الجمعة، 4 ديسمبر 2015
غزوة ذات السلاسل =غزوة الفتح الأعظم وكانت في رمضان سنة ثمان
= ميقات خروج النبي==نزول النبي بمر الظهران== ما قيل من الشعر يوم الفتح==بعث خالد بن الوليد لهدم العزى== فيما حكم به صلى الله عليه وسلم بمكة============ذكرها الحافظ البيهقي هاهنا قبل غزوة الفتح ، فساق من طريق موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من مشارف الشام في بلي ، وعبد الله ومن يليهم من قضاعة - قال عروة بن الزبير : بنو بلي أخوال العاص بن وائل - فلما صار إلى هناك خاف من كثرة عدوه ، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده ، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين الأولين ، فانتدب أبو بكر وعمر في جماعة من سراة المهاجرين ، رضي الله عنهم أجمعين ، وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح . قال موسى بن عقبة : فلما قدموا على عمرو قال : أنا أميركم ، وأنا أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستمده بكم . فقال المهاجرون : بل أنت أمير أصحابك ، وأبو عبيدة أمير المهاجرين . فقال عمرو : إنما أنتم مدد أمددته . فلما رأى ذلك أبو عبيدة ، وكان رجلا حسن الخلق لين الشيمة ، قال : تعلم يا عمرو أن آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال : إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا وإنك إن عصيتني لأطيعنك . [ ص: 496 ] فسلم أبو عبيدة الإمارة لعمرو بن العاص .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الإسلام ، وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بني بلي ، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يستألفهم بذلك ، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له : السلاسل . وبه سميت تلك الغزوة ذات السلاسل . قال : فلما كان عليه وخاف ، بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده ، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين ، فيهم أبو بكر وعمر ، وقال لأبي عبيدة حين وجهه : " لا تختلفا " . فخرج أبو عبيدة ، حتى إذا قدم عليه قال له عمرو : إنما جئت مددا إلي . فقال له أبو عبيدة : لا ، ولكني على ما أنا عليه ، وأنت على ما أنت عليه . وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا ، هينا عليه أمر الدنيا ، فقال له عمرو : أنت مددي . فقال له أبو عبيدة : يا عمرو ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لي : " لا تختلفا " . وإنك إن عصيتني أطعتك . فقال له عمرو : فإني أمير عليك ، وإنما أنت مدد لي قال : فدونك . فصلى عمرو بن العاص بالناس .
وقال الواقدي : حدثني ربيعة بن عثمان ، عن يزيد بن رومان ، أن أبا عبيدة لما آب إلى عمرو بن العاص ، فصاروا خمسمائة ، فساروا الليل والنهار [ ص: 497 ] حتى وطئ بلاد بلي ودوخها ، وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه قد كان بهذا الموضع جمع ، فلما سمعوا بك تفرقوا ، حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلي وعذرة وبلقين ، ولقي في آخر ذلك جمعا ليس بالكثير ، فاقتتلوا ساعة ، وتراموا بالنبل ، ورمي يومئذ عامر بن ربيعة وأصيب ذراعه ، وحمل المسلمون عليهم فهربوا ، وأعجزوا هربا في البلاد وتفرقوا ، ودوخ عمرو ما هناك ، وأقام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا مكان صاروا فيه ، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم ، فكانوا ينحرون ويذبحون ، ولم يكن في ذلك أكثر من ذلك ، ولم تكن غنائم تقسم .
وقال أبو داود : ثنا ابن المثنى ، ثنا وهب بن جرير ، ثنا أبي ، سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عمرو بن العاص ، قال : احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك . قال : فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ " قال : فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت : إني سمعت الله يقول : ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما [ ص: 498 ] ( النساء : 29 ) فضحك نبي الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا .
حدثنا محمد بن سلمة ، ثنا ابن وهب ، ثنا ابن لهيعة وعمرو بن الحارث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ، أن عمرو بن العاص كان على سرية . فذكر الحديث بنحوه ، قال : فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم صلى بهم . فذكر نحوه ، ولم يذكر التيمم . قال أبو داود : وروى هذه القصة عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، وقال فيه : فتيمم .
وقال الواقدي : حدثني أفلح بن سعيد ، عن ابن عبد الرحمن بن رقيش ، عن أبي بكر بن حزم قال : كان عمرو بن العاص حين قفلوا ، احتلم في ليلة باردة كأشد ما يكون من البرد ، فقال لأصحابه : ما ترون ؟ قد والله احتلمت ، فإن اغتسلت مت . فدعا بماء فتوضأ ، وغسل فرجه وتيمم ، ثم قام فصلى بهم ، فكان أول من بعث عوف بن مالك بريدا ، قال عوف : فقدمت [ ص: 499 ] على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السحر وهو يصلي في بيته ، فسلمت عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عوف بن مالك ؟ " فقلت : عوف بن مالك يا رسول الله . قال : " صاحب الجزور ؟ " قلت : نعم . ولم يزد على هذا بعد ذلك شيئا ، ثم قال : " أخبرني " . فأخبرته بما كان من مسيرنا ، وما كان من أبي عبيدة وعمرو ، ومطاوعة أبي عبيدة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح " . قال : ثم أخبرته أن عمرا صلى بالناس وهو جنب ومعه ماء ، لم يزد على أن غسل فرجه وتوضأ ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدم عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله عن صلاته ، فأخبره فقال : والذي بعثك بالحق ، إني لو اغتسلت لمت ، ولم أجد بردا قط مثله ، وقد قال تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يبلغنا أنه قال شيئا .
وقال ابن إسحاق : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن عوف بن مالك الأشجعي قال : كنت في الغزوة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص ، وهي غزوة ذات السلاسل ، فصحبت أبا بكر وعمر ، فمررت بقوم وهم على جزور قد نحروها ، وهم لا يقدرون على أن يعضوها ، وكنت امرأ جازرا ، فقلت [ ص: 500 ] لهم : تعطوني منها عشيرا على أن أقسمها بينكم ؟ قالوا : نعم . فأخذت الشفرة ، فجزأتها مكاني ، وأخذت منها جزءا فحملته إلى أصحابي ، فاطبخناه وأكلناه ، فقال أبو بكر وعمر : أنى لك هذا اللحم يا عوف ؟ فأخبرتهما فقالا : لا والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا . ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما منه ، فلما أن قفل الناس من ذلك السفر ، كنت أول قادم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجئته وهو يصلي في بيته فقلت : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته . فقال : " أعوف بن مالك ؟ " فقلت : نعم ، بأبي أنت وأمي . فقال : " صاحب الجزور ؟ " ولم يزدني على ذلك شيئا هكذا رواه محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عوف بن مالك ، وهو منقطع بل معضل .
قال الحافظ البيهقي : وقد رواه ابن لهيعة وسعيد بن أبي أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن ربيعة بن لقيط ، عن مالك بن هدم ، أظنه عن عوف بن مالك ، فذكر نحوه ، إلا أنه قال : فعرضته على عمر فسألني عنه ، فأخبرته فقال : قد تعجلت أجرك . ولم يأكله . ثم حكى عن أبي عبيدة مثله ، ولم يذكر فيه أبا بكر ، وتمامه كنحو ما تقدم [ ص: 501 ] .
وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، ثنا يحيى بن أبي طالب ، ثنا علي بن عاصم ، ثنا خالد الحذاء ، عن أبي عثمان النهدي ، سمعت عمرو بن العاص يقول : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش ذات السلاسل ، وفي القوم أبو بكر وعمر ، فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلا لمنزلة لي عنده . قال : فأتيته حتى قعدت بين يديه ، فقلت : يا رسول الله ، من أحب الناس إليك ؟ قال : " عائشة " . قلت : إني لست أسألك عن أهلك . قال : " فأبوها " قلت : ثم من ؟ قال : " عمر " قلت : ثم من ؟ حتى عدد رهطا ، قال : قلت في نفسي : لا أعود أسأل عن هذا .
وهذا الحديث مخرج في " الصحيحين " من طريق خالد بن مهران الحذاء ، عن أبي عثمان النهدي ، واسمه عبد الرحمن بن مل ، حدثني عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل ، فأتيته فقلت : أي الناس أحب إليك ؟ قال : " عائشة " قلت : فمن الرجال ؟ قال : " أبوها " قلت : ثم من ؟ قال : " ثم عمر بن الخطاب " فعد رجالا . وهذا لفظ البخاري . وفي رواية : قال عمرو : فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم . ===== بسم الله الرحمن الرحيم غزوة الفتح الأعظم وكانت في رمضان سنة ثمان
وقد ذكرها الله تعالى في القرآن في غير موضع ، فقال تعالى : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى الآية ( الحديد : 10 ) . وقال تعالى : إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ( النصر )
وكان سبب الفتح بعد هدنة الحديبية ما ذكره محمد بن إسحاق ، حدثني الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه جميعا قالا : كان في صلح الحديبية أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل ، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل ، فتواثبت خزاعة وقالوا : نحن ندخل في عقد محمد وعهده . وتواثبت بنو بكر وقالوا : نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم . فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرا ، ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلا ، بماء يقال [ ص: 509 ] له : الوتير . وهو قريب من مكة ، وقالت قريش : ما يعلم بنا محمد ، وهذا الليل وما يرانا أحد . فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح ، وقاتلوهم معهم ، للضغن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن عمرو بن سالم ركب عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير ، حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره الخبر ، وقد قال أبيات شعر ، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشده إياها :
لاهم إني ناشد محمدا حلف أبيه وأبينا الأتلدا قد كنتم ولدا وكنا والدا
ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر رسول الله نصرا أعتدا
وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا
إن سيم خسفا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لي في كداء رصدا وزعموا أن لست أدعو أحدا
فهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا
وقتلونا ركعا وسجدا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت يا عمرو بن سالم . فما برح رسول الله [ ص: 510 ] صلى الله عليه وسلم حتى مرت بنا عنانة في السماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب . وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز ، وكتمهم مخرجه ، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره ، حتى يبغتهم في بلادهم .
