعند همه آمرا ، امرأ أخذ بعنان عمله كما يأخذ بعنان جمله ، فإن قاده إلى طاعة الله تبعه وإن قاده إلى معصية الله كف ، امرأ عقل عن الله أمره ، امرأ فاق واستفاق وأبغض المعاصي والنفاق ، وكان إلى ما عند الله بالأشواق .

فما زال يقول امرأ امرأ . حتى بكى مالك بن دينار .

وقال المدائني ، عن عوانة بن الحكم قال : قال الشعبي : سمعت الحجاج تكلم بكلام ما سبقه إليه أحد; يقول : أما بعد ، فإن الله تعالى كتب على الدنيا الفناء ، وعلى الآخرة البقاء ، فلا فناء لما كتب عليه البقاء ، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء ، فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة ، واقهروا طول الأمل بقصر الأجل .

وقال المدائني ، عن أبي عبد الله الثقفي ، عن عمه قال : سمعت الحسن البصري يقول : وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج ، سمعته يقول على هذه الأعواد : إن امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحري أن تطول عليها حسرته إلى يوم القيامة .

وقال شريك القاضي ، عن عبد الملك بن عمير قال : قال الحجاج يوما : من كان له بلاء أعطيناه على قدره . فقام رجل فقال : أعطني فإني قتلت [ ص: 523 ] الحسين . فقال : وكيف قتلته؟ قال : دسرته بالرمح دسرا ، وهبرته بالسيف هبرا ، وما أشركت معي في قتله أحدا . فقال : اذهب ، فوالله لا تجتمع أنت وهو في موضع واحد . ولم يعطه شيئا .

وقال الهيثم بن عدي : جاء رجل إلى الحجاج فقال : إن أخي خرج مع ابن الأشعث ، فضرب على اسمي في الديوان ، ومنعت العطاء ، وقد هدمت داري . فقال الحجاج : أما سمعت قول الشاعر :


جانيك من يجني عليك وقد تعدي الصحاح مبارك الجرب ولرب مأخوذ بذنب قريبه
ونجا المقارف صاحب الذنب
فقال الرجل : أيها الأمير ، إني سمعت الله يقول غير هذا ، وقول الله أصدق من هذا . قال : وما قال؟ قال : قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون [ يوسف : 78 ، 79 ] . قال : يا غلام ، أعد اسمه في الديوان ، وابن داره ، وأعطه عطاءه ، ومر مناديا ينادي : صدق الله وكذب الشاعر .

وقال الهيثم بن عدي ، عن ابن عياش : كتب عبد الملك إلى الحجاج أن [ ص: 524 ] ابعث إلي برأس أسلم بن عبد البكري; لما بلغني عنه . فأحضره الحجاج ، فقال : أيها الأمير ، أنت الشاهد وأمير المؤمنين الغائب ، وقال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ( الحجرات : 6 ) وما بلغه عني فباطل ، وإني أعول أربعة وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري ، وهن بالباب . فأمر الحجاج بإحضارهن ، فلما حضرن جعلت هذه تقول : أنا خالته . وهذه : أنا عمته . وهذه : أنا أخته . وهذه : أنا ابنته . وهذه : أنا زوجته . وتقدمت إليه جارية فوق الثماني ودون العشرة ، فقال لها الحجاج : من أنت؟ فقالت : أنا ابنته . ثم قالت : أصلح الله الأمير ، وجثت على ركبتيها ، وقالت :


أحجاج لم تشهد مقام بناته وعماته يندبنه الليل أجمعا
أحجاج كم تقتل به إن قتلته ثمانا وعشرا واثنتين وأربعا
أحجاج من هذا يقوم مقامه علينا فمهلا أن تزدنا تضعضعا
أحجاج إما أن تجود بنعمة علينا وإما أن تقتلنا معا
قال : فبكى الحجاج ، وقال : والله لا أعنت عليكن ، ولا زدتكن تضعضعا ، ثم كتب إلى عبد الملك بما قال الرجل ، وبما قالت ابنته هذه ، فكتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بإطلاقه وحسن صلته ، وبالإحسان إلى هذه الجارية ، وتفقدها في كل وقت .

وقيل : إن الحجاج خطب يوما فقال : أيها الناس ، الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله . فقام إليه رجل فقال له : ويحك يا حجاج ، ما أصفق وجهك ، وأقل حياءك ، تفعل ما تفعل وتقول مثل هذا [ ص: 525 ] الكلام؟ خبت وضل سعيك . فقال للحرس : خذوه . فلما فرغ من خطبته قال له : ما الذي جرأك علي؟ فقال : ويحك يا حجاج أنت تجترئ على الله ولا أجترئ أنا عليك! ومن أنت حتى لا أجترئ عليك ، وأنت تجترئ على الله رب العالمين؟ فقال : خلوا سبيله . فأطلق .

وقال المدائني : أتي الحجاج بأسيرين من أصحاب ابن الأشعث ، فأمر بقتلهما ، فقال أحدهما : إن لي عندك يدا . قال : وما هي؟ قال : ذكر ابن الأشعث يوما أمك ، فرددت عليه . فقال : ومن يشهد لك؟ قال : صاحبي هذا . فسأله ، فقال : نعم . فقال : ما منعك أن تفعل كما فعل؟ قال : بغضك . قال : أطلقوا هذا لصدقه ، وهذا لفعله ، فأطلقوهما .

وحكى الواقدي أن الحجاج نادى في البلد; أن من خرج بعد العشاء الآخرة من بيته قتل ، فأتي ليلة برجل ، فقال : ما أخرجك من بيتك هذه الساعة من بعد ما سمعت المنادي؟ فقال : أما والله إني لا أكذب الأمير ، إن أمي مريضة هالكة ، وأنا عندها منذ ثلاثة أيام ، فلما كان الساعة أفاقت ، وقالت : يا بني إني أعزم عليك بحقي عليك إلا مضيت إلى أهلك وأولادك ، فإنهم مغمومون بتخلفك عنهم . فخرجت من عندها ، فأخذني العسس وأتوا بي إليك . فقال الحجاج : ننهاكم وتعصوننا . ثم أمر فضربت عنقه . قال : ثم أتي بآخر ، فقال له الحجاج : ما أخرجك هذه الساعة؟ فقال : والله ما أكذبك ، إنه كان عندي [ ص: 526 ] لرجل دراهم فأقعدني على بابه ولزمني ، وقال : لا أفارقك إلا بحقي . فلما كان هذه الساعة دخل إلى منزله ، وأغلق بابه ، وتركني على بابه ، فجاءني طائفك فأخذني إليك . فقال الحجاج : اضربوا عنقه . قال : ثم أتي بآخر ، فقال له : ما أخرجك هذه الساعة؟ فقال : كنت أشرب مع قوم ، فلما سكرت خرجت من عندهم وأنا لا أدري ، فأخذوني إليك . فقال الحجاج لرجل كان عنده : ما أراه إلا صادقا . ثم قال : خلوا سبيله . فخلوا سبيله .

