الثلاثاء، 29 ديسمبر 2015

 ثم دخلت سنة ثمان وخمسين
ما وقع فيها من أحداث
   
قصة غريبة
ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان
   
قصة عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق مع ليلى بنت الجودي ملك عرب الشام
عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي
   
وممن توفي في هذه السنة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق
======================================ثم دخلت سنة ثمان وخمسين

فيها غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم .

قال الواقدي : وفيها قتل يزيد بن شجرة في البحر . وقيل : بل غزا البحر وبلاد الروم جنادة بن أبي أمية . وقيل : إنما شتى بأرض الروم عمرو بن يزيد الجهني .

قال أبو معشر والواقدي : وحج بالناس فيها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان . وفيها ولى معاوية الكوفة لعبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان بن ربيعة الثقفي ، وهو ابن أم الحكم ، وأم الحكم هي أخت معاوية ، وعزل عنها الضحاك بن قيس ، فولى ابن أم الحكم على شرطته زائدة بن قدامة ، وخرجت الخوارج في أيام ابن أم الحكم ، وكان رئيسهم في هذه الوقعة حيان بن ظبيان السلمي ، فبعث إليهم جيشا فقتلوا الخوارج جميعا ، ثم إن ابن أم الحكم أساء السيرة في أهل الكوفة ، فأخرجوه من بين أظهرهم طريدا ، فرجع إلى خاله معاوية ، فذكر له ذلك ، فقال : لأولينك مصرا هو خير لك . فولاه مصر ، فلما [ ص: 314 ] سار إليها تلقاه معاوية بن حديج على مرحلتين من مصر ، فقال له : ارجع إلى خالك معاوية ، فلعمري لا تسير فينا سيرتك في إخواننا من أهل الكوفة . فرجع ابن أم الحكم إلى معاوية ، ولحقه معاوية بن حديج وافدا على معاوية ، فلما دخل عليه وجد عنده أخته أم الحكم ، وهي أم عبد الرحمن الذي طرده أهل الكوفة وأهل مصر ، فلما رآه معاوية قال : بخ بخ ، هذا معاوية بن حديج . فقالت أم الحكم : لا مرحبا به ، تسمع بالمعيدي خير من أن تراه . فقال : معاوية بن حديج على رسلك يا أم الحكم ، أما والله لقد تزوجت فما أكرمت ، وولدت فما أنجبت ، أردت أن يلي ابنك الفاسق علينا ، فيسير فينا كما سار في إخواننا من أهل الكوفة فما كان الله ليريه ذلك ، ولو فعل ذلك لضربناه ضربا يطأطئ منه ، وإن كره ذلك الجالس . فالتفت إليها معاوية فقال : كفي===================================ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان

توفي في هذا العام سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي ، قتل أبوه يوم بدر كافرا ، قتله علي بن أبي طالب ونشأ سعيد في حجر عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وكان عمر سعيد يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين ، وكان من سادات المسلمين والأجواد المشهورين ، وكان جده سعيد بن العاص - ويكنى بأبي أحيحة - رئيسا في قريش ، يقال له : ذو التاج . لأنه كان إذا اعتم لا يعتم أحد يومئذ ; إعظاما له ، وكان سعيد هذا من عمال عمر على السواد وجعله عثمان فيمن يكتب المصاحف ; لفصاحته ، قالوا : وكان أشبه الناس لهجة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان في جملة الاثني عشر رجلا الذين يستخرجون القرآن ويعلمونه ويكتبونه ، منهم أبي بن كعب وزيد بن ثابت . واستنابه عثمان على الكوفة بعد عزله الوليد بن عقبة ، فافتتح طبرستان وجرجان ، ونقض العهد أهل أذربيجان فغزاهم ففتحها ، فلما مات عثمان اعتزل الفتنة ، فلم يشهد الجمل ولا صفين ، فلما استقر الأمر لمعاوية وفد إليه ، فعتب عليه ، فاعتذر إليه فعذره ، في كلام طويل [ ص: 318 ] جدا ، وولاه المدينة مرتين ، وعزله عنها مرتين بمروان بن الحكم ، وكان سعيد هذا لا يسب عليا ، ومروان يسبه ، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن عمر بن الخطاب ، وعثمان ، وعائشة ، وعنه ابناه عمرو بن سعيد الأشدق ، ويحيى بن سعيد ، وسالم بن عبد الله بن عمر ، وعروة بن الزبير ، وغيرهم ، وليس له في " المسند " ولا في الكتب الستة شيء . وقد كان حسن السيرة ، جيد السريرة ، وكان كثيرا ما يجمع أصحابه في كل جمعة فيطعمهم ويكسوهم الحلل ، ويرسل إلى بيوتهم بالهدايا والتحف والبر الكثير ، وكان يصر الصرر فيضعها بين يدي المصلين من ذوي الحاجات في المسجد .

قال ابن عساكر : وقد كانت له دار بدمشق تعرف بعده بدار نعيم ، وحمام نعيم ، بنواحي الديماس ، ثم رجع إلى المدينة ، فأقام بها إلى أن مات ، وكان كريما جوادا ممدحا .

ثم أورد شيئا من حديثه من طريق يعقوب بن سفيان ، حدثنا أبو سعيد الجعفي ، ثنا عبد الله بن الأجلح ، ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن سعيد بن العاص قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خياركم في الإسلام خياركم في الجاهلية " .

[ ص: 319 ] ومن طريق الزبير بن بكار ، حدثني رجل عن عبد العزيز بن أبان ، حدثني خالد بن سعيد ، عن أبيه ، عن ابن عمر قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببرد ، فقالت : إني نويت أن أعطي هذا الثوب أكرم العرب . فقال : " أعطيه هذا الغلام " ، يعني سعيد بن العاص وهو واقف ، فلذلك سميت الثياب السعيدية .

وأنشد الفرزدق قوله فيه :


ترى الغر الجحاجح من قريش إذا ما الخطب في الحدثان عالا     قياما ينظرون إلى سعيد
كأنهم يرون به هلالا
وذكر أن عثمان عزل عن الكوفة المغيرة ، وولاها سعيد بن أبي وقاص ، ثم عزله وولى الوليد بن عقبة ، ثم عزله وولى سعيد بن العاص ، فأقام بها حينا ، ولم تحمد سيرته فيهم ولم يحبوه ، ثم ركب مالك بن الحارث - وهو الأشتر النخعي - في جماعة إلى عثمان ، وسألوه أن يعزل عنهم سعيدا ، فلم يعزله ، وكان عنده بالمدينة فبعثه إليهم ، وسبق الأشتر إلى الكوفة ، فخطب الناس ، وحثهم على منعه من الدخول إليهم ، وركب الأشتر في جيش يمنعونه من [ ص: 320 ] الدخول ، قيل : تلقوه إلى العذيب - وقد نزل سعيد بالعذيب - فمنعوه من الدخول إليهم ، ولم يزالوا به حتى ردوه إلى عثمان ، وولى الأشتر أبا موسى الأشعري على الصلاة والثغر ، وحذيفة بن اليمان على الفيء ، فأجاز ذلك أهل الكوفة ، وبعثوا إلى عثمان في ذلك فأمضاه ، وسره ذلك فيما أظهره ، ولكن كان هذا أول وهن دخل على عثمان .

وأقام سعيد بن العاص بالمدينة حتى كان زمن حصر عثمان ، فكان عنده بالدار ، ثم لما ركب طلحة والزبير مع عائشة من مكة يريدون قتلة عثمان ركب معهم ، ثم انفرد عنهم هو والمغيرة بن شعبة وغيرهما ، فأقام بالطائف حتى انقضت تلك الحروب كلها ، ثم ولاه معاوية إمرة المدينة سنة تسع وأربعين ، وعزل مروان ، فأقام سبعا ، ثم رد مروان .

وقال عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر قال : بعثني زياد في شغل إلى معاوية ، فلما فرغت من أموري قلت : يا أمير المؤمنين ، لمن يكون الأمر من بعدك ؟ فسكت ساعة ، ثم قال : يكون بين جماعة ، أما كريمة قريش فسعيد بن العاص ، وأما فتى قريش حياء ودهاء وسخاء فعبد الله بن عامر ، وأما الحسن بن علي فرجل سيد كريم ، وأما القارئ لكتاب الله الفقيه في دين الله ، الشديد في حدود الله فمروان بن الحكم ، وأما رجل نفسه فعبد الله بن عمر ، وأما رجل [ ص: 321 ] يرد الشريعة مع دواهي السباع ويروغ روغان الثعلب فعبد الله بن الزبير .

وروينا أنه استسقى يوما في بعض طرق المدينة ، فأخرج له رجل من داره ماء فشرب ، ثم بعد حين رأى ذلك الرجل يعرض داره للبيع ، فسأل عنه : لم يبيع داره ؟ فقالوا : عليه دين ; أربعة آلاف دينار ، فبعث إلى غريمه فقال : هي لك علي . وأرسل إلى صاحب الدار فقال : استمتع بدارك .

وكان رجل من القراء الذين يجالسونه قد افتقر وأصابته فاقة شديدة ، فقالت له امرأته : إن أميرنا هذا يوصف بكرم ، فلو ذكرت له حالك فلعله يسمح لك بشيء . فقال : ويحك ، لا تخلقي وجهي ، فألحت عليه في ذلك ، فجاء فجلس إليه ، فلما انصرف الناس عنه مكث الرجل جالسا في مكانه ، فقال له سعيد : أظن جلوسك لحاجة . فسكت الرجل ، فقال سعيد لغلمانه : انصرفوا . ثم قال له سعيد : لم يبق غيري وغيرك . فسكت ، فأطفأ المصباح ، ثم قال له : رحمك الله ، لست ترى وجهي ، فاذكر حاجتك . فقال : أصلح الله الأمير ، أصابتنا فاقة وحاجة فأحببت ذكرها لك فاستحييت . فقال له : إذا أصبحت فالق فلانا وكيلي . فلما أصبح الرجل لقي الوكيل ، فقال له الوكيل : إن الأمير قد أمر لك بشيء فأت بمن يحمله معك . فقال : ما عندي من يحمله . ثم انصرف الرجل إلى امرأته فلامها ، وقال : حملتيني على بذل وجهي للأمير ، فقد أمر لي بشيء يحتاج إلى من يحمله ، وما أراه أمر لي إلا بدقيق أو طعام ، ولو كان مالا لما احتاج إلى من يحمله ، ولأعطانيه . فقالت له المرأة : فمهما أعطاك فإنه يقوتنا [ ص: 322 ] فخذه . فرجع الرجل إلى الوكيل ، فقال له الوكيل : إني أخبرت الأمير أنه ليس لك أحد يحمله ، وقد أرسل بهؤلاء الثلاثة السودان يحملونه معك . فذهب الرجل ، فلما وصل إلى منزله إذا على رأس كل واحد منهم عشرة آلاف درهم ، فقال للغلمان : ضعوا ما معكم وانصرفوا . فقالوا : إن الأمير قد أطلقنا لك ، فإنه ما بعث مع خادم هدية إلى أحد إلا كان الخادم الذي يحملها من جملتها . قال : فحسن حال ذلك الرجل .

وذكر ابن عساكر أن زياد بن أبي سفيان بعث إلى سعيد بن العاص بهدايا وأموال وكتاب ذكر فيه أنه يخطب إليه ابنته أم عثمان من أمية بنت جرير بن عبد الله البجلي ، فلما وصلت الهدايا والأموال والكتاب قرأه ، ثم فرق الهدايا في جلسائه ، ثم كتب إليه كتابا لطيفا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى [ العلق : 6 ، 7 ] . والسلام .

وروينا أن سعيدا خطب أم كلثوم بنت علي من فاطمة ، التي كانت تحت عمر بن الخطاب ، فأجابت إلى ذلك وشاورت أخويها فكرها ذلك - وفي رواية : إنما كره ذلك الحسين وأجاب الحسن - فهيأت دارها ونصبت سريرا وتواعدوا للكتاب ، وأمرت ابنها زيد بن عمر أن يزوجها منه ، فبعث إليها بمائة ألف - وفي رواية : بمائتي ألف - مهرا . واجتمع عنده أصحابه ليذهبوا معه ، [ ص: 323 ] فقال : إني أكره أن أحرج ابني فاطمة . فترك التزويج ، وأطلق جميع ذلك المال لها .

وقال ابن معين وعبد الأعلى بن حماد : سأل أعرابي سعيد بن العاص فأمر له بخمسمائة ، فقال الخادم : خمسمائة درهم أو دينار ؟ فقال : إنما أمرتك بخمسمائة درهم ، وإذ قد جاش في نفسك أنها دنانير ، فادفع إليه خمسمائة دينار . فلما قبضها الأعرابي جلس يبكي ، فقال له : مالك ؟ ألم تقبض نوالك ؟ قال : بلى والله ، ولكن أبكي على الأرض كيف تأكل مثلك .

وقال عبد الحميد بن جعفر : جاء رجل في حمالة أربع ديات سأل فيها أهل المدينة ، فقيل له : عليك بالحسن بن علي ، أو عبد الله بن جعفر ، أو سعيد بن العاص ، أو عبد الله بن عباس . فانطلق إلى المسجد ، فإذا سعيد داخل إليه ، فقال : من هذا ؟ فقيل : سعيد بن العاص . فقصده فذكر له ما أقدمه ، فتركه حتى انصرف من المسجد إلى المنزل ، فقال للأعرابي : ائت بمن يحمل معك ؟ فقال : رحمك الله ، إنما سألتك مالا لا تمرا . فقال : أعرف ، ائت بمن يحمل معك ؟ فأعطاه أربعين ألفا ، فأخذها الأعرابي ، وانصرف ولم يسأل غيره .

وقال سعيد بن العاص لابنه : يا بني ، أخزى الله المعروف إذا لم يكن [ ص: 324 ] ابتداء من غير مسألة ، فأما إذا أتاك الرجل تكاد ترى دمه في وجهه ، أو جاءك مخاطرا لا يدري أتعطيه أم تمنعه ، فوالله لو خرجت له من جميع مالك ما كافأته .

وقال سعيد : لجليسي علي ثلاث ; إذا دنا رحبت به ، وإذا جلس أوسعت له ، وإذا حدث أقبلت عليه .

وقال أيضا : يا بني ، لا تمازح الشريف فيحقد عليك ، ولا الدنيء فتهون عليه . وفي رواية : فيجترئ عليك .

وخطب يوما فقال : من رزقه الله رزقا حسنا فليكن أسعد الناس به ، إنما يتركه لأحد رجلين ; إما مصلح فيسعد بما جمعت له وتخيب أنت ، والمصلح لا يقل عليه شيء ، وإما مفسد فلا يبقى له شيء . فقال معاوية : جمع أبو عثمان طرف الكلام .

وروى الأصمعي ، عن حكيم بن قيس قال : قال سعيد بن العاص : موطنان لا أستحيي من رفقي فيهما والتأني عندهما ، مخاطبتي جاهلا أو سفيها ، وعند مسألتي حاجة لنفسي .

ودخلت عليه امرأة من العابدات ، وهو أمير الكوفة ، فأكرمها وأحسن إليها ، فقالت : لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة ، ولا زالت المنة لك في أعناق الكرام ، وإذا أزال عن كريم نعمة جعلك سببا لردها عليه . وقد كان له عشرة من [ ص: 325 ] الولد ذكورا وإناثا ، وكانت إحدى زوجاته أم البنين بنت الحكم بن أبي العاص أخت مروان بن الحكم . ولما حضرت سعيدا الوفاة جمع بنيه ، وقال لهم : لا يفقدن أصحابي غير وجهي ، وصلوهم بما كنت أصلهم به ، وأجروا عليهم ما كنت أجري عليهم ، واكفوهم مؤنة الطلب ; فإن الرجل إذا طلب الحاجة اضطربت أركانه ، وارتعدت فرائصه ; مخافة أن يرد ، فوالله لرجل يتململ على فراشه يراكم موضعا لحاجته ، أعظم منة عليكم مما تعطونه . ثم أوصاهم بوصايا كثيرة ، منها أن يوفوا ما عليه من الدين والوعود ، وأن لا يزوجوا أخواتهم إلا من الأكفاء ، وأن يسودوا أكبرهم . فتكفل بذلك كله ابنه عمرو بن سعيد الأشدق ، فلما مات دفنه بالبقيع ، ثم ركب عمرو إلى معاوية ، فعزاه فيه ، واسترجع معاوية وحزن عليه ، وقال : هل ترك من دين عليه ؟ قال : نعم . قال : وكم ؟ قال : ثلاثمائة ألف درهم . وفي رواية : ثلاث آلاف ألف درهم . فقال معاوية : هي علي . فقال ابنه : لا يا أمير المؤمنين ، إنه أوصاني أن لا أقضي دينه إلا من ثمن أراضيه . فاشترى منه معاوية أراضي بمبلغ الدين ، وسأل منه عمرو أن يحملها له إلى المدينة فحملها له ، ثم شرع عمرو يقضي ما على أبيه من الدين حتى لم يبق أحد ، فكان من جملة من طالبه شاب معه رقعة من أديم فيها عشرون ألفا ، فقال له عمرو : كيف استحققت هذه على أبي ؟ فقال الشاب : إنه كان يوما يمشي وحده ، فأحببت أن أكون معه حتى يصل إلى منزله فلما وصل قال : هل من حاجة ؟ فقلت : لا إلا أني رأيت الأمير يمشي وحده فاخترت أن أكون معه حتى يصل إلى منزله ، فقال : أبغني رقعة من أديم . فذهبت إلى الخرازين [ ص: 326 ] فأتيته بهذه ، فكتب لي فيها هذا المبلغ ، واعتذر بأنه ليس عنده اليوم شيء . فدفع إليه عمرو ذلك المال ، وزاده شيئا كثيرا . ويروى أن معاوية قال لعمرو بن سعيد : من ترك مثلك لم يمت . ثم قال : رحم الله أبا عثمان . ثم قال : قد مات من هو أكبر مني ومن هو أصغر مني ، ثم أنشد قول الشاعر :


إذا سار من دون امرئ وأمامه     وأوحش من إخوانه فهو سائر
وكانت وفاة سعيد بن العاص في هذه السنة ، وقيل : في التي قبلها . وقيل : في التي بعدها . وقال بعضهم : كانت وفاته قبل عبد الله بن عامر بجمعة . فالله أعلم .



