الأربعاء، 28 أكتوبر 2015

قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم الله موسى ، عليه السلام =قصة قارون مع موسى عليه السلام =قصة بقرة بني إسرائيل= ذكر الحديث الملقب بحديث الفتون المتضمن قصة موسى مبسوطة من
=
ذكر حج موسى عليه السلام ، إلى البيت العتيق وصفته ==  عالى : واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون [ الأعراف : 148 - 154 ] .

[ ص: 146 ] وقال الله تعالى : وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي قال فما خطبك يا سامري قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما [ طه : 83 - 98 ] . يذكر تعالى ما كان من أمر بني إسرائيل ، حين ذهب موسى ، عليه السلام ، إلى ميقات ربه ، فمكث على الطور يناجيه ربه ، ويسأله موسى ، عليه السلام ، عن أشياء كثيرة ، وهو تعالى يجيبه عنها ، فعمد رجل منهم يقال له : السامري . [ ص: 147 ] فأخذ ما كان استعاروه من الحلي فصاغ منه عجلا ، وألقى فيه قبضة من التراب ، كان أخذها من أثر فرس جبريل ، حين رآه يوم أغرق الله فرعون على يديه ، فلما ألقاها فيه خار كما يخور العجل الحقيقي ، ويقال : إنه استحال عجلا جسدا . أي لحما ودما ، حيا يخور . قاله قتادة وغيره . وقيل : بل كانت الريح إذا دخلت من دبره ، خرجت من فمه ، فيخور كما تخور البقرة ، فيرقصون حوله ويفرحون . فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أي; فنسي موسى ربه عندنا ، وذهب يتطلبه ، وهو هاهنا . تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، وتقدست أسماؤه وصفاته ، وتضاعفت آلاؤه وعداته . قال الله تعالى ، مبينا لهم بطلان ما ذهبوا إليه ، وما عولوا عليه ، من إلهية هذا الذي قصاراه أن يكون حيوانا بهيما وشيطانا رجيما : أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا وقال : ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين فذكر أن هذا الحيوان لا يتكلم ، ولا يرد جوابا ولا يملك ضرا ولا نفعا ، ولا يهدي إلى رشد ، اتخذوه وهم ظالمون لأنفسهم عالمون في أنفسهم بطلان ما هم عليه من الجهل والضلال ، ولما سقط في أيديهم أي; ندموا على ما صنعوا ، ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين .

[ ص: 148 ] ولما رجع موسى ، عليه السلام ، إليهم ، ورأى ما هم عليه من عبادة العجل ، ومعه الألواح المتضمنة التوراة ، ألقاها ، فيقال : إنه كسرها . وهكذا هو عند أهل الكتاب ، وإن الله أبدله غيرها . وليس في اللفظ القرآني ما يدل على ذلك ، إلا أنه ألقاها حين عاين ما عاين . وعند أهل الكتاب ، أنهما كانا لوحين . وظاهر القرآن أنها ألواح متعددة ، ولم يتأثر بمجرد الخبر من الله تعالى ، عن عبادة العجل ، فأمره بمعاينة ذلك . ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ، وابن حبان ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس الخبر كالمعاينة . ثم أقبل عليهم فعنفهم ، ووبخهم ، وهجنهم في صنيعهم ، هذا القبيح ، فاعتذروا إليه بما ليس بصحيح; قالوا : إنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري تحرجوا من تملك حلي آل فرعون ، وهم أهل حرب ، وقد أمرهم الله بأخذه ، وأباحه لهم ولم يتحرجوا بجهلهم ، وقلة علمهم وعقلهم من عبادة العجل الجسد ، الذي له خوار ، مع الواحد الأحد ، الفرد الصمد القهار . ثم أقبل على أخيه هارون ، عليهما السلام ، قائلا له : قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أي; هلا لما رأيت ما صنعوا اتبعتني فأعلمتني بما فعلوا ، فقال : إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل أي; تركتهم وجئتني ، وأنت قد استخلفتني فيهم ، قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين وقد كان هارون ، عليه السلام ، [ ص: 149 ] نهاهم عن هذا الصنيع الفظيع أشد النهي ، وزجرهم عنه أتم الزجر ، قال الله تعالى : ولقد قال لهم هارون من قبل ياقوم إنما فتنتم أي; إنما قدر الله أمر هذا العجل ، وجعله يخور فتنة واختبارا لكم . وإن ربكم الرحمن أي; لا هذا العجل فاتبعوني أي; فيما أقول لكم ، وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى يشهد الله لهارون ، عليه السلام ، وكفى بالله شهيدا ، أنه نهاهم وزجرهم عن ذلك ، فلم يطيعوه ولم يتبعوه ، ثم أقبل موسى ، عليه السلام ، على السامري قال فما خطبك يا سامري أي; ما حملك على ما صنعت . قال بصرت بما لم يبصروا به أي; رأيت جبرائيل ، وهو راكب فرسا فقبضت قبضة من أثر الرسول أي; من أثر فرس جبريل . وقد ذكر بعضهم أنه رآه وكان كلما وطئت بحوافرها على موضع ، اخضر وأعشب ، فأخذ من أثر حافرها ، فلما ألقاه في هذا العجل المصنوع من الذهب ، كان من أمره ما كان ، ولهذا قال : فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وهذا دعاء عليه بأن لا يمس أحدا; معاقبة له على مسه ما لم يكن له مسه . هذا معاقبة له في الدنيا ، ثم توعده في الأخرى فقال : وإن لك موعدا لن تخلفه قرئ : ( لن نخلفه ) . وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا قال : فعمد موسى ، عليه السلام ، إلى هذا العجل فحرقه ، قيل : بالنار . كما [ ص: 150 ] قاله قتادة ، وغيره . وقيل : بالمبارد . كما قاله علي ، وابن عباس ، وغيرهما . وهو نص أهل الكتاب . ثم ذراه في البحر ، وأمر بني إسرائيل فشربوا ، فمن كان من عابديه ، علق على شفاههم من ذلك الرماد منه ما يدل عليه ، وقيل : بل اصفرت ألوانهم .

ثم قال تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لهم : إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما وقال تعالى : إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين وهكذا وقع ، وقد قال بعض السلف وكذلك نجزي المفترين مسجلة لكل صاحب بدعة إلى يوم القيامة . ثم أخبر تعالى عن حلمه ورحمته بخلقه ، وإحسانه على عبيده في قبوله توبة من تاب إليه ، بتوبته عليه فقال : والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم لكن لم يقبل الله توبة عابدي العجل إلا بالقتل ، كما قال تعالى : وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم [ البقرة : 54 ] . فيقال : إنهم أصبحوا يوما وقد أخذ من لم يعبد العجل في أيديهم السيوف ، وألقى الله عليه ضبابا ، حتى لا يعرف القريب قريبه ، ولا النسيب نسيبه ، ثم مالوا على عابديه ، فقتلوهم ، وحصدوهم . فيقال : إنهم قتلوا في صبيحة واحدة سبعين ألفا . ثم قال تعالى : ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون استدل بعضهم بقوله : وفي نسختها على أنها تكسرت ، وفي هذا الاستدلال نظر ، وليس في اللفظ ما يدل على أنها تكسرت ، والله أعلم . وقد ذكر ابن عباس في حديث الفتون ، كما سيأتي ، أن عبادتهم العجل كانت على أثر خروجهم من البحر ، وما هو ببعيد; لأنهم حين خرجوا قالوا ياموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة .

وهكذا عند أهل الكتاب ، فإن عبادتهم العجل كانت قبل مجيئهم بلاد بيت المقدس وذلك أنهم لما أمروا بقتل من عبد العجل ، قتلوا في أول يوم ثلاثة آلاف . ثم ذهب موسى يستغفر لهم ، فغفر لهم ، بشرط أن يدخلوا الأرض المقدسة .

واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون [ الأعراف : 155 - 157 ] . [ ص: 152 ] ذكر السدي ، وابن عباس ، وغيرهما ، أن هؤلاء السبعين كانوا علماء بني إسرائيل ، ومعهم موسى ، وهارون ، ويوشع ، وناداب ، وأبيهو ، ذهبوا مع موسى ، عليه السلام ، ليعتذروا عن بني إسرائيل في عبادة من عبد منهم العجل ، وكانوا قد أمروا أن يتطيبوا ويتطهروا ويغتسلوا ، فلما ذهبوا معه ، واقتربوا من الجبل ، وعليه الغمام ، وعمود النور ساطع ، وصعد موسى الجبل ، فذكر بنو إسرائيل أنهم سمعوا كلام الله ، وهذا قد وافقهم عليه طائفة من المفسرين ، وحملوا عليه قوله تعالى : وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون [ البقرة : 57 ] . وليس هذا بلازم; لقوله تعالى : فأجره حتى يسمع كلام الله أي; مبلغا ، وهكذا هؤلاء سمعوه مبلغا من موسى ، عليه السلام . وزعموا أيضا أن السبعين رأوا الله ، وهذا غلط منهم; لأنهم لما سألوا الرؤية أخذتهم الرجفة; كما قال تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون [ البقرة : 55 ، 56 ] . وقال هاهنا : [ ص: 153 ] فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي الآية قال محمد بن إسحاق : اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا ، الخير فالخير وقال : انطلقوا إلى الله ، فتوبوا إليه مما صنعتم ، وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم ، صوموا وتطهروا ، وطهروا ثيابكم . فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه ، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم ، فطلب منه السبعون أن يسمعوا كلام الله ، فقال : أفعل . فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ، ودنا موسى فدخل في الغمام ، وقال للقوم : ادنوا . وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نور ساطع ، لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه ، فضرب دونه بالحجاب ، ودنا القوم ، حتى إذا دخلوا في الغمام ، وقعوا سجودا ، فسمعوه وهو يكلم موسى ، يأمر وينهاه; افعل . ولا تفعل . فلما فرغ الله من أمره ، وانكشف عن موسى الغمام أقبل إليهم قالوا لموسى : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الرجفة - وهي الصاعقة - فافتلتت أرواحهم ، فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه ، ويدعوه ، ويرغب إليه ، ويقول : رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا أي; لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء الذين عبدوا العجل منا ، فإنا برآء مما عملوا . وقال ابن عباس ، ومجاهد ، [ ص: 154 ] وقتادة ، وابن جريج : إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم ينهوا قومهم عن عبادة العجل . وقوله : إن هي إلا فتنتك أي; اختبارك ، وابتلاؤك ، وامتحانك . قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وأبو العالية ، والربيع بن أنس ، وغير واحد من علماء السلف والخلف . يعني : أنت الذي قدرت هذا ، وخلقت ما كان من أمر العجل ، اختبارا تختبرهم به ، كما قال لهم هارون من قبل : يا قوم إنما فتنتم به أي ; اختبرتم به ، ولهذا قال : تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أي ; من شئت أضللته باختبارك إياه ، ومن شئت هديته ، لك الحكم والمشيئة ، فلا مانع ولا راد لما حكمت وقضيت . أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين .

واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك أي; تبنا إليك ورجعنا وأنبنا . قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبو العالية ، وإبراهيم التيمي ، والضحاك ، والسدي ، وقتادة ، وغير واحد ، وهو كذلك في اللغة . قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء أي; أنا أعذب من شئت بما أشاء من الأمور ، التي أخلقها وأقدرها ، ورحمتي وسعت كل شيء كما ثبت في " الصحيحين " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض ، كتب كتابا ، فهو موضوع عنده فوق العرش : إن رحمتي تغلب غضبي فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون [ ص: 155 ] أي; فسأوجبها حتما لمن يتصف بهذه الصفات ، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الآية . وهذا فيه تنويه بذكر محمد صلى الله عليه وسلم ، وأمته ، من الله تعالى لموسى ، عليه السلام ، في جملة ما ناجاه به ، وأعلمه وأطلعه عليه . وقد تكلمنا على هذه الآية وما بعدها في " التفسير " بما فيه كفاية ومقنع ، ولله الحمد والمنة . وقال قتادة : قال موسى : يا رب أجد في الألواح أمة ، خير أمة أخرجت للناس ، يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، رب اجعلهم أمتي . قال : تلك أمة أحمد . قال : رب إني أجد في الألواح أمة ، هم الآخرون في الخلق ، السابقون في دخول الجنة ، رب اجعلهم أمتي . قال : تلك أمة أحمد . قال : رب إني أجد في الألواح أمة ، أناجيلهم في صدورهم ، يقرؤونها ، وكان من قبلهم يقرؤون كتابهم نظرا ، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا ولم يعرفوه ، وإن الله أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئا ، لم يعطه أحدا من الأمم . قال : رب اجعلهم أمتي . قال : تلك أمة أحمد . قال : رب إني أجد في الألواح أمة ، يؤمنون بالكتاب الأول ، وبالكتاب الآخر ، ويقاتلون فضول الضلالة ، حتى يقاتلوا الأعور الكذاب ، فاجعلهم أمتي . قال : تلك أمة أحمد . قال : رب إني أجد في الألواح أمة ، صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ، ويؤجرون عليها ، وكان من قبلهم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها نارا فأكلتها ، وإن ردت عليه تركت فتأكلها السباع والطير ، وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم قال : رب فاجعلهم أمتي . قال : تلك أمة أحمد . قال : رب فإني أجد في الألواح أمة ، إذا هم أحدهم [ ص: 156 ] بحسنة ، ثم لم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها ، إلى سبعمائة ضعف ، قال : رب ، اجعلهم أمتي . قال : تلك أمة أحمد . قال : رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفعون ، المشفوع لهم ، فاجعلهم أمتي . قال تلك أمة أحمد . قال لنا قتادة : فذكر لنا أن موسى ، عليه السلام ، نبذ الألواح وقال : اللهم اجعلني من أمة أحمد . وقد ذكر كثير من الناس ما كان من مناجاة موسى ، عليه السلام ، وأوردوا أشياء كثيرة لا أصل لها ، ونحن نذكر ما تيسر ذكره من الأحاديث والآثار ، بعون الله وتوفيقه ، وحسن هدايته ومعونته وتأييده .

