ثم دخلت سنة ثمان ومائة
ففيها افتتح مسلمة بن عبد الملك قيسارية من بلاد الروم وفتح إبراهيم بن هشام بن عبد الملك حصنا من حصون الروم أيضا . وفيها غزا أسد بن عبد الله القسري أمير خراسان فكسر الأتراك كسرة فاضحة . وحج بالناس فيها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي أمير الحرمين والطائف . والعمال فيها هم العمال في التي قبلها بأعيانهم .
وفيها توفي بكر بن عبد الله المزني . وراشد بن سعد المقرائي الحمصي . ومحمد بن كعب القرظي في قول . وأبو نضرة المنذر بن مالك [ ص: 38 ] بن قطعة العبدي .
وقد ذكرنا تراجمهم في كتابنا " التكميل " . ====ثم دخلت سنة تسع ومائة
ففيها عزل هشام بن عبد الملك ، أسد بن عبد الله القسري عن إمرة خراسان ، وأمره أن يقدم إلى الحج ، فأقبل منها في رمضان ، واستخلف على خراسان الحكم بن عوانة الكلبي ، واستناب هشام على خراسان أشرس بن عبد الله السلمي ، وأمره أن يكاتب خالد بن عبد الله القسري وكان أشرس فاضلا خيرا ، وكان يسمى الكامل لذلك ، وكان أول من اتخذ المرابطة بخراسان واستعمل عليها عبد الملك بن دثار الباهلي وتولى هو الأمور بنفسه ، كبيرها وصغيرها ، ففرح به أهلها .
وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام أمير الحرمين والطائف . ====== سنة عشر ومائة من الهجرة النبوية
فيها قاتل مسلمة بن عبد الملك ملك الترك الأعظم خاقان في جموع عظيمة ، فتواقفوا نحوا من شهر ، ثم هزم الله خاقان في زمن الشتاء ، ورجع مسلمة سالما غانما ، فسلك على مسلك ذي القرنين في رجوعه إلى الشام ، وتسمى هذه الغزوة غزاة الطين ، وذلك أنهم سلكوا على مغارق ومواضع غرق فيها دواب كثيرة ، وتوحل فيها خلق كثير ، فما نجوا حتى قاسوا شدائد وأهوالا صعابا وشدادا عظاما .
وفيها دعا أشرس بن عبد الله السلمي نائب خراسان أهل الذمة بسمرقند ومن وراء النهر إلى الدخول في الإسلام ، على أن يضع عنهم الجزية ، فأجابوه إلى ذلك ، وأسلموا غالبهم ، ثم طالبهم بالجزية ، فنصبوا له الحرب وقاتلوه ، ثم كانت بينه وبين الترك حروب كثيرة ، أطال ابن جرير بسطها وشرحها فوق الحاجة .
وفيها أرسل أمير المؤمنين هشام ، عبيدة إلى إفريقية متوليا عليها ، فلما وصل جهز ابنه وأخاه في جيش ، فالتقوا مع المشركين فقتلوا منهم خلقا كثيرا ، [ ص: 41 ] وأسروا بطريقهم ، وانهزم باقيهم ، وغنم المسلمون منهم شيئا كثيرا .
وفيها فتح معاوية بن هشام حصنين من بلاد الروم وغنم غنائم جمة .
وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام . وعلى العراق خالد القسري وعلى خراسان أشرس بن عبد الله السلمي ==========ذكر من توفي فيها من الأعيان :
جرير الشاعر
وهو جرير بن الخطفى ويقال : جرير بن عطية بن الخطفى . واسم الخطفى حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار ، أبو حزرة الشاعر البصري ، قدم دمشق مرارا ، وامتدح يزيد بن معاوية والخلفاء من بعده ، ووفد على عمر بن عبد العزيز وكان في عصره من الشعراء الذين يقارنون الفرزدق ، والأخطل ، وكان جرير أشعرهم وأخيرهم .
قال غير واحد : هو أشعر الثلاثة .
قال ابن دريد ، ثنا الأشنانداني ، ثنا التوزي ، عن أبي عبيدة ، عن عثمان البتي ، قال : رأيت جريرا وما تضم شفتاه من التسبيح ، فقلت : وما ينفعك هذا [ ص: 42 ] وأنت تقذف المحصنة ؟ ! فقال : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولله الحمد إن الحسنات يذهبن السيئات [ هود : 114 ] ، وعد من الله حق .
وقال هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال : دخل رجل من بني عذرة على عبد الملك بن مروان يمتدحه بقصيدة ، وعنده الشعراء الثلاثة جرير ، والفرزدق ، والأخطل فلم يعرفهم الأعرابي ، فقال عبد الملك للأعرابي : هل تعرف أهجى بيت في الإسلام ؟ قال : نعم ، قول جرير :
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابافقال : أحسنت ، فهل تعرف أمدح بيت قيل في الإسلام ؟ قال : نعم ، قول جرير :
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح فقال : أصبت وأحسنت ، فهل تعرف أرق بيت قيل في الإسلام ؟ قال : نعم ، قول جرير :
إن العيون التي في طرفها مرض قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا فقال : أحسنت ، فهل تعرف جريرا ؟ قال : لا والله وإني إلى رؤيته لمشتاق . قال : فهذا جرير وهذا الأخطل وهذا الفرزدق . فأنشأ الأعرابي [ ص: 43 ] يقول :
فحيا الإله أبا حرزة وأرغم أنفك يا أخطل وجد الفرزدق أتعس به ودق خياشيمه الجندل فأنشأ الفرزدق يقول :
يا أرغم الله أنفا أنت حامله يا ذا الخنا ومقال الزور والخطل ما أنت بالحكم الترضى حكومته ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل ثم أنشأ الأخطل يقول :
يا شر من حملت ساق على قدم ما مثل قولك في الأقوام يحتمل إن الحكومة ليست في أبيك ولا في معشر أنت منهم إنهم سفل فقام جرير مغضبا وهو يقول :
شتمتما قائلا بالحق مهتديا عند الخليفة والأقوال تنتضل أتشتمان سفاها خيركم حسبا ففيكما وإلهي الزور والخطل شتمتماه على رفعي ووضعكما لا زلتما في سفال أيها السفل ثم وثب جرير فقبل رأس الأعرابي ، وقال : يا أمير المؤمنين ، جائزتي له . وكانت خمسة عشر ألفا ، فقال عبد الملك : وله مثلها من مالي . فقبض الأعرابي ذلك كله ، وخرج .
[ ص: 44 ] وحكى يعقوب بن السكيت أن جريرا دخل على عبد الملك مع وفد أهل العراق من جهة الحجاج فأنشده مديحه الذي يقول فيه :
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح فأطلق له مائة ناقة وثمانية من الرعاة ; أربعة من النوبة ، وأربعة من السبي الذين قدم بهم من الصغد . قال جرير وبين يدي عبد الملك جامات من فضة قد أهديت له ، وهو لا يعبأ بها شيئا ، فهو يقرعها بقضيب في يده فقلت : يا أمير المؤمنين المحلب ، فألقى إلي واحدة من تلك الجامات ، ولما رجع إلى الحجاج أعجبه إكرام أمير المؤمنين له ، فأطلق له خمسين ناقة تحمل طعاما لأهله .
وحكى نفطويه أن جريرا دخل يوما على بشر بن مروان وعنده الأخطل فقال بشر لجرير : أتعرف هذا ؟ قال : لا ، ومن هذا أيها الأمير ؟ فقال : هذا الأخطل . فقال الأخطل : أنا الذي شتمت عرضك ، وأسهرت ليلك ، وآذيت قومك . فقال جرير : أما قولك : شتمت عرضك . فما ضر البحر أن يشتمه من غرق فيه ، وأما قولك : وأسهرت ليلك . فلو تركتني أنام لكان خيرا لك ، وأما قولك : وآذيت قومك . فكيف تؤذي قوما أنت تؤدي الجزية إليهم ؟ ! وكان الأخطل من نصارى العرب المتنصرة ، قبحه الله وأبعد مثواه .