شداد بن أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام ، أبو يعلى الأنصاري الخزرجي

صحابي جليل ، وهو ابن أخي حسان بن ثابت .

وحكى ابن منده ، عن موسى بن عقبة أنه قال : شهد بدرا . قال ابن منده : وهو وهم . وكان من الاجتهاد في العبادة على جانب عظيم ، كان إذا أخذ مضجعه يعلق على فراشه ، ويتقلب عليه ويتلوى كما تتلوى الحية ، ويقول : اللهم إن خوف النار قد أقلقني . ثم يقوم إلى صلاته .

قال عبادة بن الصامت : كان شداد من الذين أوتوا العلم والحلم .

[ ص: 327 ] نزل شداد فلسطين وبيت المقدس ، ومات في هذه السنة عن خمس وسبعين سنة ، وقيل : مات سنة أربع وستين . وقيل : سنة إحدى وأربعين . فالله أعلم .

عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي العبشمي ، ابن خال عثمان بن عفان

ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفل في فيه ، فجعل يبتلع ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " إنه لمسقاء " . فكان لا يعالج أرضا إلا ظهر له الماء ، وكان كريما ممدحا ميمون النقيبة ، استنابه عثمان على البصرة بعد أبي موسى ، وولاه بلاد فارس بعد عثمان بن أبي العاص ، وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة ، ففتح خراسان كلها وأطراف فارس وسجستان وكرمان وبلاد غزنة ، وقتل كسرى ملك الملوك في أيامه - وهو يزدجرد - ثم أحرم عبد الله بن عامر بحجة - وقيل : بعمرة - من تلك البلاد ، شكرا لله ، عز وجل ، وفرق في أهل المدينة أموالا كثيرة جزيلة ، وهو أول من لبس الخز بالبصرة . والله سبحانه وتعالى أعلم .

وهو أول من اتخذ الحياض بعرفة وأجرى إليها الماء المعين والعين ، ولم يزل على البصرة حتى قتل عثمان ، فأخذ أموال بيت المال وتلقى بها طلحة والزبير ، وحضر معهم الجمل ، ثم سار إلى دمشق ، ولم يسمع له بذكر في صفين ، ولكن [ ص: 328 ] ولاه معاوية البصرة بعد صلحه مع الحسن ، وتوفي في هذه السنة بأرضه بعرفات ، وأوصى إلى عبد الله بن الزبير . له حديث واحد ، وليس له في الكتب شيء .

روى مصعب الزبيري ، عن أبيه ، عن جده ، عن حنظلة بن قيس ، عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قتل دون ماله فهو شهيد " .

وقد زوجه معاوية بابنته هند ، وكانت جميلة ، فكانت تلي خدمته بنفسها من محبتها له ، فنظر يوما في المرآة ، فرأى صباحة وجهها وشيبة في لحيته فطلقها ، وبعث إلى أبيها أن يزوجها بشاب كأن وجهه ورقة مصحف . توفي في هذه السنة ، وقيل : بعدها بسنة .

عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق

وهو أكبر ولد أبي بكر الصديق . قاله الزبير بن بكار قال : وكانت فيه دعابة . وأمه أم رومان أم عائشة فهو شقيقها ، بارز يوم بدر وأحد مع المشركين ، وأراد قتل أبيه أبي بكر ، فتقدم إليه أبوه أبو بكر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمتعنا بنفسك " . ثم أسلم عبد الرحمن [ ص: 329 ] بعد ذلك في الهدنة ، وهاجر قبل الفتح ، ورزقه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر كل سنة أربعين وسقا ، وكان من سادات المسلمين .

وهو الذي دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ، وعائشة مسندته إلى صدرها ، ومع عبد الرحمن سواك رطب ، فأمده رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره ، فأخذت عائشة ذلك السواك ، فقضمته وطيبته ، ثم دفعته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستن به أحسن استنان ، ثم قال : " اللهم في الرفيق الأعلى " . ثم قضى .

قالت : فجمع الله بين ريقي وريقه ، ومات بين سحري ونحري ، في بيتي ويومي ، لم أظلم فيه أحدا .

وقد شهد عبد الرحمن فتح اليمامة وقتل يومئذ سبعة ، وهو الذي قتل محكم بن الطفيل صديق مسيلمة على باطله ، كان محكم واقفا في ثلمة حائط ، فرماه عبد الرحمن ، فسقط محكم ، فدخل المسلمون من تلك الثلمة فخلصوا إلى مسيلمة فقتلوه . وقد شهد فتح الشام ، وكان معظما بين أهل الإسلام ، ونفل ليلى بنت الجودي ملك عرب الشام ، نفله إياها خالد بن الوليد عن أمر عمر بن الخطاب كما سنذكره مفصلا .

[ ص: 330 ] وقد قال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي بكر - ولم يجرب عليه كذبة قط - ذكر عنه حكاية ; أنه لما جاءت بيعة يزيد بن معاوية إلى المدينة ، قال عبد الرحمن لمروان : جعلتموها والله هرقلية وكسروية . يعني جعلتم ملك الملك لمن بعده من ولده . فقال له مروان : اسكت فإنك أنت الذي أنزل الله فيك : والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج [ الأحقاف : 17 ] . فقالت عائشة : والله ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن ، إلا أنه أنزل عذري . ويروى أنها بعثت إلى مروان تعتبه وتؤنبه وتخبره بخبر فيه ذم له ولأبيه لا يصح عنها .

قال الزبير بن بكار : حدثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري ، عن أبيه ، عن جده قال : بعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر بمائة ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد بن معاوية ، فردها عبد الرحمن وأبى أن يأخذها ، وقال : أبيع ديني بدنياي ؟ ! وخرج إلى مكة فمات بها .

وقال أبو زرعة الدمشقي : ثنا أبو مسهر ، ثنا مالك قال : توفي [ ص: 331 ] عبد الرحمن بن أبي بكر في نومة نامها . ورواه أبو مصعب عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، فذكره وزاد : فأعتقت عنه عائشة رقابا . ورواه الثوري ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم ، فذكره .

ولما توفي كانت وفاته بمكان يقال له : الحبشي - على ستة أميال من مكة . وقيل : اثني عشر ميلا - فحمله الرجال على أعناقهم حتى دفن بأعلى مكة فلما قدمت عائشة مكة زارته ، وقالت : أما والله لو شهدتك لم أبك عليك ، ولو كنت عندك لم أنقلك من موضعك الذي مت فيه . ثم تمثلت بشعر متمم بن نويرة في أخيه مالك :


وكنا كندماني جذيمة حقبة     من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا     لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
رواه الترمذي وغيره .

وروى ابن سعد أن ابن عمر رأى فسطاطا مضروبا على قبر عبد الرحمن - ضربته عائشة بعد ما ارتحلت - فأمر ابن عمر بنزعه وقال : إنما يظله عمله . وكانت وفاته في هذا العام في قول كثير من علماء التاريخ ، ويقال : إن [ ص: 332 ] عبد الرحمن توفي سنة ثلاث وخمسين . قاله الواقدي وكاتبه محمد بن سعد وأبو عبيد وغير واحد . وقيل : سنة أربع وخمسين . فالله أعلم ======================================عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي

ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان أصغر من أخيه عبد الله بسنة . وأمهما أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية . وكان عبيد الله كريما جميلا وسيما ، يشبه أباه في الجمال . [ ص: 334 ] روينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصف عبد الله وعبيد الله وكثيرا ثم يقول : " من سبق إلي فله كذا " . فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلتزمهم .

وقد استنابه علي بن أبي طالب في أيام خلافته على اليمن ، وحج بالناس في سنة ست وثلاثين وسنة سبع وثلاثين ، فلما كان سنة ثمان وثلاثين اختلف هو ويزيد بن شجرة الرهاوي الذي قدم على الحج من جهة معاوية ، ثم اصطلحا على شيبة بن عثمان الحجبي ، فأقام للناس الحج عامئذ ، ثم لما صارت الشوكة لمعاوية تسلط على عبيد الله بسر بن أبي أرطاة ، فقتل له ولدين ، وجرت أمور باليمن قد ذكرنا بعضها . وكان يقدم هو وأخوه عبد الله المدينة فيوسعهم عبد الله علما ، ويوسعهم عبيد الله كرما .

وقد روي أنه نزل في مسير له ، مع مولى له على خيمة رجل من الأعراب ، فلما رآه الأعرابي أعظمه وأجله ، ورأى حسنه وشكله ، فقال لامرأته : ويحك ! ماذا عندك لضيفنا هذا ؟ فقالت : ليس عندنا إلا هذه الشويهة التي حياة ابنتك من لبنها . فقال : إنه لا بد من ذبحها . فقالت : أتقتل ابنتك ؟ فقال : وإن . فأخذ الشفرة والشاة ، وجعل يذبحها ويسلخها ، وهو يقول مرتجزا :


يا جارتي لا توقظي البنيه [ ص: 335 ] إن توقظيها تنتحب عليه     وتنزع الشفرة من يديه
ثم هيأها طعاما ، فوضعها بين يدي عبيد الله ومولاه فعشاهما ، وكان عبيد الله قد سمع محاورته لامرأته في الشاة ، فلما أراد الارتحال قال لمولاه : ويلك ! ماذا معك من المال ؟ فقال : معي خمسمائة دينار فضلت من نفقتك . فقال : ادفعها إلى الأعرابي . فقال : سبحان الله ، تعطيه خمسمائة دينار ، وإنما ذبح لك شاة واحدة تساوي خمسة دراهم ؟ ! فقال : ويحك ! والله لهو أسخى منا وأجود ; لأنا إنما أعطيناه بعض ما نملك ، وجاد هو علينا بجميع ما يملك ، وآثرنا على مهجة نفسه وولده . فبلغ ذلك معاوية فقال : لله در عبيد الله ! من أي بيضة خرج ؟ ! ومن أي شيء درج ؟ !

قال خليفة بن خياط : توفي سنة ثمان وخمسين . وقال غيره : توفي في أيام يزيد بن معاوية . وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : توفي في سنة سبع وثمانين . وكانت وفاته بالمدينة ، وقيل : باليمن . وله حديث واحد .

قال أحمد : ثنا هشيم ، ثنا يحيى بن أبي إسحاق ، عن سليمان بن يسار ، [ ص: 336 ] عن عبيد الله بن عباس قال : جاءت الغميصاء - أو الرميصاء - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها ; تزعم أنه لا يصل إليها ، فما كان إلا يسيرا حتى جاء زوجها ، فزعم أنها كاذبة ، وأنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس لك ذلك حتى يذوق عسيلتك رجل غيره " . وأخرجه النسائي ، عن علي بن حجر ، عن هشيم به ======================================قصة غريبة

ذكرها ابن الجوزي في كتابه " المنتظم " بسنده ، وملخصها أن معاوية بينما هو يوما على السماط إذا شاب من بني عذرة قد مثل بين يديه ، فأنشده شعرا مضمونه التشوق إلى زوجته سعاد ، فاستدناه معاوية ، واستحكاه عن أمره ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إني كنت مزوجا بابنة عم لي ، وكان لي إبل وغنم ، فأنفقت ذلك عليها ، فلما قل ما بيدي رغب عني أبوها وشكاني إلى عاملك [ ص: 315 ] بالكوفة ابن أم الحكم ، وبلغه جمالها فحبسني في الحديد ، وحملني على أن أطلقها ، فلما انقضت عدتها أعطاه عاملك عشرة آلاف درهم ، فزوجه إياها ، وقد أتيتك يا أمير المؤمنين ، وأنت غياث المحروب ، وسند المسلوب ، فهل من فرج ؟ ثم بكى وأنشأ يقول :


في القلب مني نار والنار فيها شرار     والجسم مني نحيل
واللون فيه اصفرار     والعين تبكي بشجو
فدمعها مدرار     والحب داء عسير
فيه الطبيب يحار     حملت فيه عظيما
فما عليه اصطبار     فليس ليلي بليل
ولا نهاري نهار
قال : فرق له معاوية ، وكتب إلى ابن أم الحكم يؤنبه على ذلك ويعيبه عليه ، ويأمره بطلاقها قولا واحدا ، فلما جاءه كتاب معاوية تنفس الصعداء ، وقال : وددت أن أمير المؤمنين خلى بيني وبينها سنة ، ثم عرضني على السيف . وجعل يؤامر نفسه على طلاقها ، فلا يقدر على ذلك ، ولا تجيبه نفسه ، وجعل البريد الذي ورد عليه بالكتاب يستحثه ، فطلقها وأخرجها عنه وسيرها مع الوفد إلى معاوية ، فلما وقفت بين يديه رأى منظرا جميلا ، فلما استنطقها ، فإذا هي أفصح الناس وأحلاهم كلاما ، وأكملهم جمالا ودلالا ، فقال لابن عمها : يا أعرابي ، هل من سلو عنها بأفضل الرغبة ؟ قال : نعم إذا فرقت بين رأسي وجسدي . ثم أنشأ يقول :


[ ص: 316 ] لا تجعلني والأمثال تضرب بي     كالمستغيث من الرمضاء بالنار
اردد سعاد على حيران مكتئب     يمسي ويصبح في هم وتذكار
قد شفه قلق ما مثله قلق     وأسعر القلب منه أي إسعار
والله والله لا أنسى محبتها     حتى أغيب في رمس وأحجار
كيف السلو وقد هام الفؤاد بها     وأصبح القلب عنها غير صبار
فقال معاوية : فإنا نخيرها بيني وبينك وبين ابن أم الحكم . فأنشأت تقول :


هذا وإن أصبح في أطمار     وكان في نقص من اليسار
أكثر عندي من أبي وجاري     وصاحب الدرهم والدينار
أخشى إذا غدرت حر النار
قال : فضحك معاوية ، وأمر له بعشرة آلاف درهم ومركب ووطاء . ولما انقضت عدتها زوجه بها وسلمها إليه . حذفنا منها أشعارا كثيرة مطولة .

وجرت في هذه السنة فصول طويلة بين عبيد الله بن زياد والخوارج ، فقتل منهم خلقا كثيرا وجمعا غفيرا ، وحبس منهم آخرين ، وكان صارما كأبيه ، مقداما في أمرهم ======================================قصة عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق مع ليلى بنت الجودي ملك عرب الشام

قال الزبير بن بكار حدثني محمد بن الضحاك الحزامي ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، رضي الله عنهما ، قدم الشام في تجارة - يعني في زمان جاهليته - فرأى هنالك امرأة يقال لها : ليلى ابنة الجودي . على طنفسة ، حولها ولائدها ، فأعجبته - قال ابن عساكر : رآها بأرض بصرى ، فقال فيها :


تذكرت ليلى والسماوة دونها فما لابنة الجودي ليلى وما ليا     وأنى تعاطى قلبه حارثية
تدمن بصرى أو تحل الجوابيا [ ص: 333 ]     وأنى تلاقيها بلى ولعلها
إن الناس حجوا قابلا أن توافيا
قال : فلما بعث عمر بن الخطاب جيشه إلى الشام قال للأمير على الجيش : إن ظفرت بليلى بنت الجودي عنوة فادفعها إلى عبد الرحمن بن أبي بكر . فظفر بها فدفعها إليه ، فأعجب بها وآثرها على نسائه ، حتى جعلن يشكونه إلى عائشة ، فعاتبته عائشة على ذلك ، فقال : والله كأني أرشف بأنيابها حب الرمان . فأصابها وجع سقط له فوها ، فجفاها حتى شكته إلى عائشة ، فقالت له عائشة : يا عبد الرحمن ، لقد أحببت ليلى فأفرطت ، وأبغضتها فأفرطت ، فإما أن تنصفها ، وإما أن تجهزها إلى أهلها . فجهزها إلى أهلها .

قال الزبيري : وحدثني عبد الله بن نافع ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : إن عمر بن الخطاب نفل عبد الرحمن بن أبي بكر ليلى بنت الجودي حين فتح دمشق ، وكانت ابنة ملك دمشق . يعني ابنة ملك العرب الذين هم حول دمشق في زمن الروم . والله أعلم ======================================ممن توفي في هذه السنة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق

زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحب أزواجه إليه ، المبرأة من فوق سبع سماوات ، رضي الله عنها ، وأمها هي أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية ، تكنى عائشة بأم عبد الله ، قيل : كناها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ; بابن أختها عبد الله بن الزبير . وقيل : إنها أسقطت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سقطا ، فسماه عبد الله .

ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرا غيرها ، ولم ينزل عليه الوحي في لحاف امرأة غيرها ، ولم يكن في أزواجه أحب إليه منها ، تزوجها بمكة بعد وفاة خديجة ، وقد أتاه الملك بها في المنام في سرقة من حرير ، مرتين أو ثلاثا ، فيقول : هذه زوجتك . قال : " فأكشف عنك فإذا هي أنت " . فأقول : " إن يكن هذا من عند [ ص: 337 ] الله يمضه " . فخطبها من أبيها فقال : يا رسول الله ، أوتحل لك ؟ قال : " نعم " . قال : أولست أخاك ؟ قال : " بلى ، في الإسلام ، وهي لي حلال " فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحظيت عنده . وقد قدمنا ذلك في أول السيرة ، وكان ذلك قبل الهجرة بسنتين ، وقيل : بسنة ونصف . وقيل : بثلاث سنين . وكان عمرها إذ ذاك ست سنين ، ثم دخل بها وهي بنت تسع سنين بعد بدر في شوال من سنة ثنتين من الهجرة فأحبها . ولما تكلم فيها أهل الإفك بالزور والبهتان غار الله لها ، فأنزل لها براءتها في عشر آيات من القرآن تتلى على تعاقب الأزمان . وقد ذكرنا ذلك مفصلا فيما سلف ، وشرحنا الآيات والأحاديث الواردة في ذلك في غزوة المريسيع ، وبسطنا ذلك أيضا في كتاب " التفسير " بما فيه كفاية ومقنع ، ولله الحمد والمنة . وقد أجمع العلماء علىتكفير من قذفها بعد براءتها ، واختلفوا في بقية أمهات المؤمنين ، هل يكفر من قذفهن أم لا ؟ على قولين ، وأصحهما أنه يكفر ; لأن المقذوفة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله تعالى إنما غضب لها ، لأنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهي وغيرها منهن سواء .

ومن خصائصها ، رضي الله عنها ، أنها كان لها في القسم يومان ; يومها ويوم سودة حين وهبتها ذلك تقربا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه مات في يومها وفي بيتها ، وبين سحرها ونحرها ، وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته من الدنيا ، وأول ساعة من الآخرة ، ودفن في بيتها .

[ ص: 338 ] وقد قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن إسماعيل ، عن مصعب بن إسحاق بن طلحة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنه ليهون علي أني رأيت بياض كف عائشة في الجنة " . . تفرد به أحمد . وهذا في غاية ما يكون من المحبة العظيمة ; أنه يرتاح لأنه رأى بياض كفها أمامه في الجنة .

ومن خصائصها أنها أعلم نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هي أعلم النساء على الإطلاق ; قال الزهري : لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلم جميع النساء ، لكان علم عائشة أفضل . وقال عطاء بن أبي رباح كانت عائشة أفقه الناس ، وأعلم الناس ، وأحسن الناس رأيا في العامة . وقال عروة : ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة . ولم ترو امرأة ولا رجل ، غير أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث بقدر روايتها ، رضي الله عنها .

وقال أبو موسى الأشعري : ما أشكل علينا - أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - حديث قط فسألنا عائشة ، إلا وجدنا عندها منه علما . رواه الترمذي .

وقال أبو الضحى عن مسروق : رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض .

[ ص: 339 ] فأما ما يلهج به كثير من الفقهاء وعلماء الأصول من إيراد حديث : " خذوا شطر دينكم عن الحميراء " . فإنه ليس له أصل ، ولا هو مثبت في شيء من أصول الإسلام ، وسألت عنه شيخنا أبا الحجاج المزي فقال : لا أصل له .

ثم لم يكن في النساء أعلم من تلميذاتها ; عمرة بنت عبد الرحمن ، وحفصة بنت سيرين ، وعائشة بنت طلحة ، وقد تفردت أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، بمسائل من بين الصحابة لم توجد إلا عندها ، وانفردت باختيارات أيضا ، وردت أخبارا بخلافها بنوع من التأويل . وقد جمع ذلك غير واحد من الأئمة . وقال الشعبي : كان مسروق إذا حدث عن عائشة قال : حدثتني الصديقة بنت الصديق ، حبيبة حبيب الله ، المبرأة من فوق سبع سماوات .

وثبت في " صحيح البخاري " من حديث أبي عثمان النهدي ، عن عمرو بن العاص قال : قلت : يا رسول الله ، أي الناس أحب إليك ؟ قال : " عائشة " . قلت : ومن الرجال ؟ قال : " أبوها " .

وفي " صحيح البخاري " أيضا ، عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 340 ] " كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وآسية امرأة فرعون ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " . وقد استدل كثير من العلماء ممن ذهب إلى تفضيل عائشة على خديجة ، بهذا الحديث ، فإنه دخل فيه سائر النساء الثلاث المذكورات وغيرهن .

ويعضد ذلك أيضا الحديث الذي رواه البخاري : حدثنا إسماعيل بن خليل ، ثنا علي بن مسهر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعرف استئذان خديجة ، فارتاع لذلك ، فقال : " اللهم هالة " . قالت عائشة : فغرت ، فقلت : ما تذكر من عجوز من عجائز قريش ، حمراء الشدقين ، هلكت في الدهر ، قد أبدلك الله خيرا منها ؟ هكذا رواه البخاري . فأما ما يروى فيه من الزيادة : " ما أبدلني الله خيرا منها " . فليس يصح سندها . وقد ذكرنا ذلك مطولا عند وفاة خديجة ، وذكرنا حجة من ذهب إلى تفضيلها على عائشة بما أغنى عن إعادته هاهنا .

وقال البخاري : حدثنا يحيى بن بكير ، ثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، قال أبو سلمة : إن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 341 ] يوما : " يا عائش ، هذا جبريل يقرئك السلام " . فقلت : وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ، ترى ما لا أرى .

وثبت في " صحيح البخاري " أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة ، فاجتمع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة ، وقلن لها : قولي له يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان . فقالت أم سلمة : فلما دخل علي قلت له ذلك ، فأعرض عني . ثم قلن لها ذلك ، فقالت له ، فأعرض عنها ، ثم لما دار إليها قالت له ، فقال : " يا أم سلمة ، لا تؤذيني في عائشة ، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها " . وذكر أنهن بعثن فاطمة ابنته إليه ، فقالت : إن نساءك ينشدونك العدل في ابنة أبي بكر بن أبي قحافة . فقال : " يا بنية ، ألا تحبين من أحب ؟ " قالت : قلت : بلى . قال : " فأحبي هذه " . ثم بعثن زينب بنت جحش فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة ، فتكلمت زينب ، ونالت من عائشة ، فانتصرت عائشة منها ، وكلمتها حتى أفحمتها ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عائشة ، ويقول : " إنها ابنة أبي بكر " . وذكرنا أن عمارا لما جاء يستصرخ الناس ويستنفرهم إلى قتال طلحة والزبير أيام الجمل ، صعد هو والحسن بن علي على منبر الكوفة فسمع عمار رجلا ينال من عائشة فقال له : اسكت مقبوحا منبوحا ، والله إنها لزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا [ ص: 342 ] وفي الآخرة ، ولكن الله ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أو إياها .

وقال الإمام أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو ، ثنا زائدة ، ثنا عبد الله بن خثيم ، حدثني عبد الله بن أبي مليكة ، أنه حدثه ذكوان حاجب عائشة ، أنه جاء عبد الله بن عباس يستأذن على عائشة ، فجئت وعند رأسها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن ، فقلت : هذا ابن عباس يستأذن . فأكب عليها ابن أخيها عبد الله فقال : هذا عبد الله بن عباس يستأذن . وهي تموت ، فقالت : دعني من ابن عباس . فقال : يا أمتاه ، إن ابن عباس من صالح بنيك يسلم عليك ويودعك . فقالت : ائذن له إن شئت . قال : فأدخلته ، فلما جلس قال : أبشري . فقالت : بماذا ؟ فقال : ما بينك وبين أن تلقي محمدا صلى الله عليه وسلم والأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد ، كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إلا طيبا ، وسقطت قلادتك ليلة الأبواء فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يصبح في المنزل ، وأصبح الناس وليس معهم ماء ، فأنزل الله آية التيمم ، فكان ذلك في سببك وما أنزل الله من الرخصة لهذه الأمة ، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات ، جاء بها الروح الأمين ، فأصبح ليس لله مسجد من مساجد الله إلا يتلى فيه آناء الليل وآناء النهار . فقالت : دعني منك يا ابن عباس ، والذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسيا منسيا . والأحاديث في فضائلها ومناقبها كثيرة جدا . وقد كانت وفاتها في هذا العام سنة ثمان وخمسين ، وقيل : قبله بسنة . وقيل : بعده بسنة . والمشهور في رمضان منه ، وقيل : في [ ص: 343 ] شوال . والأشهر ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان ، وأوصت أن تدفن بالبقيع ليلا ، وصلى عليها أبو هريرة بعد صلاة الوتر ، ونزل في قبرها خمسة ، وهم ; عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام من أختها أسماء بنت أبي بكر والقاسم وعبد الله ابنا أخيها محمد بن أبي بكر ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر ، وكان عمرها يومئذ سبعا وستين سنة ; لأنه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرها ثماني عشرة سنة ، وكان عمرها عام الهجرة ثمان سنين أو تسع سنين . فالله أعلم=

سنة خمسين من الهجرة=م دخلت سنة إحدى وخمسين
=ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين =ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين = ثم دخلت سنة أربع وخمسين=ثم دخلت سنة خمس وخمسين =م دخلت سنة ست وخمسين ======

في هذه السنة توفي أبو موسى الأشعري ، في قول ، والصحيح أنه مات سنة ثنتين وخمسين كما سيأتي . وفيها حج بالناس معاوية ، وقيل : ابنه يزيد . وكان نائب المدينة في هذه السنة سعيد بن العاص ، وعلى الكوفة والبصرة والمشرق وسجستان وفارس والسند والهند زياد .

وفي هذه السنة استعدى بنو نهشل على الفرزدق زيادا ، فهرب الفرزدق منه إلى المدينة ، وكان سبب ذلك أنه عرض بمعاوية في قصيدة له ، فطلبه زياد أشد الطلب ففر منه إلى المدينة ، فاستجار بسعيد بن العاص ، ومدحه بأشعار فأجاره ، ولم يزل الفرزدق يتردد فيما بين مكة والمدينة حتى توفي زياد ، فرجع إلى بلاده ، وقد طول ابن جرير هذه القصة .

وقد ذكر ابن جرير في هذه السنة من الحوادث ما رواه من طريق الواقدي : حدثني يحيى بن سعيد بن دينار ، عن أبيه ، أن معاوية كان قد عزم على تحويل المنبر النبوي من المدينة إلى دمشق ، وأن يأخذ العصا التي كان [ ص: 214 ] النبي صلى الله عليه وسلم يمسكها في يده إذا خطب ، فيقف على المنبر وهو ممسكها ، فقال له أبو هريرة وجابر بن عبد الله : يا أمير المؤمنين ، نذكرك الله أن تفعل هذا ، فإن هذا لا يصلح أن تخرج المنبر من موضع وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن تخرج عصاه من المدينة . فترك ذلك معاوية ، ولكن زاد في المنبر ست درجات ، واعتذر إلى الناس .

ثم روى الواقدي : أن عبد الملك بن مروان في أيام خلافته هم بذلك وعزم عليه فقيل له : إن معاوية كان قد عزم على هذا ثم تركه ، وإنه لما حرك المنبر ، كسفت الشمس ; فترك ذلك . ثم لما حج الوليد بن عبد الملك أراد ذلك أيضا ، فقيل له : إن معاوية وأباك أرادا ذلك ثم تركاه . وكان السبب في تركه أن سعيد بن المسيب كلم عمر بن عبد العزيز أن يكلمه في ذلك ويعظه ، فترك . ثم لما حج سليمان أخبره عمر بن عبد العزيز بما كان عزم عليه الوليد ، وأن سعيد بن المسيب نهاه عن ذلك ، فقال : ما أحب أن يذكر هذا عن عبد الملك ولا عن الوليد ، وما يكون لنا أن نفعل هذا ، مالنا ولهذا ، وقد أخذنا الدنيا فهي في أيدينا فنريد أن نعمد إلى علم من أعلام الإسلام يوفد إليه ، فنحمله إلى ما قبلنا ، هذا ما لا يصلح . رحمه الله .

[ ص: 215 ] وفي هذه السنة عزل معاوية عن مصر معاوية بن حديج وولى عليها وإفريقية مسلمة بن مخلد

وفيها افتتح عقبة بن نافع الفهري عن أمر معاوية ، بلاد إفريقية ، واختط القيروان - وكان مكانها غيضة تأوي إليها السباع والوحوش والحيات العظام - فدعا الله تعالى ، فلم يبق فيها شيء من ذلك حتى إن السباع صارت تخرج منها تحمل أولادها ، والحيات يخرجن من أجحارهن هوارب ، فعند ذلك أسلم خلق كثير من البربر .

وفي هذه السنة غزا بسر بن أبي أرطاة وسفيان بن عوف أرض الروم ، وفيها غزا فضالة بن عبيد البحر .

وفيها توفي مدلاج بن عمرو السلمي ، صحابي جليل ، شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم أر له ذكرا في الصحابة .

وذكر أبو الفرج بن الجوزي في كتابه " المنتظم " ، أن في هذه السنة توفي جبير بن مطعم ، وحسان بن ثابت ، والحكم بن عمرو الغفاري ، [ ص: 216 ] ودحية بن خليفة الكلبي ، وعقيل بن أبي طالب ، وعمرو بن أمية الضمري ، وكعب بن مالك ، والمغيرة بن شعبة ، وجويرية بنت الحارث ، وصفية بنت حيي ، وأم شريك الأنصارية . رضي الله عنهم أجمعين .



أما جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي أبو محمد ، وقيل : أبو عدي المدني ، فإنه قدم وهو مشرك في فداء أسارى بدر فلما سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة " الطور " : أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون [ الطور : 35 ] . دخل في قلبه الإسلام ، ثم أسلم عام خيبر وقيل : زمن الفتح . والأول أصح ، وكان من سادات قريش وأعلمها بالأنساب ، أخذ ذلك عن الصديق ، والمشهور أنه توفي سنة ثمان وخمسين ، وقيل : سنة تسع وخمسين ، كما سيأتي .

وأما حسان بن ثابت

شاعر الإسلام ، فالصحيح أنه توفي سنة أربع وخمسين ، كما سيأتي .

وأما الحكم بن عمرو بن مجدع الغفاري ، أخو رافع بن عمرو [ ص: 217 ] الغفاري ، ويقال له : الحكم بن الأقرع . فصحابي جليل ، له عند البخاري حديث واحد في النهي عن لحوم الحمر الإنسية ، وقد استنابه زياد بن أبيه على غزو جبل الأشل ، فغنم شيئا كثيرا من الذهب والفضة وغير ذلك ، فجاءه كتاب زياد عن أمر معاوية أن يصطفي الذهب والفضة من الغنيمة لبيت المال ، فرد عليه الحكم : إن كتاب الله أولى أن يتبع من كتاب معاوية ، وقد سبق كتاب الله كتاب معاوية ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " . ثم نادى في الناس أن اغدوا على غنائمكم ، فقسمها في الناس ولم يترك إلا الخمس ، فيقال : إنه حبس إلى أن مات بمرو في هذه السنة . وقيل : في سنة إحدى وخمسين . رحمه الله .

وأما دحية بن خليفة الكلبي

فصحابي جليل ، كان جميل الصورة ، فلهذا كان جبريل يأتي على صورته كثيرا . وأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر . أسلم قديما ، ولكن لم يشهد بدرا ، وشهد ما بعدها ، ثم شهد اليرموك وأقام بالمزة غربي دمشق إلى أن مات في خلافة معاوية .

وفيها توفي عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس القرشي أبو سعيد العبشمي ، أسلم يوم الفتح ، وقيل : شهد مؤته ، وغزا [ ص: 218 ] خراسان وفتح سجستان وكابل وغيرها ، وكانت له دار بدمشق ، وأقام بالبصرة ، وقيل : بمرو .

وقال محمد بن سعد وغير واحد : مات بالبصرة سنة خمسين . وقيل : سنة إحدى وخمسين . وصلى عليه زياد ، وترك عدة من الذكور ، وكان اسمه في الجاهلية عبد كلال ، وقيل : عبد كلوب . وقيل : عبد الكعبة . فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن ، وكان أحد السفيرين بين معاوية والحسن ، رضي الله عنهما . وقد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة ; فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها " .

وفيها توفي عثمان بن أبي العاص الثقفي ، أبو عبد الله الطائفي ، له ولأخيه الحكم صحبة ، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف ، فاستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف ، وأمره عليها أبو بكر وعمر ، فكان أميرهم وإمامهم مدة طويلة حتى مات سنة خمسين . وقيل : سنة إحدى وخمسين . رضي الله عنه .

وأما عقيل بن أبي طالب

أخو علي ، فكان أكبر من جعفر بعشر سنين ، وجعفر أكبر من علي بعشر سنين ، كما أن طالبا أكبر من عقيل بعشر سنين ، وكلهم أسلم إلا طالبا ، أسلم عقيل قبل الحديبية ، وشهد مؤتة ، وكان من أنسب قريش ، وكان قد ورث أقاربه الذين هاجروا وتركوا أموالهم وديارهم بمكة ، [ ص: 219 ] ومات في خلافة معاوية .

وأما عمرو بن أمية الضمري

فصحابي جليل أسلم بعد أحد ، وأول مشاهده بئر معونة ، وكان ساعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعثه إلى النجاشي في تزويج أم حبيبة ، وأن يأتي بمن بقي من المسلمين هناك ، وله أفعال حسنة ، وآثار محمودة ، رضي الله عنه ، توفي في خلافة معاوية . وكان لا يلحق ولا يسبق بالخيل .