قال الحافظ أبو حاتم ، محمد بن حاتم بن حبان في " صحيحه " : ذكر سؤال كليم الله ربه ، عز وجل عن أدنى أهل الجنة وأرفعهم منزلة; أخبرنا عمر بن سعيد الطائي بمنبج ، حدثنا حامد بن يحيى البلخي ، حدثنا سفيان ، حدثنا مطرف بن طريف وعبد الملك بن أبجر - شيخان صالحان - سمعنا الشعبي يقول : سمعت المغيرة بن شعبة يقول على المنبر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن موسى ، عليه السلام ، سأل ربه ، عز وجل : أي أهل الجنة أدنى منزلة؟ فقال : رجل يجيء بعد ما يدخل أهل الجنة الجنة ، فيقال : ادخل الجنة . فيقول : كيف أدخل الجنة وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم . فيقال له : ترضى أن يكون لك من الجنة مثل ما كان لملك من ملوك الدنيا؟ فيقول : نعم أي رب . [ ص: 157 ] فيقال : لك هذا ، ومثله ، ومثله . فيقول : أي رب ، رضيت . فيقال : إن لك هذا وعشرة أمثاله . فيقول : أي رب رضيت . فيقال له : لك مع هذا ما اشتهت نفسك ، ولذت عينك . وسأل ربه : أي أهل الجنة أرفع منزلة؟ قال : سأحدثك عنهم ، غرست كرامتهم بيدي ، وختمت عليها ، فلا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين الآية . وهكذا رواه مسلم ، والترمذي ، كلاهما عن ابن أبي عمر ، عن سفيان ، وهو ابن عيينة ، به ، ولفظ مسلم : فيقال له : أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول : رضيت رب . فيقول : لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله . فيقول في الخامسة : رضيت رب . فيقول : هذا لك وعشرة أمثاله ، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك . فيقول : رضيت رب . قال : رب ، فأعلاهم منزلة؟ قال : أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي ، وختمت عليها ، فلم تر عين ، ولم تسمع أذن ، ولم يخطر على قلب بشر قال : ومصداقه من كتاب الله فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون وقال الترمذي : حسن صحيح . قال : ورواه بعضهم عن الشعبي ، عن المغيرة ، فلم يرفعه ، والمرفوع أصح .

[ ص: 158 ] وقال ابن حبان : ذكر سؤال الكليم ربه عن خصال سبع; حدثنا عبد الله بن محمد بن سلم ، ببيت المقدس ، حدثنا حرملة بن يحيى ، حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث ، أن أبا السمح حدثه عن ابن حجيرة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : سأل موسى ربه ، عز وجل ، عن ست خصال كان يظن أنها له خالصة ، والسابعة لم يكن موسى يحبها; قال : يا رب أي عبادك أتقى؟ قال : الذي يذكر ولا ينسى . قال : فأي عبادك أهدى؟ قال الذي يتبع الهدى . قال : فأي عبادك أحكم؟ قال : الذي يحكم للناس كما يحكم لنفسه . قال : فأي عبادك أعلم؟ قال : عالم لا يشبع من العلم ، يجمع علم الناس إلى علمه . قال : فأي عبادك أعز؟ قال : الذي إذا قدر غفر . قال : فأي عبادك أغنى؟ قال : الذي يرضى بما يؤتى . قال : فأي عبادك أفقر؟ قال : صاحب منقوص قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس الغنى عن ظهر ، إنما الغنى غنى النفس ، وإذا أراد الله بعبد خيرا جعل غناه في نفسه ، وتقاه في قلبه ، وإذا أراد بعبد شرا جعل فقره بين عينيه .

قال ابن حبان : قوله : صاحب منقوص . يريد به منقوص حالته ، يستقل ما أوتي ، ويطلب الفضل .

وقد رواه ابن جرير في " تاريخه " ، عن ابن حميد ، عن يعقوب [ ص: 159 ] القمي ، عن هارون بن عنترة ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : سأل موسى ربه ، عز وجل ، فذكر نحوه ، وفيه : قال : أي رب ، فأي عبادك أعلم؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علمه ، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى ، أو ترده عن ردى . قال : أي رب ، فهل في الأرض أحد أعلم مني؟ قال : نعم ، الخضر . فسأل السبيل إليه ، فكان ما سنذكره بعد ، إن شاء الله تعالى وبه الثقة .========
قال الله تعالى : وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون وإذ قتلتم نفسا فادارءتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون [ البقرة : 67 - 73 ] .

قال ابن عباس ، وعبيدة السلماني ، وأبو العالية ، ومجاهد ، والسدي ، وغير واحد من السلف : كان رجل في بني إسرائيل كثير المال ، وكان شيخا كبيرا وله بنو أخ ، وكانوا يتمنون موته; ليرثوه ، فعمد أحدهم فقتله في الليل ، وطرحه في مجمع الطرق ، ويقال : على باب رجل منهم . فلما أصبح الناس اختصموا فيه ، وجاء ابن أخيه ، فجعل يصرخ ويتظلم ، فقالوا : ما لكم تختصمون ولا تأتون نبي الله ، فجاء ابن أخيه فشكى أمر عمه إلى رسول الله موسى ، عليه السلام ، فقال موسى ، عليه السلام : أنشد الله رجلا عنده علم من أمر [ ص: 166 ] هذا القتيل إلا أعلمنا به . فلم يكن عند أحد منهم علم ، وسألوه أن يسأل في هذه القضية ربه ، عز وجل ، فسأل ربه ، عز وجل ، في ذلك فأمره الله أن يأمرهم بذبح بقرة ، فقال : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا يعنون; نحن نسألك عن أمر هذا القتيل ، وأنت تقول هذا . قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين أي; أعوذ بالله أن أقول عنه غير ما أوحى إلي . وهذا هو الذي أجابني حين سألته عما سألتموني عنه أن أسأله فيه . قال ابن عباس ، وعبيدة ، ومجاهد ، وعكرمة ، والسدي ، وأبو العالية ، وغير واحد : فلو أنهم عمدوا إلى أي بقرة فذبحوها لحصل المقصود منها ، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم . وقد ورد فيه حديث مرفوع ، وفي إسناده ضعف ، فسألوا عن صفتها ، ثم عن لونها ثم عن سنها فأجيبوا بما عز وجوده عليهم ، وقد ذكرنا في تفسير ذلك كله في " التفسير " .

والمقصود أنهم أمروا بذبح بقرة عوان; وهي الوسط بين النصف الفارض ، وهي الكبيرة ، والبكر ، وهي الصغيرة . قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وأبو العالية ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، وجماعة . ثم شددوا ، وضيقوا على أنفسهم ، فسألوا عن لونها ، فأمروا بصفراء فاقع لونها ، أي مشرب بحمرة ، تسر الناظرين ، وهذا اللون عزيز . ثم شددوا أيضا فقالوا : [ ص: 167 ] ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون ففي الحديث المرفوع ، الذي رواه ابن أبي حاتم ، وابن مردويه : لولا أن بني إسرائيل استثنوا لما أعطوا وفي صحته نظر والله أعلم . قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون وهذه الصفات أضيق مما تقدم ، حيث أمروا بذبح بقرة ، ليست بالذلول ، وهي المذللة بالحراثة وسقي الأرض بالسانية ، مسلمة; وهي الصحيحة التي لا عيب فيها . قاله أبو العالية ، وقتادة . وقوله : لا شية فيها أي; ليس فيها لون يخالف لونها بل هي مسلمة من العيوب ومن مخالطة سائر الألوان غير لونها ، فلما حددها بهذه الصفات ، وحصرها بهذه النعوت والأوصاف ، قالوا الآن جئت بالحق ويقال : إنهم لم يجدوا هذه البقرة بهذه الصفة إلا عند رجل منهم ، كان بارا بأبيه ، فطلبوها منه ، فأبى عليهم ، فأرغبوه في ثمنها ، حتى - أعطوه فيما ذكر السدي - بوزنها ذهبا ، فأبى عليهم حتى أعطوه بوزنها عشر مرات ، فباعها منهم ، فأمرهم نبي الله موسى بذبحها ، فذبحوها وما كادوا يفعلون أي; وهم يترددون في أمرها . ثم أمرهم عن الله أن يضربوا ذلك القتيل ببعضها ، قيل : بلحم فخذها . وقيل : بالعظم الذي يلي الغضروف . وقيل : بالبضعة التي بين الكتفين ، فلما ضربوه ببعضها أحياه الله تعالى فقام وهو تشخب أوداجه ، فسأله نبي الله : من قتلك؟ قال قتلني ابن أخي . ثم عاد [ ص: 168 ] ميتا كما كان ، قال الله تعالى : كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون أي; كما شاهدتم إحياء هذا القتيل ، عن أمر الله له ، كذلك أمره في سائر الموتى ، إذا شاء إحياءهم أحياهم في ساعة واحدة ، كما قال : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة الآية [ لقمان : 28 ] .
=========
ذكر الحديث الملقب بحديث الفتون المتضمن قصة موسى مبسوطة من أولها إلى آخرها