وذكر محمد بن زياد بن الأعرابي فيما بلغه أنه كان رجل من بني حنيفة يقال له : جحدر بن مالك . وكان فاتكا بأرض اليمامة ، فأرسل الحجاج إلى نائبها يؤنبه ويلومه على عدم أخذه ، فما زال نائبها في طلبه حتى أسره ، وبعث به إلى الحجاج ، فقال له الحجاج : ما حملك على ما كنت تصنعه؟ فقال : جراءة الجنان ، وجفاء السلطان ، وكلب الزمان ، ولو اختبرني الأمير لوجدني من صالح الأعوان ، وبهم الفرسان ، ولوجدني من أصلح رعيته ، وذلك أني ما لقيت فارسا قط إلا كنت عليه في نفسي مقتدرا . فقال له الحجاج : إنا قاذفوك في حائر فيه أسد عاقر ، فإن قتلك كفانا مؤنتك ، وإن قتلته [ ص: 527 ] خلينا سبيلك . ثم أودعه السجن مقيدا مغلولة يده اليمنى إلى عنقه ، وكتب الحجاج إلى نائبه بكسكر أن يبعث إليه بأسد عظيم ضار ، وقد قال جحدر هذا في محبسه هذا أشعارا يتحزن فيها على امرأته سليمى أم عمرو ، يقول في بعضها :


أليس الليل يجمع أم عمرو وإيانا فذاك بنا تداني
بلى ونرى الهلال كما تراه ويعلوها النهار إذا علاني
إذا جاوزتما نخلات حجر وأودية اليمامة فانعياني
وقولا جحدر أمسى رهينا يحاذر وقع مصقول يماني
فلما قدم الأسد على الحجاج أمر به فجوع ثلاثة أيام ، ثم أبرز إلى حائر وهو البستان وأمر بجحدر ، فأخرج في قيوده ويده اليمنى مغلولة بحالها ، وأعطي سيفا في يده اليسرى ، وخلي بينه وبين الأسد ، وجلس الحجاج وأصحابه في منظرة ، وأقبل جحدر نحو الأسد ، وهو يقول :


ليث وليث في مجال ضنك كلاهما ذو أنف ومحك
وشدة في نفسه وفتك إن يكشف الله قناع الشك

فهو أحق منزل بترك
فلما نظر إليه الأسد زأر زأرة شديدة ، وتمطى وأقبل نحوه ، فلما صار منه على قدر رمح وثب الأسد علىجحدر وثبة شديدة ، فتلقاه جحدر بالسيف ، فضربه ضربة حتى خالط ذباب السيف لهواته ، فخر الأسد كأنه خيمة قد [ ص: 528 ] صرعتها الريح ، من شدة الضربة ، وسقط جحدر من شدة وثبة الأسد; وشدة موضع القيود عليه ، فكبر الحجاج وكبر أصحابه ، وأنشأ جحدر يقول :


يا جمل إنك لو رأيت كريهتي في يوم هول مسدف وعجاج
وتقدمي لليث أرسف موثقا كيما أثاوره على الأحراج
شثن براثنه كأن نيوبه زرق المعاول أو شباه زجاج
يسمو بناظرتين تحسب فيهما لهبا أحدهما شعاع سراج
وكأنما خيطت عليه عباءة برقاء أو خرق من الديباج
لعلمت أني ذو حفاظ ماجد من نسل أقوام ذوي أبراج
ثم التفت إلى الحجاج ، فقال :


علم النساء بأنني لا أنثني إذ لا يثقن بغيرة الأزواج
وعلمت أني إن كرهت نزاله أني من الحجاج لست بناج
فعند ذلك خيره الحجاج إن شاء أقام عنده ، وإن شاء انطلق إلى بلاده ، فاختار المقام عند الحجاج ، فأحسن جائزته وأعطاه أموالا .

وقد كان الحجاج مع فصاحته وبلاغته يلحن في حروف من القرآن أنكرها يحيى بن يعمر; منها أنه كان يبدل " إن " المكسورة ب " أن " المفتوحة ، وعكسه ، [ ص: 529 ] وكان يقرأ : قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم إلى قوله : أحب إليكم ( التوبة : 24 ) فيقرؤها برفع " أحب " .

وأنكر يوما أن يكون الحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم; لكونه ابن بنته ، فقال له يحيى بن يعمر : كذبت . فقال الحجاج : لتأتيني على ما قلت ببينة من كتاب الله أو لأضربن عنقك . فقال : قال الله : ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله : وزكريا ويحيى وعيسى ( الأنعام : 84 ، 85 ) فعيسى من ذرية إبراهيم ، وهو إنما ينسب إلى أمه مريم ، والحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال الحجاج : صدقت . ونفاه إلى خراسان .

وقال الأصمعي وغيره : كتب عبد الملك إلى الحجاج يسأله عن أمس واليوم وغد ، فقال للرسول : أكان خويلد بن يزيد بن معاوية عنده؟ قال : نعم . فكتب الحجاج إلى عبد الملك : أما أمس فأجل ، وأما اليوم فعمل ، وأما غدا فأمل .