وفيها كانت وفاة عمرو بن الحمق بن الكاهن الخزاعي ، أسلم قبل الفتح وهاجر ، وقيل : إنه إنما أسلم عام حجة الوداع . وقد ورد في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له أن يمتعه الله بشبابه ; فبقي ثمانين سنة لا يرى في لحيته شعرة بيضاء ، ومع هذا كان أحد الأربعة الذين دخلوا على عثمان ، ثم صار بعد ذلك من شيعة علي ، فشهد معه الجمل وصفين ، وكان من جملة الذين قاموا مع حجر بن عدي ، فتطلبه زياد ، فهرب إلى الموصل ، فبعث معاوية إلى نائبها ، فطلبوه فوجدوه قد اختفى في غار فنهشته حية ، فمات فقطع رأسه ، فبعث به إلى معاوية ، فطيف به في الشام وغيرها ، فكان أول رأس طيف به ، ثم بعث معاوية برأسه إلى زوجته آمنة بنت الشريد - وكانت في سجنه - فألقي في حجرها ، فوضعت كفها على جبينه ولثمت فمه ، وقالت : غيبتموه عني طويلا ، ثم أهديتموه إلي قتيلا ، فأهلا بها من هدية غير قالية ولا مقلية . [ ص: 220 ]

وأما كعب بن مالك الأنصاري السلمي

شاعر الإسلام ، فإنه أسلم قديما ، وشهد العقبة ، ولم يشهد بدرا ، كما ثبت في " الصحيحين " في سياق توبة الله عليه ، فإنه كان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم من تخلفهم عن غزوة تبوك ، كما ذكرنا ذلك مفصلا في " التفسير " ، وكما تقدم في غزوة تبوك ، وغلط ابن الكلبي في قوله : إنه شهد بدرا . وفي قوله : إنه توفي قبل الأربعين . فإن الواقدي - وهو أعلم منه - قال : توفي سنة خمسين . وقال الهيثم بن عدي : سنة إحدى وخمسين . رضي الله عنه .



وأما المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود ، أبو عيسى ، ويقال : أبو عبد الله . الثقفي . وعروة بن مسعود الثقفي عم أبيه ، كان المغيرة من دهاة العرب ، وذوي آرائها ، أسلم عام الخندق بعد ما قتل ثلاثة عشر رجلا من ثقيف مرجعهم من عند المقوقس ، وأخذ أموالهم ، فغرم دياتهم عروة بن مسعود ، وشهد الحديبية ، وكان واقفا يوم الصلح على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف صلتا ، [ ص: 221 ] وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إسلام أهل الطائف هو وأبو سفيان بن حرب ، فهدما اللات ، وقد قدمنا كيفية ذلك ، وبعثه الصديق إلى البحرين ، وشهد اليمامة واليرموك ، فأصيبت عينه يومئذ ، وقيل : بل نظر إلى الشمس وهي كاسفة ، فذهب ضوء عينه . وشهد القادسية ، وولاه عمر فتوحا كثيرة ، منها همذان وميسان ، وهو الذي كان رسول سعد إلى رستم ، فكلمه بذلك الكلام البليغ ، فاستنابه عمر على البصرة فلما شهد عليه بالزنا ولم يثبت عليه ، عزله عنها ، وولاه الكوفة ، واستمر به عثمان حينا ، ثم عزله ، فبقي معزولا حتى كان أمر الحكمين ، فلحق بمعاوية ، فلما قتل علي وصالح الحسن معاوية ودخل الكوفة ، ولاه معاوية عليها ، فلم يزل أميرها حتى مات في هذه السنة على المشهور . قاله محمد بن سعد وغيره .

وقال الخطيب : أجمع الناس على ذلك ، وذلك في رمضان منها ، عن سبعين سنة .

وقال أبو عبيد : مات سنة تسع وأربعين .

وقال ابن عبد البر : سنة إحدى وخمسين . وقيل : سنة ثمان وخمسين . [ ص: 222 ] وقيل : سنة ست وثلاثين . وهو غلط .

قال محمد بن سعد : وكان المغيرة أصهب الشعر جدا ، أكشف ، مقلص الشفتين ، أهتم ، ضخم الهامة ، عبل الذراعين ، بعيد ما بين المنكبين ، وكان يفرق رأسه أربعة قرون .

وقال الشعبي : القضاة أربعة ; عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وأبو موسى ، والدهاة أربعة ; معاوية ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة ، وزياد .

وقال الزهري : الدهاة في الفتنة خمسة ; معاوية ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، وكان معتزلا ، وقيس بن سعد بن عبادة ، وعبد الله بن بديل بن ورقاء ، وكانا مع علي .

قلت : والشيعة يقولون : الأشياخ خمسة ; رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، والأضداد خمسة ; أبو بكر ، وعمر ، ومعاوية ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة .

[ ص: 223 ] وقال الشعبي : سمعت المغيرة يقول : ما غلبني أحد إلا فتى مرة ، أردت أن أتزوج امرأة فاستشرته فيها ، فقال : أيها الأمير ، لا أرى لك أن تتزوجها . فقلت له : لم ؟ فقال : إني رأيت رجلا يقبلها . ثم بلغني عنه أنه قد تزوجها ، فقلت له : ألم تزعم أنك رأيت رجلا يقبلها ؟ فقال : نعم رأيت أباها يقبلها وهي صغيرة .

وقال أيضا : سمعت قبيصة بن جابر يقول : صحبت المغيرة بن شعبة ، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها .

وقال ابن وهب سمعت مالكا يقول : كان المغيرة بن شعبة يقول : صاحب المرأة الواحدة يحيض معها ويمرض معها ، وصاحب المرأتين بين نارين تشتعلان . وكان يتزوج أربعة معا ويطلقهن معا ، وقال عبد الله بن نافع الصائغ : أحصن المغيرة ثلاثمائة امرأة . وقال غيره : ألف امرأة . وقيل : مائة امرأة . وقيل : ثمانين امرأة . فالله أعلم .

وأما جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية

أم [ ص: 224 ] المؤمنين ، فسباها رسول صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع ; وهي غزوة بني المصطلق ، وكان أبوها ملكهم فأسلمت ، فأعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها ، وكانت قد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس وكاتبها فأتت رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها فقال : أو خير من ذلك ؟ " قالت : وما هو يا رسول الله ؟ قال : " أشتريك وأعتقك وأتزوجك " فأعتقها فقال الناس : أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأعتقوا ما بأيديهم من سبي بني المصطلق ، وكانوا نحوا من مائة أهل بيت . فقالت عائشة : لا أعلم امرأة أعظم بركة على أهلها منها . وكان اسمها برة ، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية . وكانت امرأة ملاحة - أي حلوة الكلام - توفيت في هذا العام سنة خمسين ، كما ذكره ابن الجوزي وغيره عن خمس وستين سنة ، وقال الواقدي : سنة ست وخمسين . رضي الله عنها وأرضاها . والله أعلم .



وأما صفية بنت حيي بن أخطب

بن سعية بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير بن النحام بن ينحوم ، أم المؤمنين [ ص: 225 ] النضرية ، فمن سلالة هارون أخي موسى ، عليهما السلام ، وكانت مع أبيها وعمها جدي بن أخطب بالمدينة ، فلما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير ساروا إلى خيبر وقتل أبوها مع بني قريظة صبرا ، كما قدمنا ذلك ، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر كانت في جملة السبي ، فوقعت في سهم دحية بن خليفة الكلبي ، فذكر لرسول الله صلى عليه وسلم جمالها وأنها بنت ملكهم ، فاصطفاها لنفسه وعوض دحية عنها ، وأسلمت فأعتقها وتزوجها ، فلما حلت بالصهباء بنى بها ، وكانت ماشطتها أم سليم ، وقد كانت تحت ابن عم لها ، يقال له : كنانة بن أبي الحقيق . فقتل في المعركة ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخدها لطمة ، فقال : " ما هذه ؟ " فقالت : إني رأيت كأن القمر أقبل من يثرب ، فسقط في حجري ، فقصصت المنام على ابن عمي ، فلطمني وقال : تتمنين أن يتزوجك ملك يثرب ؟ فهذه من لطمته . وكانت من سيدات النساء عبادة وورعا وزهادة وبرا وصدقة ، رضي الله عنها وأرضاها . قال الواقدي : توفيت سنة خمسين . وقال غيره : سنة ست وثلاثين . والأول أصح .



وأما أم شريك الأنصارية

ويقال : العامرية ، فهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل ، قبلها . وقيل : لم يقبلها . ولم تتزوج حتى ماتت ; ترجو بذلك أن تكون من أزواجه ، وهي التي سقيت بدلو من السماء لما منعها [ ص: 226 ] المشركون الماء ، فأسلموا عند ذلك ، واسمها غزية ، وقيل : عزيلة . بنت دودان بن عمرو بن عامر بن رواحة بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي ، أسلمت قديما ماتت في هذه السنة على الصحيح ، قال ابن الجوزي : ماتت سنة خمسين ، ولم أره لغيره    ================ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين

فيها غزا بلاد الروم وشتى بها سفيان بن عوف الأزدي ، فمات هنالك ، واستخلف على الجند بعده عبد الله بن مسعدة الفزاري ، وقيل : إن الذي كان أمير الغزو ببلاد الروم في هذه السنة بسر بن أبي أرطاة ، ومعه سفيان بن عوف . وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص نائب المدينة . قاله أبو معشر والواقدي وغيرهما . وغزا الصائفة محمد بن عبد الله الثقفي . وعمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة الماضية==ذكر من توفي فيها من الأعيان

خالد بن زيد بن كليب ، أبو أيوب الأنصاري الخزرجي ، شهد بدرا والعقبة والمشاهد كلها ، وشهد مع علي قتال الحرورية ، وفي داره كان نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين قدم المدينة مهاجرا من مكة ، فأقام عنده شهرا حتى بنى المسجد ومساكنه حوله ، ثم تحول إليها ، وقد كان أبو أيوب أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفل الدار ، ثم تحرج من أن يعلو فوقه ، فسأل من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصعد إلى العلو ، ويكون هو وأم أيوب في السفل ، فأجابه إلى ذلك .

[ ص: 252 ] وقد روينا عن ابن عباس أنه قدم عليه أبو أيوب البصرة وكان ابن عباس نائبها ، فخرج له عن داره وأنزله بها ، فلما أراد الانصراف خرج له عن كل شيء بها ، وزاده تحفا وخدما كثيرا ، وأعطاه أربعين ألفا وأربعين عبدا ; إكراما له لما كان أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره ، وقد كان من أكبر الشرف له . وهو القائل لزوجته أم أيوب حين قالت له : أما تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ فقال لها : أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب ؟ فقالت : لا والله . فقال : والله لهي خير منك . فأنزل الله : لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا الآية [ النور : 12 ] . وكانت وفاته ببلاد الروم قريبا من سور قسطنطينية من هذه السنة ، وقيل : في التي قبلها . وقيل : في التي بعدها . وكان في جيش يزيد بن معاوية وإليه أوصى ، وهو الذي صلى عليه .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا همام ، ثنا عاصم ، عن رجل من أهل مكة ، أن يزيد بن معاوية كان أميرا على الجيش الذي غزا فيه أبو أيوب ، فدخل عليه عند الموت ، فقال له : إذا أنا مت فاقرءوا على الناس مني السلام ، وأخبروهم إني سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول : " من مات لا يشرك بالله شيئا جعله الله في الجنة " . ولينطلقوا بي فيبعدوا بي في أرض الروم ما استطاعوا . قال : فحدث الناس لما مات أبو أيوب ، فاستلأم الناس وانطلقوا بجنازته .

[ ص: 253 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، ثنا أبو بكر ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان قال : غزا أبو أيوب مع يزيد بن معاوية . قال : فقال : إذا مت فأدخلوني في أرض العدو ، فادفنوني تحت أقدامكم حيث تلقون العدو . قال : ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة " . ورواه أحمد عن ابن نمير ويعلى بن عبيد ، عن الأعمش ، سمعت أبا ظبيان ، فذكره ، وقال فيه : وسأحدثكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لولا حالي هذا ما حدثتكموه ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى ، حدثني محمد بن قيس قاص عمر بن عبد العزيز ، عن أبي صرمة ، عن أبي أيوب الأنصاري ، أنه قال حين حضرته الوفاة : قد كنت كتمت عنكم شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " لولا أنكم تذنبون لخلق الله قوما يذنبون فيغفر لهم " . وعندي أن هذا الحديث والذي قبله هو الذي حمل يزيد بن معاوية على طرف من الأرجاء ، وركب بسببه أفعالا كثيرة أنكرت عليه كما سنذكره في ترجمته . والله تعالى أعلم . .

قال الواقدي : مات أبو أيوب بأرض الروم سنة ثنتين وخمسين ، ودفن عند [ ص: 254 ] القسطنطينية وقبره هنالك يستسقي به الروم إذا قحطوا . وقيل : إنه مدفون في حائط القسطنطينية ، وعلى قبره مزار ومسجد ، وهم يعظمونه . وقال أبو زرعة الدمشقي : توفي سنة خمس وخمسين . والأول أثبت ، والله أعلم .

وقال أبو بكر بن خلاد : حدثنا الحارث بن أبي أسامة ، ثنا داود بن المحبر ، ثنا ميسرة بن عبد ربه ، عن موسى بن عبيدة ، عن الزهري ، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي أيوب الأنصاري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الرجلين ليتوجهان إلى المسجد فيصليان ، فينصرف أحدهما وصلاته أوزن من أحد وينصرف الآخر وما تعدل صلاته مثقال ذرة " . فقال أبو حميد الساعدي : وكيف يكون ذلك يا رسول الله ؟ قال : " إذا كان أحسنهما عقلا " . قال : وكيف يكون ذلك ؟ قال : " إذا كان أورعهما عن محارم الله وأحرصهما على المسارعة إلى الخير ، وإن كان دونه في التطوع " .

وعن أبي أيوب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل سأله أن يعلمه ويوجز ، [ ص: 255 ] فقال له : " إذا صليت صلاة فصل صلاة مودع ، ولا تكلمن بكلام تعتذر منه ، وأجمع اليأس مما في أيدي الناس " .

وفيها كانت وفاة أبي موسى عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر بن عنز بن بكر بن عامر بن عذر بن وائل بن ناجية بن جماهر بن الأشعر الأشعري اليماني ، أسلم ببلاده ، وقدم مع جعفر وأصحابه عام خيبر . وذكر محمد بن إسحاق أنه هاجر أولا إلى مكة ، ثم هاجر إلى الحبشة ، وليس هذا بالمشهور . وقد استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع معاذ على اليمن ، واستنابه عمر على البصرة ، وفتح تستر وشهد خطبة عمر بالجابية ، وولاه عثمان الكوفة وكان أحد الحكمين بين علي ومعاوية ، فلما اجتمعا خدع عمرو أبا موسى .

وكان من قراء الصحابة وفقهائهم ، وكان أحسن الصحابة صوتا في زمانه . قال أبو عثمان النهدي : ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار أطيب من صوت أبي موسى . وثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود " . وكان عمر يقول له : ذكرنا ربنا يا أبا موسى . [ ص: 256 ] فيقرأ وهم يسمعون . وقال الشعبي : كتب عمر في وصيته أن لا يقر لي عامل أكثر من سنة إلا أبا موسى ، فليقر أربع سنين .

وذكر ابن الجوزي في " المنتظم " أنه توفي في هذه السنة ، وهو قول بعضهم . وقيل : إنه توفي قبلها بسنة . وقيل : في سنة ثنتين وأربعين . وقيل غير ذلك . والله أعلم . وكانت وفاته بمكة لما اعتزل الناس بعد التحكيم ، وقيل : بمكان يقال له : الثوية . على ميلين من الكوفة . وكان قصيرا نحيف الجسم ، أثط ، أي لا لحية له ، رضي الله عنه .

وذكر ابن الجوزي أنه توفي في هذه السنة أيضا من الصحابة

عبد الله بن المغفل المزني

وكان أحد البكائين ، وأحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة ليفقهوا الناس ، وهو أول من دخل تستر من المسلمين حين فتحها . لكن‌ الصحيح ما حكاه البخاري عن مسدد أنه توفي سنة سبع وخمسين . وقال ابن عبد البر : توفي سنة ستين . وقال غيره : سنة إحدى وستين . فالله أعلم .

ويروى عنه أنه رأى في منامه كأن القيامة قد قامت ، وكان هناك مكان من [ ص: 257 ] وصل إليه نجا ، فجعل يحاول الوصول إليه ، فقيل له : أتريد أن تصل إليه وعندك ما عندك ؟ فاستيقظ ، فعمد إلى عيبة عنده فيها ذهب كثير ، فلم يصبح عليه الصباح إلا وقد فرقها في المساكين والمحاويج والأقارب ، رضي الله عنه .

وفيها توفي عمران بن حصين بن عبيد بن خلف ، أبو نجيد الخزاعي

أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر وشهد غزوات ، وكان من سادات الصحابة ، استقضاه عبد الله بن عامر على البصرة فحكم بها ، ثم استعفاه فأعفاه ، ولم يزل بها حتى مات في هذه السنة . قال الحسن وابن سيرين : ما قدم البصرة راكب خير منه .

وقد كانت الملائكة تسلم عليه ، فلما اكتوى انقطع عنه سلامهم ، ثم عادوا فسلموا عليه قبل موته بقليل ، رضي الله عنه وعن أبيه أيضا .

كعب بن عجرة الأنصاري ، أبو محمد المدني

صحابي جليل ، وهو الذي نزلت فيه آية الفدية في الحج . مات في هذه السنة ، وقيل : قبلها بسنة . عن خمس أو سبع وسبعين سنة .

معاوية بن حديج بن جفنة بن قتيرة الكندي الخولاني المصري

صحابي [ ص: 258 ] على قول الأكثرين ، وذكره ابن حبان في التابعين من " الثقات " ، والصحيح الأول شهد فتح مصر ، وهو الذي وفد إلى عمر بفتح الإسكندرية وشهد مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح قتال البربر ، وذهبت عينه يومئذ ، وولي حروبا كثيرة في بلاد المغرب ، وكان عثمانيا في أيام علي ببلاد مصر ، ولم يبايع عليا بالكلية ، فلما أخذ معاوية بن أبي سفيان مصر أكرمه ، ثم استنابه بها بعد عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه ناب بها بعد أبيه سنتين ، ثم عزله معاوية وولى معاوية بن حديج هذا ، فلم يزل بمصر حتى مات بها في هذه السنة .