[ ص: 45 ] وقال الهيثم بن عدي ، عن عوانة بن الحكم قال : لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد إليه الشعراء فمكثوا ببابه أياما لا يؤذن لهم ولا يلتفت إليهم ، فساءهم ذلك وهموا بالرجوع إلى بلادهم ، فمر بهم رجاء بن حيوة فقال له جرير :
يا أيها الرجل المرخي عمامته هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا فدخل ولم يذكر من أمرهم شيئا ، فمر بهم عدي بن أرطاة فقال له جرير منشدا :
يا أيها الراكب المزجي مطيته هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه أني لدى الباب كالمصفود في قرن لا تنس حاجتنا لاقيت مغفرة قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني فدخل عدي على عمر بن عبد العزيز فقال : يا أمير المؤمنين ، الشعراء ببابك ، وسهامهم مسمومة ، وأقوالهم نافذة . فقال : ويحك يا عدي ! مالي وللشعراء . فقال : يا أمير المؤمنين ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يسمع الشعر ويجزي عليه ، وقد أنشده العباس بن مرداس مدحه ، فأعطاه حلة . فقال له عمر : أتروي منها شيئا ؟ قال : نعم . فأنشده :
رأيتك يا خير البرية كلها نشرت كتابا جاء بالحق معلما [ ص: 46 ] شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا عن الحق لما أصبح الحق مظلما ونورت بالبرهان أمرا مدلسا وأطفأت بالقرآن نارا تضرما فمن مبلغ عني النبي محمدا وكل امرئ يجزى بما كان قدما أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه وكان قديما ركنه قد تهدما تعالى علوا فوق عرش إلهنا وكان مكان الله أعلى وأعظما فقال عمر : ويحك يا عدي ! من بالباب منهم ؟ فقال : عمر بن أبي ربيعة فقال : أليس هو الذي يقول :
ثم نبهتها فهبت كعابا طفلة ما تبين رجع الكلام ساعة ثم إنها بعد قالت ويلتا قد عجلت يا ابن الكرام أعلى غير موعد جئت تسري تتخطى إلى رءوس النيام ما تجشمت ما تريد من الأم ر ولا جئت طارقا لخصام فلو كان عدو الله إذ فجر كتم وستر على نفسه ! لا يدخل علي والله أبدا . فمن بالباب سواه ؟ قال : همام بن غالب - يعني الفرزدق - فقال عمر : أوليس هو الذي يقول :
هما دلتاني من ثمانين قامة كما انقض باز أقتم الريش كاسره فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا أحي يرجى أم قتيل نحاذره لا يطأ والله بساطي وهو كاذب . فمن سواه بالباب ؟ قال : الأخطل . قال : [ ص: 47 ] أوليس هو الذي يقول :
ولست بصائم رمضان طوعا ولست بآكل لحم الأضاحي ولست بزاجر عنسا بكورا إلى بطحاء مكة للنجاح ولست بزائر بيتا بعيدا بمكة أبتغي فيه صلاحي ولست بقائم كالعير أدعو قبيل الصبح حي على الفلاح ولكني سأشربها شمولا وأسجد عند منبلج الصباح والله لا يدخل علي وهو كافر أبدا . فهل بالباب سوى من ذكرت ؟ قال : نعم ، الأحوص قال : أليس هو الذي يقول :
الله بيني وبين سيدها يفر مني بها وأتبعه فما هو دون من ذكرت ، فمن هاهنا غيره ؟ قال : جميل بن معمر . قال : الذي يقول :
ألا ليتنا نحيا جميعا وإن نمت يوافق في الموتى ضريحي ضريحها فما أنا في طول الحياة براغب إذا قيل قد سوي عليها صفيحها فلو كان عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا ليعمل بذلك صالحا ! والله لا يدخل علي أبدا ، فهل بالباب أحد سوى ذلك ؟ قال : نعم جرير قال : أما إنه [ ص: 84 ] الذي يقول :
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا حين الزيارة فارجعي بسلام فإن كان لا بد فأذن لجرير . فأذن له فدخل وهو يقول :
إن الذي بعث النبي محمدا جعل الخلافة للإمام العادل وسع الخلائق عدله ووفاؤه حتى ارعوى وأقام ميل المائل إني لأرجو منك خيرا عاجلا والنفس مولعة بحب العاجل فقال له عمر : ويحك يا جرير ! اتق الله فيما تقول . ثم إن جريرا استأذن عمر في الإنشاد فلم يأذن له ولم ينهه ، فأنشده قصيدة طويلة يمدحه بها ، فقال له : ويحك يا جرير ! لا أرى لك فيها هاهنا حقا . فقال : إني مسكين وابن سبيل . فقال إنا ولينا هذا الأمر ونحن لا نملك إلا ثلاثمائة درهم ، أخذت أم عبد الله مائة ، وابنها مائة ، وقد بقيت مائة . فأمر له بها ، ثم خرج على الشعراء ، فقالوا : ما وراءك يا جرير ؟ فقال : ما يسوءكم ، خرجت من عند أمير المؤمنين ، وهو يعطي الفقراء ، ويمنع الشعراء وإني عنه لراض . ثم أنشأ يقول :
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه وقد كان شيطاني من الجن راقيا وقال بعضهم فيما حكاه المعافى بن زكريا الجريري : قالت جارية للحجاج بن يوسف في جرير : إنك تدخل هذا علينا . فقال : إنه ما علمت [ إلا ] عفيفا . [ ص: 49 ] فقالت : أما إنك لو أخليتني وإياه سترى ما يصنع . فأمر بإخلائها مع جرير في مكان يراهما ولا يشعر جرير بشيء ، من ذلك فقالت له : يا جرير فأطرق رأسه وقال : ها أنا ذا . فقالت : أنشدني من قولك كذا وكذا . لشعر فيه رقة وتحنن . فقال : لست أحفظه ، ولكن أحفظ كذا وكذا . ويعرض عن ذاك ، وينشدها شعرا في مدح الحجاج فقالت : لست أسألك عن هذا ، إنما أريد كذا وكذا . فيعرض عن ذلك ، وينشدها في مدح الحجاج حتى انقضى المجلس ، فقال الحجاج : لله درك ، أبيت إلا كرما وتكرما .
وقال عكرمة : أنشدت أعرابيا بيتا لجرير الخطفى :
أبدل الليل لا تجري كواكبه أو طال حتى حسبت النجم حيرانا فقال الأعرابي : إن هذا حسن في معناه ، وأعوذ بالله من مثله ، ولكني أنشدك في ضده من قولي :
وليل لم يقصره رقاد وقصره لنا وصل الحبيب نعيم الحب أورق فيه حتى تناولنا جناه من قريب بمجلس لذة لم نقف فيه على شكوى ولا عيب الذنوب فحلنا أن نقطعه بلفظ فترجمت العيون عن القلوب فقلت له : زدني . قال : أما من هذا فحسبك ، ولكن أنشدك غيره . فأنشدني :
وكنت إذا عقدت حبال قوم صحبتهم وشيمتي الوفاء [ ص: 50 ] فأحسن حين يحسن محسنوهم وأجتنب الإساءة إن أساءوا أشاء سوى مشيئتهم فآتي مشيئتهم وأترك ما أشاء
قال ابن خلكان : كان جرير أشعر من الفرزدق عند الجمهور ، وأفخر بيت قاله جرير :
إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضابا قال : وقد سأله رجل : من أشعر الناس ؟ فأخذ بيده وأدخله على أبيه ، وإذا هو يرتضع من ثدي عنز ، فاستدعاه فنهض واللبن يسيل على لحيته ، فقال جرير للذي سأله : أتبصر هذا ؟ قال : نعم . قال : أتعرفه ؟ قال : لا . قال : هذا أبي ، وإنما يشرب من ضرع العنز ; لئلا يحلبها فيسمع جيرانه حس الحلب فيطلبوا منه لبنا ، فأشعر الناس من فاخر بهذا ثمانين شاعرا فغلبهم .