قال ابن إسحاق : وكان السبب الذي هاجهم ، أن رجلا من بني الحضرمي ، اسمه مالك بن عباد ، من حلفاء الأسود بن رزن خرج تاجرا ، فلما توسط أرض خزاعة ، عدوا عليه ، فقتلوه وأخذوا ماله ، فعدت بنو بكر على رجل من بني خزاعة فقتلوه ، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بني الأسود بن رزن الدئلي - وهم منخر بني كنانة وأشرافهم ، سلمى وكلثوم وذؤيب - فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم . قال ابن إسحاق : وحدثني رجل من الدئل قال : كان بنو الأسود بن رزن يودون في الجاهلية ديتين ديتين .
قال ابن إسحاق : فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك ، إذ حجز بينهم الإسلام ، فلما كان يوم الحديبية ، ودخل بنو بكر في عقد قريش ، ودخلت [ ص: 511 ] خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت الهدنة ، اغتنمها بنو الدئل من بني بكر ، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة ثأرا بأولئك النفر ، فخرج نوفل بن معاوية الدئلي في قومه ، وهو يومئذ سيدهم وقائدهم ، وليس كل بني بكر تابعه ، فبيت خزاعة وهم على الوتير - ماء لهم - فأصابوا رجلا منهم ، وتحاوزوا ، واقتتلوا ، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح ، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا ، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم ، فلما انتهوا إليه ، قالت بنو بكر : يا نوفل ، إنا قد دخلنا الحرم ! إلهك إلهك . فقال كلمة عظيمة : لا إله اليوم ، يا بني بكر أصيبوا ثأركم ، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم ، أفلا تصيبون ثأركم فيه ؟! ولجأت خزاعة إلى دار بديل بن ورقاء بمكة ، وإلى دار مولى لهم يقال له : رافع .
وقد قال الأخزر بن لعط الدئلي في ذلك :
ألا هل أتى قصوى الأحابيش أننا رددنا بني كعب بأفوق ناصل [ ص: 512 ]
حبسناهم في دارة العبد رافع وعند بديل محبسا غير طائل
بدار الذليل الآخذ الضيم بعدما شفينا النفوس منهم بالمناصل
حبسناهم حتى إذا طال يومهم نفحنا لهم من كل شعب بوابل
نذبحهم ذبح التيوس كأننا أسود تبارى فيهم بالقواصل
هم ظلمونا واعتدوا في مسيرهم وكانوا لدى الأنصاب أول قاتل
كأنهم بالجزع إذ يطردونهم قفا ثور حفان النعام الجوافل
قال : فأجابه بديل بن عبد مناة بن سلمة بن عمرو بن الأجب ، وكان يقال له : بديل بن أم أصرم ، فقال :
تعاقد قوم يفخرون ولم ندع لهم سيدا يندوهم غير نافل
أمن خيفة القوم الألى تزدريهم تجيز الوتير خائفا غير آيل
وفي كل يوم نحن نحبو حباءنا لعقل ولا يحبى لنا في المعاقل [ ص: 513 ]
ونحن صبحنا بالتلاعة داركم بأسيافنا يسبقن لوم العواذل
ونحن منعنا بين بيض وعتود إلى خيف رضوى من مجر القنابل
ويوم الغميم قد تكفت ساعيا عبيس فجعناه بجلد حلاحل
أأن أجمرت في بيتها أم بعضكم بجعموسها تنزون إن لم نقاتل
كذبتم وبيت الله ما إن قتلتم ولكن تركنا أمركم في بلابل
قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم يشد في العقد ويزيد في المدة .
قال ابن إسحاق : ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة ، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما أصيب منهم ، ومظاهرة قريش بني بكر عليهم ، ثم انصرفوا راجعين ، حتى لقوا أبا سفيان بعسفان ، قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشد العقد ، ويزيد في المدة ، وقد رهبوا للذي صنعوا ، فلما لقي أبو سفيان بديلا قال : من أين أقبلت يا بديل ؟ وظن أنه قد [ ص: 514 ] أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي . قال : فعمد أبو سفيان إلى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففته ، فرأى فيه النوى ، فقال : أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا . ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فدخل على ابنته أم حبيبة ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته ، فقال : يا بنية ، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عني ؟ فقالت : هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنت مشرك نجس ، فلم أحب أن تجلس على فراشه . فقال : يا بنية ، والله لقد أصابك بعدي شر . ثم خرج فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه ، فلم يرد عليه شيئا ، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما أنا بفاعل . ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه ، فقال عمر : أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! فوالله لو لم أجد لكم إلا الذر لجاهدتكم به . ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب ، وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعندها حسن ، غلام يدب بين يديهما ، فقال : يا علي ، إنك أمس القوم بي رحما ، وأقربهم مني قرابة ، وقد جئت في حاجة ، فلا أرجعن كما جئت خائبا ، فاشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ويحك أبا سفيان ! والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه . فالتفت إلى فاطمة فقال : يا بنت محمد ، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس ، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ فقالت : والله ما بلغ بني ذلك أن يجير بين [ ص: 515 ] الناس ، وما يجير أحد على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي ، فانصحني ؟ قال : والله ما أعلم شيئا يغني عنك ، ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ، ثم الحق بأرضك . فقال : أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا ؟ قال : لا والله ما أظن ، ولكن لا أجد لك غير ذلك ، فقام أبو سفيان في المسجد ، فقال : أيها الناس إني قد أجرت بين الناس . ثم ركب بعيره فانطلق ، فلما أن قدم على قريش قالوا : ما وراءك ؟ قال : جئت محمدا فكلمته ، فوالله ما رد علي شيئا ، ثم جئت ابن أبي قحافة ، فوالله ما وجدت فيه خيرا ، ثم جئت عمر فوجدته أعدى العدو ، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم ، وقد أشار علي بأمر صنعته ، فوالله ما أدري هل يغني عنا شيئا أم لا ؟ قالوا : بماذا أمرك ؟ قال : أمرني أن أجير بين الناس ففعلت . قالوا : هل أجاز ذلك محمد ؟ قال : لا . قالوا : ويحك! ما زادك الرجل على أن لعب بك ، فما يغني عنا ما قلت . فقال : لا والله ما وجدت غير ذلك .
فائدة ذكرها السهيلي ، تكلم على قول فاطمة في هذا الحديث : وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم . على ما جاء في الحديث : ويجير على المسلمين أدناهم قال : وجه الجمع بينهما ، بأن المراد بالحديث من يجير واحدا أو نفرا يسيرا ، وقول فاطمة فيمن يجير عدوا من غزو الإمام [ ص: 516 ] إياهم ، فليس له ذلك . قال : كان سحنون وابن الماجشون يقولان : إن أمان المرأة موقوف على إجازة الإمام ، لقوله لأم هانئ : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ . قال : ويروى هذا عن عمرو بن العاص ، وخالد بن الوليد ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز أمان العبد . وفي قوله عليه الصلاة والسلام : ويجير عليهم أدناهم ما يقتضي دخول العبد والمرأة . والله أعلم .