هانئ بن نيار ، أبو بردة البلوي ، وهو خال البراء بن عازب

المخصوص بذبح العناق وإجزائها عن غيرها من الأضاحي ، وشهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها ، وكانت راية بني حارثة معه يوم الفتح ، رضي الله عنه =================ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين

ففيها غزا عبد الرحمن ابن أم الحكم الثقفي بلاد الروم وشتى بها . وفيها افتتح المسلمون - وعليهم جنادة بن أبي أمية - جزيرة رودس ، فأقام بها طائفة من المسلمين كانوا أشد شيء على الكفار ، يعترضون لهم في البحر ، ويقطعون سبيلهم ، وكان معاوية يدر عليهم الأرزاق والأعطيات الجزيلة ، وكانوا على حذر شديد من الفرنج ، يبيتون في حصن عظيم عندهم فيه حوائجهم ودوابهم وحواصلهم ، ولهم نواطير على البحر ينذرونهم إن قدم عدو أو كادهم أحد وما زالوا كذلك حتى كانت إمارة يزيد بن معاوية بعد أبيه ، فأقفلهم من تلك الجزيرة ، وقد كانت للمسلمين بها أموال كثيرة وزراعات غزيرة .

وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص والي المدينة . قاله أبو معشر والواقدي .

وفي هذه السنة توفي جبلة بن الأيهم الغساني ، كما ستأتي ترجمته في آخر هذه التراجم .

وفيها توفي الربيع بن زياد الحارثي اختلف في صحبته ، وكان نائب زياد على خراسان وكان قد ذكر حجر بن عدي فتأسف عليه ، وقال : والله لو ثارت العرب له لما قتل صبرا ، ولكن أقرت العرب فذلت . ثم لما كان يوم الجمعة دعا الله على المنبر أن يقبضه إليه ، فما عاش إلى الجمعة الأخرى ، واستخلف على [ ص: 260 ] عمله ابنه عبد الله بن الربيع ، فأقره زياد على ذلك ، فمات بعد ذلك بشهرين ، واستخلف على عمله بخراسان خليد بن عبد الله الحنفي ، فأقره زياد .

ورويفع بن ثابت

صحابي جليل ، شهد فتح مصر ، وله آثار جيدة في فتح بلاد المغرب ، ومات ببرقة واليا من جهة مسلمة بن مخلد نائب مصر .

وفيها توفي زياد بن أبي سفيان - ويقال له زياد ابن أبيه و : زياد ابن سمية . وهي أمه - في رمضان من هذه السنة مطعونا ، وكان سبب ذلك أنه كتب إلى معاوية يقول له : إني قد ضبطت لك العراق بشمالي ، ويميني فارغة . وهو يعرض له أن يستنيبه على بلاد الحجاز أيضا ، فلما بلغ أهل الحجاز ذلك جاءوا إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب ، فشكوا إليه ذلك ، وخافوا أن يلي عليهم زياد ، فيعسفهم كما عسف أهل العراق ، فقام ابن عمر فاستقبل القبلة ، فدعا على زياد والناس يؤمنون ، فطعن زياد بالعراق في يده فضاق ذرعا بذلك ، واستشار شريحا القاضي في قطع يده ، فقال له شريح : إني لا أرى لك أن تفعل ذلك بنفسك ، فإنه إن لم يكن في الأجل فسحة لقيت الله أجذم قد قطعت يدك جزعا من لقائه ، وإن كان لك أجل بقيت في الناس أجذم فيعير ولدك بذلك . فصرفه عن ذلك ، فلما خرج شريح من عنده عاتبه بعض الناس وقالوا : هلا تركته فقطع يده ؟ فقال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المستشار مؤتمن " . ويقال : إن [ ص: 261 ] زيادا جعل يقول : أأنام أنا والطاعون في فراش واحد ؟ فعزم على قطع يده ، فلما جيء بالمكاوي والحديد خاف من ذلك ، فترك ذلك . وذكر أنه جمع مائة وخمسين طبيبا ليداووه مما يجد من الحر في باطنه ، منهم ثلاثة أطباء ممن كان يطب كسرى بن هرمز فعجزوا عن رد القدر المحتوم والأمر المحموم ، فمات في ثالث شهر رمضان في هذه السنة . وقد قام في إمرة العراق خمس سنين . ودفن بالثوية خارج الكوفة ، وقد كان برز منها قاصدا الحجاز أميرا عليها ، فلما بلغ خبر موته عبد الله بن عمر قال : اذهب إليك يا ابن سمية ، فلا الدنيا بقيت لك ، ولا الآخرة أدركت .

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثني أبي ، عن هشام بن محمد ، حدثني يحيى بن ثعلبة أبو المقوم الأنصاري ، عن أمه عن عائشة ، عن أبيها عبد الرحمن بن السائب الأنصاري ، قال : جمع زياد أهل الكوفة ، فملأ منهم المسجد والرحبة والقصر ; ليعرضهم على البراءة من علي بن أبي طالب . قال : عبد الرحمن فإني لمع نفر من أصحابي من الأنصار ، والناس في أمر عظيم من ذلك وفي حصر . قال : فهومت تهويمة - أي نعست نعسة - فرأيت شيئا أقبل طويل العنق ، له عنق مثل عنق البعير ، أهدب أهدل فقلت : ما أنت ؟ [ ص: 262 ] فقال : أنا النقاد ذو الرقبة ، بعثت إلى صاحب هذا القصر . فاستيقظت فزعا ، فقلت لأصحابي : هل رأيتم ما رأيت ؟ قالوا : لا . فأخبرتهم ، وخرج علينا خارج من القصر فقال : إن الأمير يقول لكم : انصرفوا عني ، فإني عنكم مشغول . وإذا الطاعون قد أصابه .

وروى ابن أبي الدنيا أن زيادا لما ولي الكوفة سأل عن أعبد أهلها ، فدل على رجل يقال له : أبو المغيرة الحميري . فجاء به فقال له : الزم بيتك ولا تخرج منه وأنا أعطيك من المال ما شئت . فقال : لو أعطيتني ملك الأرض ما تركت خروجي لصلاة الجماعة . فقال : الزم الجماعة ولا تتكلم بشيء . فقال : لا أستطيع ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فأمر به فضربت عنقه . وهذا غريب جدا .

ولما احتضر قال له ابنه : يا أبة ، قد هيأت لك ستين ثوبا أكفنك فيها . فقال : يا بني ، قد دنا من أبيك أمر ; إما لباس خير من لباسه وإما سلب سريع .

وصعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم الدارمي

كان سيدا في الجاهلية وفي الإسلام ، يقال : إنه أحيا في الجاهلية ثلاثمائة وستين موءودة . وقيل : أربعمائة . وقيل : ستا وتسعين موءودة . فلما أسلم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لك أجر ذلك إذ من الله عليك بالإسلام " .

[ ص: 263 ] ويروى عنه أنه أول ما أحيى الموءودة أنه ذهب في طلب ناقتين شردتا له . قال : فبينما أنا في الليل أسير إذا أنا بنار تضيء مرة وتخبو أخرى ، فجعلت لا أهتدي إليها ، فقلت : اللهم لك علي إن أوصلتني إليها أن أدفع عن أهلها ضيما إن وجدته بهم . قال : فوصلت إليها ، وإذا شيخ كبير يوقد نارا ، وعنده نسوة مجتمعات ، فقلت : ما أنتن ؟ فقلن : إن هذه امرأة قد حبستنا منذ ثلاث ، تطلق ولم تخلص . فقال الشيخ صاحب المنزل : وما خبرك ؟ فقلت : إني في طلب ناقتين شردتا لي . فقال : قد وجدتهما ، إنهما لفي إبلنا . قال : فنزلت عنده . قال : فما هو إلا أن نزلت إذ قلن : وضعت . فقال الشيخ : إن كان ذكرا فارتحلوا ، وإن كان أنثى فلا تسمعنني صوتها . فقلت : علام تقتل ولدك ورزقه على الله ؟ فقال : لا حاجة لي بها . فقلت : أنا أفتديها منك وأتركها عندك حتى تبين عنك أو تموت . قال : بكم ؟ قلت . بإحدى ناقتي . قال : لا . قلت : فبهما . قال : لا إلا أن تزيدني بعيرك هذا ، فإني أراه شابا حسن اللون . قلت : نعم ، على أن تردني إلى أهلي . قال : نعم . فلما خرجت من عندهم ، رأيت أن الذي صنعته نعمة من الله من بها علي هداني إليها ، فجعلت لله علي أن لا أجد موءودة إلا افتديتها كما افتديت هذه . قال : فما جاء الإسلام حتى أحييت مائة موءودة إلا أربعا ، ونزل القرآن بتحريم ذلك على المسلمين .

وممن توفي في هذه السنة من المشاهير المذكورين جبلة بن الأيهم الغساني ملك نصارى العرب ، وهو جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن أبي شمر ، [ ص: 264 ] واسمه المنذر بن الحارث ، وهو ابن مارية ذات القرطين ، وهو ابن ثعلبة بن عمرو بن جفنة ، واسمه كعب بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس ، ومارية هي بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة ، ويقال غير ذلك في نسبه ، وكنية جبلة أبو المنذر الغساني الجفني ، وكان ملك غسان ، وهم نصارى العرب أيام هرقل ، وغسان أولاد عم الأنصار ; أوسها وخزرجها ، وكان جبلة آخر ملوك غسان ، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا مع شجاع بن وهب يدعوه إلى الإسلام ، فأسلم وكتب بإسلامه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال ابن عساكر : قيل : إنه لم يسلم قط . وهكذا صرح به الواقدي وسعيد بن عبد العزيز .

وقال الواقدي : شهد اليرموك مع الروم أيام عمر بن الخطاب ، ثم أسلم بعد ذلك في أيام عمر ، فاتفق أنه وطئ رجلا من مزينة بدمشق ، فلطمه ذلك المزني ، فرفعه أصحاب جبلة إلى أبي عبيدة فقالوا : هذا لطم جبلة . قال أبو عبيدة : فليلطمه جبلة . فقالوا : أوما يقتل ؟ ! قال : لا . قالوا : فما تقطع يده ؟ ! قال : لا ، إنما أمر الله بالقود . فقال جبلة أترون أني جاعل وجهي بدلا لوجه مزني جاء من ناحية المدينة ؟ بئس الدين هذا . ثم ارتد نصرانيا ، وترحل بأهله حتى دخل أرض الروم ، فبلغ ذلك عمر فشق عليه ، وقال لحسان : إن صديقك جبلة ارتد عن الإسلام . فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون . ثم قال : ولم ؟ قال : لطمه رجل من مزينة . فقال : وحق له . فقام إليه عمر بالدرة فضربه بها . ورواه [ ص: 265 ] الواقدي ، عن معمر وغيره ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، وساق ذلك بأسانيده إلى جماعة من الصحابة . وهذا القول هو أشهر الأقوال .

وقد روى ابن الكلبي وغيره أن عمر لما بلغه إسلام جبلة فرح بإسلامه ، ثم بعث يستدعيه ليراه بالمدينة ، وقيل : بل استأذنه جبلة في القدوم عليه ، فأذن له ، فركب في خلق كثير من قومه ، قيل : مائة وخمسون راكبا . وقيل : خمسمائة . وتلقته هدايا عمر ونزله قبل أن يصل إلى المدينة بمراحل ، وكان يوم دخوله يوما مشهودا ، دخلها وقد ألبس خيوله قلائد الذهب والفضة ، ولبس هو تاجا على رأسه ، مرصعا باللآلئ والجواهر ، وفيه قرطا مارية جدته ، وخرج أهل المدينة رجالهم ونساؤهم ينظرون إليه ، فلما سلم على عمر رحب به عمر وأدنى مجلسه ، وشهد الحج مع عمر في هذه السنة ، فبينما هو يطوف بالكعبة إذ وطئ إزاره رجل من بني فزارة فانحل ، فرفع جبلة يده فهشم أنف ذلك الرجل ، ومن الناس من يقول : إنه قلع عينه . فاستعدى عليه الفزاري عمر ، ومعه خلق كثير من بني فزارة ، فاستحضره عمر ، فاعترف جبلة فقال له عمر : أقده . فقال جبلة : كيف وأنا ملك وهو سوقة ؟ فقال : إن الإسلام جمعك وإياه ، فلست تفضله إلا بالتقوى . فقال جبلة قد كنت أظن أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية . فقال عمر : دع ذا عنك ، فإنك إن لم ترض الرجل أقدته منك . فقال : إذن أتنصر . فقال : إن تنصرت ضربت عنقك . فلما رأى الجد قال : سأنظر في أمري هذه الليلة . فانصرف من عند عمر ، فلما ادلهم الليل ركب [ ص: 266 ] في قومه ومن أطاعه ، فسار إلى الشام ، ثم دخل بلاد الروم ، ودخل على هرقل في مدينة القسطنطينية فرحب به هرقل وأقطعه بلادا كثيرة ، وأجرى عليه أرزاقا جزيلة ، وأهدى إليه هدايا جميلة ، وجعله من سماره ، فمكث عنده دهرا ; ثم إن عمر كتب كتابا إلى هرقل مع رجل يقال له : جثامة بن مساحق الكناني . فلما بلغ هرقل كتاب عمر بن الخطاب قال له هرقل : هل لقيت ابن عمك جبلة ؟ قال : لا . قال : فالقه . فذكر اجتماعه به ، وما هو فيه من النعمة والسرور والحبور الدنيوي ، في لباسه وفرشه ومجلسه وطيبه ، وجواريه حواليه الحسان من الخدم والقيان ، ومطعمه وشرابه وسرره وداره التي تعوض بها عن دار الإسلام ، وذكر أنه دعاه إلى الإسلام والعود إلى الشام فقال : أبعد ما كان مني من الارتداد ؟ فقال : نعم ، إن الأشعث بن قيس ارتد وقاتلهم بالسيف ، ثم لما رجع إلى الحق قبلوه منه ، وزوجه الصديق بأخته أم فروة . قال : فالتهى عنه بالطعام والشراب ، وعرض عليه الخمر فأبى عليه ، وشرب جبلة من الخمر شيئا كثيرا حتى سكر ، ثم أمر جواريه القيان ، فغنينه بالعيدان من قول حسان ، يمدح بني عمه من غسان ، والشعر في والد جبلة هذا الحيوان .


لله در عصابة نادمتهم يوما بجلق في الزمان الأول     أولاد جفنة حول قبر أبيهم
قبر ابن مارية الكريم المفضل      [ ص: 267 ] يسقون من ورد البريص عليهم
صهبا تصفق بالرحيق السلسل     بيض الوجوه كريمة أحسابهم
شم الأنوف من الطراز الأول     يغشون حتى ما تهر كلابهم
لا يسألون عن السواد المقبل
قال : فأعجبه قولهن ذلك ، ثم قال : هذا شعر حسان بن ثابت الأنصاري فينا وفي ملكنا ، ثم قال لي : كيف حال حسان ؟ قلت له : تركته ضريرا شيخا كبيرا . ثم قال لهن : أطربنني . فاندفعن يغنين بقول حسان أيضا :


لمن الدار أقفرت بمعان     بين فرع اليرموك فالصمان
فالقريات من بلاس فداريا     فسكاء فالقصور الدواني
فحمى جاسم إلى مرج ذي     الصفر مغنى قبائل وهجان
تلك دار العزيز بعد ألوف     وحلول عظيمة الأركان
صلوات المسيح في ذلك الدي     ر دعاء القسيس والرهبان
ذاك مغنى لآل جفنة في الده     ر محاه تعاقب الأزمان
فأراني هناك حق مكين     عند ذي التاج مجلسي ومكاني
ثكلت أمهم وقد ثكلتهم     يوم حلوا بحارث الجولان
[ ص: 268 ] قد - دنا الفصح فالولائد ينظم     ن سراعا أكلة المرجان
قال : هذا لابن الفريعة حسان بن ثابت ، فينا وفي ملكنا وفي منازلنا بأكناف غوطة دمشق . قال : ثم سكت طويلا ، ثم قال لهن : بكينني . فوضعن عيدانهن ونكسن رءوسهن وقلن :


تنصرت الأشراف من عار لطمة     وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفني فيها لجاج ونخوة     وبعت بها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني     رجعت إلى القول الذي قاله عمر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة     وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة     أجالس قومي ذاهب السمع والبصر
أدين بما دانوا به من شريعة     وقد يصبر العود الكبير على الدبر
قال : فوضع يده على وجهه ، فبكى حتى بل لحيته بدموعه ، وبكيت معه ، ثم استدعى بخمسمائة دينار هرقلية ، فقال : خذ هذه فأوصلها إلى حسان بن ثابت . وجاء بأخرى فقال : خذ هذه لك . فقلت : لا حاجة لي فيها ، ولا أقبل منك شيئا وقد ارتددت عن الإسلام . فيقال : إنه أضافها إلى التي لحسان ، فبعث إليه بألف دينار هرقلية ، ثم قال لي : أبلغ عمر بن الخطاب مني السلام وسائر المسلمين . فلما قدمت على عمر أخبرته خبره ، فقال : ورأيته يشرب الخمر ؟ قلت : نعم . قال : أبعده الله ، تعجل فانية بباقية ، فما ربحت تجارته . ثم قال : وما الذي وجه به لحسان ؟ قلت : [ ص: 269 ] خمسمائة دينار هرقلية ، فدعا حسانا فدفعها إليه ، فأخذها وولى وهو يقول :


إن ابن جفنة من بقية معشر     لم يغذهم آباؤهم باللوم
لم ينسني بالشام إذ هو ربها     كلا ولا متنصرا بالروم
يعطي الجزيل ولا يراه عنده     إلا كبعض عطية المحروم
وأتيته يوما فقرب مجلسي     وسقى فرواني من الخرطوم
ثم لما كان في هذه السنة من أيام معاوية بعث معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري رسولا إلى ملك الروم ، فاجتمع بجبلة بن الأيهم ، فرأى ما هو فيه من السعادة الدنيوية والأموال ; من الخدم والحشم والذهب والخيول ، فقال له جبلة : لو أعلم أن معاوية يقطعني أرض البثنية فإنها منازلنا ، وعشرين قرية من غوطة دمشق ويفرض لجماعتنا ، ويحسن جوائزنا ، لرجعت إلى الشام . فأخبر عبد الله بن مسعدة معاوية بقوله ، فقال معاوية : أنا أعطيه ذلك . وكتب إليه كتابا مع البريد بذلك ، فما أدركه البريد إلا وقد مات في هذه السنة قبحه الله .