وقد كان بين جرير ، والفرزدق مقاولات ومهاجاة كثيرة جدا يطول ذكرها ، وقد مات في سنة عشر ومائة . قاله خليفة بن خياط وغير واحد ، قال خليفة : مات الفرزدق ، وجرير بعده بأشهر . وقال الصولي : ماتا في سنة إحدى عشرة ومائة ، ومات الفرزدق قبل جرير بأربعين يوما .
وقال الكديمي عن الأصمعي عن أبيه قال : رأى رجل جريرا في المنام [ ص: 51 ] بعد موته ، فقال له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي . فقيل : بماذا ؟ قال : بتكبيرة كبرتها بالبادية . قيل له : فما فعل الفرزدق ؟ قال : أيهات ، أهلكه قذف المحصنات . قال الأصمعي : لم يدعه في الحياة ولا في الممات .
وأما الفرزدق :
فاسمه همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة ، أبو فراس بن أبي خطل التميمي البصري الشاعر المعروف بالفرزدق ، وجده صعصعة بن ناجية صحابي ، وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يحيي الموءودة في الجاهلية .
حدث الفرزدق ، عن علي أنه وفد مع أبيه عليه ، فقال : من هذا ؟ قال : ابني وهو شاعر . قال : علمه القرآن فهو خير له من الشعر . وسمع الحسين بن علي ورآه وهو ذاهب إلى العراق وأبا هريرة ، وأبا سعيد الخدري ، وعرفجة بن أسعد ، وزرارة بن كرب ، والطرماح بن عدي الشاعر .
وروى عنه خالد الحذاء ، ومروان الأصفر ، وحجاج بن حجاج الأحول [ ص: 52 ] وجماعة ، وقد وفد على معاوية يطلب ميراث عمه الحتات ، وعلى الوليد بن عبد الملك وعلى أخيه هشام ولم يصح ذلك .
وقال أشعث بن عبد الملك عن الفرزدق قال : نظر أبو هريرة إلى قدمي فقال : يا فرزدق إني أرى قدميك صغيرتين ، فاطلب لهما موضعا في الجنة . فقلت : إن ذنوبي كثيرة . فقال : لا تأيس ; فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة ، لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها " .
وقال معاوية بن عبد الكريم عن أبيه قال : دخلت على الفرزدق فتحرك ، فإذا في رجله قيد ، فقلت : ما هذا؟ ! فقال : حلفت أن لا أنزعه حتى أحفظ القرآن .
وقال أبو عمرو بن العلاء : ما رأيت بدويا أقام بالحضر إلا فسد لسانه إلا رؤبة بن العجاج ، والفرزدق ، فإنهما زادا على طول الإقامة جدة وحدة .
وقال راويته أبو شفقل : طلق الفرزدق امرأته النوار ثلاثا ، ثم جاء فأشهد على ذلك الحسن البصري ثم ندم على طلاقها وإشهاده الحسن على [ ص: 53 ] ذلك ، فأنشأ يقول :
ندمت ندامة الكسعي لما غدت مني مطلقة نوار وكانت جنتي فخرجت منها كآدم حين أخرجه الضرار فلو أني ملكت يدي وقلبي لكان علي للقدر الخيار وقال الأصمعي وغير واحد : لما ماتت النوار بنت أعين بن ضبيعة المجاشعي امرأة الفرزدق وكانت قد أوصت أن يصلي عليها الحسن البصري فشهدها أعيان أهل البصرة والحسن على بغلته والفرزدق على بعيره فسارا ، فقال الحسن ، للفرزدق : ماذا يقول الناس ؟ قال : يقولون : شهد هذه الجنازة اليوم خير الناس . يعنونك ، و : شر الناس . يعنوني . فقال له : يا أبا فراس لست بخير الناس ، ولست بشر الناس . ثم قال له الحسن : ما أعددت لهذا اليوم ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، منذ ثمانين سنة . فلما أن صلى عليها الحسن مالوا إلى قبرها لدفنها ، فأنشأ الفرزدق يقول :
أخاف وراء القبر إن لم يعافني أشد من القبر التهابا وأضيقا إذا جاءني يوم القيامة قائد عنيف وسواق يسوق الفرزدقا لقد خاب من أولاد آدم من مشى إلى النار مغلول القلادة أزرقا يساق إلى نار الجحيم مسربلا سرابيل قطران لباسا مخرقا [ ص: 54 ] إذا شربوا فيها الصديد رأيتهم يذوبون من حر الصديد تمزقا قال : فبكى الحسن حتى بل الثرى ، ثم التزم الفرزدق وقال : لقد كنت من أبغض الناس إلي ، وإنك اليوم من أحب الناس إلي .
وقال له بعضهم : ألا تخاف من الله في قذف المحصنات ؟ فقال : والله لله أحب إلي من عيني اللتين أبصر بهما ، فكيف يعذبني ؟ !
وقد قدمنا أنه مات سنة عشر ومائة قبل جرير بأربعين يوما . وقيل : بأشهر . والله أعلم .
وأما الحسن ، وابن سيرين فقد ذكرنا ترجمة كل منهما مبسوطة في كتابنا " التكميل " . وحسبنا الله ونعم الوكيل .
فأما الحسن بن أبي الحسن
واسمه يسار ، أبو سعيد البصري مولى زيد بن ثابت ويقال : مولى جابر بن عبد الله . وقيل غير ذلك ، وأمه خيرة مولاة أم سلمة كانت تخدمها ، فربما أرسلتها في الحاجة فتشتغل عن ولدها الحسن وهو رضيع ، فتشاغله أم سلمة بثديها ، فيدر عليه فيرتضع منها ، فكانوا يرون أن تلك الحكمة والعلوم التي أوتيها الحسن من بركة تلك الرضاعة من الثدي المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم كان وهو صغير تخرجه أمه إلى الصحابة فيدعون له ، وكان في جملة من يدعو له عمر بن الخطاب قال : اللهم فقهه [ ص: 55 ] في الدين ، وحببه إلى الناس .
وسئل مرة أنس بن مالك عن مسألة فقال : سلوا عنها مولانا الحسن فإنه سمع وسمعنا ، فحفظ ونسينا .
وقال ابن مرة : إني لأغبط أهل البصرة بهذين الشيخين الحسن ، وابن سيرين .
وقال قتادة : ما جالست رجلا فقيها إلا رأيت فضل الحسن عليه . وقال أيضا : ما رأت عيناي أفقه من الحسن .
وقال أيوب : كان الرجل يجالس الحسن ثلاث حجج ما يسأله عن مسألة ; هيبة له .
وقال الشعبي لرجل يريد قدوم البصرة : إذا نظرت إلى رجل أجمل أهل البصرة وأهيبهم فهو الحسن فأقرئه مني السلام .
وقال يونس بن عبيد : كان الرجل إذا نظر إلى الحسن انتفع به ، وإن لم يسمع كلامه ولم ير عمله .
[ ص: 56 ] وقال الأعمش : ما زال الحسن يعي الحكمة حتى نطق بها ، وكان أبو جعفر إذا ذكره يقول : ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء .
وقال محمد بن سعد : قالوا : كان الحسن جامعا للعلم والعمل ، عالما رفيعا فقيها ، ثقة مأمونا ، عابدا ناسكا ، كثير العلم والعمل ، فصيحا جميلا وسيما ، وقدم مكة فأجلس على سرير ، واجتمع الناس إليه ، فحدثهم . وكان فيهم مجاهد ، وعطاء ، وطاوس ، وعمرو بن شعيب فقالوا : لم نر مثل هذا قط .