وقال ابن دريد ، عن أبي حاتم السجستاني ، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال : لما قتل الحجاج ابن الأشعث ، وصفت له العراق وسع على الناس في العطاء ، فكتب إليه عبد الملك : أما بعد ، فقد بلغ أمير المؤمنين أنك تنفق في اليوم ما لا ينفقه أمير المؤمنين في الأسبوع ، وتنفق في الأسبوع ما لا ينفقه أمير المؤمنين في الشهر ، ثم قال منشدا :

[ ص: 530 ]
عليك بتقوى الله في الأمر كله وكن لوعيد الله تخشى وتضرع
ووفر خراج المسلمين وفيئهم وكن لهم حصنا تجير وتمنع
فكتب إليه الحجاج :


لعمري لقد جاء الرسول بكتبكم قراطيس تملى ثم تطوى فتطبع
كتاب أتاني فيه لين وغلظة وذكرت والذكرى لذي اللب تنفع
وكانت أمور تعتريني كثيرة فأرضخ أو أعتل حينا فأمنع
إذا كنت سوطا من عذاب عليهم ولم يك عندي بالمنافع مطمع
أيرضى بذاك الناس أو يسخطونه أم احمد فيهم أم ألام فأقذع
وكانت بلاد جئتها حين جئتها بها كل نيران العداوة تلمع
فقاسيت منها ما علمت ولم أزل أصارع حتى كدت بالموت أصرع
وكم أرجفوا من رجفة قد سمعتها ولو كان غيري طار مما يروع
وكنت إذا هموا بإحدى قناتهم حسرت لهم رأسي ولا أتقنع
فلو لم يذد عني صناديد منهم تقسم أعضائي ذئاب وأضبع
قال : فكتب إليه عبد الملك أن اعمل برأيك . وقال التوزي : عن محمد بن المستورد الجمحي ، قال : أتي الحجاج بسارق ، فقال له : لقد كنت غنيا أن يأتيك الحكم ، فيبطل عليك عضوا من أعضائك . فقال الرجل : إذا قل ذات اليد سخت النفس بالمتالف . قال : صدقت ، والله لو كان حسن اعتذار يبطل [ ص: 531 ] حدا لكنت له موضعا ، يا غلام ، سيف صارم ورجل قاطع . فقطع يده .

وقال أبو بكر بن مجاهد ، عن محمد بن الجهم ، عن الفراء قال : تغدى الحجاج يوما مع الوليد بن عبد الملك ، فلما انقضى غداؤهما دعاه الوليد إلى شرب النبيذ ، فقال : يا أمير المؤمنين ، الحلال ما أحللت ، ولكني أنهى عنه أهل عملي ، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه .

وقال عمر بن شبة ، عن أشياخه ، قال : كتب عبد الملك إلى الحجاج يعتب عليه في إسرافه في صرف الأموال وسفك الدماء ، ويقول له : إنما المال مال الله ونحن خزانه ، وسيان منع حق وإعطاء باطل . وكتب في أسفل الكتاب :


إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها وتطلب رضائي في الذي أنا طالبه
وتخشى الذي يخشاه مثلك هاربا إلى الله منه ضيع الدر جالبه
فإن تر مني غفلة قرشية فيا ربما قد غص بالماء شاربه
وإن تر مني وثبة أموية فهذا وهذا كله أنا صاحبه
فلا تعد ما يأتيك مني فإن تعد تقم فاعلمن يوما عليك نوادبه
فلما قرأه الحجاج كتب : أما بعد فقد جاءني كتاب أمير المؤمنين ، يذكر فيه سرفي في الأموال والدماء ، فوالله ما بالغت في عقوبة أهل المعصية ولا قضيت حق أهل الطاعة ، فإن كان ذلك سرفا فليحد لي أمير المؤمنين حدا أنتهي [ ص: 532 ] إليه ، ولا أتجاوزه . وكتب في أسفل الكتاب :


إذا أنا لم أطلب رضاك وأتقي أذاك فيومي لا توارت كواكبه
إذا قارف الحجاج فيك خطيئة فقامت عليه في الصباح نوادبه
أسالم من سالمت من ذي هوادة ومن لم تسالمه فإني محاربه
إذا أنا لم أدن الشفيق لنصحه وأقص الذي تسري إلي عقاربه
فمن يتقي يومي ويرجو إذا غدي على ما أرى والدهر جم عجائبه
وعن الشافعي أنه قال : قال الوليد بن عبد الملك للغاز بن ربيعة أن يسأل الحجاج فيما بينه وبينه; هل يجد في نفسه مما أصاب من الدماء شيئا؟ فسأله كما أمره ، فقال : والله ما أحب أن ليلبنان أو سنيرا ذهبا أنفقه في سبيل الله مكان ما أبلاني الله من الطاعة . ===========التحليل الموضوعي
فصل فيما روي عنه من الكلمات الناقصة والجراءة البالغة

قال أبو داود : ثنا محمد بن العلاء ، ثنا أبو بكر ، عن عاصم قال : سمعت الحجاج ، وهو على المنبر يقول : اتقوا الله ما استطعتم ليس فيها [ ص: 533 ] مثنوية واسمعوا وأطيعوا ليس فيها مثنوية لأمير المؤمنين عبد الملك ، والله لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلت لي دماؤهم وأموالهم ، والله لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من الله حلالا ، وما عذيري من عبد هذيل يزعم أن قرآنه من عند الله ، والله ما هي إلا رجز من رجز الأعراب ما أنزلها الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ، وعذيري من هذه الحمراء ، يزعم أحدهم يرمي بالحجر فيقول : إلى أن يقع الحجر حدث أمر . فوالله لأدعنهم كالأمس الدابر . قال : فذكرته للأعمش ، فقال : وأنا والله سمعته منه .

وروراه أبو بكر بن أبي خيثمة ، عن محمد بن يزيد ، عن أبي بكر بن عياش ، عن عاصم بن أبي النجود والأعمش ، أنهما سمعا الحجاج قبحه الله يقول ذلك ، وفيه : والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب ، فخرجتم من هذا الباب ، لحلت لي دماؤكم ، ولا أجد أحدا يقرأ على قراءة ابن أم عبد إلا ضربت عنقه ، ولأحكنها من المصحف ولو بضلع خنزير .

وروراه غير واحد عن أبي بكر بن عياش بنحوه وفي بعض الروايات : والله لو أدركت عبد هذيل لضربت عنقه . وهذا من جراءة الحجاج - قبحه الله - [ ص: 534 ] وإقدامه على الكلام السيئ والدماء الحرام . وإنما نقم على قراءة ابن مسعود رضي الله عنه لكونه خالف القراءة على المصحف الإمام ، الذي جمع الناس عليه عثمان ، والظاهر أن ابن مسعود رجع إلى قول عثمان وموافقيه ، والله أعلم .