وقد روى البيهقي من طريق حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قالت بنو كعب :
لاهم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
فانصر هداك الله نصرا أعتدا وادع عباد الله يأتوا مددا
وقال موسى بن عقبة في فتح مكة : ثم إن بني نفاثة من بني الدئل أغاروا على بني كعب ، وهم في المدة التي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش ، وكانت بنو كعب في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت بنو نفاثة في صلح قريش ، فأعانت بنو بكر بني نفاثة ، وأعانتهم قريش بالسلاح والرقيق ، واعتزلتهم بنو مدلج ، ووفوا بالعهد الذي كانوا عاهدوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي بني الدئل رجلان هما سيداهم ، سلم بن الأسود ، وكلثوم بن الأسود ، ويذكرون أن ممن أعانهم صفوان بن أمية ، وشيبة بن عثمان ، وسهيل بن عمرو ، فأغارت بنو الدئل على بني عمرو ، وعامتهم - زعموا - نساء وصبيان وضعفاء [ ص: 517 ] الرجال فألجئوهم وقتلوهم حتى أدخلوهم إلى دار بديل بن ورقاء بمكة ، فخرج ركب من بني كعب حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكروا له الذي أصابهم ، وما كان من قريش عليهم في ذلك ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ارجعوا فتفرقوا في البلدان " . وخرج أبو سفيان من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتخوف الذي كان فقال : يا محمد ، اشدد العقد ، وزدنا في المدة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ولذلك قدمت ؟ هل كان من حدث قبلكم ؟ " فقال : معاذ الله ، نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية ، لا نغير ولا نبدل . فخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى أبا بكر فقال : جدد العقد ، وزدنا في المدة . فقال أبو بكر : جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم . ثم خرج فأتى عمر بن الخطاب فكلمه ، فقال عمر بن الخطاب : ما كان من حلفنا جديدا فأخلقه الله ، وما كان منه متينا فقطعه الله ، وما كان منه مقطوعا فلا وصله الله ، فقال له أبو سفيان : جزيت من ذي رحم شرا . ثم دخل على عثمان فكلمه ، فقال عثمان : جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم اتبع أشراف قريش يكلمهم ، فكلهم يقول : عقدنا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما يئس مما عندهم ، دخل على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمها ، فقالت : إنما أنا امرأة ، وإنما ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال لها : فأمري أحد ابنيك . فقالت : إنهما صبيان ، وليس مثلهما يجير . قال : فكلمي عليا [ ص: 518 ] . فقالت : أنت فكلمه ، فكلم عليا ، فقال له : يا أبا سفيان ، إنه ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتات على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار ، وأنت سيد قريش وأكبرها وأمنعها ، فأجر بين عشيرتك . قال : صدقت ، وأنا كذلك . فخرج فصاح : ألا إني قد أجرت بين الناس ، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد . ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، إني قد أجرت بين الناس ، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد ولا يرد جواري . فقال : " أنت تقول يا أبا حنظلة ؟ ! " فخرج أبو سفيان على ذلك ، فزعموا - والله أعلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أدبر أبو سفيان : " اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم ، فلا يرونا إلا بغتة ، ولا يسمعوا بنا إلا فجأة " . وقدم أبو سفيان مكة ، فقالت له قريش : ما وراءك ؟ هل جئت بكتاب من محمد أو عهد ؟ قال : لا والله ، لقد أبى علي ، وقد تتبعت أصحابه ، فما رأيت قوما لملك عليهم أطوع منهم له ، غير أن علي بن أبي طالب قد قال لي : لم تلتمس جوار الناس على محمد ، ولا تجير أنت عليه وعلى قومك ، وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقها أن لا يخفر جواره ؟ فقمت بالجوار ، ثم دخلت على محمد ، فذكرت له أني قد أجرت بين الناس ، وقلت : ما أظن أن تخفرني . فقال : " أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة ؟ ! " فقالوا مجيبين له : رضيت بغير رضا ، وجئتنا بما لا يغني عنا ولا عنك شيئا ، وإنما لعب بك علي ، لعمر الله ما جوارك بجائز ، وإن إخفارك عليهم لهين . ثم دخل على امرأته فحدثها الحديث فقالت : قبحك الله من وافد قوم ، فما جئت بخير . قال : ورأى رسول الله [ ص: 519 ] صلى الله عليه وسلم سحابا فقال : " إن هذه السحاب لتبض بنصر بني كعب " فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يمكث بعدما خرج أبو سفيان ، ثم أخذ في الجهاز ، وأمر عائشة أن تجهزه وتخفي ذلك ، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد أو إلى بعض حاجاته ، فدخل أبو بكر على عائشة ، فوجد عندها حنطة تنسف وتنقى ، فقال لها : يا بنية ، لماذا تصنعين هذا الطعام ؟ فسكتت ، فقال : أيريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو ؟ فصمتت ، فقال : يريد بني الأصفر ؟ - وهم الروم - فصمتت قال : فلعله يريد أهل نجد ؟ فصمتت قال : فلعله يريد قريشا ؟ فصمتت قال : فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : يا رسول الله ، أتريد أن تخرج مخرجا ؟ قال : " نعم " . قال : فلعلك تريد بني الأصفر ؟ قال : " لا " . قال : أتريد أهل نجد ؟ قال : " لا " . قال : فلعلك تريد قريشا ؟ قال : " نعم " . قال أبو بكر : يا رسول الله أليس بينك وبينهم مدة ؟ قال : " ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب ؟ قال : وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بالغزو ، وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش ، وأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على الكتاب ، وذكر القصة كما سيأتي .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر ، عن عروة ، عن عائشة أن أبا بكر دخل على عائشة ، وهي تغربل حنطة ، فقال : ما هذا ؟ أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز ؟ قالت : نعم فتجهز ، قال : وإلى أين ؟ قالت : ما سمى لنا شيئا ، غير أنه قد أمرنا بالجهاز [ ص: 520 ] .
قال ابن إسحاق : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة ، وأمر بالجد والتهيؤ ، وقال : " اللهم خذ العيون والأخبار ، عن قريش ، حتى نبغتها في بلادها فتجهز الناس ، فقال حسان يحرض الناس ، ويذكر مصاب خزاعة :
عناني ولم أشهد ببطحاء مكة رجال بني كعب تحز رقابها
بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم وقتلى كثير لم تجن ثيابها
ألا ليت شعري هل تنالن نصرتي سهيل بن عمرو حرها وعقابها
وصفوان عود حز من شفر استه فهذا أوان الحرب شد عصابها
فلا تأمننا يا بن أم مجالد إذا احتلبت صرفا وأعصل نابها
ولا تجزعوا منها فإن سيوفنا لها وقعة بالموت يفتح بابها === فصل ميقات خروج النبي
قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس قال : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره ، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري ، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان ، فصام وصام الناس معه ، حتى إذا كان بالكديد ، بين عسفان وأمج أفطر ، ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين - وقال عروة بن الزبير : كان معه اثنا عشر ألفا . وكذا قال الزهري وموسى بن عقبة - فسبعت سليم ، وبعضهم يقول : ألفت سليم - وألفت مزينة ، وفي كل القبائل عدد وإسلام ، وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد . وروى البخاري ، عن محمود ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري نحوه .
وقد روى البيهقي من حديث عاصم بن علي ، عن الليث بن سعد ، عن عقيل ، عن الزهري ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، أن [ ص: 526 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة الفتح في رمضان . قال : وسمعت سعيد بن المسيب يقول مثل ذلك ، لا أدري أخرج في ليال من شعبان فاستقبل رمضان ، أو خرج في رمضان بعدما دخل ؟ غير أن عبيد الله بن عبد الله أخبرني أن ابن عباس قال : صام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الكديد - الماء الذي بين قديد وعسفان - أفطر ، فلم يزل يفطر حتى انصرم الشهر . ورواه البخاري ، عن عبد الله بن يوسف ، عن الليث ، غير أنه لم يذكر الترديد بين شعبان ورمضان .
وقال البخاري : ثنا علي بن عبد الله ، ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ، فصام حتى بلغ عسفان ، ثم دعا بإناء فشرب نهارا ليراه الناس ، فأفطر حتى قدم مكة . قال : وكان ابن عباس يقول : صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر ، وأفطر ، فمن شاء صام ، ومن شاء أفطر .
وقال يونس : عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفرة الفتح ، واستعمل على المدينة أبا رهم كلثوم بن الحصين الغفاري ، وخرج لعشر مضين من رمضان ، فصام وصام الناس معه ، حتى أتى الكديد - ماء بين عسفان وأمج - فأفطر ، ودخل مكة مفطرا ، فكان الناس يرون أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الفطر ، وأنه [ ص: 527 ] نسخ ما كان قبله .
قال البيهقي : فقوله : خرج لعشر من رمضان . مدرج في الحديث ، وكذلك ذكره عبد الله بن إدريس ، عن ابن إسحاق . ثم روى من طريق يعقوب بن سفيان ، عن حامد بن يحيى ، عن صدقة ، عن ابن إسحاق ، أنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر مضين من رمضان سنة ثمان .
ثم روى البيهقي من حديث أبي إسحاق الفزاري ، عن محمد بن أبي حفصة ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : كان الفتح لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان . قال البيهقي : وهذا الإدراج وهم . إنما هو من كلام الزهري .
ثم روى من طريق ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهري قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح - فتح مكة - فخرج من المدينة في رمضان ومعه من المسلمين عشرة آلاف ، وذلك على رأس ثماني سنين ونصف سنة من مقدمه المدينة ، وافتتح مكة لثلاث عشرة بقين من رمضان .
وروى البيهقي من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن [ ص: 528 ] عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان ومعه عشرة آلاف من المسلمين ، فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر ، فقال الزهري : وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث قال الزهري : فصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان . ثم عزاه إلى " الصحيحين " من طريق عبد الرزاق والله أعلم .
وروى البيهقي من طريق سعيد بن عبد العزيز التنوخي ، عن عطية بن قيس ، عن قزعة بن يحيى ، عن أبي سعيد الخدري قال : آذننا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان ، فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفطر ، فأصبح الناس شرجين ، منهم الصائم ومنهم المفطر ، حتى إذا بلغنا المنزل الذي نلقى العدو فيه ، أمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعون .
وقد رواه الإمام أحمد ، عن أبي المغيرة ، عن سعيد بن عبد العزيز ، حدثني عطية بن قيس ، عمن حدثه ، عن أبي سعيد الخدري قال : آذننا [ ص: 529 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان ، فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفطر ، فأصبح الناس منهم الصائم ومنهم المفطر ، حتى إذا بلغ أدنى منزل تلقاء العدو ، أمرنا بالفطر ، فأفطرنا أجمعون .
قلت : فعلى ما ذكره الزهري من أن الفتح كان يوم الثالث عشر من رمضان ، وما ذكره أبو سعيد من أنهم خرجوا من المدينة في ثاني شهر رمضان ، يقتضي أن مسيرهم كان بين مكة والمدينة في إحدى عشرة ليلة .