وذكر أكثر هذه الأخبار الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في " المنتظم " ، وأرخ وفاته هذه السنة ، أعني سنة ثلاث وخمسين ، وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في " تاريخه " فأطال الترجمة وأفاد ، ثم قال في آخرها : بلغني أن جبلة توفي في خلافة معاوية بأرض الروم ، بعد سنة أربعين من الهجرة==================
ثم دخلت سنة أربع وخمسين

وفيها شتى محمد بن مالك بأرض الروم ، وغزا الصائفة معن بن يزيد السلمي . وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن إمرة المدينة ، ورد إليها مروان بن الحكم وكتب إليه أن يهدم دار سعيد بن العاص ، ويصطفي أمواله التي بأرض الحجاز ، فجاء مروان إلى دار سعيد ليهدمها فقال سعيد : ما كنت لتفعل ذلك . فقال : إن أمير المؤمنين كتب إلي بذلك ، ولو كتب إليك في داري لفعلته . فقام سعيد ، فأخرج إليه كتاب معاوية إليه حين ولاه المدينة أن يهدم دار مروان ويصطفي أمواله ، وذكر أنه لم يزل يجاحف دونه حتى صرف ذلك عنه ، فلما رأى مروان الكتب إلى سعيد بذلك ، ثناه ذلك عن دار سعيد ، وعن أخذ ماله ، ولم يزل يدافع عنه حتى تركه معاوية في داره وأقر عليه أمواله .

وفيها عزل معاوية سمرة بن جندب عن البصرة وكان زياد قد استخلفه عليها ، فأقره معاوية ستة أشهر ، ثم عزله وولى عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان .

وروى ابن جرير وغيره ، عن سمرة أنه قال : لو أطعت الله كما أطعت معاوية لما عذبني أبدا . وهذا لا يصح عنه . وأقر معاوية عبد الله بن خالد بن أسيد [ ص: 271 ] على نيابة الكوفة ، وكان زياد قد استخلفه عليها . وقدم في هذه السنة عبيد الله بن زياد على معاوية ، فأكرمه وسأله عن نواب أبيه على البلاد ، فأخبره عنهم ، ثم ولاه إمرة خراسان وهو ابن خمس وعشرين سنة ، فسار إلى مقاطعته ، وتجهز من فوره غاديا إليها ، فقطع النهر إلى جبال بخارى ، ففتح راميثن ونصف بيكند - وهما من معاملة بخارى - ولقي الترك هناك ، فقاتلهم قتالا شديدا ، وهزمهم هزيمة فظيعة ، بحيث إن المسلمين أعجلوا امرأة الملك أن تلبس خفيها ، فلبست واحدة وتركت الأخرى ، فأخذها المسلمون فقوموا جوربها بمائتي ألف درهم ، وغنموا مع ذلك غنائم كثيرة ، وأقام عبيد الله بن زياد بخراسان سنتين .

وفي هذه السنة حج بالناس مروان بن الحكم نائب المدينة . وكان على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد ، وقيل : بل كان عليها الضحاك بن قيس . وكان على البصرة عبد الله بن عمرو بن غيلان . ===============
أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي ، أبو محمد المدني

مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مولاه ، وحبه وابن حبه ، وأمه بركة أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاضنته ، ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمرة بعد مقتل أبيه ، فطعن بعض الناس في إمرته ، فقال [ ص: 272 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمرة أبيه من قبله ، وايم الله إن كان لخليقا بالإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده " .

وثبت في " صحيح البخاري " عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس الحسن على فخذه ، ويجلس أسامة على فخذه الأخرى ويقول : " اللهم إني أحبهما فأحبهما " . وفضائله كثيرة جدا ، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره تسع عشرة سنة ، وكان عمر إذا لقيه يقول : السلام عليك أيها الأمير . وصحح أبو عمر بن عبد البر أنه توفي في هذه السنة . وقال غيره : سنة ثمان أو تسع وخمسين . وقيل توفي بعد مقتل عثمان . فالله أعلم .

ثوبان بن بجدد

مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تقدمت ترجمته في الموالي ، ومن كان يخدمه ، عليه الصلاة والسلام . أصل ثوبان من العرب ، فأصابه سباء ، فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقه ، فلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرا وحضرا ، فلما مات أقام بالرملة ، ثم انتقل منها إلى حمص فابتنى بها دارا ، ولم يزل بها حتى مات في هذه السنة ، على الصحيح . وقيل : سنة أربع وأربعين . وهو غلط . [ ص: 273 ] ويقال إنه توفي بمصر . والصحيح بحمص .

جبير بن مطعم

تقدم أنه توفي . سنة خمسين .

الحارث بن ربعي أبو قتادة الأنصاري

وقال الواقدي : اسمه النعمان بن ربعي . وقال غيره : عمرو بن ربعي . وهو أبو قتادة الأنصاري السلمي المدني فارس الإسلام ، شهد أحدا وما بعدها ، وكان له يوم ذي قرد سعي مشكور كما تقدم ذلك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ : " خير فرساننا اليوم أبو قتادة ، وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع " . وزعم أبو أحمد الحاكم أنه شهد بدرا ، وليس هذا بمعروف . وقال أبو سعيد الخدري : أخبرني من هو خير مني أبو قتادة الأنصاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار : " تقتلك الفئة الباغية " .

قال الواقدي وغيره : توفي في هذه السنة - يعني سنة أربع وخمسين - بالمدينة عن سبعين سنة . وزعم الهيثم بن عدي وغيره أنه توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين ، وصلى عليه علي بن أبي طالب . وهذا غريب .

حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي أبو خالد المكي

وأمه فاختة بنت زهير بن الحارث بن أسد [ ص: 274 ] بن عبد العزى ، وعمته خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم أولاده سوى إبراهيم . ولدته أمه في جوف الكعبة قبل الفيل بثلاث عشرة سنة ; وذلك أنها دخلت الكعبة تزور ، فضربها الطلق ، فوضعته على نطع .

وكان شديد المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما كان بنو هاشم وبنو المطلب في الشعب لا يبايعون ولا يناكحون ، كان حكيم يقبل بالعير تقدم من الشام فيشتريها مكانها ، ثم يذهب بها ، فيضرب أدبارها حتى تلج الشعب تحمل الطعام والكسوة ; تكرمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولعمته خديجة بنت خويلد ، وهو الذي اشترى زيد بن حارثة أولا ، فابتاعته منه عمته خديجة ، فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه . وهو الذي اشترى حلة ذي يزن ، فأهداها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلبسها . قال : فما رأيت شيئا أحسن منه فيها . ومع هذا ما أسلم إلا يوم الفتح هو وأولاده كلهم .

قال البخاري وغيره : عاش في الجاهلية ستين سنة ، وفي الإسلام ستين سنة ، وكان من سادات قريش وكرمائهم وأعلمهم بالنسب ، وكان كثير الصدقة والبر والعتاقة ، فلما أسلم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال : " أسلمت على ما أسلفت من خير " . وقد كان حكيم شهد مع المشركين بدرا ، وتقدم إلى [ ص: 275 ] الحوض ، فكاد حمزة أن يقتله ، فما سحب إلا سحبا من بين يديه ، فلهذا كان إذا اجتهد في اليمين يقول : لا والذي نجاني يوم بدر . ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمر الظهران ومعه الجنود خرج حكيم وأبو سفيان يتجسسان الأخبار ، فلقيهما العباس ، فأخذ أبا سفيان فأجاره ، وأخذ له أمانا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسلم أبو سفيان ليلتئذ كرها ومن صبيحة ذلك اليوم أسلم حكيم ، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا ، وأعطاه رسول الله عليه وسلم مائة من الإبل ، ثم سأله فأعطاه ، ثم سأله فأعطاه ، ثم قال له : " يا حكيم ، إن هذا المال حلوة خضرة ، وإنه من أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، وكان كالذي يأكل ولا يشبع " . فقال حكيم : والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا . فلم يرزأ أحدا بعده ، فكان أبو بكر يعرض عليه العطاء فيأبى ، وكذلك عمر يعرض عليه العطاء فيأبى ، فكان عمر يشهد عليه المسلمين . ومع هذا كان من أغنى الناس ; مات الزبير يوم مات ولحكيم عليه مائة ألف .

وقد كان بيده ، حين أسلم ، الرفادة ودار الندوة ، فباعها بعد من معاوية بمائة ألف ، وفي رواية : بأربعين ألف دينار . فقال له ابن الزبير : بعت مكرمة قريش ؟ فقال له حكيم : ذهبت المكارم إلا التقوى ، يا ابن أخي ، إني اشتريتها في الجاهلية بزق خمر ، ولأشترين بها دارا في الجنة ، أشهدك أني قد جعلتها في [ ص: 276 ] سبيل الله ، وهذه الدار كانت لقريش بمنزلة دار العدل ، وكان لا يدخلها أحد إلا وقد صار سنه أربعين سنة ، إلا حكيم بن حزام ، فإنه دخلها وهو ابن خمس عشرة سنة . ذكره الزبير بن بكار .

وذكر الزبير أن حكيما حج عاما ، فأهدى مائة بدنة مجللة ، وألف شاة ، وأوقف معه بعرفات مائة وصيف في أعناقهم أطوقة الفضة ، وقد نقش فيها : هؤلاء عتقاء الله عن حكيم بن حزام . فأعتقهم وأهدى جميع تلك الأنعام . رضى الله عنه . توفي حكيم في هذه السنة على الصحيح . ، وقيل غير ذلك ، وله من العمر مائة وعشرون سنة . والله أعلم .

حويطب بن عبد العزى العامري

صحابي جليل ، أسلم عام الفتح ، وكان قد عمر دهرا طويلا ، ولهذا جعله عمر في النفر الذين جددوا أنصاب الحرم ، وقد شهد بدرا مع المشركين ، ورأى الملائكة يومئذ بين السماء والأرض ، وشهد الحديبية وسعى في الصلح ، فلما كان عمرة القضاء كان هو وسهيل هما اللذان أمرا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج من مكة ، فأمر بلالا أن لا تغرب الشمس وبمكة أحد من أصحابه . قال : وفي كل هذه المواطن أهم بالإسلام ، ويأبى الله إلا ما يريد ، فلما كان زمن الفتح خفت خوفا شديدا وهربت ، فلحقني أبو ذر ، وكان لي خليلا في الجاهلية ، فقال : يا حويطب ، ما لك ؟ فقلت : خائف . فقال : لا تخف ; فإنه أبر الناس وأوصل الناس ، وأنا جار لك ، [ ص: 277 ] فاقدم معي . فرجعت معه ، فوقف بي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالبطحاء ، ومعه أبو بكر وعمر ، وقد علمني أبو ذر أن أقول : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . فلما قلت ذلك قال : " حويطب ؟ " قلت : نعم ، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله . فقال : " الحمد لله الذي هداك " . وسر بذلك واستقرضني مالا ، فأقرضته أربعين ألفا ، وشهدت معه حنينا والطائف ، وأعطاني من غنائم حنين مائة بعير ثم قدم حويطب بعد ذلك المدينة فنزلها ، وله بها دار . ولما ولي عليها مروان بن الحكم جاءه حويطب وحكيم بن حزام ومخرمة بن نوفل ، فسلموا عليه ، وجلسوا يتحدثون عنده ، ثم تفرقوا ، ثم اجتمع حويطب بمروان يوما آخر ، فسأله مروان عن عمره فأخبره ، فقال له : تأخر إسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الأحداث . فقال حويطب : الله المستعان ، والله لقد هممت بالإسلام غير مرة ، كل ذلك يعوقني أبوك يقول : تضع شرفك وتدع دين آبائك لدين محدث وتصير تابعا ؟ قال : فأسكت مروان وندم على ما كان قال له . ثم قال حويطب : أما كان أخبرك عثمان ما كان لقي من أبيك حين أسلم ؟ قال : فازداد مروان غما . وكان حويطب ممن شهد دفن عثمان . واشترى منه معاوية داره بمكة بأربعين ألف دينار ، فاستكثرها الناس ، فقال حويطب : وما هي في رجل له خمسة من العيال ؟ قال الشافعي : كان حويطب حميد [ ص: 278 ] الإسلام ، وكان أكثر قريش بمكة ربعا جاهليا . وقال الواقدي : عاش حويطب في الجاهلية ستين سنة ، وفي الإسلام ستين سنة ، ومات في هذه السنة بالمدينة وله مائة وعشرون سنة . وقال غيره : توفي بالشام . له حديث واحد ، رواه البخاري ومسلم والنسائي ، من حديث السائب بن يزيد عنه ، عن عبد الله بن السعدي عن عمر في العمالة ، وهو من عزيز الحديث ; لأنه اجتمع فيه أربعة من الصحابة ، رضى الله عنهم .

سعيد بن يربوع بن عنكثة بن عامر بن مخزوم

أسلم عام الفتح ، وشهد حنينا ، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين من الإبل ، وكان اسمه صرما ، وفي رواية : أصرم ، فسماه سعيدا ، وكان في جملة النفر الذين أمرهم عمر بتجديد أنصاب الحرم ، وقد أصيب بصره بعد ذلك ، فأتاه عمر يعزيه فيه . رواه البخاري .

[ ص: 279 ] وقال الواقدي وخليفة وغير واحد : مات في هذه السنة بالمدينة - وقيل : بمكة - وهو ابن مائة وعشرين سنة . وقيل أكثر من ذلك .

مرة بن شراحيل الهمداني

ويقال له : مرة الطيب ، ومرة الخير . روى عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وغيرهم . كان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة ، فلما كبر صلى أربعمائة ركعة ، ويقال : إنه سجد حتى أكل التراب جبهته ، فلما مات رئي في المنام وقد صار ذلك المكان نورا ، فقيل له : أين منزلك ؟ فقال : بدار لا يظعن أهلها ولا يموتون .

النعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث

شهد بدرا وما بعدها ، ويقال : إنه هو الذي كان يؤتى به في الشراب فيجلده النبي ، فقال رجل : لعنه الله ، ما أكثر ما يؤتى به . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله " .

سودة بنت زمعة القرشية العامرية ، أم المؤمنين

تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة ، وكانت قبله عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو فلما كبرت هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلاقها ، ويقال : إنه طلقها . فسألته أن يبقيها في نسائه وتهب يومها لعائشة ، فقبل ذلك منها وأبقاها ، فأنزل الله : [ ص: 280 ] وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا الآية [ النساء : 128 ] . وكانت ذات عبادة وورع وزهادة . قالت عائشة : ما من امرأة أحب أن أكون في مسلاخها إلا سودة ، إلا أن فيها حدة تسرع منها الفيئة . ذكر ابن الجوزي وفاتها في هذه السنة . وقال ابن أبي خيثمة : توفيت في آخر خلافة عمر بن الخطاب فالله أعلم=======================================ثم دخلت سنة خمس وخمسين

فيها عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان عن البصرة ، وولى عليها عبيد الله بن زياد وكان سبب عزله عنها أنه كان يخطب الناس ، فحصبه رجل من بني ضبة ، فأمر بقطع يده ، فجاء قومه إليه فقالوا له : إنه متى بلغ أمير المؤمنين أنك قطعت يده في هذا الصنع ، فعل به وبقومه نظير ما فعل بحجر بن عدي ، فاكتب لنا كتابا أنك قطعت يده في شبهة . فكتب لهم ، فتركوه عندهم حينا ، ثم جاءوا معاوية ، فقالوا له : إن نائبك قطع يد صاحبنا في شبهة فأقدنا منه . فقال : لا سبيل إلى القود من نوابي ولكن الدية . فأعطاهم الدية من بيت المال وعزل ابن غيلان ، وقال لهم : اختاروا من تريدون أوليه عليكم . فذكروا رجالا ، فقال : لا ، ولكن أولي عليكم ابن أخي عبيد الله بن زياد فولاه ، فاستخلف ابن زياد على خراسان أسلم بن زرعة ، فلم يغز ولم يفتح شيئا ، وولى قضاء البصرة لزرارة بن أوفى ، ثم عزله وولى ابن أذينة العبدي ، وولى شرطتها عبد الله بن حصن .

وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم نائب المدينة . وفيها عزل معاوية عبد الله بن خالد بن أسيد عن الكوفة وولى عليها الضحاك بن قيس الفهري ، رضي الله عنه ===========ذكر من توفي من الأعيان في هذه السنة

الأرقم بن أبي الأرقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم

أسلم قديما ، يقال : سابع سبعة . وكانت داره كهفا للمسلمين ، يأوي إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أسلم من قريش ، وكانت عند الصفا ، وقد صارت فيما بعد ذلك للمهدي ، فوهبها لامرأته الخيزران أم موسى الهادي وهارون الرشيد ، فبنتها وجددتها ، فعرفت بها ، ثم صارت لغيرها . وقد شهد الأرقم بدرا وما بعدها من المشاهد ، ومات بالمدينة في هذه السنة ، وصلى عليه سعد بن أبي وقاص ، أوصى به ، رضي الله عنهما ، وله بضع وثمانون سنة .