قال أهل التاريخ : مات الحسن عن ثمان وثمانين سنة عام عشر ومائة ، في مستهل رجب منها ، بينه وبين محمد بن سيرين مائة يوم .
وأما ابن سيرين
فهو محمد بن سيرين أبو بكر بن أبي عمرة الأنصاري مولى أنس بن مالك النضري كان أبو محمد من سبي عين التمر ، أسره خالد بن الوليد في جملة السبي ، فاشتراه أنس ثم كاتبه ، ثم ولد له من الأولاد الأخيار جماعة ؛ محمد هذا ، وأنس بن سيرين ، ومعبد ، ويحيى ، وحفصة ، وكريمة وكلهم تابعيون ثقاة أجلاء ، رحمهم الله .
قال البخاري : ولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان .
[ ص: 57 ] وقال هشام بن حسان : هو أصدق من أدركت من البشر .
وقال محمد بن سعد : كان ثقة مأمونا ، عالما رفيعا ، فقيها إماما ، كثير العلم ورعا ، وكان به صمم .
وقال مورق العجلي : ما رأيت رجلا أفقه في ورعه ، وأورع في فقهه منه .
وقال ابن عون : كان محمد بن سيرين أرجى الناس لهذه الأمة ، وأشد الناس إزراء على نفسه .
قال ابن عون : لم أر في الدنيا مثل ثلاثة محمد بن سيرين بالعراق والقاسم بن محمد بالحجاز ورجاء بن حيوة بالشام وكانوا يأتون بالحديث على حروفه .
وكان الشعبي يقول : عليكم بذاك الأصم . يعني محمد بن سيرين .
وقال ابن شوذب : ما رأيت أحدا أجرأ على الرؤيا منه ، ولا أجبن عن فتيا منه .
وقال عثمان البتي : لم يكن بالبصرة أعلم بالقضاء منه .
[ ص: 58 ] قالوا : ومات في تاسع شوال من هذه السنة بعد الحسن بمائة يوم .
وفيها توفي وهب بن منبه اليماني وهو تابعي جليل ، وله معرفة بكتب الأوائل ، وهو يشبه كعب الأحبار وكان له صلاح وعبادة ، ويروى عنه أقوال حسنة وحكم ومواعظ ، وقد بسطنا ترجمته في كتابنا " التكميل " ولله الحمد .
قال الواقدي : توفي بصنعاء سنة عشر ومائة ، وقال غيره : بعدها بسنة . وقيل : بأكثر . والله أعلم .
[ ص: 59 ] ويزعم بعض الناس أن قبره في بصرى بقرية يقال لها : عصم . ولم أجد لذلك أصلا ، والله أعلم=======ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائة
ففيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى ، وغزا سعيد بن هشام الصائفة اليمنى ، حتى بلغ قيسارية من بلاد الروم .
وفيها عزل هشام بن عبد الملك أشرس بن عبد الله السلمي عن إمرة خراسان وولى عليها الجنيد بن عبد الرحمن المري وولى الجراح بن عبد الله الحكمي إرمينية .
وفيها قصدت الترك بلاد أذربيجان فلقيهم الحارث بن عمرو فهزمهم ، ولما وصل الجنيد بن عبد الرحمن إلى خراسان أميرا عليها ، تلقته خيول الأتراك منهزمين من المسلمين وهو في سبعة آلاف ، فتصافوا واقتتلوا قتالا شديدا ، وطمعوا فيه وفيمن معه لقلتهم بالنسبة إليهم ، ومعهم ملكهم خاقان ، فكاد الجنيد أن يهلك ، ثم أظفره الله بهم ، فهزمهم هزيمة منكرة ، وأسر ابن أخي ملكهم ، وبعث به إلى الخليفة .
وحج بالناس فيها إبراهيم بن هشام المخزومي وهو أمير الحرمين والطائف ، وأمير العراق خالد القسري وأمير خراسان الجنيد بن عبد الرحمن المري . ==========ثم دخلت سنة ثنتي عشرة ومائة .
فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة فافتتح حصونا من ناحية ملطية .
وفيها سارت الترك من اللان فلقيهم الجراح بن عبد الله الحكمي فيمن معه من أهل الشام وأذربيجان فاقتتلوا قبل أن يتكامل إليه جيشه ، فاستشهد الجراح ، رحمه الله ، وجماعة معه بمرج أردبيل وأخذ العدو أردبيل . فلما بلغ ذلك هشام بن عبد الملك بعث سعيد بن عمرو الحرشي في جيش سريعا ، فلحق الترك وهم يسيرون بأسارى المسلمين إلى نحو ملكهم خاقان ، فاستنقذ منهم من كان معهم من المسلمين ومن أهل الذمة أيضا ، وقتل في الترك مقتلة عظيمة جدا ، وأسر منهم خلقا كثيرا ، فقتلهم صبرا ، وشفى ما كان تغلث من القلوب ، ولم يكتف هشام بن عبد الملك بذلك حتى أرسل أخاه مسلمة بن عبد الملك في أثر الترك فسار إليهم في برد شديد وشتاء عظيم ، فوصل إلى باب الأبواب ، واستخلف عنده أميرا ، وسار هو بمن معه في طلب الأتراك وملكهم خاقان ، وكان من أمره معهم ما سنذكره ، ونهض أمير خراسان في طلب الأتراك أيضا في جيش كثيف ، فوصل إلى نهر بلخ ووجه إليهم سرية ; ثمانية عشر ألفا ، وأخرى عشرة آلاف يمنة ويسرة ، [ ص: 62 ] وجاشت الترك فأتوا سمرقند ، فكتب أميرهم إليه يعلمه بهم ، وأنه لا يقدر على صون سمرقند منهم ، ومعهم ملكهم الأعظم خاقان ، فالغوث الغوث . فسار الجنيد مسرعا في جيش كثيف نحو سمرقند ، حتى وصل إلى شعب سمرقند ، وبقي بينه وبينها أربعة فراسخ ، فصبحه خاقان في جمع عظيم ، فحمل خاقان على مقدمة الجنيد فانحازوا إلى العسكر ، والترك تتبعهم من كل جانب ، فتراءى الجمعان والمسلمون يتغدون ، ولا يشعرون بانهزام مقدمتهم وانحيازها إليهم ، فنهضوا إلى السلاح ، واصطفوا على منازلهم ، وذلك في مجال واسع ، ومكان بارز فالتقوا ، فحملت الترك على الميمنة ، وفيها بنو تميم والأزد فقتل منها ومن غيرهم خلق كثير ممن أراد الله كرامته بالشهادة ، وقد برز بعض شجعان المسلمين لجماعة من شجعان الترك فقتلهم ، فناداه ترجمان الملك : إن صرت إلينا جعلناك فيمن يرفض الصنم الأعظم فنعبدك . فقال : ويحكم ! إنما أقاتلكم على أن تعبدوا الله وحده لا شريك له . ثم قاتلهم حتى قتل ، رحمه الله .
ثم تناخى المسلمون ، وتداعت الأبطال والشجعان من كل مكان ، وصبروا وصابروا ، وحملوا على الترك حملة رجل واحد فهزمهم الله عز وجل ، وقتلوا منهم خلقا كثيرا ، ثم عطفت الترك عليهم ، فقتلوا من المسلمين خلقا حتى لم يبق سوى ألفين ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وقتل يومئذ سودة بن أبجر واستأسروا من المسلمين جماعة كثيرة ، فحملوهم إلى الملك خاقان ، فأمر بقتلهم عن آخرهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وهذه الوقعة يقال لها : وقعة الشعب . وقد بسطها ابن جرير جدا============= وممن توفي فيها من الأعيان :
رجاء بن حيوة الكندي
أبو المقدام ويقال : أبو نصر . وهو تابعي جليل ، كبير القدر ثقة فاضل عادل ، وزير صدق لخلفاء بني أمية وكان مكحول إذا سئل يقول : سلوا شيخنا وسيدنا رجاء بن حيوة . وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة ، ووثقوه في الرواية ، وله روايات وكلام حسن ، رحمه الله .