ولكن روى البيهقي ، عن أبي الحسين بن الفضل ، عن عبد الله بن جعفر ، عن يعقوب بن سفيان ، عن الحسن بن الربيع ، عن ابن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، ومحمد بن علي بن الحسين ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وعمرو بن شعيب ، وعبد الله بن أبي بكر وغيرهم قالوا : كان فتح مكة في عشر بقيت من شهر رمضان سنة ثمان .
قال أبو داود الطيالسي : ثنا وهيب ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح صائما حتى أتى كراع الغميم ، والناس معه مشاة وركبانا ، وذلك في شهر رمضان ، فقيل : يا رسول الله ، إن الناس قد اشتد عليهم الصوم ، وإنما ينظرون إليك [ ص: 530 ] كيف فعلت . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء فرفعه ، فشرب والناس ينظرون ، فصام بعض الناس وأفطر البعض ، حتى أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن بعضهم صائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أولئك العصاة . وقد رواه مسلم من حديث الثقفي والدراوردي ، عن جعفر بن محمد .
وروى الإمام أحمد من حديث محمد بن إسحاق ، حدثني بشير بن يسار ، عن ابن عباس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان ، فصام وصام المسلمون معه ، حتى إذا كان بالكديد دعا بماء في قعب وهو على راحلته ، فشرب والناس ينظرون ، يعلمهم أنه قد أفطر ، فأفطر المسلمون . تفرد به أحمد .
=========================== فصل نزول النبي بمر الظهران
ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مر الظهران ، نزل فيه فأقام ، كما روى البخاري عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، ومسلم عن أبي الطاهر ، عن ابن وهب كلاهما ، عن يونس ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن جابر قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران نجتني الكباث ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " عليكم بالأسود منه فإنه أطيب " . قالوا : يا رسول الله ، أكنت ترعى الغنم ؟ قال : " نعم ، وهل من نبي إلا وقد رعاها ؟ [ ص: 534 ] .
وقال البيهقي : عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن سنان بن إسماعيل ، عن أبي الوليد سعيد بن مينا قال : لما فرغ أهل مؤتة ورجعوا ، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسير إلى مكة ، فلما انتهى إلى مر الظهران نزل بالعقبة ، فأرسل الجناة يجتنون الكباث ، فقلت لسعيد : وما هو ؟ قال : ثمر الأراك . قال : فانطلق ابن مسعود فيمن يجتني . قال : فجعل أحدهم إذا أصاب حبة طيبة قذفها في فيه ، وكانوا ينظرون إلى دقة ساقي ابن مسعود وهو يرقى في الشجرة فيضحكون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعجبون من دقة ساقيه ؟ فوالذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد وكان ابن مسعود ما اجتنى من شيء ، جاء به وخياره فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال في ذلك :
هذا جناي وخياره فيه إذ كل جان يده إلى فيه
وفي " الصحيحين " عن أنس قال : أنفجنا أرنبا ونحن بمر الظهران ، فسعى القوم فلغبوا ، فأدركتها فأخذتها ، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها ، وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها أو فخذيها فقبله .
وقال ابن إسحاق : ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران ، وقد عميت [ ص: 535 ] الأخبار عن قريش ، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يدرون ما رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعل ، وخرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب ، وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء ، يتحسسون الأخبار ، وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به .
وذكر ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بين يديه عيونا خيلا يقتصون العيون ، وخزاعة لا تدع أحدا يمضي وراءها ، فلما جاء أبو سفيان وأصحابه أخذتهم خيل المسلمين ، وقام إليه عمر يجأ في عنقه ، حتى أجاره العباس بن عبد المطلب ، وكان صاحبا لأبي سفيان .
قال ابن إسحاق : وقال العباس حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران : قلت : واصباح قريش ، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه ، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر . قال : فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء ، فخرجت عليها حتى جئت الأراك ، فقلت : لعلي أجد بعض الحطابة ، أو صاحب لبن ، أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم عنوة . قال : فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له ، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان ، وأبو سفيان يقول : ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا [ ص: 536 ] عسكرا! قال : يقول بديل : هذه والله خزاعة حمشتها الحرب . قال : يقول أبو سفيان : خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها . قال : فعرفت صوته فقلت : يا أبا حنظلة . فعرف صوتي ، فقال : أبو الفضل ؟ قال : قلت : نعم . قال : ما لك ، فدى لك أبي وأمي ؟ قال : قلت : ويحك يا أبا سفيان ! هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ، واصباح قريش والله . قال : فما الحيلة ، فداك أبي وأمي ؟ قال : قلت : والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك . قال : فركب خلفي ورجع صاحباه - وقال عروة : بل ذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما ، وجعل يستخبرهما عن أهل مكة وقال الزهري وموسى بن عقبة : بل دخلوا مع العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال ابن إسحاق : قال : فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا : من هذا ؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا : عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم . حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال : من هذا ؟ وقام إلي ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال : أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد . وزعم عروة بن الزبير أن عمر وجأ في رقبة أبي سفيان ، وأراد قتله فمنعه منه العباس .
وهكذا ذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن عيون رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 537 ] أخذوهم بأزمة جمالهم ، فقالوا : من أنتم ؟ قالوا : وفد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلقيهم العباس ، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحادثهم عامة الليل ، ثم دعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، فشهدوا ، وأن محمدا رسول الله ، فشهد حكيم وبديل ، وقال أبو سفيان : ما أعلم ذلك . ثم أسلم بعد الصبح ، ثم سألوه أن يؤمن قريشا ، فقال : " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن - وكانت بأعلى مكة - ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن - وكانت بأسفل مكة - ومن أغلق بابه فهو آمن .
قال العباس : ثم خرج عمر يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة ، فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء قال : فاقتحمت عن البغلة ، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر ، فقال : يا رسول الله ، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد ، فدعني فلأضرب عنقه . قال : قلت : يا رسول إني قد أجرته . ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه ، فقلت : والله لا يناجيه الليلة دوني رجل . فلما أكثر عمر في شأنه . قال : قلت : مهلا يا عمر ، فوالله أن لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف . فقال : مهلا يا عباس ، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم ، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اذهب به يا عباس إلى [ ص: 538 ] رحلك فإذا أصبحت فأتني به " . قال : فذهبت به إلى رحلي ، فبات عندي ، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ؟ " فقال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد . قال : " ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ " قال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا . فقال له العباس : ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، قبل أن تضرب عنقك . قال : فشهد شهادة الحق فأسلم . قال العباس : فقلت : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر ، فاجعل له شيئا . قال : " نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن - زاد عروة : " ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن " . وهكذا قال موسى بن عقبة عن الزهري - ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن " . فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا عباس ، احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل ، حتى تمر به جنود الله فيراها .
وذكر موسى بن عقبة ، عن الزهري أن أبا سفيان وبديلا وحكيم بن حزام كانوا وقوفا مع العباس عند خطم الجبل ، وذكر أن سعدا لما قال لأبي سفيان : اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة . فشكى أبو سفيان إلى [ ص: 539 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزله عن راية الأنصار ، وأعطاها الزبير بن العوام ، فدخل بها من أعلى مكة وغرزها بالحجون ، ودخل خالد من أسفل مكة فلقيه بنو بكر وهذيل ، فقتل من بني بكر عشرين ومن هذيل ثلاثة أو أربعة ، وانهزموا فقتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد .
قال العباس : فخرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه . قال : ومرت القبائل على راياتها ، كلما مرت قبيلة قال : يا عباس ، من هؤلاء ؟ فأقول : سليم . فيقول : ما لي ولسليم . ثم تمر به القبيلة فيقول : يا عباس ، من هؤلاء ؟ فأقول : مزينة . فيقول : ما لي ولمزينة . حتى نفدت القبائل ، ما تمر به قبيلة إلا سألني عنها ، فإذا أخبرته قال : ما لي ولبني فلان . حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء وفيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ، فقال : سبحان الله! يا عباس ، من هؤلاء ؟ قال : قلت : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار . قال : ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة ، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما . قال : قلت : يا أبا سفيان ، [ ص: 540 ] إنها النبوة ، قال : فنعم إذن . قال : قلت : النجاء إلى قومك . حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن . فقامت إليه هند بنت عتبة ، فأخذت بشاربه فقالت : اقتلوا الحميت الدسم الأحمس ، قبح من طليعة قوم . فقال أبو سفيان : ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم ، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن . قالوا : قاتلك الله ، وما تغني عنا دارك ؟ قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن . فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد .
وذكر عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بأبي سفيان قال له : إني لأرى وجوها كثيرة لا أعرفها ، لقد كثرت هذه الوجوه علي . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنت فعلت هذا وقومك ، إن هؤلاء صدقوني إذ كذبتموني ، ونصروني إذ أخرجتموني " . ثم شكى إليه قول سعد بن عبادة حين مر عليه فقال : يا أبا سفيان ، اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كذب سعد ، بل هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ، ويوم تكسى فيه الكعبة .
وذكر عروة أن أبا سفيان لما أصبح صبيحة تلك الليلة التي كان عند [ ص: 541 ] العباس ، ورأى الناس يحشحشون للصلاة ، وينتشرون في استعمال الطهارة خاف وقال للعباس : ما بالهم ؟ قال : إنهم سمعوا النداء ، فهم ينتشرون للصلاة . فلما حضرت الصلاة ورآهم يركعون بركوعه ، ويسجدون بسجوده قال : يا عباس ، ما يأمرهم بشيء إلا فعلوه! قال : نعم ، والله لو أمرهم بترك الطعام والشراب لأطاعوه .