سحبان بن زفر بن إياس بن عبد شمس بن الأحب الباهلي الوائلي

الذي يضرب بفصاحته المثل ، فيقال : أفصح من سحبان وائل . ووائل هو ابن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار ، وباهلة امرأة مالك بن أعصر ، ينسب إليها ولدها ، وهي باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة .

[ ص: 283 ] قال ابن عساكر : سحبان المعروف بسحبان وائل ، بلغني أنه وفد إلى معاوية فتكلم فقال معاوية : أنت الشيخ ؟ فقال : إي والله وغير ذلك . ولم يزد ابن عساكر على هذا . وقد نسبه ابن الجوزي في كتابه " المنتظم " ، كما ذكرنا ، ثم قال : وكان بليغا يضرب المثل بفصاحته ، دخل يوما على معاوية وعنده خطباء القبائل ، فلما رأوه خرجوا ; لعلمهم بقصورهم عنه ، فقال سحبان :


لقد علم الحي اليمانون أنني إذا قلت أما بعد أني خطيبها
فقال له معاوية : اخطب . فقال : انظروا لي عصا تقيم من أودي . فقالوا : وماذا تصنع بها وأنت بحضرة أمير المؤمنين ؟ فقال : ما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربه . فأخذها وتكلم من الظهر إلى أن قاربت العصر ، ما تنحنح ولا سعل ولا توقف ولا ابتدأ في معنى فخرج عنه وقد بقيت عليه بقية فيه ، فقال معاوية : الصلاة . فقال : الصلاة أمامك ، ألسنا في تحميد وتمجيد ، وعظة وتنبيه وتذكير ، ووعد ووعيد ؟ فقال معاوية : أنت أخطب العرب . قال : العرب وحدها ؟ بل أخطب الجن والإنس . قال : كذلك أنت .

سعد بن أبي وقاص

واسمه مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب ، أبو إسحاق القرشي الزهري ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ، أسلم قديما . قالوا : وكان يوم أسلم عمره سبع عشرة سنة .

[ ص: 284 ] وثبت عنه في " الصحيح " أنه قال : ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه ، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام . وهو الذي كوف الكوفة ونفى عنها الأعاجم ، وكان مجاب الدعوة ، وهاجر وشهد بدرا وما بعدها ، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله ، وكان فارسا شجاعا من أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان في أيام الصديق معظما جليل المقدار ، وكذلك في أيام عمر ، وقد استنابه على الكوفة ، وهو الذي فتح المدائن وكانت بين يديه وقعة جلولاء وكان سيدا مطاعا ، وعزله عمر عن الكوفة عن غير عجز ولا خيانة ، ولكن لمصلحة ظهرت لعمر في ذلك ، وقد ذكره في الستة أصحاب الشورى ، ثم ولاه عثمان الكوفة بعدها ، ثم عزله عنها .

وقال الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار قال : شهد سعد بن أبي وقاص وابن عمر دومة الجندل يوم الحكمين .

وثبت في " صحيح مسلم " أن ابنه عمر جاء إليه وهو معتزل في إبله فقال : الناس يتنازعون الإمارة وأنت هاهنا ؟ فقال : يا بني ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يحب العبد الغني الخفي التقي " .

قال ابن عساكر : ذكر بعض أهل العلم أن ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص جاءه ، فقال له : يا عم ، هاهنا مائة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا [ ص: 285 ] الأمر . فقال : أريد من مائة ألف سيفا واحدا ; إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا ، وإذا ضربت به الكافر قطع .

وقال عبد الرزاق ، عن ابن جريج حدثني زكريا بن عمرو ، أن سعد بن أبي وقاص وفد على معاوية ، فأقام عنده شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر . وقال غيره : فبايعه : وما سأله سعد شيئا إلا أعطاه إياه .

قال أبو يعلى : حدثنا زهير ، ثنا إسماعيل بن علية ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم قال : قال سعد : إني لأول رجل رمى بسهم في المشركين ، وما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه لأحد قبلي ، ولقد سمعته يقول : " ارم فداك أبي وأمي " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، ثنا إسماعيل ، عن قيس ، سمعت سعد بن مالك يقول : والله إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله ، ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر ، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط ، ثم أصبحت بنو [ ص: 286 ] أسد تعزرني على الدين ، لقد خبت إذا وضل عملي . وقد رواه شعبة ووكيع وغير واحد ، عن إسماعيل بن أبي خالد به .

وقال أحمد : حدثنا ابن سعيد ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد بن المسيب ، عن سعد قال : جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه يوم أحد . ورواه أحمد أيضا عن غندر ، عن شعبة ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، وقد رواه الليث وغير واحد عن يحيى بن سعيد الأنصاري . ورواه غير واحد عن سعيد بن المسيب ، عن سعد . ورواه الناس من حديث عامر بن سعد ، عن أبيه . وفي بعض الروايات : " فداك أبي وأمي " . وفي رواية : فقال : " ارم وأنت [ ص: 287 ] الغلام الحزور " . قال سعيد : وكان سعد جيد الرمي .

وقال الأعمش ، عن أبي خالد ، عن جابر بن سمرة قال : أول الناس رمى بسهم في سبيل الله سعد ، رضي الله عنه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، ثنا سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عبد الله بن شداد ، سمعت عليا يقول : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدي أحدا بأبويه إلا سعد بن مالك ، وإني سمعته يقول له يوم أحد : " ارم سعد ، فداك أبي وأمي " . ورواه البخاري ، عن أبي نعيم ، عن مسعر ، عن سعد بن إبراهيم به . ورواه شعبة ، عن سعد بن إبراهيم . ورواه سفيان بن عيينة وغير واحد ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد بن المسيب ، عن علي بن أبي طالب فذكره .

وقال عبد الرزاق : أنا معمر ، عن أيوب ، أنه سمع عائشة بنت سعد تقول : أنا ابنة المهاجر الذي فداه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بالأبوين .

[ ص: 288 ] وقال الواقدي : حدثني عبيدة بنت نابل ، عن عائشة بنت سعد عن أبيها قال : لقد رأيتني أرمي بالسهم يوم أحد ، فيرده علي رجل أبيض حسن الوجه لا أعرفه ، حتى كان بعد ، فظننت أنه ملك .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود الهاشمي ، ثنا إبراهيم ، عن سعد ، عن أبيه ، عن سعد بن أبي وقاص قال : لقد رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن يساره يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ، يقاتلان عنه كأشد القتال ، ما رأيتهما قبل ولا بعد .

ورواه الواقدي : حدثني أبو إسحاق بن أبي عبد الله ، عن عبد الواحد بن أبي عون ، عن زياد مولى سعد ، عن سعد قال : رأيت رجلين يوم بدر يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ; أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، وإنى لأراه ينظر إلى ذا مرة وإلى ذا مرة ; سرورا بما ظفره الله ، عز وجل .

وقال سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود [ ص: 289 ] قال : اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر فيما أصبنا من الغنيمة ، فجاء سعد بأسيرين ، ولم أجئ أنا وعمار بشيء .

وقال الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعود قال : لقد رأيت سعد بن أبي وقاص يوم بدر يقاتل قتال الفارس للراجل .

وقال مالك ، عن يحيى بن سعيد ، أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول : قالت عائشة : بات رسول الله صلى الله عليه وسلم أرقا ذات ليلة ، ثم قال : " ليت رجلا صالحا يحرسني الليلة " . قالت : إذ سمعنا صوت السلاح ، فقال : " من هذا ؟ " قال : أنا سعد بن أبي وقاص ، أنا أحرسك يا رسول الله . قالت : فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه . أخرجاه من حديث يحيى بن سعيد . وفي رواية : فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام .

وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة ، ثنا رشدين بن سعد ، عن الحجاج بن شداد ، عن أبي صالح الغفاري ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن [ ص: 290 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة " . فدخل سعد بن أبي وقاص .

وقال أبو يعلى : حدثنا محمد بن المثنى ، ثنا عبد الله بن قيس الرقاشي الخراز ، بصري ، ثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يدخل عليكم من ذا الباب رجل من أهل الجنة " . قال : فليس منا أحد إلا وهو يتمنى أن يكون من أهل بيته ، فإذا سعد بن أبي وقاص قد طلع .

وقال حرملة ، عن ابن وهب أخبرني حيوة ، أخبرني عقيل ، عن ابن شهاب ، حدثني من لا أتهم ، عن أنس بن مالك قال : بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة " . فاطلع سعد بن أبي وقاص حتى إذا كان الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك . قال : فاطلع سعد بن أبي وقاص على ترتيبه الأول ، حتى إذا كان الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ، فطلع على ترتيبه ، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثار عبد الله بن عمرو بن العاص فقال : إني غاضبت أبي ، فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاث ليال ، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تنحل يميني ، فعلت . قال أنس : فزعم عبد الله بن عمرو أنه بات معه ليلة ، حتى إذا كان مع الفجر فلم يقم تلك الليلة [ ص: 291 ] شيئا ، غير أنه كان إذا انقلب على فراشه ذكر الله ، وكبره حتى يقوم مع الفجر ، فإذا صلى المكتوبة أسبغ الوضوء وأتمه ، ثم يصبح مفطرا . قال عبد الله بن عمرو : فرمقته ثلاث ليال وأيامهن ، لا يزيد على ذلك ، غير أني لا أسمعه يقول إلا خيرا ، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أحتقر عمله قلت : إنه لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل ثلاث مرات في ثلاثة مجالس : " يطلع عليكم رجل من أهل الجنة " . فاطلعت أنت أولئك المرات الثلاث ، فأردت أن آوي إليك حتى أنظر ما عملك فأقتدي بك ، فلم أرك تعمل كثير عمل ، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ما هو إلا الذي رأيت . قال : فلما رأيت ذلك انصرفت عنه ، فدعاني حين وليت ، فقال : ما هو إلا ما رأيت ، غير أني لا أجد في نفسي سوءا لأحد من المسلمين ، ولا أنوي له شرا ولا أقوله . قال : هذه التي بلغت بك ، وهي التي لا أطيق . وهكذا رواه صالح المري ، عن عمرو بن دينار مولى آل الزبير ، عن سالم عن أبيه ، فذكر مثل رواية أنس بن مالك .

وثبت في " صحيح مسلم " من طريق سفيان الثوري ، عن المقدام بن [ ص: 292 ] شريح ، عن أبيه ، عن سعد ، في قوله تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه [ الأنعام : 52 ] . نزلت في ستة ، أنا وابن مسعود منهم . وفي رواية : أنزل الله في وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما [ العنكبوت : 8 ] . وذلك أنه لما أسلم امتنعت أمه من الطعام والشراب أياما ، فقال لها : تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس ، فخرجت نفسا نفسا ، ما تركت ديني هذا لشيء ، إن شئت فكلي ، وإن شئت فلا تأكلي . فنزلت هذه الآية .

وأما حديث الشهادة للعشرة بالجنة ، فثبت في الصحيح ، من حديث سعيد بن زيد ، وجاء من حديث سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة في قصة حراء ، ذكر سعد بن أبي وقاص منهم .

وقال هشيم وغير واحد ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل سعد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا خالي ، فليرني امرؤ خاله " . رواه الترمذي .

[ ص: 293 ] وقال الطبراني : حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ، ثنا عبد الوهاب بن الضحاك ، ثنا إسماعيل بن عياش ، عن صفوان بن عمرو ، عن ماعز التميمي ، عن جابر قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل سعد فقال : " هذا خالي " .

وثبت في الصحيحين من حديث مالك وغيره ، عن الزهري ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه يعوده عام حجة الوداع من وجع اشتد به ، فقلت : يا رسول الله ، إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة ، أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال : " لا " . قلت : فالشطر يا رسول الله ؟ قال : " لا " . قلت : فالثلث ؟ قال : " الثلث والثلث كثير ، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها ، حتى ما تجعل في في امرأتك " - وفي رواية : حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك - قلت : يا رسول الله ، أخلف بعد أصحابي ؟ فقال : " إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله ، إلا ازددت به درجة ورفعة ، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون " . ثم قال : " اللهم أمض لأصحابي [ ص: 294 ] هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة " . يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة . ورواه أحمد ، عن يحيى بن سعيد ، عن الجعد بن أوس ، عن عائشة بنت سعد عن أبيها ، فذكر نحوه ، وفيه : قال : فوضع يده على جبهته ، فمسح وجهه وصدره وبطنه ، وقال : " اللهم اشف سعدا وأتم له هجرته " . قال سعد : فما زلت يخيل إلي أني أجد برد يده على كبدي حتى الساعة .

وقال ابن وهب : حدثني موسى بن علي بن رباح ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد سعدا فقال : " اللهم أذهب عنه الباس ، إله الناس ، ملك الناس ، أنت الشافي لا شافي له إلا أنت ، بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ، من حسد وعين ، اللهم أصح قلبه وجسمه ، واكشف سقمه وأجب دعوته " .

وقال ابن وهب : أخبرني عمرو ، عن بكير بن الأشج قال : سألت عامر بن سعد عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد : " وعسى أن تبقى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون " . فقال : أمر سعد على العراق ، فقتل قوما على الردة فضرهم ، [ ص: 295 ] واستتاب قوما كانوا سجعوا سجع مسيلمة الكذاب ، فتابوا فانتفعوا به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة ، ثنا معان بن رفاعة ، حدثني علي بن يزيد ، عن القاسم أبي عبد الرحمن ، عن أبي أمامة قال : جلسنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ورققنا ، فبكى سعد بن أبي وقاص ، فأكثر البكاء ، وقال : يا ليتني مت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا سعد ، أعندي تتمنى الموت ! " فردد ذلك ثلاث مرات ثم قال : " يا سعد ، إن كنت للجنة خلقت ، فما طال عمرك أو حسن من عملك ، فهو خير لك " .

وقال موسى بن عقبة وغيره ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس ، عن سعد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم سدد رميته وأجب دعوته " .

ورواه بيان بن بشر ، عن قيس ، عن أبي بكر الصديق قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لسعد : " اللهم سدد سهمه وأجب دعوته ، وحببه إلى عبادك " .

[ ص: 296 ] وروى من حديث ابن عباس . وفي رواية محمد بن عائذ الدمشقي ، عن الهيثم بن حميد ، عن مطعم بن المقدام وغيره ، أن سعدا قال : يا رسول الله ، ادع الله أن يجيب دعوتي . فقال : " إن الله لا يستجيب دعوة عبد حتى يطيب مطعمه " . فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن يطيب طعمتي . فدعا له . قالوا : فكان سعد يتورع من السنبلة يجدها في زرعه ، فيردها من حيث أخذت .

وقد كان كذلك مجاب الدعوة ، لا يكاد يدعو بدعاء إلا استجيب له ، فمن أشهر ذلك ما ثبت في " الصحيحين " من طريق عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن سمرة ، أن أهل الكوفة شكوا سعدا إلى عمر في كل شيء حتى قالوا : لا يحسن يصلي . فقال سعد : أما إني لا آلو أن أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ; أطيل الأوليين ، وأحذف في الأخريين . فقال : ذاك الظن بك يا أبا إسحاق . وكان قد بعث من يسأل عنه بمحال الكوفة ، فجعلوا لا يسألون أهل مسجد إلا أثنوا خيرا ، حتى مروا بمسجد لبني عبس ، فقام رجل منهم يقال له : أبو سعدة أسامة بن قتادة . فقال : إن سعدا كان لا يسير في السرية ، [ ص: 297 ] ولا يقسم بالسوية ، ولا يعدل في القضية . فبلغ سعدا قوله فقال : اللهم إن كان عبدك هذا قام مقام رياء وسمعة ، فأطل عمره وأدم فقره ، وعرضه للفتن . قال : فأنا رأيته بعد ذلك شيخا كبيرا ، قد سقط حاجباه على عينيه ، يقف في الطريق ، فيغمز الجواري ، فيقال له في ذلك ، فيقول : شيخ مفتون أصابته دعوة سعد . وفي رواية غريبة ، أنه أدرك فتنة المختار بن أبي عبيد فقتل فيها .

وقال الطبراني : ثنا يوسف القاضي ، ثنا عمرو بن مرزوق ، ثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن سعيد بن المسيب قال : خرجت جارية لسعد يقال لها : زبراء . وعليها قميص جديد ، فكشفتها الريح ، فشد عليها عمر بالدرة ، وجاء سعد ليمنعه ، فتناوله عمر بالدرة ، فذهب سعد يدعو على عمر ، فناوله الدرة وقال : اقتص . فعفا عن عمر .

وروى أيضا أنه كان بين سعد وابن مسعود كلام ، فهم سعد أن يدعو [ ص: 298 ] عليه ، فخاف ابن مسعود ، وجعل يشتد في الهرب .

وقال سفيان بن عيينة : لما كان يوم القادسية كان سعد على الناس ، وقد أصابته جراح ، فلم يشهد يوم الفتح ، يعني فتح القادسية ، فقال رجل من بجيلة :


ألم تر أن الله أظهر دينه     وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد آمت نساء كثيرة     ونسوة سعد ليس فيهن أيم
فقال سعد : اللهم اكفنا يده ولسانه . فجاءه سهم غرب ، فأصابه فخرس ويبست يداه جميعا .

وقد أسند زياد البكائي وسيف بن عمر ، عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر ، عن ابن عمر ، فذكر مثله ، وفيه : ثم خرج سعد ، فأرى الناس ما به من القروح في ظهره ; ليعتذر إليهم .