قال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي ، في كتاب التفسير من سننه ، عند قوله تعالى في سورة " طه " : وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا .

( حديث الفتون ) : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا أصبغ بن زيد ، حدثنا القاسم بن أبي أيوب ، أخبرني سعيد بن جبير ، قال : سألت عبد الله بن عباس عن قول الله تعالى لموسى : وفتناك فتونا . فسألته عن الفتون : ما هو؟ فقال : استأنف النهار يا ابن جبير ، فإن لها حديثا طويلا . فلما أصبحت ، غدوت إلى ابن عباس; لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون ، فقال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم ، عليه السلام ، أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا ، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ، ما يشكون فيه ، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب ، فلما هلك قالوا : ليس هكذا كان وعد إبراهيم . فقال فرعون : فكيف ترون؟ فائتمروا ، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار ، يطوفون في بني إسرائيل ، فلا يجدون مولودا ذكرا [ ص: 182 ] إلا ذبحوه ففعلوا ذلك ، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم ، والصغار يذبحون ، قالوا : توشكون أن تفنوا بني إسرائيل ، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة ، الذي كانوا يكفونكم ، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر ، فيقل نباتهم ، ودعوا عاما فلا تقتلوا منهم أحدا فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار ، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم ، فتخافوا مكاثرتهم إياكم ، ولن يفنوا بمن تقتلون ، وتحتاجون إليهم . فأجمعوا أمرهم على ذلك ، فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان ، فولدته علانية آمنة . فلما كان من قابل ، حملت بموسى ، عليه السلام ، فوقع في قلبها الهم والحزن - وذلك من الفتون يا ابن جبير - ما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به ; فأوحى الله إليها : أن لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين . فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ، وتلقيه في اليم ، فلما ولدت فعلت ذلك ، فلما توارى عنها ابنها ، أتاها الشيطان ، فقالت في نفسها : ما فعلت بابني؟ لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه . فانتهى الماء به حتى أوفى عند فرضة تستقي منها جواري امرأة فرعون ، فلما رأينه أخذنه ، فهممن أن يفتحن [ ص: 183 ] التابوت ، فقال بعضهن : إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه ، لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئا حتى دفعنه إليها ، فلما فتحته رأت فيه غلاما ، فألقي عليه منها محبة ، لم تلق منها على أحد قط ، وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شيء ، إلا من ذكر موسى ، فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون; ليذبحوه - وذلك من الفتون يا ابن جبير - فقالت لهم : أقروه فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل ، حتى آتي فرعون ، فأستوهبه منه ، فإن وهبه لي ، كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمر بذبحه ، لم ألمكم . فأتت فرعون فقالت : قرة عين لي ولك [ القصص : 9 ] . فقال فرعون : يكون لك ، فأما لي ، فلا حاجة لي فيه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت امرأته ، لهداه الله كما هداها ، ولكن الله حرمه ذلك فأرسلت إلى من حولها ، إلى كل امرأة لها لبن ، تختار له ظئرا ، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه ، لم يقبل على ثديها ، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت ، فأحزنها ذلك فأمرت به ، فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئرا تأخذه منها ، فلم يقبل ، وأصبحت أم موسى والها ، فقالت لأخته : قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرا؟ أحي ابني أم أكلته الدواب؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه ، فبصرت به أخته عن جنب - والجنب; أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه لا [ ص: 184 ] يشعر به فقالت من الفرح ، حين أعياهم الظؤورات : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ، وهم له ناصحون . فأخذوها فقالوا : ما يدريك ما نصحهم؟ هل تعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك - وذلك من الفتون يا ابن جبير - فقالت : نصحهم له وشفقتهم عليه ، رغبتهم في صهر الملك ، ورجاء منفعة الملك . فأرسلوها ، فانطلقت إلى أمها ، فأخبرتها الخبر ، فجاءت أمه فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها ، فمصه حتى امتلأ جنباه ريا ، وانطلق البشير إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا ، فأرسلت إليها ، فأتت بها وبه . فلما رأت ما يصنع بها ، قالت : امكثي ترضعي ابني هذا; فإني لم أحب شيئا حبه قط . قالت أم موسى : لا أستطيع أن أترك بيتي وولدي فيضيع فإن طابت نفسك أن تعطينيه ، فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا ، فعلت ، فإني غير تاركة بيتي وولدي .

وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها ، فتعاسرت على امرأة فرعون ، وأيقنت أن الله منجز موعوده ، فرجعت إلى بيتها من يومها ، وأنبته الله نباتا حسنا ، وحفظه لما قد قضى فيه ، فلم يزل بنو إسرائيل ، وهم في ناحية القرية ، ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم ، فلما ترعرع ، قالت امرأة فرعون لأم موسى : أريني ابني . فوعدتها يوما تريها إياه فيه ، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظؤورها وقهارمتها : لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة; لأرى ذلك فيه ، وأنا باعثة أمينا يحصي كل ما يصنع كل إنسان منكم . فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل تستقبله من حين خرج من بيت [ ص: 185 ] أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون ، فلما دخل عليها نحلته ، وأكرمته وفرحت به ، ونحلت أمه بحسن أثرها عليه ، ثم قالت : لآتين به فرعون ، فلينحلنه ، وليكرمنه . فلما دخلت به عليه ، جعله في حجره ، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض ، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون : ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه ، أنه زعم أنه يربك ويعلوك ، ويصرعك؟ فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه - وذلك من الفتون يا ابن جبير ، بعد كل بلاء ابتلي به وأريد به فتونا - فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون ، فقالت : ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي؟ فقال : ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني؟ فقالت : اجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق; ائت بجمرتين ، ولؤلؤتين ، فقربهن إليه ، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين ، عرفت أنه يعقل . وإن تناول الجمرتين ، ولم يرد اللؤلؤتين ، علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل . فقرب إليه ، فتناول الجمرتين ، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده ، فقالت المرأة : ألا ترى؟ فصرفه الله عنه ، بعد ما كان هم به ، وكان الله بالغا فيه أمره ، فلما بلغ أشده ، وكان من الرجال ، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه ، بظلم ولا سخرة ، حتى امتنعوا كل الامتناع ، فبينما موسى ، عليه السلام ، يمشي في ناحية المدينة ، إذا هو برجلين يقتتلان ، أحدهما فرعوني ، والآخر إسرائيلي ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فغضب موسى غضبا شديدا; لأنه تناوله ، وهو يعلم منزلته من بني [ ص: 186 ] إسرائيل ، وحفظه لهم لا يعلم الناس إلا أنه من الرضاع إلا أم موسى ، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره ، فوكز موسى الفرعوني ، فقتله ، وليس يراهما أحد إلا الله ، عز وجل ، والإسرائيلي ، فقال موسى حين قتل الرجل : هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ثم قال : رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم [ القصص : 15 ، 16 ] . فأصبح في المدينة خائفا يترقب الأخبار ، فأتي فرعون ، فقيل له : إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون ، فخذ لنا بحقنا ، ولا ترخص لهم . فقال : ابغوني قاتله ، من يشهد عليه؟ فإن الملك ، وإن كان صفوه مع قومه ، لا يستقيم له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت ، فاطلبوا لي علم ذلك ، آخذ لكم بحقكم . فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة ، إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي ، يقاتل رجلا من آل فرعون آخر ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فصادف موسى قد ندم على ما كان منه ، وكره الذي رأى ، فغضب الإسرائيلي ، وهو يريد أن يبطش بالفرعوني ، فقال للإسرائيلي ، لما فعل بالأمس واليوم : إنك لغوي مبين [ القصص : 18 ] . فنظر الإسرائيلي إلى موسى ، بعد ما قال له ، ما قال فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس ، الذي قتل فيه الفرعوني ، فخاف أن يكون بعد ما قال له : إنك لغوي مبين . أن يكون إياه أراد ، ولم يكن أراده ، إنما أراد الفرعوني ، فخاف الإسرائيلي ، وقال : يا موسى ، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ وإنما قال له; مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله ، فتتاركا ، [ ص: 187 ] وانطلق الفرعوني ، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر ، حين يقول : أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى ، فأخذ رسل فرعون الطريق الأعظم ، يمشون على هينتهم يطلبون موسى ، وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة ، فاختصر طريقا حتى سبقهم إلى موسى فأخبره - وذلك من الفتون يا ابن جبير - فخرج موسى متوجها نحو مدين ، لم يلق بلاء قبل ذلك وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه ، عز وجل ، فإنه قال : عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان [ القصص : 22 ، 23 ] . يعني بذلك حابستين غنمهما ، فقال لهما : ما خطبكما معتزلتين ، لا تسقيان مع الناس؟ قالتا : ليس لنا قوة نزاحم القوم ، وإنما ننتظر فضول حياضهم . فسقى لهما ، فجعل يغرف من الدلو ماء كثيرا ، حتى كان أول الرعاء ، وانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما ، وانصرف موسى ، فاستظل بشجرة ، فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير [ القصص : 24 ] . واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا بطانا ، فقال : إن لكما اليوم لشأنا . فأخبرتاه بما صنع موسى ، فأمر إحداهما أن تدعوه ، فأتت موسى فدعته ، فلما كلمه قال : لا تخف نجوت من القوم الظالمين [ القصص : 25 ] . ليس لفرعون ولا لقومه علينا من سلطان ، ولسنا في مملكته قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين [ القصص : 26 ] . فاحتملته الغيرة على [ ص: 188 ] أن قال لها : ما يدريك ما قوته ، وما أمانته؟ فقالت : أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا ، لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه ، وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له فلما علم أني امرأة صوب رأسه ، فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك ، ثم قال لي : امشي خلفي ، وانعتي لي الطريق . فلم يفعل هذا إلا وهو أمين . فسري عن أبيها ، وصدقها ، وظن به الذي قالت ، فقال له : هل لك أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين [ القصص : 27 ] . ففعل ، فكانت على نبي الله موسى ثماني سنين واجبة ، وكانت السنتان عدة منه ، فقضى الله عنه عدته ، فأتمها عشرا .

قال سعيد بن جبير : فلقيني رجل من أهل النصرانية ، من علمائهم ، قال : هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟ قلت : لا . وأنا يومئذ لا أدري ، فلقيت ابن عباس ، فذكرت ذلك له فقال : أما علمت أن ثمانية كانت على نبي الله واجبة؟ لم يكن نبي الله لينقص منها شيئا وتعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده ، فإنه قضى عشر سنين . فلقيت النصراني ، فأخبرته ذلك ، فقال : الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك . قلت : أجل ، وأولى .