شهر بن حوشب الأشعري الحمصي ،
ويقال : إنه دمشقي . تابعي جليل ، روى عن مولاته أسماء بنت يزيد بن السكن وغيرها ، وحدث عنه جماعة من ثقات التابعين وغيرهم ، وكان عالما عابدا ناسكا ، لكن تكلم فيه جماعة بسبب أخذه خريطة من بيت المال بغير إذن ولي الأمر ، فعابوه ونزكوا عرضه ، وتركوا حديثه ، وأنشدوا فيه الشعر ، منهم شعبة وغيره . ويقال : إنه سرق غيرها . فالله أعلم . وقد وثقه جماعات آخرون وقبلوا روايته وأثنوا عليه وعلى عبادته ودينه واجتهاده ، وقالوا : لا يقدح في روايته ما أخذه من بيت المال إن صح عنه . وقد كان واليا عليه متصرفا فيه . فالله أعلم .
[ ص: 64 ] قال الواقدي : توفي شهر في هذه السنة . أعني سنة اثنتي عشرة ومائة . وقيل : قبلها بسنة . وقيل : سنة مائة . فالله أعلم . ========== ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائة
ففيها غزا معاوية بن هشام أرض الروم من ناحية مرعش .
وفيها صار جماعة من دعاة بني العباس إلى خراسان وانتشروا فيها ، وقد أخذ أميرهم رجلا منهم فقتله ، وتوعد غيره بمثل ذلك .
وفيها وغل مسلمة بن عبد الملك في بلاد الترك فقتل منهم خلقا كثيرا وأمما منتشرة ، حتى قتل ابن خاقان وفتح بلادا كثيرة ، ودانت له تلك الممالك من ناحية بلنجر وأعمالها .
وفيها حج بالناس سليمان بن هشام بن عبد الملك . قاله الواقدي . وأبو معشر . وحكى ابن جرير عن بعضهم أنه حج بالناس إبراهيم بن هشام المخزومي . فالله أعلم . ونواب البلاد هم المذكورن في التي قبلها================وممن توفي فيها من الأعيان :
قال ابن جرير : فيها كان مهلك
الأمير عبد الوهاب بن بخت
وهو مع البطال عبد الله بأرض الروم . قتل شهيدا ، وهذه ترجمته :
[ ص: 66 ]
هو عبد الوهاب بن بخت أبو عبيدة ويقال : أبو بكر . مولى آل مروان ، مكي سكن الشام ثم تحول إلى المدينة روى عن ابن عمر ، وأنس وأبي هريرة وجماعة من التابعين . وعنه خلق منهم أيوب ، ومالك بن أنس ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وعبيد الله العمري .
حديثه عن أنس مرفوعا : " نضر الله امرأ سمع مقالتي هذه فوعاها ، ثم بلغها غيره ، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث لا يغل عليهن صدر مؤمن ; إخلاص العمل لله ، ومناصحة أولي الأمر ، ولزوم جماعة المسلمين ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم " .
وروى عن أبي الزناد عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه ، فإن حالت بينهما شجرة ثم لقيه ، فليسلم عليه . وقد وثق عبد الوهاب هذا جماعات من أئمة العلم .
وقال مالك : كان كثير الحج والعمرة والغزو حتى استشهد ، ولم يكن أحق بما في رحله من رفقائه . وكان سمحا جوادا ، استشهد ببلاد الروم مع الأمير [ ص: 67 ] أبي محمد عبد الله البطال ودفن هناك ، رحمه الله تعالى . وكانت وفاته في هذه السنة . قاله خليفة وغيره . وذلك أنه لقي العدو ، ففر بعض المسلمين ، فجعل ينادي ويركض فرسه نحو العدو ; أن هلموا إلى الجنة ، ويحكم ! أتفرون من الجنة؟ ! ثم قاتل حتى قتل ، رحمه الله .
مكحول الشامي ،
تابعي جليل ، كبير القدر ، إمام أهل الشام في زمانه ، وكان مولى لامرأة من هذيل وقيل : مولى امرأة من آل سعيد بن العاص . وكان نوبيا . وقيل : من سبي كابل . وقيل : كان من الأبناء ، من سلالة الأكاسرة . وقد ذكرنا نسبه في كتابنا " التكميل " .
وقال محمد بن إسحاق : سمعته يقول : طفت الأرض كلها في طلب العلم .
وقال الزهري : العلماء أربعة سعيد بن المسيب بالحجاز والحسن البصري بالبصرة والشعبي بالكوفة ومكحول بالشام .
وقال بعضهم : كان لا يستطيع أن يقول : قل . وإنما يقول : كل . وكان له وجاهة عند الناس ، مهما أمر به من شيء يفعل .
وقال سعيد بن عبد العزيز : كان أفقه أهل الشام وكان أفقه من الزهري .
[ ص: 68 ] وقال غير واحد : توفي في هذه السنة . وقيل : بعدها . فالله أعلم .
[ ص: 69 ]===============ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائة
فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى ، وعلى اليمنى سليمان بن هشام بن عبد الملك وفيها التقى عبد الله البطال وملك الروم المسمى فيهم قسطنطين وهو ابن هرقل الأول الذي كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فأسره البطال فأرسله إلى سليمان بن هشام فسار به إلى أبيه .
وفيها عزل هشام عن إمرة مكة والمدينة والطائف إبراهيم بن هشام بن إسماعيل وولى عليها أخاه محمد بن هشام ، فحج بالناس في هذه السنة في قول . وقال الواقدي ، وأبو معشر : إنما حج بالناس في هذه السنة خالد بن عبد الملك بن مروان . والله أعلم . ==============وممن توفي فيها من الأعيان :
عطاء بن أبي رباح
الفهري مولاهم أبو محمد المكي أحد كبار التابعين الثقات الرفعاء ، يقال : إنه أدرك مائتي صحابي .
[ ص: 70 ] وقال ابن سعد : سمعت بعض أهل العلم يقول : كان عطاء أسود ، أعور ، أفطس ، أشل ، أعرج ، ثم عمي بعد ذلك ، وكان ثقة فقيها عالما كثير الحديث .
وقال أبو جعفر الباقر وغير واحد : ما بقي أحد في زمانه أعلم بالمناسك منه . وزاد بعضهم : وكان قد حج سبعين حجة ، وعمر مائة سنة ، وكان في آخر عمره يفطر في رمضان ; من الكبر والضعف ، ويفدي عن إفطاره ، ويتأول الآية : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين [ البقرة : 184 ] .
وكان ينادي منادي بني أمية في أيام منى : لا يفتي الناس في الحج إلا عطاء بن أبي رباح .
وقال أبو جعفر الباقر : ما رأيت فيمن لقيت أفقه منه .
وقال الأوزاعي : مات عطاء يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عندهم .
وقال ابن جريج : كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة . وكان من أحسن الناس صلاة .
وقال قتادة : كان سعيد بن المسيب ، والحسن ، وإبراهيم ، وعطاء هؤلاء [ ص: 71 ] أئمة الأمصار .
وقال عطاء : إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأني لم أكن سمعته ، وقد سمعته قبل أن يولد .
الجمهور على أنه مات في هذه السنة ، رحمه الله ========== ] ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائة
ففيها وقع طاعون بالشام . وحج بالناس فيها محمد بن هشام بن إسماعيل وهو نائب الحرمين والطائف . والنواب في سائر البلاد هم المذكورون في التي قبلها . والله أعلم .=======وممن توفي فيها من الأعيان :
أبو جعفر الباقر .
وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو جعفر الباقر وأمه أم عبد الله بنت الحسين بن علي وهو تابعي جليل القدر ، كثير العلم ، أحد أعلام هذه الأمة علما وعملا وعبادة ونسبا وشرفا ، وهو أحد من تدعي فيه طائفة الشيعة أنه أحد الأئمة الاثني عشر ، ولم يكن الرجل على طريقهم ولا على منوالهم ، ولا يدين بما وقع في أذهانهم وأوهامهم وخيالهم ، بل كان ممن يقدم أبا بكر ، وعمر وذلك عنده صحيح في الأثر ، وقال أيضا : ما أدركت أحدا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما . رضي الله عنهما وعنه .
وقد روى عن غير واحد من الصحابة ، وحدث عنه جماعة من كبار التابعين [ ص: 73 ] وغيرهم ، فممن روى عنه ; ابنه جعفر الصادق ، والحكم بن عتيبة ، وربيعة ، والأعمش ، والأوزاعي ، والأعرج - وهو أسن منه - وابن جريح ، وعطاء ، وعمرو بن دينار ، والزهري ، وأبو إسحاق السبيعي .
وقال سفيان بن عيينة عن جعفر الصادق قال : حدثني أبي وكان خير محمدي على وجه الأرض .
وقال العجلي : هو مدني تابعي ثقة .
وقال محمد بن سعد : كان ثقة كثير الحديث .
وكانت وفاته في هذه السنة في قول . وقيل : في التي قبلها . وقيل : في التي بعدها . أو في التي هي بعدها أو بعد بعدها . فالله أعلم . وقد جاوز السبعين ، وقيل : لم يجاوز الستين . والله أعلم .==========] ثم دخلت سنة ست عشرة ومائة
ففيها غزا معاوية بن هشام الصائفة وفيها وقع طاعون بالشام والعراق وكان معظم ذلك في واسط .
وفي المحرم منها توفي الجنيد بن عبد الرحمن المري أمير خراسان من مرض أصابه في بطنه ، وكان قد تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب فتغضب عليه أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك فعزله وولى مكانه عاصم بن عبد الله على خراسان ، وقال له : إن أدركته قبل أن يموت فأزهق روحه . فما قدم عاصم بن عبد الله خراسان حتى مات الجنيد في المحرم منها بمرو وقد قال فيه أبو الجويرية عيسى بن عصبة يرثيه :
هلك الجود والجنيد جميعا فعلى الجود والجنيد السلام أصبحا ثاويين في بطن مرو ما تغنى على الغصون الحمام كنتما نزهة الكرام فلما مت مات الندى ومات الكرامولما قدم عاصم بن عبد الله خراسان أخذ نواب الجنيد بالضرب البليغ وأنواع العقوبات ، وعسفهم في المصادرات والجنايات ، فخرج عن طاعته الحارث بن [ ص: 75 ] سريج وبارزه بالحرب ، وجرت بينهم حروب يطول ذكرها ، ثم هزم في آخر الأمر الحارث بن سريج وظهر عاصم عليه .
قال الواقدي : وفيها حج بالناس الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهو ولي الأمر من بعد عمه هشام بن عبد الملك===========ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائة
فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى وسليمان بن هشام الصائفة اليمنى .
وفيها بعث مروان بن محمد - وهو على إرمينية - بعثين ، ففتح حصونا من بلاد اللان ونزل كثير منهم على الإيمان .
وفيها عزل هشام عاصم بن عبد الله الهلالي عن إمرة خراسان ، وضمها إلى خالد بن عبد الله القسري مع العراق معادة إليه ، جريا على ما سبق له من العادة ; وكان ذلك عن كتاب عاصم بن عبد الله الهلالي : إن ولاية خراسان لا تصلح إلا مع ولاية العراق . فأجابه هشام إلى ذلك قبولا لنصيحته .
وفيها توفي
قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري الأعمى أحد علماء التابعين والأئمة العاملين ، روى عن أنس بن مالك وجماعة من التابعين ، منهم سعيد بن المسيب ، وأبو العالية ، وزرارة بن أوفى ، وعطاء ، ومجاهد ، ومحمد بن سيرين ، ومسروق ، وأبو مجلز وغيرهم . وحدث عنه جماعات من الكبار كأيوب ، وحماد بن مسلمة ، وحميد الطويل ، وسعيد بن أبي عروبة [ ص: 77 ] والأعمش ، وشعبة ، والأوزاعي ، والليث ، ومسعر ، ومعمر ، وهمام .
قال ابن المسيب : ما جاءني عراقي أفضل منه . وقال بكر المزني : ما رأيت أحفظ منه . وقال محمد بن سيرين : هو من أحفظ الناس . وقال مطر الوراق : كان قتادة إذا سمع الحديث يأخذه العويل والزويل حتى يحفظه . وقال الزهري : هو أعلم من مكحول . وقال معمر : ما رأيت أفقه من الزهري ، وحماد ، وقتادة . وقال قتادة : ما سمعت شيئا إلا وعاه قلبي .
وقال أحمد بن حنبل : هو أحفظ أهل البصرة ، لا يسمع شيئا إلا حفظه ، وقرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها ، وكان من العلماء . وذكر يوما ، فأثنى على علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير وغير ذلك . وقال : قلما تجد من يتقدمه ، أما المثل فلعل !
وقال أبو حاتم : كانت وفاته بواسط في الطاعون - يعني في هذه السنة - وعمره ست أو سبع وخمسون سنة .
وفيها توفي أبو الحباب سعيد بن يسار ، والأعرج ، وابن أبي مليكة [ ص: 78 ] وعبد الله بن أبي زكريا الخزاعي ، وميمون بن مهران ، وموسى بن وردان .
ونافع مولى ابن عمر
أبو عبد الله المدني أصله من بلاد المغرب وقيل : من نيسابور . وقيل : من كابل . وقيل غير ذلك . روى عن مولاه عبد الله بن عمر وجماعة من الصحابة ; مثل رافع بن خديج ، وأبي سعيد ، وأبي هريرة وعائشة وأم سلمة وغيرهم ، وروى عنه خلق من التابعين وغيرهم ، وكان من الثقات النبلاء والأئمة الأجلاء .
قال البخاري : أصح الأسانيد مالك ، عن نافع عن ابن عمر . وقال غيره : كان عمر بن عبد العزيز قد بعثه إلى مصر يعلم الناس السنن . وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة ووثقوه . ومات في هذه السنة على المشهور . رحمه الله .
وممن توفي في سنة سبع عشرة ومائة :
ذو الرمة الشاعر
واسمه غيلان بن عقبة بن بهيش من بني عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر [ ص: 79 ] أبو الحارث أحد فحول الشعراء ، وله ديوان مشهور ، وكان يتغزل في مية بنت مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقري وكانت جميلة ، وكان هو دميم الخلق ، أسود اللون ، ولم يكن بينهما فحش ولا خنا ، ولم يكن رآها قط ولا رأته ، وإنما كانت تسمع به ويسمع بها ، ويقال : إنها كانت تنذر إن هي رأته أن تذبح جزورا ، فلما رأته قالت : واسوأتاه واسوأتاه . ولم تبد له وجهها قط إلا مرة واحدة ، فأنشأ يقول :
على وجه مي مسحة من حلاوة وتحت الثياب العار لو كان بادياقال : فانسلخت من ثيابها ، فأنشأ يقول :
ألم تر أن الماء يخبث طعمه وإن كان لون الماء أبيض صافيا فقالت : تريد أن تذوق طعمه ؟ فقال : إي والله . فقالت : تذوق الموت قبل أن تذوقه . فأنشأ يقول :
فواضيعة الشعر الذي لج وانقضى بمي ولم أملك ضلال فؤاديا قال القاضي ابن خلكان : ومن شعره السائر بين الناس ما أنشده :
إذا هبت الأرواح من نحو جانب به أهل مي هاج قلبي هبوبها [ ص: 80 ] هوى تذرف العينان منه وإنما هوى كل نفس أين حل حبيبها وأنشد عند الموت :
يا قابض الروح عن نفسي إذا احتضرت وغافر الذنب زحزحني عن النار ================== ثم دخلت سنة ثماني عشرة ومائة
فيها غزا معاوية ، وسليمان ابنا أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بلاد الروم .