وقال علي بن عبد الله بن مبشر ، عن عباس الدوري ، عن مسلم بن إبراهيم ، ثنا الصلت بن دينار ، سمعت الحجاج على منبر واسط يقول : عبد الله بن مسعود رأس المنافقين ، لو أدركته لأسقيت الأرض من دمه . قال : وسمعته على منبر واسط وتلا هذه الآية : وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي قال : والله إن كان سليمان لحسودا . وهذه جراءة عظيمة تفضي به إلى الكفر ، قبحه الله وأخزاه ، وأبعده وأقصاه .

ومن الطامات أيضا ما رواه أبو داود ، ثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني ، ثنا جرير ( ح ) . وحدثنا زهير بن حرب ، ثنا جرير ، عن المغيرة ، عن بزيع بن خالد الضبي ، قال : سمعت الحجاج يخطب ، فقال في خطبته : رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله؟ فقلت في نفسي : لله علي أن لا أصلي خلفك صلاة أبدا ، وإن وجدت قوما يجاهدونك لأجاهدنك معهم . زاد إسحاق في حديثه : فقاتل في الجماجم حتى قتل . فإن صح هذا عنه فظاهره [ ص: 535 ] كفر إن أراد تفضيل منصب الخلافة على الرسالة ، أو أراد أن الخليفة من بني أمية أفضل من الرسول .

وقال الأصمعي : ثنا أبو عاصم النبيل ، ثنا أبو حفص الثقفي ، قال : خطب الحجاج يوما فأقبل عن يمينه فقال : ألا إن الحجاج كافر ، ثم أطرق فقال : إن الحجاج كافر . ثم أطرق فأقبل عن يساره فقال : ألا إن الحجاج كافر . فعل ذلك مرارا ، ثم قال : كافر يا أهل العراق باللات والعزى .

وقال حنبل بن إسحاق : ثنا هارون بن معروف ، ثنا ضمرة ، ثنا ابن شوذب ، عن مالك بن دينار قال : بينما الحجاج يخطبنا يوما ، إذ قال : الحجاج كافر . قلنا : ما له؟ أي شيء يريد؟ قال : الحجاج كافر بيوم الأربعاء والبغلة الشهباء . وقال الأصمعي : قال عبد الملك يوما للحجاج : إنه ما من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه ، فصف لي عيب نفسك . فقال : اعفني يا أمير المؤمنين . فأبى ، فقال : أنا لجوج حقود حسود . فقال عبد الملك : ما في الشيطان شر مما ذكرت . وفي رواية أنه قال : إذا بينك وبين إبليس نسب .

وبالجملة فقد كان الحجاج نقمة على أهل العراق بما سلف لهم من الذنوب ، والخروج على الأئمة ، وخذلانهم لهم ، وعصيانهم ومخالفتهم ، والافتيات [ ص: 536 ] عليهم .

قال يعقوب بن سفيان : حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح ، حدثني معاوية بن صالح ، عن شريح بن عبيد ، عن من حدثه ، قال : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فأخبره أن أهل العراق حصبوا أميرهم فخرج غضبان ، فصلى لنا صلاة ، فسها فيها حتى جعل الناس يقولون : سبحان الله سبحان الله . فلما سلم أقبل على الناس ، فقال : من هاهنا من أهل الشام؟ فقام رجل ، ثم قام آخر ، ثم قمت أنا ثالثا أو رابعا ، فقال : يا أهل الشام ، استعدوا لأهل العراق ، فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ ، اللهم إنهم قد لبسوا عليهم فالبس عليهم ، وعجل عليهم بالغلام الثقفي ، يحكم فيهم بحكم الجاهلية ، لا يقبل من محسنهم ، ولا يتجاوز عن مسيئهم . وقد رويناه في كتاب " مسند عمر بن الخطاب " من طريق أبي عذبة الحمصي ، عن عمر مثله .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا جعفر بن سليمان ، عن مالك بن دينار ، عن الحسن قال : قال علي بن أبي طالب اللهم كما ائتمنتهم فخانوني ونصحت لهم فغشوني ، فسلط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال يأكل خضرتها ، ويلبس فروتها ، ويحكم فيها بحكم الجاهلية . قال : يقول الحسن : وما خلق الحجاج يومئذ .

ورواه معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أيوب ، عن مالك بن أوس بن [ ص: 537 ] الحدثان ، عن علي أنه قال : الشاب الذيال أمير المصرين ، يلبس فروتها ، ويأكل خضرتها ويقتل أشراف أهلها ، يشتد منه الفرق ، ويكثر منه الأرق ، ويسلطه الله على شيعته .

وقال الحافظ البيهقي في " دلائل النبوة " : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، ثنا سعيد بن مسعود ، ثنا يزيد بن هارون ، أنبأ العوام بن حوشب ، حدثني حبيب بن أبي ثابت ، قال : قال علي لرجل : لا مت حتى تدرك فتى ثقيف . قيل له : يا أمير المؤمنين ، وما فتى ثقيف؟ قال : ليقالن له يوم القيامة : اكفنا زاوية من زوايا جهنم . رجل يملك عشرين أو بضعا وعشرين - سنة ، لا يدع لله معصية إلا ارتكبها ، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة وكان بينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها ، يقتل بمن أطاعه من عصاه .

وقال الطبراني ، حدثنا القاسم بن زكريا ، ثنا إسماعيل بن موسى السدي ، ثنا علي بن مسهر ، عن الأجلح ، عن الشعبي ، عن أم حكيم بنت عمر بن سنان الجدلية قالت : استأذن الأشعث بن قيس على علي فرده قنبر فأدمى أنفه ، فخرج علي فقال : ما لك وله يا أشعث؟ أما والله لو بعبد ثقيف [ ص: 538 ] تمرست لاقشعرت شعيرات استك . قيل له : يا أمير المؤمنين ، ومن عبد ثقيف؟ قال : غلام يليهم لا يبقي أهل بيت من العرب إلا ألبسهم ذلا . قيل : كم يملك؟ قال : عشرين إن بلغ .

وقال البيهقي : أخبرنا الحاكم ، أنبأ الحسين بن الحسن بن أيوب ، ثنا أبو حاتم الرازي ، ثنا عبد الله بن يوسف التنيسي ، ثنا هشام بن يحيى الغساني قال : قال عمر بن عبد العزيز لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم . وقال أبو بكر بن عياش ، عن عاصم بن أبي النجود أنه قال : ما بقيت لله عز وجل حرمة إلا وقد ارتكبها الحجاج .