فلما سار موسى بأهله ، كان من أمر النار ، والعصا ، ويده ، ما قص الله عليك في القرآن ، فشكا إلى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل ، وعقدة لسانه ، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام وسأل ربه أن يعينه بأخيههارون ، ويكون له ردءا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه ، [ ص: 189 ] فآتاه الله ، عز وجل ، سؤله وحل عقدة من لسانه ، وأوحى الله إلى هارون ، فأمره أن يلقاه ، فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون ، فانطلقا جميعا إلى فرعون ، فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما ، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد ، فقالا : إنا رسولا ربك . فقال : فمن ربكما؟ فأخبره بالذي قص الله عليك في القرآن ، قال : فما تريدان؟ وذكره القتيل ، فاعتذر بما قد سمعت قال : أريد أن تؤمن بالله ، وترسل معي بني إسرائيل . فأبى عليه ، وقال : ائت بآية إن كنت من الصادقين . فألقى عصاه فإذا هي حية عظيمة ، فاغرة فاها ، مسرعة إلى فرعون فلما رآها فرعون ، قاصدة إليه خافها ، فاقتحم عن سريره ، واستغاث بموسى أن يكفها عنه ، ففعل ، ثم أخرج يده من جيبه ، فرآها بيضاء من غير سوء - يعني من غير برص - ثم ردها فعادت إلى لونها الأول ، فاستشار الملأ حوله فيما رأى ، فقالوا له : هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى . يعني ملكهم الذي هم فيه ، والعيش ، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب ، وقالوا له : اجمع السحرة فإنهم بأرضك كثير ; حتى تغلب بسحرك سحرهما . فأرسل إلى المدائن ، فحشر له كل ساحر متعالم ، فلما أتوا فرعون ، قالوا : بم يعمل هذا الساحر؟ قالوا : يعمل بالحيات . قالوا : فلا والله ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل ، وما أجرنا إن نحن غلبنا؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصتي ، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم . فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى . قال سعيد : فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة ، هو يوم عاشوراء ، فلما اجتمعوا في [ ص: 190 ] صعيد قال الناس بعضهم لبعض انطلقوا فلنحضر هذا الأمر; لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين . يعنون موسى وهارون ، استهزاء بهما ، فقالوا : يا موسى - بقدرتهم بسحرهم - إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين . قال : بل ألقوا . فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون [ الشعراء : 44 ] . فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة ، فأوحى الله إليه : أن ألق عصاك ، فلما ألقاها ، صارت ثعبانا عظيمة ، فاغرة فاها ، فجعلت العصي تلتبس بالحبال ، حتى صارت جرزا على الثعبان تدخل فيه ، حتى ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتلعته فلما عرف السحرة ذلك ، قالوا : لو كان هذا سحرا لم تبلغ من سحرنا كل هذا ولكنه أمر من الله تعالى ، آمنا بالله وبما جاء به موسى ، ونتوب إلى الله مما كنا عليه . فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه ، وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون ، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ، وامرأة فرعون بارزة متبذلة تدعو لله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه ، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه ، وإنما كان حزنها وهمها لموسى ، فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة ، كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا مضت أخلف موعده وقال : هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ فأرسل الله على قومه الطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم آيات مفصلات ، كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه ، ويوافقه على أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا كف ذلك عنه ، أخلف موعده ، ونكث عهده ، حتى [ ص: 191 ] أمر موسى بالخروج بقومه ، فخرج بهم ليلا ، فلما أصبح فرعون ، ورأى أنهم قد مضوا ، أرسل في المدائن حاشرين ، فتبعه بجنود عظيمة كثيرة ، وأوحى الله إلى البحر : إذا ضربك عبدي موسى بعصاه ، فانفلق اثنتي عشرة فرقة ، حتى يجوز موسى ومن معه ، ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه . فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا ، وانتهى إلى البحر وله قصيف مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيا لله ، عز وجل ، فلما تراءى الجمعان وتقاربا ، قال أصحاب موسى : إنا لمدركون افعل ما أمرك به ربك ، فإنه لم يكذب ولم تكذب . قال : وعدني ربي إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه ، ثم ذكر بعد ذلك العصا ، فضرب البحر بعصاه ، حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى ، فانفرق البحر كما أمره ربه ، وكما وعد موسى ، فلما أن جاوز موسى وأصحابه كلهم البحر ، ودخل فرعون وأصحابه ، التقى عليهم البحر كما أمر ، فلما جاوز موسى ، قال أصحابه : إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ، ولا نؤمن بهلاكه . فدعا ربه ، فأخرجه له ببدنه ، حتى استيقنوا بهلاكه ، ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم ، قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون [ الأعراف : 138 ، 139 ] . قد رأيتم من العبر ، وسمعتم ما يكفيكم ومضى ، فأنزلهم موسى منزلا ، وقال أطيعوا هارون ، فإني قد استخلفته عليكم ، فإني ذاهب إلى ربي . وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها ، فلما أتى ربه ، عز وجل ، وأراد أن [ ص: 192 ] يكلمه في ثلاثين يوما ، وقد صامهن ، ليلهن ونهارهن وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم ، فتناول موسى شيئا من نبات الأرض فمضغه ، فقال له ربه حين أتاه : لم أفطرت؟ وهو أعلم بالذي كان ، قال : يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح . قال : أوما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب من ريح المسك ارجع فصم عشرا ، ثم ائتني . ففعل موسى ما أمره به ربه ، فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل ، ساءهم ذلك ، وكان هارون قد خطبهم وقال : إنكم خرجتم من مصر ، ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع ، ولكم فيها مثل ذلك ، وأنا أرى أن تحتسبوا ما لكم عندهم ، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ، ولا عارية ، ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك ، ولا ممسكيه لأنفسنا . فحفر حفيرا ، وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير . ثم أوقد عليه النار فأحرقه ، فقال : لا يكون لنا ولا لهم .

وكان السامري من قوم يعبدون البقر ، جيران لبني إسرائيل ، ولم يكن من بني إسرائيل ، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا ، فقضي له أن رأى أثرا فقبض منه قبضة ، فمر بهارون ، فقال له هارون : يا سامري ، ألا تلقي ما في يدك؟ وهو قابض عليه ، لا يراه أحد طوال ذلك ، فقال : هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ، ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد . فألقاها ودعا له هارون ، فقال : أريد أن تكون عجلا . فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية ، أو نحاس ، أو حديد ، [ ص: 193 ] فصار عجلا أجوف ، ليس فيه روح ، له خوار .

قال ابن عباس : لا والله ما كان له صوت قط ، إنما كانت الريح تدخل من دبره ، وتخرج من فيه ، فكان ذلك الصوت من ذلك ، فتفرق بنو إسرائيل فرقا ، فقالت فرقة : يا سامري ، ما هذا ، وأنت أعلم به؟ قال : هذا ربكم ، ولكن موسى أضل الطريق . وقالت فرقة : لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى ، فإن كان ربنا ، لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأيناه ، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى . وقالت فرقة : هذا من عمل الشيطان ، وليس بربنا ، ولا نؤمن به ، ولا نصدق . وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل ، وأعلنوا التكذيب به ، فقال لهم هارون عليه السلام : ياقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن [ طه : 90 ] . ليس هذا ، قالوا : فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا؟ هذه أربعون يوما قد مضت . قال سفهاؤهم : أخطأ ربه ، فهو يطلبه ويبتغيه . فلما كلم الله موسى وقال له ما قال ، أخبره بما لقي قومه من بعده ، فرجع إلى قومه غضبان أسفا ، فقال لهم ما سمعتم ما في القرآن ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه وألقى الألواح من الغضب ، ثم إنه عذر أخاه بعذره ، واستغفر له ، فانصرف إلى السامري ، فقال له : ما حملك على ما صنعت؟ قال : فقبضت قبضة من أثر الرسول وفطنت لها ، وعميت عليكم فقذفتها وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا [ طه : 96 ، 97 ] . ولو كان إلها لم نخلص إلى ذلك منه ، فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة ، واغتبط [ ص: 194 ] الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون ، فقالوا جماعتهم : يا موسى سل لنا أن يفتح لنا باب توبة نصنعها ، فيكفر عنا ما عملنا . فاختار موسى قومه سبعين رجلا لذلك ، لا يألو الخير ، خيار بني إسرائيل ، ومن لم يشرك في العجل ، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة ، فرجفت بهم الأرض ، فاستحيا نبي الله ، عليه السلام ، من قومه ، ومن وفده ، حين فعل بهم ما فعل ، فقال : لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل ، وإيمان به ، فلذلك رجفت بهم الأرض ، فقال :ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل [ الأعراف : 156 ، 157 ] .