وذكر موسى بن عقبة ، عن الزهري ، أنه لما توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلوا يتكففون ، فقال : يا عباس ، ما رأيت كالليلة ولا ملك كسرى وقيصر .
وقد روى الحافظ البيهقي ، عن الحاكم وغيره ، عن الأصم ، عن أحمد بن الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، حدثني الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، فذكر هذه القصة بتمامها كما أوردها زياد البكائي ، عن ابن إسحاق منقطعة . فالله أعلم . على أنه قد روى البيهقي من طريق أبي بلال الأشعري ، عن زياد البكائي ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله ، عن ابن عباس [ ص: 542 ] قال : جاء العباس بأبي سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال . فذكر القصة ، إلا أنه ذكر أنه أسلم من ليلته قبل أن يصبح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " . قال أبو سفيان : وما تسع داري ؟ فقال : " ومن دخل الكعبة فهو آمن " . قال : وما تسع الكعبة ؟ فقال : " ومن دخل المسجد فهو آمن " . قال : وما يسع المسجد ؟ فقال : " ومن أغلق عليه بابه فهو آمن " . فقال أبو سفيان : هذه واسعة .
وقال البخاري : حدثنا عبيد بن إسماعيل ، ثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه قال : لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فبلغ ذلك قريشا ، خرج أبو سفيان بن حرب ، وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء ، يلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران ، فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة ، فقال أبو سفيان : ما هذه ؟ كأنها نيران عرفة ! فقال بديل بن ورقاء : نيران بني عمرو . فقال أبو سفيان : عمرو أقل من ذلك . فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوهم فأخذوهم ، فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأسلم أبو سفيان ، فلما سار ، قال للعباس : " احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين " . فحبسه العباس ، فجعلت القبائل تمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان ، فمرت كتيبة فقال : يا عباس من هذه ؟ قال : هذه غفار . قال : ما لي ولغفار . ثم مرت جهينة فقال [ ص: 543 ] مثل ذلك ، ثم مرت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك ، ومرت سليم فقال مثل ذلك ، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها فقال : من هذه ؟ قال : هؤلاء الأنصار ، عليهم سعد بن عبادة معه الراية . فقال سعد بن عبادة : يا أبا سفيان ، اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الكعبة . فقال أبو سفيان : يا عباس ، حبذا يوم الذمار . ثم جاءت كتيبة ، وهي أقل الكتائب ، فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وراية رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الزبير بن العوام ، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان قال : ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة ؟ فقال : " ما قال ؟ " قال : كذا وكذا . فقال : " كذب سعد ، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ، ويوم تكسى فيه الكعبة " وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز رايته بالحجون قال عروة : وأخبرني نافع بن جبير بن مطعم ، قال : سمعت العباس يقول للزبير بن العوام : هاهنا أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز الراية ؟ قال : نعم . قال : وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء ، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من كدى فقتل من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان ، حبيش بن الأشعر ، وكرز بن جابر الفهري [ ص: 544 ] .
وقال أبو داود : ثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا يحيى بن آدم ، ثنا ابن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب ، فأسلم بمر الظهران ، فقال له العباس : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر ، فلو جعلت له شيئا ؟ قال : " نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق بابه ==========)=)====فصل ما قيل من الشعر يوم الفتح
قال ابن إسحاق : وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف ، من بني سليم سبعمائة ، ويقول بعضهم : ألف . ومن بني غفار أربعمائة ، ومن أسلم أربعمائة ، ومن مزينة ألف وثلاثة نفر ، وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من تميم وقيس وأسد . وقال عروة والزهري وموسى بن عقبة : كان المسلمون يوم الفتح الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفا . فالله أعلم .
قال ابن إسحاق : وكان مما قيل من الشعر في يوم الفتح قول حسان بن ثابت
عفت ذات الأصابع فالجواء إلى عذراء منزلها خلاء [ ص: 591 ] ديار من بني الحسحاس قفر
تعفيها الروامس والسماء وكانت لا يزال بها أنيس
خلال مروجها نعم وشاء فدع هذا ولكن من لطيف
يؤرقني إذا ذهب العشاء لشعثاء التي قد تيمته
فليس لقلبه منها شفاء كأن خبيئة من بيت رأس
يكون مزاجها عسل وماء إذا ما الأشربات ذكرن يوما
فهن لطيب الراح الفداء نوليها الملامة إن ألمنا
إذا ما كان مغث أو لحاء ونشربها فتتركنا ملوكا
وأسدا ما ينهنهنا اللقاء [ ص: 92 ] عدمنا خيلنا إن لم تروها
تثير النقع موعدها كداء ينازعن الأعنة مصغيات
على أكتافها الأسل الظماء تظل جيادنا متمطرات
يلطمهن بالخمر النساء فإما تعرضوا عنا اعتمرنا
وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لجلاد يوم
يعز الله فيه من يشاء وجبريل رسول الله فينا
وروح القدس ليس له كفاء وقال الله قد أرسلت عبدا
يقول الحق إن نفع البلاء شهدت به فقوموا صدقوه
فقلتم لا نقوم ولا نشاء وقال الله قد سيرت جندا
هم الأنصار عرضتها اللقاء لنا في كل يوم من معد
سباب أو قتال أو هجاء فنحكم بالقوافي من هجانا
ونضرب حين تختلط الدماء ألا أبلغ أبا سفيان عني
مغلغلة . فقد برح الخفاء بأن سيوفنا تركتك عبدا
وعبد الدار سادتها الإماء هجوت محمدا فأجبت عنه
وعند الله في ذاك الجزاء [ ص: 593 ] أتهجوه ولست له بكفء
فشركما لخيركما الفداء هجوت مباركا برا حنيفا
أمين الله شيمته الوفاء أمن يهجو رسول الله منكم
ويمدحه وينصره سواء فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمد منكم وقاء لساني صارم لا عيب فيه
وبحري لا تكدره الدلاء
قال ابن هشام : قالها حسان قبل الفتح .
قلت : والذي قاله متوجه ، لما في أثناء هذه القصيدة مما يدل على ذلك ، وأبو سفيان المذكور في البيت هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب .
قال ابن هشام : وبلغني عن الزهري أنه قال : لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء يلطمن الخيل بالخمر ، تبسم إلى أبي بكر ، رضي الله عنه .
قال ابن إسحاق : وقال أنس بن زنيم الدئلي ، يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعي - يعني لما جاء يستنصر عليهم ، كما تقدم - :
أأنت الذي تهدى معد بأمره بل الله يهديهم وقال لك اشهد
وما حملت من ناقة فوق رحلها أبر وأوفى ذمة من محمد [ ص: 594 ]
أحث على خير وأسبغ نائلا إذا راح كالسيف الصقيل المهند
وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله وأعطى لرأس السابق المتجرد
تعلم رسول الله أنك مدركي وأن وعيدا منك كالأخذ باليد
تعلم رسول الله أنك قادر على كل صرم متهمين ومنجد
تعلم بأن الركب ركب عويمر هم الكاذبون المخلفو كل موعد
ونبوا رسول الله أني هجوته فلا حملت سوطي إلي إذن يدي
سوى أنني قد قلت ويل ام فتية أصيبوا بنحس لا بطلق وأسعد
أصابهم من لم يكن لدمائهم كفاء فعزت عبرتي وتبلدي
وإنك قد أخفرت إن كنت ساعيا بعبد بن عبد الله وابنة مهود [ ص: 595 ]
ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا جميعا فإن لا تدمع العين أكمد
وسلمى وسلمى ليس حي كمثله وإخوته وهل ملوك كأعبد
فإني لا دينا فتقت ولا دما هرقت تبين عالم الحق واقصد
قال ابن إسحاق : وقال بجير بن زهير بن أبي سلمى في يوم الفتح :
نفى أهل الحبلق كل فج مزينة غدوة وبنو خفاف
ضربناهم بمكة يوم فتح الن بي الخير بالبيض الخفاف
صبحناهم بسبع من سليم وألف من بني عثمان واف
نطأ أكتافهم ضربا وطعنا ورشقا بالمريشة اللطاف
ترى بين الصفوف لها حفيفا كما انصاع الفواق من الرصاف
فرحنا والجياد تجول فيهم بأرماح مقومة الثقاف
فأبنا غانمين بما اشتهينا وآبوا نادمين على الخلاف [ ص: 596 ]
وأعطينا رسول الله منا مواثقنا على حسن التصافي
وقد سمعوا مقالتنا فهموا غداة الروع منا بانصراف
وقال ابن هشام : وقال عباس بن مرداس السلمي في فتح مكة :
منا بمكة يوم فتح محمد ألف تسيل به البطاح مسوم
نصروا الرسول وشاهدوا آياته وشعارهم يوم اللقاء مقدم
في منزل ثبتت به أقدامهم ضنك كأن الهام فيه الحنتم
جرت سنابكها بنجد قبلها حتى استقام لها الحجاز الأدهم
الله مكنه له وأذله حكم السيوف لنا وجد مزحم
عود الرياسة شامخ عرنينه متطلع ثغر المكارم خضرم
وذكر ابن هشام في سبب إسلام عباس بن مرداس ، أن أباه كان يعبد صنما من حجارة يقال له : ضمار . فلما حضرته الوفاة أوصاه به ، فبينما هو [ ص: 597 ] يوما يخدمه إذ سمع صوتا من جوفه وهو يقول :
قل للقبائل من سليم كلها أودى ضمار وعاش أهل المسجد
إن الذي ورث النبوة والهدى بعد ابن مريم من قريش مهتدي
أودى ضمار وكان يعبد مرة قبل الكتاب إلى النبي محمد
قال : فحرق عباس ضمارا ، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم . وقد تقدمت هذه القصة بكمالها في باب هواتف الجان ، مع أمثالها وأشكالها ، ولله الحمد والمنة ===============بعث خالد بن الوليد لهدم العزى
قال ابن جرير : وكان هدمها لخمس بقين من رمضان عامئذ .