وقد تقدم الحديث : إن في ثقيف كذابا ومبيرا ، وقد ذكرنا شأن المختار بن أبي عبيد ، وهو الكذاب المذكور في هذا الحديث ، وقد كان يظهر الرفض أولا ، ويبطن الكفر المحض ، وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف هذا ، وقد كان ناصبيا يبغض عليا وشيعته في هوى آل مروان بني أمية ، وكان جبارا عنيدا مقداما على سفك الدماء بأدنى شبهة .

وقد روي عنه ألفاظ بشعة شنيعة ظاهرها الكفر كما قدمنا ، فإن كان قد تاب منها وأقلع عنها ، وإلا فهو باق في عهدتها ، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه; فإن الشيعة كانوا [ ص: 539 ] يبغضونه جدا لوجوه ، وربما حرفوا عليه بعض الكلم ، وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات .

وقد روينا عنه ، أنه كان يتدين بترك المسكر ، وكان يكثر تلاوة القرآن ، ويتجنب المحارم ، ولم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج ، وإن كان متسرعا في سفك الدماء . فالله تعالى أعلم بالصواب وحقائق الأمور وسائرها ، وخفيات الصدور وضمائرها .

وقال المعافى بن زكريا الجريري المعروف بابن طرارا البغدادي : ثنا محمد بن القاسم الأنباري ، ثنا أبي ، ثنا أحمد بن عبيد ، ثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، ثنا عوانة بن الحكم الكلبي ، قال : دخل أنس بن مالك على الحجاج بن يوسف ، فلما وقف بين يديه سلم عليه فقال له : إيه إيه يا أنيس ، يوم لك مع علي ، ويوم لك مع ابن الزبير ، ويوم لك مع ابن الأشعث ، والله لأستأصلنك كما تستأصل الشأفة ، ولأدمغنك كما تدمغ الصمغة . فقال أنس : إياي يعني الأمير أصلحه الله؟ قال : إياك ، سك الله سمعك . قال أنس : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والله لولا الصبية الصغار ما باليت [ ص: 540 ] أي قتلة قتلت ، ولا أي ميتة مت . ثم خرج من عند الحجاج فكتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بما قال له الحجاج ، فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضبا ، وصفق عجبا ، وتعاظم ذلك من الحجاج ، وكان كتاب أنس إلى عبد الملك بن مروان :

بسم الله الرحمن الرحيم ، إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين ، من أنس بن مالك ، أما بعد; فإن الحجاج قال لي هجرا ، وأسمعني نكرا ، ولم أكن لذلك أهلا ، فخذ لي على يديه ، فإني أمت بخدمتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتي إياه ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .

فبعث عبد الملك إلى إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر وكان مصادقا للحجاج فقال له : دونك كتابي هذين فخذهما ، واركب البريد إلى العراق ، وابدأ بأنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فادفع كتابي إليه ، وأبلغه مني السلام ، وقل له : يا أبا حمزة ، قد كتبت إلى الحجاج الملعون كتابا ، إذا قرأه كان أطوع لك من أمتك . وكان كتاب عبد الملك إلى أنس بن مالك :

بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الملك بن مروان ، إلى أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد; فقد قرأت كتابك ، وفهمت ما ذكرت من شكايتك الحجاج ، وما سلطته عليك ، ولا أمرته بالإساءة إليك ، فإن عاد لمثلها اكتب إلي بذلك أنزل به عقوبتي ، وتحسن لك معونتي ، والسلام .

فلما قرأ أنس كتابه وأخبر برسالته قال : جزى الله أمير المؤمنين عني خيرا ، وعافاه وكفاه ، وكافأه بالجنة ، فهذا كان ظني به والرجاء منه .

فقال إسماعيل بن عبيد الله لأنس : [ ص: 541 ] يا أبا حمزة ، إن الحجاج عامل أمير المؤمنين ، وليس بك عنه غنى ، ولا بأهل بيتك ، ولو جعل لك في جامعة ثم دفع إليك لقدر أن يضر وينفع ، فقاربه وداره; تعش معه بخير وسلام . فقال أنس : أفعل إن شاء الله . ثم خرج إسماعيل من عنده فدخل على الحجاج ، فلما رآه الحجاج قال : مرحبا برجل أحبه وكنت أحب لقاءه . فقال إسماعيل : أنا والله كنت أحب لقاءك في غير ما أتيتك به . فتغير لون الحجاج ، وقال : ما أتيتني به؟ قال : فارقت أمير المؤمنين وهو أشد الناس عليك غضبا ، ومنك بعدا . قال : فاستوى الحجاج جالسا مرعوبا فرمى إليه إسماعيل بالطومار ، فجعل الحجاج ينظر فيه مرة ويعرق ، وينظر إلى إسماعيل أخرى ، فلما نقضه قال : قم بنا إلى أبي حمزة نعتذر إليه ونترضاه . فقال له إسماعيل : لا تعجل . فقال : كيف لا أعجل ، وقد أتيتني بآبدة؟

وكان في الطومار : إلى الحجاج بن يوسف : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى الحجاج بن يوسف ، أما بعد; فإنك عبد طمت بك الأمور فسموت فيها ، وعدوت طورك ، وجاوزت قدرك ، وركبت داهية إدا ، وأردت أن تبورني ، فإن سوغتكها مضيت قدما ، وإن لم أسوغها [ ص: 542 ] رجعت القهقرى ، فلعنك الله عبدا أخفش العينين ، منقوص الجاعرتين ، أنسيت مكاسب آبائك بالطائف ، وحفرهم الآبار ، ونقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل؟ يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب ، والله لأغمزنك غمز الليث الثعلب ، والصقر الأرنب ، وثبت على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ، فلم تقبل له إحسانه ، ولم تجاوز له إساءته ، جرأة منك على الرب عز وجل ، واستخفافا منك بالعهد ، والله لو أن اليهود والنصارى رأت رجلا خدم عزير بن عزرا وعيسى ابن مريم لعظمته وشرفته وأكرمته ، فكيف وهذا أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين ، يطلعه على سره ، ويشاوره في أمره ، ثم هو مع هذا بقية من بقايا أصحابه ، فإذا قرأت كتابي هذا فكن أطوع له من خفه ونعله ، وإلا أتاك مني سهم مثكل بحتف قاض ، ولكل نبأ مستقر ، وسوف تعلمون .