وفيها قصد شخص يقال له : عمار بن يزيد . ثم تسمى بخداش إلى بلاد خراسان فدعا الناس إلى خلافة محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فاستجاب له خلق كثير ، فلما التفوا عليه دعاهم إلى مذهب الخرمية الزنادقة وأباح لهم نساء بعضهم بعضا ، وزعم لهم أن محمد بن علي يقول ذلك ، وقد كذب عليه ، فأظهر الله عليه الدولة ، فأخذ فجيء به إلى خالد بن عبد الله القسري أمير العراق وخراسان فأمر به فقطعت يده وسل لسانه ثم صلب بعد ذلك .
وفيها حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي أمير المدينة ومكة والطائف وقيل : إن إمرة المدينة كانت مع خالد بن عبد الملك بن مروان . والصحيح أنه كان قد عزل ، وولي محمد بن هشام بن إسماعيل وكانت إمرة العراق إلى خالد بن عبد الله القسري ، ونائبه على خراسان وأعمالها أخوه أسد بن عبد الله القسري .
[ ص: 82 ] وفيها كانت وفاة
علي بن عبد الله بن عباس
بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ، أبو الحسن ويقال : أبو محمد ، وأمه زرعة بنت مشرح بن معد يكرب الكندي - أحد الملوك الأربعة المذكور في الحديث الذي رواه أحمد وهم مشرح ، وجمد ، ومخوس ، وأبضعة وأختهم العمردة - وكان مولد علي هذا يوم قتل علي بن أبي طالب فسماه أبوه باسمه ، وكناه بكنيته ، وقيل : إنه ولد في حياة علي وهو الذي سماه وكناه ، ولقبه بأبي الأملاك .
فلما وفد على عبد الملك بن مروان أجلسه معه على السرير ، وسأله عن اسمه وكنيته ، فأخبره ، فقال له : ألك ولد ؟ قال : نعم ، ولد لي ولد سميته محمدا . فقال له : أنت أبو محمد . وأجزل عطيته ، وأحسن إليه .
وقد كان علي هذا في غاية العبادة والزهادة ، والعلم والعمل ، وحسن الشكل ، والعدالة والثقة ، كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة . قال عمرو بن علي الفلاس : كان من خيار الناس . وكانت وفاته بالحميمة من أرض البلقاء في هذه السنة ، وقد قارب الثمانين .
وقد ذكر ابن خلكان أنه تزوج لبابة بنت عبد الله بن جعفر التي كانت [ ص: 83 ] تحت عبد الملك بن مروان وطلقها عبد الملك وكان سبب طلاقه إياها أنه عض تفاحة ثم رمى بها إليها ، فأخذت السكين ، فحزت من التفاحة ما مس فمه منها ، فقال : ولم تفعلين هذا ؟ فقالت : أزيل الأذى عنها . وذلك لأن عبد الملك كان أبخر ، فطلقها ، فلما تزوجها علي بن عبد الله بن عباس هذا نقم عليه الوليد بن عبد الملك ذلك ، فضربه بالسياط ، وقال : إنما أردت أن تذل بنيها من الخلفاء . وضربه مرة ثانية ; لأنه اشتهر عنه أنه قال إن الخلافة صائرة إلى بنيه . فوقع الأمر كذلك .
وذكر المبرد أنه دخل على هشام بن عبد الملك ومعه ابنا ابنه السفاح ، والمنصور وهما صغيران ، فأكرمه هشام وأدنى مجلسه ، وأطلق له مائة وثلاثين ألفا ، وجعل علي بن عبد الله يوصيه بابنيه خيرا ، ويقول : إنهما سيليان الأمر . فجعل هشام يتعجب من سلامة باطنه ، وينسبه في ذلك إلى الحمق ، فوقع الأمر كما قال .
قالوا : وقد كان علي في غاية الجمال وتمام القامة ، كان بين الناس كأنه راكب ، وكان إلى منكب أبيه عبد الله وكان عبد الله إلى منكب أبيه العباس وكان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب وقد بايع كثير من الناس لابنه محمد بالخلافة قبل هذه السنة بسنوات ، ولكن لم يظهر أمره حتى مات ، فقام بالأمر من بعده ولده عبد الله أبو العباس السفاح وكان ظهوره في سنة ثنتين وثلاثين ، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
[ ص: 84 ] وممن توفي في هذه السنة : عمرو بن شعيب ، وعبادة بن نسي ، وأبو صخرة جامع بن شداد ، وأبو عشانة المعافري =======================ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة
ففيها غزا الوليد بن القعقاع العبسي أرض الروم .
وفيها قتل أسد بن عبد الله القسري ملك الترك الأعظم خاقان ، وكان سبب ذلك أن أسد بن عبد الله أمير خراسان عمل نيابة عن أخيه خالد بن عبد الله على العراق ثم سار بجيوشه إلى مدينة ختل فافتتحها ، وتفرقت في أرضها جنوده يقتلون ويأسرون ويغنمون ، فجاءت العيون إلى ملك الترك خاقان أن جيش أسد قد تفرق في بلاد ختل فاغتنم خاقان هذه الفرصة ، فركب من فوره في جنوده قاصدا إلى أسد وتزود خاقان وأصحابه سلاحا كثيرا ، وقديدا وملحا ، وساروا في خلق عظيم ، وجاءت العين الصافية إلى أسد فأعلموه بقصد خاقان له في جيش عظيم كثيف ، فتجهز لذلك ، وأخذ أهبته ، فأرسل من فوره إلى أطراف جيشه فلمها عليه ، وأشاع بعض الناس أن خاقان قد هجم على أسد بن عبد الله فقتله وأصحابه ; ليحصل بذلك خذلان لأصحابه فلا يجتمعوا إليه ، فرد الله كيدهم في نحورهم ، وجعل تدميرهم في تدبيرهم ، وذلك أن المسلمين لما سمعوا بذلك أخذتهم حمية الإسلام ، وازدادوا حنقا على عدوهم ، وعزموا على الأخذ بالثأر فقصدوا الموضع الذي فيه أسد فإذا هو حي قد اجتمعت عليه العساكر من كل جانب ، وسار أسد نحو خاقان حتى أتى جبل الملح وأراد أن يخوض [ ص: 86 ] نهر بلخ ، وكان معهم أغنام كثيرة ، فكره أسد أن يتركها وراء ظهره ، فأمر كل فارس أن يحمل بين يديه شاة على عنقه ، وتوعد من لم يفعل ذلك بقطع اليد ، وحمل هو معه شاة ، وخاضوا النهر ، فما خلصوا منه جيدا حتى دهمهم خاقان من ورائهم في خيل دهم ، فقتلوا من وجدوه لم يقطع النهر وبعض الضعفة ، فلما وقفوا على حافة النهر أحجموا ، وظن المسلمون أنهم لا يقطعون إليهم النهر ، فتشاور الأتراك فيما بينهم ، ثم اتفقوا على أن يحملوا حملة واحدة - وكانوا خمسين ألفا - فيقتحموا النهر ، فضربوا بكوساتهم ضربا شديدا ، حتى ظن المسلمون أنهم معهم في عسكرهم ، ثم رموا بأنفسهم في النهر رمية رجل واحد ، فجعلت خيولهم تنخر أشد النخير ، وخرجوا منه إلى ناحية المسلمين ، فثبت المسلمون في معسكرهم ، وكانوا قد خندقوا حولهم خندقا لا يخلصون إليهم منه ، فبات الجيشان تتراءى ناراهما ، فلما أصبحا مال خاقان على بعض الجيش