[ ص: 299 ] وقال هشيم ، عن أبي بلج ، عن مصعب بن سعد ، أن رجلا نال من علي ، فنهاه سعد فلم ينته ، فقال سعد : أدعو عليك . فلم ينته ، فدعا الله عليه فما برح حتى جاء بعير ناد فتخبطه .

وجاء من وجه آخر ، عن عامر بن سعد ، أن سعدا رأى جماعة عكوفا على رجل ، فأدخل رأسه من بين اثنين ، فإذا هو يسب عليا وطلحة والزبير ، فنهاه عن ذلك ، فلم ينته ، فقال : أدعو عليك . فقال الرجل : تتهددني كأنك نبي ! فانصرف سعد ، فدخل دار آل فلان ، فتوضأ ، وصلى ركعتين ، ثم رفع يديه ، فقال : اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقواما قد سبق لهم منك سابقة الحسنى ، وأنه قد أسخطك سبه إياهم ، فاجعله اليوم آية وعبرة . قال : فخرجت بختية نادة من دار آل فلان لا يردها شيء حتى دخلت بين أضعاف الناس ، فافترق الناس ، فأخذته بين قوائمها ، فلم تزل تتخبطه حتى مات . قال : فلقد رأيت الناس يشتدون وراء سعد يقولون : استجاب الله دعاءك يا أبا إسحاق . ورواه حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، فذكر نحوه .

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثني الحسن بن داود بن محمد بن [ ص: 300 ] المنكدر القرشي ، ثنا عبد الرزاق ، عن أبيه ، عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف ، أن امرأة كانت تطلع على سعد ، فنهاها فلم تنته ، فاطلعت يوما وهو يتوضأ ، فقال : شاه وجهك . فعاد وجهها في قفاها .

وقال كثير النواء عن عبد الله بن مليل قال : دخل سعد على معاوية فقال له : ما لك لم تقاتل معنا ؟ فقال : إني مرت بي ريح مظلمة فقلت : أخ أخ . فأنخت راحلتي حتى انجلت عني ، ثم عرفت الطريق فسرت . فقال معاوية : ليس في كتاب الله أخ أخ ، ولكن قال الله تعالى : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله [ الحجرات : 9 ] . فوالله ما كنت مع الباغية على العادلة ، ولا مع العادلة على الباغية . فقال سعد : ما كنت لأقاتل رجلا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي " . فقال معاوية : من سمع هذا معك ؟ فقال : فلان وفلان وأم سلمة . فقال معاوية : أما إني لو سمعته منه صلى الله عليه وسلم لما قاتلت عليا . وفي رواية من وجه آخر أن هذا الكلام كان بينهما وهما بالمدينة في حجة حجها معاوية ، وأنهما قاما إلى أم سلمة فسألاها فحدثتهما بما حدث به سعد ، فقال معاوية : لو سمعت هذا قبل هذا اليوم لكنت خادما لعلي حتى يموت أو أموت . وفي إسناد هذا ضعف . والله أعلم .

[ ص: 301 ] وقد روي عن سعد ، أنه سمع رجلا يتكلم في علي وفي خالد فقال : إنه لم يبلغ ما بيننا ديننا .

وقال محمد بن سيرين : طاف سعد على تسع جوار في ليلة ، فلما انتهى إلى العاشرة أخذه النوم ، فاستحيت أن توقظه .

ومن كلامه الحسن أنه قال لابنه مصعب : يا بني ، إذا طلبت شيئا فاطلبه بالقناعة ، فإنه من لا قناعة له لم يغنه المال .

وقال حماد بن سلمة ، عن سماك بن حرب ، عن مصعب بن سعد قال : كان رأس أبي في حجري وهو يقضي فبكيت ، فقال : ما يبكيك يا بني ؟ والله إن الله لا يعذبني أبدا ، وإني من أهل الجنة ، إن الله يدين للمؤمنين بحسناتهم فاعملوا لله ، وأما الكفار فيخفف عنهم بحسناتهم ، فإذا نفدت قال : ليطلب كل عامل ثواب عمله ممن عمل له .

وقال الزهري : لما حضرت سعدا الوفاة دعا بخلق جبة فقال : كفنوني فيها ، فإني لقيت فيها المشركين يوم بدر ، وإنما كنت أخبئها لهذا اليوم .

[ ص: 302 ] وكانت وفاة سعد بالعقيق خارج المدينة ، فحمل إلى المدينة على أعناق الرجال ، فصلى عليه مروان ، وصلى بصلاته أمهات المؤمنين الباقيات الصالحات ، ودفن بالبقيع ، وكان ذلك في هذه السنة - سنة خمس وخمسين - على المشهور الذي عليه الأكثرون ، وقد جاوز الثمانين ، على الصحيح .

قال علي بن المديني : وهو آخر العشرة وفاة . وقال غيره : كان آخر المهاجرين وفاة . رضي الله عنه وعنهم أجمعين .

وقال الهيثم بن عدي : سنة خمسين .

وقال أبو معشر وأبو نعيم وقعنب بن المحرر : توفي سعد سنة ثمان وخمسين .

وقال قعنب : وفيها توفي الحسن بن علي وعائشة وأم سلمة . والصحيح الأول ; خمس وخمسين .

قالوا : وكان سعد قصيرا غليظا شثن الأصابع أفطس ، أشعر الجسد ، [ ص: 303 ] يخضب بالسواد ، وكان ميراثه مائتي ألف وخمسين ألفا .

فضالة بن عبيد الأنصاري الأوسي

أول مشاهده أحد وشهد بيعة الرضوان ، ودخل الشام ، وتولى القضاء بدمشق في أيام معاوية بعد أبي الدرداء .

قال أبو عبيد : مات سنة ثلاث وخمسين . وقال غيره : سنة سبع وستين .

وقال ابن الجوزي في " المنتظم " : توفي في هذه السنة . والله أعلم .

قثم بن العباس بن عبد المطلب

كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ، تولى نيابة المدينة في أيام علي ، وشهد فتح سمرقند مما وراء النهر ، فاستشهد بها ، رحمه الله .

كعب بن عمرو أبو اليسر الأنصاري السلمي

شهد العقبة وبدرا ، وأسر يومئذ العباس بن عبد المطلب ، وشهد ما بعد ذلك من المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال أبو حاتم وغيره : مات سنة خمس وخمسين . زاد غيره : وهو آخر [ ص: 304 ] من مات من أهل بدر  ==============ثم دخلت سنة ست وخمسين

وذلك في أيام معاوية . ففيها شتى جنادة بن أبي أمية بأرض الروم ، وقيل : عبد الرحمن بن مسعود . وقيل : فيها غزا في البحر يزيد بن شجرة ، وفي البر عياض بن الحارث . وفيها اعتمر معاوية في رجب ، وحج بالناس فيها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان . وفيها ولى معاوية سعيد بن عثمان بلاد خراسان وعزل عنها عبيد الله بن زياد ، فسار سعيد إلى خراسان ، والتقى مع الترك عند صغد سمرقند ، فقتل منهم خلقا كثيرا ، واستشهد معه جماعة ، منهم - فيما قيل - قثم بن العباس بن عبد المطلب .

قال ابن جرير سأل سعيد بن عثمان بن عفان معاوية أن يوليه خراسان ، فقال : إن بها عبيد الله بن زياد . فقال سعيد لمعاوية : أما والله لقد اصطنعك أبي ورقاك ، حتى بلغت باصطناعه المدى الذي لا يجارى إليه ولا يسامى ، فما شكرت بلاءه ولا جازيته بآلائه ، وقدمت علي هذا - يعني يزيد بن معاوية - وبايعت له ، ووالله لأنا خير منه أبا وأما ونفسا . فقال [ ص: 306 ] له معاوية : أما بلاء أبيك عندي فقد يحق علي الجزاء به ، وقد كان من شكري لذلك أني طلبت بدمه حتى تكشفت الأمور ، ولست بلائم لنفسي في التشمير ، وأما فضل أبيك على أبيه ، فأبوك والله خير مني وأقرب برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما فضل أمك على أمه فما لا ينكر ، فإن امرأة من قريش خير من امرأة من كلب ، وأما فضلك عليه فوالله ما أحب أن الغوطة دحست ليزيد رجالا مثلك . يعني أن الغوطة لو ملئت رجالا مثل سعيد بن عثمان كان يزيد خيرا وأحب إلي منهم . فقال له يزيد : يا أمير المؤمنين ، ابن عمك وأنت أحق من نظر في أمره ، وقد عتب عليك في فأعتبه . قال : فولاه حرب خراسان : فأتى سمرقند فخرج إليه أهل الصغد من الترك ، فقاتلهم وهزمهم وحصرهم في مدينتهم ، فصالحوه وأعطوه رهنا خمسين غلاما يكونون في يده من أبناء عظمائهم ، فأقام بالترمذ ، ولم يف لهم ، وجاء بالغلمان الرهن معه إلى المدينة .

وفيها دعا معاوية الناس إلى البيعة ليزيد ولده أن يكون ولي عهده من بعده ، وكان قد عزم قبل ذلك على هذا في حياة المغيرة بن شعبة ; فروى ابن جرير من طريق الشعبي ، أن المغيرة كان قد قدم على معاوية ، واستعفاه من إمرة الكوفة فأعفاه لكبره وضعفه ، وعزم على توليتها سعيد بن العاص ، فلما بلغ ذلك المغيرة كأنه ندم ، فجاء إلى يزيد بن معاوية ، فأشار عليه بأن يسأل من أبيه أن يكون ولي العهد من بعده ، فسأل ذلك يزيد من أبيه فقال : من أمرك بهذا ؟ قال : المغيرة . فأعجب ذلك معاوية من المغيرة ورده إلى عمل الكوفة وأمره أن يسعى [ ص: 307 ] في ذلك ، فعند ذلك سعى المغيرة في توطيد ذلك ، وكتب معاوية إلى زياد يستشيره في ذلك ، فكره زياد ذلك ; لما يعلم من لعب يزيد وإقباله على اللعب والصيد ، فبعث زياد إليه من يثني رأيه عن ذلك ، وهو عبيد بن كعب النميري - وكان صاحبا أكيدا لزياد - فسار إلى دمشق ، فاجتمع بيزيد أولا ، فكلمه عن زياد ، وأشار عليه بأن لا يطلب ذلك ، فإن تركه خير له من السعي فيه ، فانزجر يزيد عما يريد من ذلك ، واجتمع بأبيه واتفقا على ترك ذلك في هذا الوقت ، فلما مات زياد ، وكانت هذه السنة ، شرع معاوية في نظم البيعة ليزيد والدعاء إليها ، وعقد البيعة لولده يزيد ، وكتب إلى الآفاق بذلك ، فبايع له الناس في سائر الأقاليم ، إلا عبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر والحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وابن عباس ، فركب معاوية إلى مكة معتمرا ، فلما اجتاز بالمدينة مرجعه من مكة استدعى كل واحد من هؤلاء الخمسة ، فأوعده وتهدده بانفراده ، فكان من أشدهم عليه ردا وأجلدهم في الكلام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، وكان ألينهم كلاما عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ثم خطب معاوية وهؤلاء حضور تحت منبره ، وبايع الناس ليزيد وهم قعود ، ولم يوافقوا ولم يظهروا خلافا ; لما تهددهم وتوعدهم ، فاتسقت البيعة ليزيد في سائر البلاد ، ووفدت الوفود من سائر الأقاليم إلى يزيد . فكان فيمن قدم الأحنف بن قيس ، فأمره معاوية أن يحادث يزيد ، فجلسا ثم خرج الأحنف ، فقال له معاوية : ماذا رأيت من ابن أخيك ؟ فقال : إنا نخاف الله إن كذبنا ونخافكم إن صدقنا ، وأنت [ ص: 308 ] أعلم به في ليله ونهاره ، وسره وعلانيته ، ومدخله ومخرجه ، وأنت أعلم به بما أردت ، وإنما علينا أن نسمع ونطيع ، وعليك أن تنصح للأمة . وقد كان معاوية لما صالح الحسن بن علي عهد للحسن بالأمر من بعده ، فلما مات الحسن قوي أمر يزيد عند معاوية ، ورأى أنه لذلك أهلا ، وذاك من شدة محبة الوالد لولده ، ولما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية ، وسيما أولاد الملوك ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأبهته ، وكان يظن أنه لا يقوم أحد من أبناء الصحابة في الملك مقامه ، ولهذا قال لعبد الله بن عمر فيما خاطبه به : إني خفت أن أذر الرعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع . فقال له ابن عمر : إذا بايعه الناس كلهم بايعته ، ولو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف . وقد عاتب معاوية في ولايته يزيد سعيد بن عثمان بن عفان ، وطلب منه أن يوليه مكانه ، فقال له : والله لو ملئت الغوطة رجالا مثلك لكان يزيد أحب منكم كلكم .

وروينا عن معاوية أنه قال يوما في خطبته : اللهم إن كنت تعلم أني وليته لأنه فيما أراه أهل لذلك فأتمم له ما وليته ، وإن كنت تعلم أني إنما وليته لأني أحبه فلا تتمم له ما وليته .

وذكر الحافظ ابن عساكر أن معاوية كان قد سمر ليلة ، فتكلم أصحابه في [ ص: 309 ] المرأة التي يكون ولدها نجيبا ، فذكروا صفة المرأة التي يكون ولدها نجيبا . فقال معاوية : وددت لو عرفت بامرأة تكون بهذه المثابة . فقال أحد جلسائه : قد وجدت ذلك يا أمير المؤمنين . قال : ومن ؟ قال : ابنتي يا أمير المؤمنين . فتزوجها معاوية ، فولدت له يزيد بن معاوية ، فجاء نجيبا ذكيا حاذقا . ثم خطب امرأة أخرى فحظيت عنده ، وولدت له غلاما آخر ، وهجر أم يزيد ، فكانت عنده في جنب داره ، فبينما هو يوما في النظارة ، ومعه امرأته الأخرى ، إذ نظر إلى أم يزيد وهي تسرحه ، فقالت امرأته : قبحها الله وقبح ما تسرح . فقال : ولم ؟ فوالله إن ولدها لأنجب من ولدك ، وإن أحببت بينت لك ذلك . ثم استدعى ولدها ، فقال له : إن أمير المؤمنين قد عن له أن يطلق لك ما تتمناه عليه ، فاطلب مني ما شئت . فقال : أسأل من أمير المؤمنين أن يطلق لي كلابا للصيد ، وخيلا ورجالا يكونون معي في الصيد . فقال معاوية : قد أمرنا لك بذلك . ثم استدعى يزيد ، فقال له كما قال لأخيه ، فقال يزيد : أويعفيني أمير المؤمنين في هذا الوقت عن هذا ؟ فقال : لا بد أن تسأل حاجتك . فقال : أسأل - وأطال الله عمر أمير المؤمنين - أن أكون ولي عهده من بعده ، فإنه بلغني أن عدل يوم في الرعية كعبادة خمسمائة عام . فقال : قد أجبتك إلى ذلك . ثم قال لامرأته : كيف رأيت ؟ فعلمت وتحققت فضل يزيد على ولدها .

وقد ذكر ابن الجوزي في هذه السنة وفاة أم حرام بنت ملحان الأنصارية امرأة عبادة بن الصامت ، والصحيح الذي لم يذكر العلماء غيره أنها توفيت سنة [ ص: 310 ] سبع وعشرين في خلافة عثمان ، وكانت هي وزوجها مع معاوية حين دخل قبرس وقصتها بغلتها فماتت هناك وقبرها بقبرس ، والعجب أن ابن الجوزي أورد في ترجمتها حديثها المخرج في " الصحيحين " في قيلولة النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها ، ورؤياه في منامه قوما من أمته يركبون ثبج البحر مثل الملوك على الأسرة غزاة في سبيل الله ، وأنها سألته أن يدعو لها أن تكون منهم ، فدعا لها ، ثم نام فرأى كذلك ، فقالت : ادع الله أن يجعلني منهم ، فقال : " أنت من الأولين " وهم الذين فتحوا قبرس ، فكانت معهم ، وذلك في سنة سبع وعشرين ، ولم تكن من الآخرين الذين غزوا بلاد الروم سنة إحدى وخمسين مع يزيد بن معاوية ! ومعهم أبو أيوب ، وقد توفي هناك ، فقبره قريب من سور قسطنطينية . وقد ذكرنا هذا مقررا في دلائل النبوة === ثم دخلت سنة سبع وخمسين

فيها كان مشتى عبد الله بن قيس بأرض الروم . قال الواقدي : وفي شوالها عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة وولى عليها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، وهو الذي حج بالناس في هذه السنة ; لأنه صارت إليه إمرة المدينة ، وكان على الكوفة الضحاك بن قيس ، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد ، وعلى خراسان سعيد بن عثمان .

قال ابن الجوزي : وفيها توفي عثمان بن حنيف الأنصاري الأوسي ، وهو أخو عبادة وسهل ابني حنيف ، بعثه عمر لمساحة خراج السواد بالعراق ، واستنابه عمر على الكوفة ، فلما قدم طلحة والزبير صحبة عائشة ، وامتنع من تسليم دار الإمارة نتفت لحيته وحواجبه وأشفار عينيه ومثل به ، فلما جاء علي وسلمه البلد قال له : يا أمير المؤمنين ، فارقتك ذا لحية ، واجتمعت بك أمرد . فتبسم علي رضي الله عنه ، وقال : لك أجر ذلك عند الله .

وله في " المسند " و " السنن " حديث الأعمى الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن [ ص: 312 ] يدعو له ليرد الله عليه ضوء بصره ، فرده الله عليه . وله حديث آخر عند النسائي ، ولم أر أحدا أرخ وفاته بهذه السنة سوى ابن الجوزي . والله أعلم