وقد تكلم ابن طرارا على ما وقع في هذا الكتاب من الغريب ، وكذلك ابن قتيبة وغيرهما من أئمة اللغة . والله أعلم .

[ ص: 543 ] وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن الزبير يعني ابن عدي قال : شكونا إلى أنس بن مالك ما نلقى من الحجاج ، فقال : اصبروا; فإنه لا يأتي عليكم عام أو يوم إلا والذي بعده شر منه ، حتى تلقوا ربكم عز وجل ، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم . وهذا رواه البخاري ، عن محمد بن يوسف ، عن سفيان وهو الثوري عن الزبير بن عدي ، عن أنس ، قال : لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه الحديث . قلت : ومن الناس من يروي هذا الحديث بالمعنى فيقول : كل عام ترذلون . وهذا اللفظ لا أصل له ، وإنما هو مأخوذ من معنى هذا الحديث ، والله أعلم .

وقد قال سفيان الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي قال : يأتي على الناس زمان يصلون فيه على الحجاج . وقال أبو نعيم ، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي السفر قال : قال الشعبي : والله لئن بقيتم لتمنون الحجاج . وقال الأصمعي : قيل للحسن : إنك تقول : الآخر شر من الأول . وهذا عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج . فقال الحسن : لا بد للناس من تنفيسات .

وقال ميمون بن مهران بعث الحجاج إلى الحسن وقد هم به ، فلما قام بين يديه ، قال : يا حجاج ، كم بينك وبين آدم من أب؟ قال : كثير . قال : فأين [ ص: 544 ] هم ؟ قال : ماتوا . قال : فنكس الحجاج رأسه ، وخرج الحسن .

وقال أيوب السختياني : إن الحجاج أراد قتل الحسن مرارا ، فعصمه الله منه . وقد ذكر له معه مناظرات ، على أن الحسن لم يكن ممن يرى الخروج عليه ، وكان ينهى أصحاب ابن الأشعث عن ذلك ، وإنما خرج معهم مكرها ، كما قدمنا ، وكان الحسن يقول : إنما هو نقمة ، فلا تقابل نقمة الله بالسيف ، وعليكم بالصبر والسكينة والتضرع .

وقال ابن دريد ، عن الحسن بن الخضر ، عن ابن عائشة قال : أتي الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج ، فقيل له : ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى خيرا ، قال : فعثمان؟ فأثنى خيرا ، حتى قيل له : فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ فقال : الآن جاءت المسألة ، ما أقول في رجل الحجاج خطيئة من خطاياه؟

وقال الأصمعي ، عن علي بن مسلم الباهلي ، قال : أتي الحجاج بامرأة من الخوارج ، فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه ، ولا ترد عليه كلاما ، فقال لها بعض الشرط : يكلمك الأمير وأنت معرضة عنه؟ فقالت : إني لأستحي من الله أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه . فأمر بها فقتلت .

وقد ذكرنا في سنة أربع وتسعين كيفية مقتل الحجاج لسعيد بن جبير ، وما دار بينهما من الكلام والمراجعة .

[ ص: 545 ] وقد قال أبو بكر بن أبي خيثمة : ثنا أبو ظفر ، ثنا جعفر بن سليمان ، عن بسطام بن مسلم ، عن قتادة قال : قيل لسعيد بن جبير : خرجت على الحجاج؟ قال : إني والله ما خرجت عليه حتى كفر . ويقال : إنه لم يقتل بعده إلا رجلا واحدا اسمه ماهان ، وكان قد قتل قبله خلقا كثيرا ، أكثرهم ممن خرج مع ابن الأشعث .

وقال أبو عيسى الترمذي : ثنا أبو داود سليمان بن سلم البلخي ، ثنا النضر بن شميل ، عن هشام بن حسان ، قال : أحصوا ما قتل الحجاج صبرا فبلغ مائة ألف وعشرين ألفا . قال الأصمعي : ثنا أبو عاصم ، عن عباد بن كثير ، عن قحذم ، قال : أطلق سليمان بن عبد الملك في غداة واحدة أحدا وثمانين ألف أسير ، وعرضت السجون بعد الحجاج فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفا ، لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب ، وكان في من حبس أعرابي وجد يبول في أصل ربض مدينة واسط ، وكان في من أطلق ، فأنشأ يقول :


إذا نحن جاوزنا مدينة واسط خرينا وصلينا بغير حساب
وقد كان الحجاج مع هذا العنف الشديد لا يستخرج من خراج العراق كبير أمر . قال ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحربي : ثنا سليمان بن أبي شيخ ، ثنا [ ص: 546 ] صالح بن سليمان ، قال : قال عمر بن عبد العزيز : لو تخابثت الأمم وجئنا بالحجاج لغلبناهم ، وما كان يصلح لدنيا ولا لآخرة ، لقد ولي العراق وهو أوفر ما يكون في العمارة ، فأخس به حتى صيره إلى أربعين ألف ألف ، ولقد أدي إلي في عامي هذا ثمانون ألف ألف ، وإن بقيت إلى قابل رجوت أن يؤدى إلي ما أدي إلى عمر بن الخطاب ; مائة ألف ألف وعشرة آلاف ألف .

وقال أبو بكر بن المقرئ : ثنا أبو عروبة ، ثنا عمرو بن عثمان ، ثنا أبي سمعت جدي قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة : بلغني أنك تستن بسنن الحجاج فلا تستن بسننه ، فإنه كان يصلي الصلاة لغير وقتها ، ويأخذ الزكاة من غير حقها ، وكان لما سوى ذلك أضيع .

وقال يعقوب بن سفيان : ثنا سعيد بن أسد ، ثنا ضمرة ، عن الريان بن مسلم قال : بعث عمر بن عبد العزيز بآل أبي عقيل أهل بيت الحجاج إلى صاحب اليمن ، وكتب إليه : أما بعد ، فإني قد بعثت بآل أبي عقيل وهم شر بيت في العرب ، ففرقهم في العمل على قدر هوانهم على الله وعلينا ، وعليك السلام . وإنما نفاهم .