فقال : يا رب ، سألتك التوبة لقومي ، فقلت : إن رحمتك كتبتها لقوم غير قومي فليتك أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة . فقال له : إن توبتهم أن يقتل كل رجل من لقي من والد وولد ، فيقتله بالسيف ، لا يبالي من قتل في ذلك الموطن . وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون واطلع الله من ذنوبهم ، فاعترفوا بها ، وفعلوا ما أمروا ، وغفر الله للقاتل والمقتول ، ثم سار بهم موسى ، عليه السلام ، متوجها نحو الأرض المقدسة ، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب ، فأمرهم بالذي أمر به من الوظائف فثقل ذلك عليهم ، وأبوا أن يقروا بها ، ونتق [ ص: 195 ] الله عليهم الجبل كأنه ظلة ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم ، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم يصغون ينظرون إلى الجبل ، والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل ، مخافة أن يقع عليهم ، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة ، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون ، خلقهم خلق منكر - وذكر من ثمارهم أمرا عجيبا من عظمها - فقالوا : يا موسى إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم ، ولا ندخلها ما داموا فيها ، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون . قال رجلان من الذين يخافون - قيل ليزيد : هكذا قرأه؟ قال : نعم - من الجبارين آمنا بموسى ، وخرجا إليه ، فقالوا : نحن أعلم بقومنا ، إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم ، فإنهم لا قلوب لهم ، ولا منعة عندهم ، فادخلوا عليهم الباب ، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون . ويقول أناس : إنهما من قوم موسى . فقال الذين يخافون; بنو إسرائيل : قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون [ المائدة : 24 ] . فأغضبوا موسى ، فدعا عليهم ، وسماهم فاسقين ، ولم يدع عليهم قبل ذلك; لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم ، حتى كان يومئذ ، فاستجاب الله له وسماهم كما سماهم فاسقين ، فحرمها عليهم أربعين سنة ، يتيهون في الأرض ، يصبحون كل يوم ، فيسيرون ليس لهم قرار ، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ ، وجعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا وأمر موسى فضربه بعصاه ، [ ص: 196 ] فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، في كل ناحية ثلاثة أعين ، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها ، فلا يرتحلون من منقلة إلا وجدوا ذلك الحجر بالمكان الذي كان فيه بالأمس . رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس حدث هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل ، فقال : كيف يفشي عليه ، ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك؟ فغضب ابن عباس ، فأخذ بيد معاوية ، فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري ، فقال له : يا أبا إسحاق ، هل تذكر يوم حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الإسرائيلي الذي أفشى عليه ، أم الفرعوني؟ قال : إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره . هكذا ساق هذا الحديث الإمام النسائي ، وأخرجه ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، في تفسيرهما من حديث يزيد بن هارون ، والأشبه ، والله أعلم ، أنه موقوف ، وكونه مرفوعا فيه نظر ، وغالبه متلقى من الإسرائيليات ، وفيه شيء يسير مصرح برفعه في أثناء الكلام ، وفي بعض ما فيه نظر ونكارة ، والأغلب أنه من كلام كعب الأحبار ، وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
=======
إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين [ القصص : 76 - 83 ] . قال الأعمش : عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان قارون ابن عم [ ص: 202 ] موسى . وكذا قال إبراهيم النخعي ، وعبد الله بن الحارث بن نوفل ، وسماك بن حرب ، وقتادة ، ومالك بن دينار ، وابن جريج ، وزاد فقال : هو قارون بن يصهر بن قاهث ، وموسى بن عمران بن قاهث . قال ابن جريج : وهذا قول أكثر أهل العلم; أنه كان ابن عم موسى . ورد قول ابن إسحاق إنه كان عم موسى . قال قتادة : وكان يسمى المنور; لحسن صوته بالتوراة ولكن عدو الله نافق ، كما نافق السامري ، فأهلكه البغي لكثرة ماله . وقال شهر بن حوشب : زاد في ثيابه شبرا طولا; ترفعا على قومه . وقد ذكر الله تعالى كثرة كنوزه; حتى إن مفاتيحه كان يثقل حملها على الفئام من الرجال الشداد ، وقد قيل : إنها كانت من الجلود ، وإنها كانت تحمل على ستين بغلا . فالله أعلم . وقد وعظه النصحاء من قومه; قائلين : لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين أي; لا تبطر بما أعطيت ، وتفخر على غيرك . وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة يقولون : لتكن همتك مصروفة لتحصيل ثواب الله في الدار الآخرة ، فإنه خير وأبقى ، ومع هذا ولا تنس نصيبك من الدنيا أي; وتناول منها بمالك ما أحل الله لك ، فتمتع لنفسك بالملاذ الطيبة الحلال ، وأحسن كما أحسن الله إليك أي; وأحسن إلى خلق الله كما أحسن الله خالقهم وبارئهم إليك ، ولا تبغ الفساد في الأرض أي; ولا تسئ إليهم ، ولا تفسد فيهم فتقابلهم ضد ما [ ص: 203 ] أمرت فيهم ، فيعاقبك ويسلبك ما وهبك ، إن الله لا يحب المفسدين فما كان جوابه قومه لهذه النصيحة الصحيحة الفصيحة ، إلا أن قال إنما أوتيته على علم عندي يعني : أنا لا أحتاج إلى استعمال ما ذكرتم ، ولا إلى ما إليه أشرتم; فإن الله إنما أعطاني هذا لعلمه أني أستحقه ، وأني أهل له ، ولولا أني حبيب إليه ، وحظي عنده ، لما أعطاني ما أعطاني . قال الله تعالى ردا عليه ما ذهب إليه : أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون أي; قد أهلكنا من الأمم الماضين بذنوبهم وخطاياهم من هو أشد من قارون قوة وأكثر أموالا وأولادا ، فلو كان ما قال صحيحا لم نعاقب أحدا ممن كان أكثر مالا منه ، ولم يكن ماله دليلا على محبتنا له ، واعتنائنا به ، كما قال تعالى : وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا [ سبأ : 37 ] . وقال تعالى : أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون [ المؤمنون : 55 ، 56 ] . وهذا الرد عليه يدل على صحة ما ذهبنا إليه من معنى قوله : إنما أوتيته على علم عندي .

وأما من زعم أن المراد من ذلك ، أنه كان يعرف صنعة الكيمياء ، أو أنه كان يحفظ الاسم الأعظم ، فاستعمله في جمع الأموال ، فليس بصحيح; لأن [ ص: 204 ] الكيمياء تخييل وصبغة لا تحيل الحقائق ، ولا تشابه صنعة الخالق ، والاسم الأعظم لا يصعد الدعاء به من كافر به ، وقارون كان كافرا في الباطن ، منافقا في الظاهر ، ثم لا يصح جوابه لهم بهذا على هذا التقدير ، ولا يبقى بين الكلامين تلازم ، وقد وضحنا هذا في كتابنا " التفسير " ولله الحمد .

قال الله تعالى : فخرج على قومه في زينته ذكر كثير من المفسرين أنه خرج في تجمل عظيم; من ملابس ، ومراكب ، وخدم ، وحشم ، فلما رآه من يعظم زهرة الحياة الدنيا ، تمنوا أن لو كانوا مثله ، وغبطوه بما عليه وله ، فلما سمع مقالتهم العلماء ذوو الفهم الصحيح ، الزهاد الألباء ، قالوا لهم : ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا أي; ثواب الله في الدار الآخرة خير وأبقى ، وأجل وأعلى ، قال الله تعالى : ولا يلقاها إلا الصابرون أي; وما يلقى هذه النصيحة ، وهذه المقالة ، وهذه الهمة السامية إلى الدار الآخرة العلية ، عند النظر إلى زهرة هذه الدنيا الدنية ، إلا من هدى الله قلبه ، وثبت فؤاده ، وأيد لبه ، وحقق مراده ، وما أحسن ما قال بعض السلف : إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ، والعقل الكامل عند حلول الشهوات .

قال الله تعالى : فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين [ ص: 205 ] لما ذكر تعالى خروجه في زينته ، واختياله فيها ، وفخره على قومه بها ، قال : فخسفنا به وبداره الأرض .

كما روى البخاري من حديث الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : بينا رجل يجر إزاره ، إذ خسف به ، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة . ثم رواه البخاري من حديث جرير بن زيد ، عن سالم ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه .

وقد ذكر عن ابن عباس ، والسدي ، أن قارون أعطى امرأة بغيا مالا ، على أن تقول لموسى ، عليه السلام ، وهو في ملأ من الناس : إنك فعلت بي كذا وكذا . فيقال : إنها قالت له ذلك فأرعد من الفرق وصلى ركعتين ، ثم أقبل عليها فاستحلفها : من دلك على ذلك ، وما حملك عليه؟ فذكرت أن قارون هو الذي حملها على ذلك ، واستغفرت الله ، وتابت إليه ، فعند ذلك خر موسى لله ساجدا ، ودعا الله على قارون ، فأوحى الله إليه : إني قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه ، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره ، فكان ذلك . فالله أعلم . وقد قيل : إن قارون لما خرج على قومه في زينته ، مر بجحفله ، وبغاله ، وملابسه ، على مجلس موسى ، عليه السلام ، وهو يذكر قومه بأيام الله ، فلما رآه الناس انصرفت وجوه كثير من الناس ينظرون إليه ، فدعاه [ ص: 206 ] موسى ، عليه السلام ، فقال له : ما حملك على هذا؟ فقال يا موسى ، أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة ، فلقد فضلت عليك بالمال ، ولئن شئت لتخرجن فلتدعون علي ، ولأدعون عليك . فخرج ، وخرج قارون في قومه ، فقال له موسى تدعو أو أدعو؟ قال : أدعو أنا . فدعا قارون ، فلم يجب في موسى ، فقال موسى : أدعو؟ قال : نعم . فقال موسى : اللهم مر الأرض فلتطعني اليوم . فأوحى الله إليه : إني قد فعلت . فقال موسى : يا أرض خذيهم . فأخذتهم إلى أقدامهم ، ثم قال خذيهم . فأخذتهم إلى ركبهم ، ثم إلى مناكبهم ، ثم قال : أقبلي بكنوزهم وأموالهم . فأقبلت بها ، حتى نظروا إليها ثم أشار موسى بيده ، فقال : اذهبوا بني لاوي . فاستوت بهم الأرض . وقد روي عن قتادة أنه قال : يخسف بهم كل يوم قامة ، إلى يوم القيامة . وعن ابن عباس أنه قال : خسف بهم إلى الأرض السابعة . وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا إسرائيليات كثيرة ، أضربنا عنها صفحا وتركناها قصدا .

وقوله تعالى : فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين لم يكن له ناصر من نفسه ، ولا من غيره ، كما قال : فما له من قوة ولا ناصر [ الطارق : 10 ] . ولما حل به ما حل من الخسف ، وذهاب الأموال ، وخراب الدار ، وهلاك النفس والأهل والعقار ، ندم من كان تمنى مثل ما أوتي ، وشكروا الله تعالى الذي يدبر عباده بما يشاء من حسن التدبير المخزون ، ولهذا قالوا : لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون [ ص: 207 ] وقد تكلمنا على لفظ : " ويك " في " التفسير " ، وقد قال قتادة : ويكأن بمعنى ألم تر أن . وهذا قول حسن من حيث المعنى . والله أعلم . ثم أخبر تعالى تلك الدار الآخرة وهي دار القرار . وهي الدار التي يغبط من أعطيها ، ويعزى من حرمها ، إنما هي معدة للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا . فالعلو هو التكبر والفخر والأشر والبطر . والفساد هو عمل المعاصي اللازمة والمتعدية; من أخذ أموال الناس ، وإفساد معايشهم ، والإساءة إليهم ، وعدم النصح لهم ، ثم قال تعالى : والعاقبة للمتقين .

وقصة قارون هذه ، قد تكون قبل خروجهم من مصر; لقوله : فخسفنا به وبداره الأرض فإن الدار ظاهرة في البنيان ، وقد تكون بعد ذلك في التيه ، وتكون الدار عبارة عن المحلة التي تضرب فيها الخيام ، كما قال عنترة :
يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمي صباحا دار عبلة واسلمي


والله أعلم .

وقد ذكر الله تعالى مذمة قارون في غير ما آية من القرآن; قال الله تعالى : ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب [ غافر : 23 ، 24 ] . وقال تعالى في سورة " العنكبوت " بعد ذكر عاد وثمود : وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [ العنكبوت : 39 ، 40 ] . [ ص: 208 ] فالذي خسف به الأرض قارون ، كما تقدم ، والذي أغرق فرعون ، وهامان ، وجنودهما ، إنهم كانوا خاطئين .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا سعيد ، حدثنا كعب بن علقمة ، عن عيسى بن هلال الصدفي ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه ذكر الصلاة يوما ، فقال : من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها ، لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف انفرد به أحمد ، رحمه الله .
=========
ذكر حج موسى عليه السلام ، إلى البيت العتيق وصفته قال الإمام أحمد : حدثنا هشيم ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مر بوادي الأزرق ، فقال : أي واد هذا؟ قالوا : وادي الأزرق . قال : كأني أنظر إلى موسى ، وهو هابط من الثنية ، وله جؤار إلى الله ، عز وجل ، بالتلبية حتى أتى على ثنية هرشاء فقال : أي ثنية هذه؟ قالوا : هذه ثنية هرشاء . قال : كأني أنظر إلى يونس بن متى ، على ناقة حمراء ، عليه جبة من صوف ، خطام ناقته خلبة ، - قال هشيم : يعني ليفا - وهو يلبي وأخرجه مسلم من حديث داود بن أبي هند به . وروى الطبراني عن ابن عباس مرفوعا : إن موسى حج على ثور أحمر وهذا غريب جدا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن ابن عون ، عن مجاهد ، قال : كنا عند ابن عباس ، فذكروا الدجال ، فقال : إنه مكتوب بين [ ص: 219 ]
عينيه : ( ك ف ر ) . قال : ما تقولون؟ قال : يقولون مكتوب بين عينيه ( ك ف ر ) فقال ابن عباس : لم أسمعه قال ذلك ولكن قال : أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم ، وأما موسى فرجل آدم جعد ، على جمل أحمر ، مخطوم بخلبة كأني أنظر إليه وقد انحدر من الوادي يلبي قال هشيم : الخلبة الليف .

ثم رواه الإمام أحمد عن أسود ، عن إسرائيل ، عن عثمان بن المغيرة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيت عيسى ابن مريم ، وموسى ، وإبراهيم; فأما عيسى ، فأبيض ، جعد ، عريض الصدر ، وأما موسى ، فآدم ، جسيم ، قالوا : فإبراهيم؟ قال : انظروا إلى صاحبكم وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس ، حدثنا شيبان ، قال : حدث قتادة ، عن أبي العالية ، حدثنا ابن عم نبيكم ابن عباس ، قال : قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران ، رجلا طوالا ، جعدا ، كأنه من رجال شنوءة ، ورأيت عيسى ابن مريم ، مربوع الخلق ، إلى الحمرة والبياض ، سبط الرأس وأخرجاه من حديث قتادة به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، قال الزهري : وأخبرني سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين أسري به : لقيت موسى فنعته ، فقال رجل : قال : حسبته قال : [ ص: 220 ] مضطرب رجل الرأس ، كأنه من رجال شنوءة . ولقيت عيسى فنعته رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ربعة أحمر ، كأنما خرج من ديماس . يعني حماما ، قال : ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به . الحديث . وقد تقدم غالب هذه الأحاديث في ترجمة الخليل ، صلوات الله عليه وسلامه .