قال ابن إسحاق : ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى ، وكانت بيتا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر ، وكان سدنتها وحجابها من بني شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم ، فلما سمع حاجبها السلمي بمسير خالد بن الوليد إليها علق سيفه عليها ، ثم اشتد في الجبل الذي هي فيه وهو يقول :
أيا عز شدي شدة لا شوى لها على خالد ألقي القناع وشمري أيا عز إن لم تقتلي المرء خالدا
فبوئي بإثم عاجل أو تنصري
قال : فلما انتهى خالد إليها هدمها ، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد روى الواقدي وغيره أنه لما قدمها خالد لخمس بقين من رمضان فهدمها ، ورجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما رأيت ؟ قال : لم أر [ ص: 608 ] شيئا . فأمره بالرجوع ، فلما رجع خرجت إليه من ذلك البيت امرأة سوداء ناشرة شعرها تولول ، فعلاها بالسيف وجعل يقول :
يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك
ثم خرب ذلك البيت الذي كانت فيه ، وأخذ ما كان فيه من الأموال ، رضي الله عنه وأرضاه ، ثم رجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : تلك العزى ولا تعبد أبدا .
وقال البيهقي : أنبأنا محمد بن أبي بكر الفقيه ، أنبأنا محمد بن أبي جعفر ، أنبأنا أحمد بن علي ، ثنا أبو كريب ، عن ابن فضيل ، عن الوليد بن جميع ، عن أبي الطفيل قال : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة ، وكانت بها العزى ، فأتاها ، وكانت على ثلاث سمرات ، فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : ارجع فإنك لم تصنع شيئا فرجع خالد ، فلما نظرت إليه السدنة وهم حجابها ، أمعنوا هربا في الجبل وهم يقولون : يا عزى خبليه ، يا عزى عوريه ، وإلا فموتي برغم . قال : فأتاها خالد ، فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها ، تحثو التراب على رأسها ووجهها ، فعممها بالسيف حتى قتلها ، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : تلك العزى .============= ] فصل فيما حكم به صلى الله عليه وسلم بمكة من الأحكام
قال البخاري : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ح ) وقال الليث : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة قالت : كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد أن يقبض ابن وليدة زمعة ، وقال عتبة : إنه ابني . فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في الفتح ، أخذ سعد بن أبي وقاص ابن وليدة زمعة ، فأقبل به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل معه عبد بن زمعة ، فقال سعد بن أبي وقاص : هذا ابن أخي عهد إلي أنه ابنه . قال عبد بن زمعة : يا رسول الله ، هذا أخي ، هذا ابن زمعة ولد على فراشه . فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن وليدة زمعة ، فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هو لك ، هو أخوك يا عبد بن زمعة ، من أجل أنه ولد على فراشه " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " احتجبي منه يا سودة لما رأى من شبه عتبة بن أبي وقاص . قال ابن شهاب : قالت عائشة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 614 ] الولد للفراش وللعاهر الحجر قال ابن شهاب : وكان أبو هريرة يصرح بذلك . وقد رواه البخاري أيضا ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، جميعا عن قتيبة ، عن الليث به . وابن ماجه من حديثه ، وانفرد البخاري بروايته له من حديث مالك ، عن الزهري .
ثم قال البخاري : ثنا محمد بن مقاتل ، أنبأنا عبد الله ، أنا يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني عروة بن الزبير ، أن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه . قال عروة : فلما كلمه أسامة فيها ، تلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " أتكلمني في حد من حدود الله ؟ " فقال أسامة : استغفر لي يا رسول الله . فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : " أما بعد ، فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق [ ص: 614 ] فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " . ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها ، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت ، قالت عائشة : كانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد رواه البخاري في موضع آخر ، ومسلم من حديث ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة به .
وفي " صحيح مسلم " من حديث سبرة بن معبد الجهني قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة عام الفتح حين دخل مكة ، ثم لم يخرج حتى نهانا عنها وفي رواية فقال : ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة وفي رواية في " مسند أحمد " و " السنن " أن ذلك كان في حجة الوداع . فالله أعلم .
وفي " صحيح مسلم " عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يونس بن محمد ، عن عبد الواحد بن زياد ، عن أبي العميس ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ، [ ص: 615 ] عن أبيه أنه قال : رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في متعة النساء ثلاثا ، ثم نهانا عنها .
قال البيهقي : وعام أوطاس هو عام الفتح ، فهو وحديث سبرة سواء .
قلت : من أثبت النهي عنها في غزوة خيبر قال : إنها أبيحت مرتين وحرمت مرتين ، وقد نص على ذلك الشافعي وغيره . وقد قيل : إنها أبيحت وحرمت أكثر من مرتين . فالله أعلم . وقيل : إنها إنما حرمت مرة واحدة ، وهي هذه المرة في غزوة الفتح . وقيل : إنها إنما أبيحت للضرورة . فعلى هذا إذا وجدت ضرورة أبيحت ، وهذا رواية عن الإمام أحمد ، وقيل : بل لم تحرم مطلقا ، وهي على الإباحة . هذا هو المشهور عن ابن عباس وأصحابه وطائفة من الصحابة ، وموضع تحرير ذلك في " الأحكام "
الأربعاء، 2 ديسمبر 2015
فصل إخبار النبي صلى الله عليه وسلم باستشهاد جعفر وصاحبيه==حديث فيه فضيلة عظيمة لأمراء هذه السرية
===فصل في فضل هؤلاء الأمراء الثلاثة زيد وجعفر وعبد الله ، رضي الله عنهم=حديث فيه فضيلة عظيمة لأمراء هذه السرية
=======
قال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر ، عن أم عيسى الخزاعية ، عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب ، عن جدتها أسماء بنت عميس قالت : لما أصيب جعفر وأصحابه ، دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد دبغت أربعين منا ، وعجنت عجيني ، وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم ، قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ائتني ببني جعفر " . فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه ، فقلت : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، ما يبكيك ، أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء ؟ قال : " نعم ، أصيبوا هذا اليوم " قالت : فقمت أصيح ، واجتمع إلي النساء ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال : " لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما ، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم وهكذا رواه الإمام أحمد من حديث ابن إسحاق ، ورواه ابن ماجه من طريق محمد بن إسحاق ، ، وعن عبد الله بن أبي بكر ، عن أم عيسى ، عن أم عون بنت محمد بن جعفر ، عن أسماء ، فذكر الأمر بعمل الطعام . والصواب أنها أم [ ص: 440 ] جعفر وأم عون
وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، ثنا جعفر بن خالد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر قال : لما جاء نعي جعفر حين قتل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " اصنعوا لآل جعفر طعاما ، فقد أتاهم أمر يشغلهم أو : أتاهم ما يشغلهم وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة عن جعفر بن خالد بن سارة المخزومي المكي ، عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر ، وقال الترمذي : حسن .
ثم قال محمد بن إسحاق : حدثني عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : لما أتى نعي جعفر ، عرفنا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن . قالت : فدخل عليه رجل ، فقال : يا رسول الله ، إن النساء عنيننا وفتننا . قال : " ارجع إليهن فأسكتهن " قالت : فذهب ثم رجع ، فقال له مثل ذلك . قالت : وربما ضر التكلف . يعني أهله . قلت : قال : " فاذهب فأسكتهن ، فإن أبين فاحث في أفواههن التراب " . قالت : وقلت [ ص: 441 ] في نفسي : أبعدك الله ، فوالله ما تركت نفسك ، وما أنت بمطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : وعرفت أنه لا يقدر على أن يحثي في أفواههن التراب انفرد به ابن إسحاق من هذا الوجه ، وليس في شيء من الكتب .
وقال البخاري : ثنا قتيبة ، ثنا عبد الوهاب ، سمعت يحيى بن سعيد قال : أخبرتني عمرة قالت : سمعت عائشة تقول : لما قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة ، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الحزن . قالت عائشة : وأنا أطلع من صائر الباب - شق - فأتاه رجل فقال : أي رسول الله ، إن نساء جعفر . وذكر بكاءهن ، فأمره أن ينهاهن . قالت : فذهب الرجل ، ثم أتى فقال : والله لقد غلبننا . فزعمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فاحث في أفواههن من التراب " قالت عائشة ، رضي الله عنها : فقلت : أرغم الله أنفك ، فوالله ما أنت تفعل ، وما تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم من العناء وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن عمرة ، عنها [ ص: 442 ] .