وقال الأوزاعي : سمعت القاسم بن مخيمرة يقول : كان الحجاج ينقض [ ص: 547 ] عرى الإسلام . وذكر حكاية . وقال أبو بكر بن عياش ، عن عاصم : لم يبق لله حرمة إلا ارتكبها الحجاج بن يوسف . وقال يحيى بن عيسى الرملي ، عن الأعمش : اختلفوا في الحجاج ، فسألوا مجاهدا ، فقال : تسألوني عن الشيخ الكافر؟

وروى ابن عساكر ، عن الشعبي أنه قال : الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت ، كافر بالله العظيم . كذا قال ، والله أعلم . وقال الثوري ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال : عجبا لإخواننا من أهل العراق; يسمون الحجاج مؤمنا ! وقال الثوري ، عن ابن عون : سمعت أبا وائل يسأل عن الحجاج : أتشهد أنه من أهل النار؟ قال : أتأمروني أن أشهد على الله العظيم . وقال الثوري ، عن منصور ، سألت إبراهيم عن لعن الحجاج أو بعض الجبابرة ، فقال : أليس الله يقول : ألا لعنة الله على الظالمين ( هود : 18 ) ؟ وبه; قال إبراهيم : وكفى بالرجل عمى أن يعمى عن أمر الحجاج .

وقال سلام بن أبي مطيع : لأنا للحجاج أرجى مني لعمرو بن عبيد; لأن الحجاج قتل [ ص: 548 ] الناس على الدنيا ، وعمرو بن عبيد أحدث للناس بدعة ، فقتل الناس بعضهم بعضا . وقال الزبرقان : سببت الحجاج يوما عند أبي وائل ، فقال : لا تسبه; لعله قال يوما : اللهم ارحمني . فيرحمه ، إياك ومجالسة من يقول : أرأيت أرأيت . وقال عوف : ذكر الحجاج عند محمد بن سيرين ، فقال : مسكين أبو محمد; إن يعذبه الله عز وجل فبذنبه ، وإن يغفر له فهنيئا له ، وإن يلق الله بقلب سليم ، فقد أصاب الذنوب من هو خير منه . فقيل له : ما القلب السليم؟ قال : أن تعلم أن الله حق ، وأن الساعة حق قائمة ، وأن الله يبعث من في القبور .

وقال أبو قاسم البغوي : ثنا أبو سعيد ، ثنا أبو أسامة ، قال : قال رجل لسفيان الثوري : اشهد على الحجاج وعلى أبي مسلم أنهما في النار . قال : لا ، إذا أقرا بالتوحيد . وقال الرياشي : حدثنا عباس الأزرق ، عن السري بن يحيى قال : مر الحجاج في يوم جمعة فسمع استغاثة ، فقال : ما هذا؟ فقيل له : أهل السجون يقولون : قتلنا الحر . فقال : قولوا لهم : اخسئوا فيها [ ص: 549 ] ولا تكلمون . قال : فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة . وقال بعضهم : رأيته وهو يأتي الجمعة ، وقد كاد يهلك من العلة . وقال الأصمعي : لما مرض الحجاج أرجف الناس بموته ، فقال في خطبته : إن طائفة من أهل الشقاق والنفاق نزغ الشيطان بينهم ، فقالوا : مات الحجاج ، ومات الحجاج . فمه ، وهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت؟ والله ما يسرني أن لا أموت وأن لي الدنيا وما فيها ، وما رأيت الله رضي التخليد إلا لأهون خلقه عليه إبليس ، قال الله له : إنك من المنظرين [ الأعراف : 15 ] . فأنظره إلى يوم الدين ، ولقد دعا الله العبد الصالح ، فقال : وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي [ ص : 35 ] . فأعطاه الله ذلك إلا البقاء ، فما عسى أن يكون أيها الرجل ، وكلكم ذلك الرجل ، كأني والله بكل حي منكم ميتا ، وبكل رطب يابسا ، ثم نقل في ثياب أكفانه إلى ثلاثة أذرع طولا في ذراع عرضا ، فأكلت الأرض لحمه ، ومصت صديده ، وانصرف الحبيب من ولده يقسم الحبيب من ماله ، إن الذين يعقلون يعقلون ما أقول . ثم نزل .

وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني ، عن أبيه ، عن جده ، عن عمر بن عبد العزيز أنه قال : ما حسدت الحجاج عدو الله على شيء [ ص: 550 ] حسدي إياه على حبه القرآن وإعطائه أهله ، وقوله حين حضرته الوفاة : اللهم اغفر لي ، فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا علي بن الجعد ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون ، عن محمد بن المنكدر قال : كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج ، فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت : اللهم اغفر لي فإنهم زعموا أنك لا تفعل . قال : وحدثني بعض أهل العلم ، قال : قيل للحسن : إن الحجاج قال عند الموت كذا وكذا قال : أقالها؟ قالوا : نعم . قال : عسى . وقال أبو العباس المبرد ، عن الرياشي ، عن الأصمعي قال : لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول :


يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا بأنني رجل من ساكني النار
أيحلفون على عمياء ويحهم ما علمهم بعظيم العفو غفار
قال : فأخبر بذلك الحسن فقال : تالله إن نجا فبهما . وزاد بعضهم في ذلك :


إن الموالي إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرما قد شبت في الرق فاعتقني من النار
[ ص: 551 ] وقال ابن أبي الدنيا ثنا أحمد بن عبد الله التيمي ، قال : لما مات الحجاج لم يعلم بموته حتى أشرفت جارية فبكت ، فقالت : ألا إن مطعم الطعام ومفلق الهام ، وسيد أهل الشام قد مات ، ثم أنشأت تقول :


اليوم يرحمنا من كان يغبطنا واليوم يأمننا من كان يخشانا
وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه أنه أخبر بموت الحجاج مرارا ، فلما تحقق وفاته قال : فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ( الأنعام : 45 ) .