الذي للمسلمين ، فقتل منهم خلقا ، وأسر أمما ، وأخذ أموالا كثيرة وإبلا موقرة ، ثم إن الجيشين تواجهوا في يوم عيد الفطر ، حتى خاف جيش أسد أن يصلوا صلاة العيد ، فما صلوها إلا على وجل ، ثم سار أسد بمن معه حتى نزل مرج بلخ ، حتى انقضى الشتاء ، فلما كان يوم عيد الأضحى خطب أسد الناس ، واستشارهم في لقاء خاقان ، فمنهم من قال : نتحصن ببلخ ونبعث إلى خالد والخليفة . ومن قائل يشير بالذهاب إلى مرو ، وأشار آخرون بملتقاه والتوكل على الله ، فوافق ذلك رأي أسد الأسد ، فقصد بجيشه نحو [ ص: 87 ] خاقان ، وصلى بالناس ركعتين أطال فيهما ، ثم دعا بدعاء طويل ، ثم انصرف وهو يقول : نصرتم إن شاء الله تعالى . ثلاثا . ثم سار بمن معه من المسلمين ، فالتقت مقدمته بمقدمة خاقان ، فقتل المسلمون منهم خلقا ، وأسروا أميرهم وسبعة أمراء معه ، ثم ساق أسد فانتهى إلى أغنامهم فاستاقها ، فإذا هي مائة ألف وخمسون ألف شاة ، ثم التقى معهم ، وكان خاقان في هذا اليوم إنما معه أربعة آلاف أو نحوها ، ومعه رجل من العرب قد خامر إليه ، يقال له : الحارث بن سريج فهو يدله على عورات المسلمين ، فلما اقتتل الناس هربت الأتراك في كل جانب ، وانهزم خاقان ، ومعه الحارث بن سريج المذكور يحميه ويثبته ، فتبعهم أسد فلما كان عند الظهيرة انخذل خاقان في أربعمائة من أصحابه ، عليهم الخز ، ومعهم الكوسات ، فلما أدركه المسلمون أمر بالكوسات فضربت ضرب الانصراف ثلاث مرات ، فلم يستطيعوا الانصراف ، فتقدم المسلمون ، فاحتاطوا على معسكرهم ، فاحتازوه بما فيه من الأمتعة العظيمة ، والأواني من النقد ، والنساء والصبيان من الأتراك ومن معهم من الأسارى من المسلمات وغيرهم ، مما لا يحد ولا يوصف ، لكثرته وعظم قيمته وحسنه ، غير أن خاقان كان قد ضرب امرأته بخنجر فقتلها ، فوصل المسلمون إلى العسكر ، وهي في آخر رمق تتحرك ، ووجدوا قدورهم تغلي بأطعماتهم ، وهرب خاقان بمن معه حتى دخل بعض المدن ، فتحصن بها ، فاتفق أنه لعب بالنرد مع بعض أمرائه ، [ ص: 88 ] فغلبه الأمير ، فتوعده خاقان بقطع اليد ، فحنق عليه ذلك الأمير ، ثم عمل على قتله فقتله ، وتفرقت الأتراك فرقا يعدو بعضهم على بعض ، وينهب بعضهم بعضا ، وبعث أسد إلى أخيه خالد يعلمه بما وقع من النصر والظفر بخاقان ، وبعث إليه بطوق خاقان ، وشيء كثير من حواصله وأمتعته ، فوفدها خالد إلى أمير المؤمنين هشام ففرح بذلك فرحا شديدا جدا ، وأطلق للرسل أموالا جزيلة كثيرة من بيت المال ، وقد قال بعض الشعراء في أسد يمدحه على ذلك :
لو سرت في الأرض تقيس الأرضا تقيس منها طولها والعرضا لم تلق خيرا مرة ونقضا من الأمير أسد وأمضى أفضى إلينا الخير حين أفضى وجمع الشمل وكان رفضا ما فاته خاقان إلا ركضا قد فض من جموعه ما فضا يا بن سريج قد لقيت حمضا حمضا به يشفى صداع المرضىوفيها قتل خالد بن عبد الله القسري المغيرة بن سعيد وجماعة من أصحابه الذين تابعوه على باطله ، وكان هذا الرجل ساحرا فاجرا شيعيا خبيثا .
قال ابن جرير : ثنا ابن حميد ، ثنا جرير ، عن الأعمش قال : سمعت [ ص: 89 ] المغيرة بن سعيد يقول : لو أراد علي أن يحيي عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا لأحياهم .
قال الأعمش وكان المغيرة يخرج إلى المقبرة فيتكلم ، فيرى مثل الجراد على القبور . أو نحو هذا من الكلام .
وذكر ابن جرير له غير ذلك من الأحوال التي تدل على سحره وفجوره . ولما بلغ خالدا أمره أمر بإحضاره ، فجيء به في ستة نفر أو سبعة نفر ، فأمر خالد فأبرز سريره إلى المسجد ، وأمر بإحضار أطنان القصب ، والنفط فصب فوقها ، وأمر المغيرة أن يحتضن طنا منها ، فامتنع فضرب حتى احتضن منها طنا واحدا ، وصب فوق رأسه النفط ، ثم أضرم بالنار ، وكذلك فعل ببقية أصحابه ، قبحهم الله .
وفي هذه السنة خرج رجل يقال له : بهلول بن بشر . ويلقب بكثارة ، واتبعه جماعات من الخوارج دون المائة ، وقصدوا قتل خالد القسري فبعث إليهم البعوث ، فكسروا الجيوش ، واستفحل أمرهم جدا ; لشجاعتهم وجلدهم ، وقلة نصح من يقاتلهم من الجيوش ، فردوا العساكر من الألوف المؤلفة ، الموقرة [ ص: 90 ] بالأسلحة ولم يبلغوا المائة ، ثم إنهم راموا قدوم الشام لقتل الخليفة هشام فقصدوا نحوها ، فاعترضهم جيش بأرض الجزيرة فاقتتلوا معهم قتالا عظيما ، فقتلوا عامة أصحاب بهلول الخارجي ثم إن رجلا من جديلة يكنى أبا الموت ضرب بهلولا ضربة فصرعه ، وتفرق بقية أصحابه ، وكانوا جميعهم سبعين رجلا ، وقد رثاهم بعض أصحابهم فقال :
بدلت بعد أبي بشر وصحبته قوما علي مع الأحزاب أعوانا بانوا كأن لم يكونوا من صحابتنا ولم يكونوا لنا بالأمس خلانا يا عين أذري دموعا منك تهتانا وابكي لنا صحبة بانوا وإخوانا خلوا لنا ظاهر الدنيا وباطنها وأصبحوا في جنان الخلد جيرانا ثم تجمع طائفة منهم أخرى على بعض أمرائهم ، فقاتلوا وقتلوا وقتلوا ، وجهزت إليهم العساكر من عند خالد القسري ولم يزل حتى أباد خضراءهم ، ولم يبق لهم باقية ، ولله الحمد والمنة .
وفيها غزا أسد القسري بلاد الترك فعرض عليه ملكهم بدر طرخان ألف ألف ، فلم يقبل منه شيئا ، وأخذه قهرا ، فقتله صبرا بين يديه ، وأخذ مدينته وقلعته وحواصله ونساءه وأمواله .
وفيها خرج الصحاري بن شبيب الخارجي واتبعه طائفة قليلة نحو من [ ص: 91 ] ثلاثين رجلا ، فبعث إليهم خالد القسري جندا ، فقتلوه وجميع أصحابه ، فلم يتركوا منهم رجلا واحدا ، ولله الحمد والمنة .
وحج بالناس في هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك وحج معه ابن شهاب الزهري ليعلمه مناسك الحج ، وكان أمير مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام بن إسماعيل ، وأمير العراق والمشرق بكماله خالد القسري ونائبه على خراسان بكمالها أخوه أسد بن عبد الله القسري وقد قيل : إنه توفي في هذه السنة . وقيل : في سنة عشرين . فالله أعلم . ونائب إرمينية وأذربيجان مروان الملقب بالحمار . والله أعلم .