وقال الإمام أحمد : حدثنا وهب بن جرير ، ثنا أبي ، سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد ، عن عبد الله بن جعفر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا ، استعمل عليهم زيد بن حارثة ، وقال : " إن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر ، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة " . فلقوا العدو ، فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل ، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل ، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه ، وأتى خبرهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الناس ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : إن إخوانكم لقوا العدو ، وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد ، ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد ، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد ، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ، خالد بن الوليد ، ففتح الله عليه " . قال : ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ، ثم أتاهم فقال : " لا تبكوا على أخي بعد اليوم ، ادعوا لي ابني أخي " . قال : فجيء بنا كأننا أفرخ ، فقال : " ادعوا لي الحلاق " فجيء بالحلاق ، فحلق رءوسنا ، ثم قال : " أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب ، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي " ثم أخذ بيدي فأشالها وقال : " اللهم اخلف جعفرا في أهله ، بارك لعبد الله في صفقة يمينه " . قالها [ ص: 443 ] ثلاث مرات . قال : فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا ، وجعلت تفرح له ، فقال : " العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة ورواه أبو داود ببعضه ، والنسائي في السير بتمامه من حديث وهب بن جرير ، به وهذا يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام ، ثم نهاهم عنه بعدها .
ولعله معنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد ، من حديث الحكم ، عن عبد الله بن شداد ، عن أسماء ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها لما أصيب جعفر : " تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت تفرد به أحمد . فيحتمل أنه أذن لها في التسلب ، وهو المبالغة في البكاء وشق الثياب ، ويكون هذا من باب التخصيص لها بهذا ، لشدة حزنها على جعفر أبي أولادها ، وقد يحتمل أن يكون أمرا لها بالتسلب ، وهو المبالغة في الإحداد ثلاثة أيام ، ثم تصنع بعد ذلك ما شاءت ، مما يفعله المعتدات على أزواجهن ، من الإحداد المعتاد . والله أعلم . ويروى [ ص: 444 ] : " تسلي ثلاثا " . أي تصبري ثلاثا ، وهذا بخلاف الرواية الأخرى . والله أعلم .
فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، ثنا محمد بن طلحة ، ثنا الحكم بن عتيبة ، عن عبد الله بن شداد ، عن أسماء بنت عميس قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر فقال : " لا تحدي بعد يومك هذا فإنه من أفراد أحمد أيضا ، وإسناده لا بأس به ، ولكنه مشكل إن حمل على ظاهره ، لأنه قد ثبت في " الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميتها أكثر من ثلاثة أيام ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا فإن كان ما رواه الإمام أحمد محفوظا ، فتكون مخصوصة بذلك ، أو هو أمر بالمبالغة في الإحداد هذه الثلاثة أيام كما تقدم . والله أعلم .
قلت : ورثت أسماء بنت عميس زوجها بقصيدة تقول فيها :
فآليت لا تنفك نفسي حزينة عليك ولا ينفك جلدي أغبرا فلله عينا من رأى مثله فتى
أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
ثم لم تنشب أن انقضت عدتها ، فخطبها أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، فتزوجها ، فأولم ، وجاء الناس للوليمة ، فكان فيهم علي بن أبي طالب [ ص: 445 ] ، فلما ذهب الناس استأذن علي أبا بكر ، رضي الله عنهما ، في أن يكلم أسماء من وراء الستر ، فأذن له ، فلما اقترب من الستر نفحه ريح طيبها ، فقال لها علي ، على وجه البسط : من القائلة في شعرها :
فآليت لا تنفك نفسي حزينة عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
قالت : دعنا منك يا أبا الحسن ، فإنك امرؤ فيك دعابة . فولدت للصديق محمد بن أبي بكر ، ولدته بالشجرة بين مكة والمدينة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ذاهب إلى حجة الوداع ، فأمرها أن تغتسل وتهل ، وسيأتي في موضعه ، ثم لما توفي الصديق ، تزوجها بعده علي بن أبي طالب ، وولدت له أولادا ، رضي الله عنه وعنها وعنهم أجمعين .=============================
أما زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة الكلبي القضاعي ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن أمه ذهبت تزور أهلها ، فأغارت عليهم خيل بلقين فأخذوه ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد . وقيل : اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ، فوهبته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة ، فوجده أبوه ، فاختار المقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعتقه وتبناه ، فكان يقال له : زيد بن محمد . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبا شديدا ، وكان أول من أسلم من الموالي ، ونزل فيه آيات من القرآن ، منها قوله تعالى : وما جعل أدعياءكم أبناءكم ( الأحزاب : 4 ) وقوله تعالى : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ( الأحزاب : 5 ) وقوله تعالى : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ( الأحزاب : 40 ) وقوله : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها [ ص: 449 ] الآية ( الأحزاب : 37 ) . أجمعوا أن هذه الآيات أنزلت فيه ، ومعنى أنعم الله عليه أي بالإسلام ، وأنعمت عليه أي بالعتق ، وقد تكلمنا عليها في " التفسير " .
والمقصود أن الله تعالى لم يسم أحدا من الصحابة في القرآن غيره ، وهداه إلى الإسلام ، وأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزوجه مولاته أم أيمن ، واسمها بركة ، فولدت له أسامة بن زيد ، فكان يقال له : الحب بن الحب ، ثم زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش ، وآخى بينه وبين عمه حمزة بن عبد المطلب ، وقدمه في الإمرة على ابن عمه جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة ، كما ذكرناه .
وقد قال الإمام أحمد ، والإمام الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة - وهذا لفظه - : ثنا محمد بن عبيد ، عن وائل بن داود ، سمعت البهي يحدث أن عائشة كانت تقول : ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم ، ولو بقي بعده لاستخلفه . ورواه النسائي ، عن أحمد بن سليمان ، عن محمد بن عبيد الطنافسي ، به . وهذا إسناد جيد قوي على شرط الصحيح ، وهو غريب جدا . والله أعلم [ ص: 450 ] .
وقال الإمام أحمد : ثنا سليمان ، ثنا إسماعيل ، أخبرني ابن دينار ، عن ابن عمر ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا ، وأمر عليهم أسامة بن زيد ، فطعن بعض الناس في إمرته ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل ، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إلي ، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده .
وأخرجاه في " الصحيحين " عن قتيبة ، عن إسماعيل - هو ابن جعفر بن أبي كثير المدني - عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر فذكره . ورواه البخاري من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه . ورواه البزار من حديث عاصم بن عمر ، عن عبيد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، ثم استغربه من هذا الوجه .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : ثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد ، حدثني أبي ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : لما أصيب زيد بن حارثة ، جيء بأسامة بن زيد ، فأوقف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخر ، ثم عاد من الغد فوقف بين يديه فقال : " ألاقي منك اليوم ما لقيت منك أمس وهذا الحديث فيه غرابة . والله أعلم [ ص: 451 ] .
وقد تقدم في " الصحيحين " أنه لما ذكر مصابهم وهو ، عليه الصلاة والسلام ، فوق المنبر ، جعل يقول : " أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب ، ثم أخذها سيف من سيوف الله ففتح الله عليهم " . قال : وإن عينيه لتذرفان . وقال : " وما يسرهم أنهم عندنا وفي الحديث الآخر أنه شهد لهم بالشهادة ، فهم ممن يقطع لهم بالجنة .
وقد قال حسان بن ثابت يرثي زيد بن حارثة وابن رواحة :
عين جودي بدمعك المنزور واذكري في الرخاء أهل القبور واذكري مؤتة وما كان فيها
يوم راحوا في وقعة التغوير حين راحوا وغادروا ثم زيدا
نعم مأوى الضريك والمأسور حب خير الأنام طرا جميعا
سيد الناس حبه في الصدور ذاكم أحمد الذي لا سواه
ذاك حزني له معا وسروري [ ص: 452 ] إن زيدا قد كان منا بأمر
ليس أمر المكذب المغرور ثم جودي للخزرجي بدمع
سيدا كان ثم غير نزور قد أتانا من قتلهم ما كفانا
فبحزن نبيت غير سرور
وأما جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أكبر من أخيه علي بعشر سنين ، وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين ، وكان طالب أسن من عقيل بعشر سنين ، أسلم جعفر قديما ، وهاجر إلى الحبشة ، وكانت له هنالك مواقف مشهورة ، ومقامات محمودة ، وأجوبة سديدة ، وأحوال رشيدة ، وقد قدمنا ذلك في هجرة الحبشة ، ولله الحمد . وقد قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر فقال عليه الصلاة والسلام : ما أدري بأيهما أنا أسر ، أبقدوم جعفر ، أم بفتح خيبر ؟ وقام إليه واعتنقه وقبل بين عينيه ، وقال له يوم خرجوا من عمرة القضية : أشبهت خلقي وخلقي فيقال : إنه حجل عند ذلك فرحا . كما تقدم ذلك في موضعه . ولله الحمد والمنة . ولما بعثه إلى مؤتة جعله في الإمرة مصليا - أي ثانيا - لزيد بن حارثة ، ولما قتل وجدوا فيه بضعا وتسعين ما بين ضربة بسيف ، وطعنة برمح ، ورمية بسهم ، وهو في ذلك كله مقبل غير مدبر ، وكانت قد [ ص: 453 ] قطعت يده اليمنى ثم اليسرى وهو ممسك اللواء ، فلما فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك . فيقال : إن رجلا من الروم ضربه بسيف فقطعه باثنتين . رضي الله عن جعفر ولعن قاتله ، وقد أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه شهيد ، فهو ممن يقطع له بالجنة . وجاء في الأحاديث تسميته بذي الجناحين .
وروى البخاري ، عن ابن عمر أنه كان إذا سلم على ابنه عبد الله بن جعفر يقول : السلام عليك يا ابن ذي الجناحين . وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب نفسه ، والصحيح ما في " الصحيح " عن ابن عمر . قالوا : لأن الله تعالى عوضه عن يديه بجناحين في الجنة . وقد تقدم بعض ما روي في ذلك .
قال الحافظ أبو عيسى الترمذي : حدثنا علي بن حجر ، ثنا عبد الله بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة وتقدم في حديث أنه ، رضي الله عنه قتل وعمره ثلاث وثلاثون سنة . وقال ابن الأثير في " الغابة " : كان عمره يوم قتل إحدى وأربعين سنة . قال : وقيل غير ذلك .
قلت : وعلى ما قيل : إنه كان أسن من علي بعشر سنين يقتضي أن [ ص: 454 ] عمره يوم قتل تسع وثلاثون سنة ، لأن عليا أسلم وهو ابن ثمان سنين على المشهور ، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة ، وهاجر وعمره إحدى وعشرين سنة ، ويوم مؤتة كان في سنة ثمان من الهجرة . والله أعلم . وقد كان يقال لجعفر بعد قتله : الطيار . لما ذكرنا ، وكان كريما جوادا ممدحا ، وكان لكرمه يقال له في حياته : أبو المساكين لإحسانه إليهم .
قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا وهيب ، ثنا خالد ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة قال : ما احتذى النعال ولا انتعل ، ولا ركب المطايا ، ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب . وهذا إسناد جيد إلى أبي هريرة ، وكأنه إنما يفضله في الكرم ، فأما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه ، وأما أخوه علي ، رضي الله عنهما ، فالظاهر أنهما متكافئان ، أو علي أفضل منه .
وإنما أراد أبو هريرة تفضيله في الكرم ، بدليل ما رواه البخاري ، ثنا أحمد بن أبي بكر ، ثنا محمد بن إبراهيم بن دينار أبو عبد الله الجهني ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة أن الناس كانوا يقولون : أكثر أبو هريرة وإني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني حين لا آكل الخمير ، ولا ألبس الحرير ، ولا يخدمني فلان وفلانة ، وكنت ألصق بطني بالحصباء من [ ص: 455 ] الجوع ، وإني كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي ، كي ينقلب بي فيطعمني ، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب ، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته ، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها . تفرد به البخاري .
وقال حسان بن ثابت يرثي جعفرا :
ولقد بكيت وعز مهلك جعفر حب النبي على البرية كلها
ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي من للجلاد لدى العقاب وظلها
بالبيض حين تسل من أغمادها ضربا وإنهال الرماح وعلها
بعد ابن فاطمة المبارك جعفر خير البرية كلها وأجلها
رزءا وأكرمها جميعا محتدا وأعزها متظلما وأذلها
للحق حين ينوب غير تنحل كذبا وأنداها يدا وأقلها
فحشا وأكثرها إذا ما يجتدى فضلا وأبذلها ندى وأبلها [ ص: 456 ]
بالعرف غير محمد لا مثله حي من احياء البرية كلها
وأما ابن رواحة ، فهو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج أبو محمد - ويقال : أبو رواحة . ويقال : أبو عمرو - الأنصاري الخزرجي ، وهو خال النعمان بن بشير ، أخته عمرة بنت رواحة ، أسلم قديما وشهد العقبة ، وكان أحد النقباء ليلتئذ لبني الحارث بن الخزرج ، وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر ، وكان يبعثه صلى الله عليه وسلم على خرصها كما قدمنا ، وشهد عمرة القضاء ، ودخل يومئذ وهو ممسك بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقيل : بغرزها . يعني الركاب - وهو يقول :
خلوا بني الكفار عن سبيله
الأبيات ، كما تقدم . وكان أحد الأمراء الشهداء يوم مؤتة كما تقدم ، وقد شجع المسلمين للقاء الروم حين اشتوروا في ذلك ، وشجع نفسه أيضا حتى نزل بعدما قتل صاحباه ، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهادة ، فهو ممن يقطع له بدخول الجنة . ويروى أنه لما أنشد النبي صلى الله عليه وسلم شعره ، حين ودعه ، الذي يقول فيه :
فثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنت فثبتك الله قال هشام بن عروة : فثبته الله حتى قتل شهيدا ودخل الجنة [ ص: 457 ] .
وروى حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، أن عبد الله بن رواحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسمعه يقول : " اجلسوا " . فجلس مكانه خارجا من المسجد ، حتى فرغ النبي من خطبته ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " زادك الله حرصا على طواعية الله وطواعية رسوله .
وقال البخاري في " صحيحه " : وقال معاذ : اجلس بنا نؤمن ساعة .
وقد ورد الحديث المرفوع في ذلك ، عن عبد الله بن رواحة بنحو ذلك ، فقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، عن عمارة ، عن زياد النميري ، عن أنس قال : كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول : تعال نؤمن بربنا ساعة . فقال ذات يوم لرجل ، فغضب الرجل فجاء فقال : يا رسول الله ، ألا ترى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يرحم الله ابن رواحة ، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة وهذا حديث غريب جدا .
وقال البيهقي : ثنا الحاكم ، ثنا أبو بكر ، ثنا محمد بن أيوب ، ثنا أحمد [ ص: 458 ] بن يونس ، ثنا شيخ من أهل المدينة ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن رواحة قال لصاحب له : تعال حتى نؤمن ساعة . قال : أولسنا بمؤمنين ؟ قال : بلى ، ولكنا نذكر الله فنزداد إيمانا .
وقد روى الحافظ أبو القاسم اللالكائي ، من حديث أبي اليمان ، عن صفوان بن سليم ، عن شريح بن عبيد ، أن عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول : قم بنا نؤمن ساعة فنجلس في مجلس ذكر . وهذا مرسل من هذين الوجهين ، وقد استقصينا الكلام على ذلك في أول " شرح البخاري " . ولله الحمد والمنة .
وفي " صحيح البخاري " عن أبي الدرداء قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في حر شديد ، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة رضي الله عنه وقد كان من شعراء الصحابة المشهورين ، ومما نقله البخاري من شعره قوله في رسول الله صلى الله عليه وسلم :
وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الفجر ساطع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع [ ص: 459 ]
وقال البخاري : حدثنا عمران بن ميسرة ، ثنا محمد بن فضيل ، عن حصين ، عن عامر ، عن النعمان بن بشير قال : أغمي على عبد الله بن رواحة ، فجعلت أخته عمرة تبكي : واجبلاه ، واكذا ، واكذا . تعدد عليه ، فقال حين أفاق : ما قلت شيئا إلا قيل لي : أنت كذلك ؟ !
حدثنا قتيبة ، ثنا عبثر ، عن حصين ، عن الشعبي ، عن النعمان بن بشير قال : أغمي على عبد الله بن رواحة ، بهذا ، فلما مات لم تبك عليه .
وقد قدمنا ما رثاه به حسان بن ثابت مع غيره .
وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من مؤتة مع من رجع ، رضي الله عنهم :
كفى حزنا أني رجعت وجعفر وزيد وعبد الله في رمس أقبر
قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم وخلفت للبلوى مع المتغبر
وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية ما رثي به هؤلاء الأمراء الثلاثة من شعر حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، رضي الله عنهما وأرضاهما ===========حديث فيه فضيلة عظيمة لأمراء هذه السرية
وهم ، زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن رواحة ، رضي الله عنهم .
قال الإمام العالم الحافظ أبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازي ، نضر الله وجهه ، في كتابه " دلائل النبوة " - وهو كتاب جليل - : حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي ، ثنا الوليد ، ثنا ابن جابر ، ( ح ) وحدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ، ثنا الوليد وعمرو - يعني ابن عبد الواحد - قالا : ثنا ابن جابر ، سمعت سليم بن عامر الخبائري يقول : أخبرني أبو أمامة الباهلي ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان ، فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلا وعرا فقالا : اصعد . فقلت : لا أطيقه . فقالا : إنا سنسهله لك . قال : فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة ، فقلت : ما هؤلاء الأصوات ؟ فقالا : عواء أهل النار . ثم انطلقا بي ، فإذا [ ص: 463 ] بقوم معلقين بعراقيبهم ، مشققة أشداقهم ، تسيل أشداقهم دما ، فقلت : ما هؤلاء ؟ فقالا : هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم " . فقال : خابت اليهود والنصارى . قال سليم : لا أدري أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم من رأيه " ثم انطلقا بي ، فإذا قوم أشد شيء انتفاخا ، وأنتن شيء ريحا ، كأن ريحهم المراحيض ، قلت : من هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء قتلى الكفار . ثم انطلقا بي ، فإذا بقوم أشد شيء انتفاخا ، وأنتن شيء ريحا ، كأن ريحهم المراحيض . قلت : من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الزانون والزواني . ثم انطلقا بي ، فإذا بنساء تنهش ثديهن الحيات ، فقلت : ما بال هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهن ألبانهن . ثم انطلقا بي ، فإذا بغلمان يلعبون بين بحرين ، قلت : من هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء ذراري المؤمنين . ثم أشرفا بي شرفا ، فإذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم ، فقلت : من هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء جعفر بن أبي طالب ، وزيد بن حارثة ، وعبد الله بن رواحة . ثم أشرفا بي شرفا آخر ، فإذا أنا بنفر ثلاثة ، فقلت : من هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء إبراهيم ، وموسى ، وعيسى عليهم السلام ، وهم ينتظرونك .
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)