وروى غير واحد أن الحسن لما بشر بموت الحجاج سجد شكرا لله تعالى ، وكان مختفيا فظهر ، وقال : اللهم أمته فأذهب عنا سنته . وقال حماد بن أبي سليمان : لما أخبرت إبراهيم النخعي بموت الحجاج بكى من الفرح . وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : ثنا سليمان بن أبي شيخ ، ثنا صالح بن سليمان ، قال : قال زياد بن الربيع الحارثي لأهل السجن : يموت الحجاج في مرضه هذا في ليلة كذا وكذا . فلما كانت تلك الليلة لم ينم أهل السجن فرحا ، جلسوا ينتظرون حتى سمعوا الواعية ، وذلك ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان ، وقيل : كان ذلك لخمس بقين من رمضان . وقيل : في شوال من هذه [ ص: 552 ] السنة . وكان عمره إذ ذاك خمسا وخمسين سنة; لأن مولده كان عام الجماعة سنة أربعين . وقيل : بعدها بسنة . وقيل : قبلها بسنة . فالله أعلم .

مات بواسط ، وعفي قبره ، وأجري عليه الماء لكيلا ينبش ويحرق . والله أعلم .

وقال الأصمعي : ما كان أعجب الحجاج ، ما ترك إلا ثلاثمائة درهم . وقال الواقدي : ثنا عبد الله بن محمد بن عبيد ، حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب ، ثنا عمي قال : زعموا أن الحجاج مات ولم يترك إلا ثلاثمائة درهم ، ومصحفا ، وسيفا ، وسرجا ، ورحلا ، ومائة درع موقوفة . وقال شهاب بن خراش : حدثني عمي يزيد بن حوشب قال : بعث إلي أبو جعفر المنصور فقال : حدثني بوصية الحجاج بن يوسف . فقلت : اعفني يا أمير المؤمنين . فقال : حدثني بها . فقلت : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف ، أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك عليها يحيا ، وعليها يموت ، وعليها يبعث ، وأوصى بتسعمائة درع حديد; ستمائة منها لمنافقي أهل العراق يغزون بها ، وثلاثمائة للترك . قال : فرفع أبو جعفر رأسه إلى أبي العباس الطوسي وكان قائما على رأسه فقال : هذه والله الشيعة لا شيعتكم .

وقال الأصمعي عن أبيه قال : رأيت الحجاج في المنام فقلت : ما فعل الله بك؟ فقال : قتلني بكل قتلة قتلت بها إنسانا . قال : ثم رأيته بعد الحول فقلت : [ ص: 553 ] يا أبا محمد ، ما صنع الله بك؟ فقال : يا ماص بظر أمه ، أما سألت عن هذا عام أول؟ وقال القاضي أبو يوسف كنت عند الرشيد فدخل عليه رجل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، رأيت الحجاج البارحة في النوم ، قال : في أي زي رأيته؟ قال : في زي قبيح . فقلت له : ما فعل الله بك؟ فقال : ما أنت وذاك يا ماص بظر أمه؟ فقال هارون : صدقت والله ، أنت رأيت الحجاج حقا ، ما كان أبو محمد ليدع صرامته حيا وميتا .

وقال حنبل بن إسحاق : ثنا هارون بن معروف ، ثنا ضمرة ، ثنا ابن شوذب ، عن أشعث الحداني . قال : رأيت الحجاج في المنام في حالة سيئة ، فقلت : يا أبا محمد ما صنع بك ربك؟ قال : ما قتلت أحدا قتلة إلا قتلني بها . فقلت : ثم مه . قال : ثم أمر بي إلى النار . قلت : ثم مه . قال : ثم أرجو ما يرجو أهل لا إله إلا الله . قال : وكان ابن سيرين يقول : إني لأرجو له . فبلغ ذلك الحسن فقال : أما والله ليخلفن الله رجاءه فيه .

وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : كان الحسن البصري لا يجلس مجلسا إلا ذكر فيه الحجاج فدعا عليه ، قال : فرآه [ ص: 554 ] في منامه فقال له : أنت الحجاج؟ قال : أنا الحجاج . قال : ما فعل الله بك؟ قال : قتلت بكل قتيل قتلته ، ثم عزلت مع الموحدين . قال : فأمسك الحسن بعد ذلك عن شتمه . والله أعلم .

==========وممن توفي في هذه السنة أعني سنة خمس وتسعين :

إبراهيم بن يزيد النخعي

قال : كنا إذا حضرنا جنازة ، أو سمعنا بميت عرف ذلك فينا أياما; لأنا قد عرفنا أنه نزل به أمر صيره إلى الجنة أو إلى النار ، وإنكم في جنائزكم تتحدثون بأحاديث دنياكم . وقال : لا يستقيم رأي إلا برواية ، ولا رواية إلا برأي .

وقال : إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يديك من فلاحه .

وقال إني لأرى الشيء مما يعاب فلا يمنعني من عيبه إلا مخافة أن أبتلى به . وبكى عند موته فقيل له : ما يبكيك؟ فقال : انتظار ملك الموت ، ما أدري يبشرني بجنة ، أو بنار .

الحسن بن محمد ابن الحنفية

كنيته أبو محمد ، كان المقدم على إخوته في الفضل ، وكان أعلم الناس بالاختلاف والفقه والتفسير ، وكان من [ ص: 555 ] ظرفاء بني هاشم وعقلائهم ، ولم يكن له عقب . قال أيوب السختياني وغيره : كان أول من تكلم في الإرجاء . وكتب في ذلك رسالة ثم ندم عليها .

وقال غيرهم : كان يتوقف في عثمان ، وعلي ، وطلحة ، والزبير ، فلا يتولاهم ، ولا يذمهم ، فلما بلغ ذلك أباه محمد بن الحنفية ضربه فشجه ، وقال : ويحك ، ألا تتولى أباك عليا؟

وقال أبو عبيد : توفي سنة خمس وتسعين .

وقال خليفة : توفي في أيام عمر بن عبد العزيز . والله أعلم .

حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري

وأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وهي أخت عثمان بن عفان لأمه ، وكان حميد فقيها نبيلا عالما ، له روايات كثيرة .

مطرف بن عبد الله بن الشخير

تقدمت ترجمته .

وهؤلاء كلهم لهم تراجم في كتاب " التكميل " .

[ ص: 556 ] وفيها كان موت الحجاج بواسط كما تقدم ذلك مبسوطا مستقصى ، ولله الحمد .

وفيها كان مقتل سعيد بن جبير ، في قول علي بن المدائني ، وجماعة . والمشهور أنه كان في سنة أربع وتسعين ، كما ذكره ابن جرير وغير واحد . والله أعلم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق