الجمعة، 4 ديسمبر 2015

قصة حاطب بن أبي بلتعة==إسلام العباس بن عبد المطلب
نزول النبي بمر الظهران=صفة دخوله صلى الله عليه وسلم مكة
ما قيل من الشعر يوم الفتح==بعثة خالد بن الوليد بعد الفتح
بعث خالد بن الوليد لهدم العزى==مدة إقامته عليه السلام بمكة
فيما حكم به صلى الله عليه وسلم بمكة
   
مبايعة النبي الناس يوم الفتح==
ميقات خروج النبي==================قصة حاطب بن أبي بلتعة

قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر ، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قالوا : لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة ، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش ، يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم ، ثم أعطاه امرأة - زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة ، وزعم لي غيره أنها سارة ، مولاة لبعض بني عبد المطلب - وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا ، فجعلته في رأسها ، ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به ، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب ، فبعث علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام فقال : " أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش ، يحذرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم " فخرجا حتى أدركاها بالخليقة خليقة بني أبي أحمد ، فاستنزلاها ، فالتمساه في رحلها فلم يجدا فيه شيئا ، فقال لها علي : إني أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا ، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك . فلما رأت الجد منه قالت : أعرض . فأعرض ، فحلت قرون رأسها ، [ ص: 522 ] فاستخرجت الكتاب منها فدفعته إليه ، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا فقال : " يا حاطب ما حملك على هذا ؟ " فقال : يا رسول الله ، أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله ، ما غيرت ولا بدلت ، ولكنني كنت امرأ ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة ، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم . فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله ، دعني فلأضرب عنقه ، فإن الرجل قد نافق . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وما يدريك يا عمر ، لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " وأنزل الله تعالى في حاطب : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة إلى آخر القصة ( الممتحنة : 1 - 9 ) . هكذا أورد ابن إسحاق هذه القصة مرسلة ، وقد ذكر السهيلي أنه كان في كتاب حاطب : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل ، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم ، فإنه منجز له ما وعده . قال : وفي " تفسير ابن سلام " أن حاطبا كتب : إن محمدا قد نفر ، فإما إليكم وإما إلى غيركم ، فعليكم الحذر .

[ ص: 523 ] وقد قال البخاري : ثنا قتيبة ، ثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، أخبرني الحسن بن محمد ، أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع ، سمعت عليا يقول : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال : " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها " . فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة ، فإذا نحن بالظعينة ، فقلنا : أخرجي الكتاب . فقالت : ما معي كتاب . فقلنا : لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب . قال : فأخرجته من عقاصها ، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة . إلى ناس بمكة من المشركين ، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " يا حاطب ، ما هذا ؟ " فقال : يا رسول الله ، لا تعجل علي ، إني كنت امرأ ملصقا في قريش - يقول : كنت حليفا ولم أكن من أنفسها - وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي ، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما إنه قد صدقكم " . فقال عمر : يا رسول الله ، دعني أضرب عنق هذا المنافق . فقال : " إنه قد شهد بدرا ، وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " . فأنزل الله السورة يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء [ ص: 524 ] إلى قوله : فقد ضل سواء السبيل .

وأخرجه بقية الجماعة ، إلا ابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة وقال الترمذي : حسن صحيح .

وقال الإمام أحمد : ثنا حجين ويونس قالا : حدثنا ليث بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد غزوهم ، فدل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المرأة التي معها الكتاب ، فأرسل إليها ، فأخذ كتابها من رأسها ، وقال : " يا حاطب أفعلت ؟ " قال : نعم . قال : أما إني لم أفعله غشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفاقا ، قد علمت أن الله مظهر رسوله ، ومتم له أمره ، غير أني كنت عريرا بين ظهريهم ، وكانت والدتي معهم ، فأردت أن أتخذ هذا عندهم . فقال له عمر : ألا أضرب رأس هذا ؟ فقال : " أتقتل رجلا من أهل بدر ، وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم . تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه الإمام أحمد ، وإسناده على شرط مسلم ، ولله الحمد .
                   ============= فصل في إسلام العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي أخي أم سلمة أم المؤمنين ، وهجرتهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجدوه في أثناء الطريق وهو ذاهب إلى فتح مكة

قال ابن إسحاق : وقد كان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق . قال ابن هشام : لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله ، وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنه راض ، فيما ذكره ابن شهاب الزهري .

قال ابن إسحاق : وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة ، والتمسا الدخول عليه ، فكلمته أم سلمة فيهما ، فقالت : [ ص: 532 ] يا رسول الله ، ابن عمك ، وابن عمتك ، وصهرك . قال : لا حاجة لي بهما ، أما ابن عمي فهتك عرضي ، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال . قال : فلما خرج إليهما الخبر بذلك ومع أبي سفيان بني له ، فقال : والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا ، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا . فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم رق لهما ، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما ، وأنشد أبو سفيان قوله في إسلامه ، واعتذر إليه مما كان مضى منه :


لعمرك إني يوم أحمل راية لتغلب خيل اللات خيل محمد     لكالمدلج الحيران أظلم ليله
فهذا أواني حين أهدى وأهتدي     هداني هاد غير نفسي ونالني
مع الله من طردت كل مطرد     أصد وأنأى جاهدا عن محمد
وأدعى وإن لم أنتسب من محمد     هم ما هم من لم يقل بهواهم
وإن كان ذا رأي يلم ويفند     أريد لأرضيهم ولست بلائط
مع القوم ما لم أهد في كل مقعد [ ص: 533 ]     فقل لثقيف لا أريد قتالها
وقل لثقيف تلك غيري أوعدي     فما كنت في الجيش الذي نال عامرا
وما كان عن جرا لساني ولا يدي     قبائل جاءت من بلاد بعيدة
نزائع جاءت من سهام وسردد
قال ابن إسحاق : فزعموا أنه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم :


. . . . . . . . . . . . . . . . . . ونالني     مع الله من طردت كل مطرد
ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في صدره وقال : أنت طردتني كل مطرد! =====================صفة دخوله صلى الله عليه وسلم مكة

ثبت في " الصحيحين " من حديث مالك ، عن الزهري ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر ، فلما نزعه ، جاءه رجل فقال : إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة . فقال : " اقتلوه قال مالك : ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نرى ، والله أعلم ، محرما .

وقال أحمد : ثنا عفان ، ثنا حماد ، أنا أبو الزبير ، عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء . ورواه أهل السنن الأربعة ، من حديث حماد بن سلمة ، وقال الترمذي : حسن صحيح .

ورواه مسلم ، عن قتيبة ويحيى بن يحيى ، عن معاوية بن عمار الدهني ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء من غير إحرام .

وروى مسلم من حديث أبي أسامة ، عن مساور الوراق ، عن جعفر بن عمرو بن حريث ، عن أبيه قال : كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة [ ص: 546 ] وعليه عمامة حرقانية سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه .

وروى مسلم في " صحيحه " والترمذي والنسائي من حديث عمار الدهني ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء .

وروى أهل السنن الأربعة من حديث يحيى بن آدم ، عن شريك القاضي ، عن عمار الدهني ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم دخل مكة أبيض .

وقال ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عائشة قال : كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أبيض ، ورايته سوداء تسمى العقاب ، وكانت قطعة من مرط مرحل [ ص: 547 ] .

وقال البخاري : ثنا أبو الوليد ، ثنا شعبة ، عن معاوية بن قرة قال : سمعت عبد الله بن مغفل يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة " الفتح " يرجع . وقال : لولا أن يجتمع الناس حولي لرجعت كما رجع .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى ذي طوى ، وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا لله ، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح ، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل .

وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا دعلج بن أحمد ، ثنا أحمد بن علي الأبار ، ثنا عبد الله بن أبي بكر المقدمي ، ثنا جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وذقنه [ ص: 548 ] على رحله متخشعا .

وقال : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو بكر بن بالويه ، ثنا أحمد بن صاعد ، ثنا إسماعيل بن أبي الحارث ، ثنا جعفر بن عون ، ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس ، عن أبي مسعود أن رجلا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ، فأخذته الرعدة ، فقال : " هون عليك ، فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد . قال : وهكذا رواه محمد بن سليمان بن فارس ، وأحمد بن يحيى بن زهير ، عن إسماعيل بن أبي الحارث ، موصولا . ثم رواه عن أبي زكريا المزكي ، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب ، عن محمد بن عبد الوهاب ، عن جعفر بن عون ، عن إسماعيل بن قيس ، مرسلا . قال : وهو المحفوظ .

وهذا التواضع في هذا الموطن عند دخوله صلى الله عليه وسلم مكة ، في مثل هذا الجيش الكثيف العرمرم ، بخلاف ما اعتمده سفهاء بني إسرائيل ، حين أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس وهم سجود ، أي ركع ، يقولون : حطة [ ص: 549 ] . فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون : حنطة في شعيرة .

وقال البخاري : ، ثنا الهيثم بن خارجة ، ثنا حفص بن ميسرة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح من كداء التي بأعلى مكة . وتابعه أبو أسامة ووهيب : في كداء .

حدثنا عبيد بن إسماعيل ، ثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح من أعلى مكة من كداء . وهو أصح .

إن أراد أن المرسل أصح من المسند المتقدم انتظم الكلام ، وإلا فكداء بالمد هي المذكورة في الروايتين ، وهي في أعلى مكة ، وكدى مقصورا في أسفل مكة ، وهذا هو المشهور والأنسب ، وقد تقدم أنه ، عليه السلام ، بعث خالد بن الوليد من أعلى مكة ، ودخل هو ، عليه السلام ، من أسفلها من كدى . وهو في " صحيح البخاري " . فالله أعلم .

وقد قال البيهقي : أنبأنا أبو الحسن بن عبدان ، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار ، ثنا عبد الله بن الصقر ، عن إبراهيم بن المنذر الحزامي ، ثنا [ ص: 550 ] معن ، ثنا عبد الله بن عمر بن حفص ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح رأى النساء يلطمن وجوه الخيل ، فتبسم إلى أبي بكر وقال : يا أبا بكر ، كيف قال حسان ؟ فأنشده أبو بكر ، رضي الله عنه


عدمت بنيتي إن لم تروها تثير النقع من كتفي كداء     ينازعن الأعنة مسرجات
يلطمهن بالخمر النساء
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادخلوها من حيث قال حسان .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن جدته أسماء بنت أبي بكر ، قالت : لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي طوى ، قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده : أي بنية ، اظهري بي على أبي قبيس . قالت : وقد كف بصره . قالت : فأشرفت به عليه ، فقال : أي بنية ، ماذا ترين ؟ قالت : أرى سوادا مجتمعا . قال : تلك الخيل . قالت : وأرى رجلا يسعى بين يدي ذلك السواد مقبلا ومدبرا . قال : أي بنية ذلك الوازع . يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها . ثم قالت : قد والله انتشر السواد [ ص: 551 ] . فقال قد والله إذن دفعت الخيل ، فأسرعي بي إلى بيتي . فانحطت به ، وتلقاه الخيل قبل أن يصل بيته . قالت : وفي عنق الجارية طوق من ورق ، فتلقاها رجل فيقتطعه من عنقها . قالت : فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ودخل المسجد ، أتى أبو بكر بأبيه يقوده ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه ؟ " قال أبو بكر : يا رسول الله ، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه . قال : فقالت : فأجلسه بين يديه ، ثم مسح صدره ، ثم قال : " أسلم " . فأسلم . قالت : ودخل به أبو بكر ، وكان رأسه كالثغامة بياضا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " غيروا هذا من شعره " . ثم قام أبو بكر ، فأخذ بيد أخته ، وقال : أنشد الله والإسلام طوق أختي . فلم يجبه أحد ، قالت فقال : أي أخية ، احتسبي طوقك ، فوالله إن الأمانة في الناس اليوم لقليل . يعني الصديق ذلك اليوم على التعيين ، لأن الجيش فيه كثرة ، ولا يكاد أحد يلوي على أحد مع انتشار الناس ، ولعل الذي أخذه تأول أنه من حربي . والله أعلم .

وقال الحافظ البيهقي : ثنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو العباس الأصم ، ثنا بحر بن نصر ، ثنا ابن وهب ، أخبرني ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر أن عمر بن الخطاب أخذ بيد أبي قحافة ، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما وقف به على [ ص: 552 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " غيروه ولا تقربوه سوادا " قال : ابن بوهب وأخبرني عمر بن محمد ، عن زيد بن أسلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هنأ أبا بكر بإسلام أبيه .

قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي نجيح ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرق جيشه من ذي طوى ، أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى ، وكان الزبير على المجنبة اليسرى ، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء ،

قال ابن إسحاق : فزعم بعض أهل العلم أن سعدا حين وجه داخلا قال : اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة . فسمعها رجل - قال ابن هشام : يقال : إنه عمر بن الخطاب - فقال : يا رسول الله ، أتسمع ما يقول سعد بن عبادة ؟ ! ما نأمن أن يكون له في قريش صولة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : أدركه فخذ الراية منه ، فكن أنت تدخل بها .

قلت : وذكر غير محمد بن إسحاق ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما شكى إليه أبو سفيان قول سعد بن عبادة حين مر به . وقال : يا أبا سفيان ، اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة - يعني الكعبة - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة . وأمر بالراية - راية الأنصار - أن تؤخذ من سعد بن عبادة [ ص: 553 ] كالتأديب له ، ويقال : إنها دفعت إلى ابنه قيس بن سعد . وقال موسى بن عقبة ، عن الزهري : دفعها إلى الزبير بن العوام . فالله أعلم .

وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة يعقوب بن إسحاق بن دينار ، ثنا عبد الله بن السري الأنطاكي ، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، وحدثني موسى بن عقبة ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، قال : دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية يوم فتح مكة إلى سعد بن عبادة ، فجعل يهزها ويقول : اليوم يوم الملحمة ، يوم تستحل الحرمة . قال : فشق ذلك على قريش وكبر في نفوسهم . قال : فعارضت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره وأنشأت تقول :


يا نبي الهدى إليك لجا ح     ي قريش ولات حين لجاء
حين ضاقت عليهم سعة الأر     ض وعاداهم إله السماء
والتقت حلقتا البطان على القو     م ونودوا بالصيلم الصلعاء [ ص: 554 ]
إن سعدا يريد قاصمة الظهر     بأهل الحجون والبطحاء
خزرجي لو يستطيع من الغي     ظ رمانا بالنسر والعواء
فانهينه فإنه الأسد الأس     ود والليث والغ في الدماء
فلئن أقحم اللواء ونادى     يا حماة اللواء أهل اللواء
لتكونن بالبطاح قريش     بقعة القاع في أكف الإماء
إنه مصلت يريد لها الرأ     ي صموت كالحية الصماء
قال : فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشعر دخله رحمة لهم ورأفة بهم ، وأمر بالراية فأخذت من سعد بن عبادة ، ودفعت إلى ابنه قيس بن سعد ، قال : فيروى ، أنه عليه الصلاة والسلام ، أحب أن لا يخيبها إذ رغبت إليه واستغاثت به ، وأحب أن لا يغضب سعد ، فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه .

قال ابن إسحاق : وذكر ابن أبي نجيح في حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خالد بن الوليد ، فدخل من الليط أسفل مكة في بعض الناس ، وكان خالد على المجنبة اليمنى ، وفيها : أسلم ، وسليم ، وغفار ، ومزينة ، وجهينة ، وقبائل من [ ص: 555 ] قبائل العرب ، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ، ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ، أذاخر حتى نزل بأعلى مكة ، فضربت له هنالك قبته .

وروى البخاري ، من حديث الزهري ، عن علي بن الحسين ، عن عمرو بن عثمان ، عن أسامة بن زيد ، أنه قال زمن الفتح : يا رسول الله ، أين تنزل غدا ؟ فقال : " وهل ترك لنا عقيل من رباع ؟ " . ثم قال : " لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن .

ثم قال البخاري : ثنا أبو اليمان ، ثنا شعيب ، ثنا أبو الزناد ، عن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : منزلنا - إن شاء الله ، إذا فتح الله - الخيف ، حيث تقاسموا على الكفر .

وقال الإمام أحمد : ثنا يونس ، ثنا إبراهيم ، يعني ابن سعد ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : منزلنا غدا ، إن شاء الله ، بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر . ورواه البخاري من حديث إبراهيم بن سعد ، به نحوه .

وقال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي [ ص: 556 ] بكر ، أن صفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا ، وكان حماس بن قيس بن خالد ، أخو بني بكر يعد سلاحا قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصلح منه ، فقالت له امرأته : لماذا تعد ما أرى ؟ قال : لمحمد وأصحابه . فقالت : والله ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شيء . قال : والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم . ثم قال :


إن يقبلوا اليوم فما لي عله     هذا سلاح كامل وأله

وذو غرارين سريع السله
قال : ثم شهد الخندمة مع صفوان وعكرمة وسهيل ، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد ، ناوشوهم شيئا من قتال ، فقتل كرز بن جابر ، أحد بني محارب بن فهر ، وخنيس بن خالد بن ربيعة بن أصرم ، حليف بني منقذ ، وكانا في جيش خالد فشذا عنه ، فسلكا غير طريقه ، فقتلا جميعا ، وكان قبل كرز قتل خنيس . قالا : وقتل من خيل خالد أيضا [ ص: 557 ] سلمة بن الميلاء الجهني ، وأصيب من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر ، ثم انهزموا ، فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته ، ثم قال لامرأته : أغلقي علي بابي . قالت : فأين ما كنت تقول ؟ فقال :


إنك لو شهدت يوم الخندمه     إذ فر صفوان وفر عكرمه
وأبو يزيد قائم كالموتمه     واستقبلتهم بالسيوف المسلمه
يقطعن كل ساعد وجمجمه     ضربا فلا يسمع إلا غمغمه
لهم نهيت خلفنا وهمهمه     لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
قال ابن هشام : وتروى هذه الأبيات للرعاش الهذلي .

قال : وكان شعار المهاجرين يوم الفتح وحنين والطائف : يا بني عبد الرحمن . وشعار الخزرج : يا بني عبد الله . وشعار الأوس : يا بني عبيد الله .

وقال الطبراني : ثنا علي بن سعيد الرازي ، ثنا أبو حسان الزيادي ، ثنا شعيب بن صفوان ، عن عطاء بن السائب ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله حرم هذا البلد يوم خلق السماوات والأرض [ ص: 558 ] وصاغه يوم صاغ الشمس والقمر ، وما حياله من السماء حرام ، وإنه لا يحل لأحد قبلي ، وإنما حل لي ساعة من نهار ، ثم عاد كما كان " . فقيل له : هذا خالد بن الوليد يقتل . فقال : " قم يا فلان فأت خالد بن الوليد ، فقل له فليرفع يديه من القتل " . فأتاه الرجل فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : اقتل من قدرت عليه . فقتل سبعين إنسانا ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فأرسل إلى خالد فقال : " ألم أنهك عن القتل ؟ " فقال : جاءني فلان فأمرني أن أقتل من قدرت عليه . فأرسل إليه : " ألم آمرك ؟ " قال : أردت أمرا ، وأراد الله أمرا ، فكان أمر الله فوق أمرك ، وما استطعت إلا الذي كان . فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم فما رد عليه شيئا .

قال ابن إسحاق : وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى أمرائه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم ، غير أنه أهدر دم نفر سماهم ، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة ، وهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، كان قد أسلم وكتب الوحي ثم ارتد ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، وقد أهدر دمه فر إلى عثمان ، وكان أخاه من الرضاعة ، فلما جاء به ليستأمن له ، صمت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ، ثم قال : " نعم " . فلما انصرف مع عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله : " أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني قد صمت فيقتله " . فقالوا : يا رسول الله ، هلا أومأت إلينا ؟ " فقال : " إن النبي لا يقتل بالإشارة . وفي رواية : إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين .

قال ابن هشام : وقد حسن إسلامه بعد ذلك وولاه عمر بعض أعماله ، ثم ولاه عثمان .

قلت : ومات وهو ساجد في صلاة الصبح ، أو بعد انقضاء صلاتها في بيته ، كما سيأتي بيانه .

قال ابن إسحاق : وعبد الله بن خطل ، رجل من بني تيم بن غالب - قلت : ويقال : إن اسمه عبد العزى بن خطل . ويحتمل أنه كان كذلك ، ثم لما أسلم سمي عبد الله - ولما أسلم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا وبعث معه رجلا من الأنصار ، وكان معه مولى له فغضب عليه غضبة فقتله ، ثم ارتد مشركا وكان له قينتان ، فرتنى وصاحبتها ، فكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، فلهذا أهدر دمه ودم قينتيه ، فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة ، اشترك في قتله أبو برزة الأسلمي وسعيد بن حريث المخزومي ، وقتلت إحدى قينتيه واستؤمن للأخرى . قال : والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن [ ص: 560 ] قصي ، وكان ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، ولما تحمل العباس بفاطمة وأم كلثوم ليذهب بهما إلى المدينة يلحقهما برسول الله صلى الله عليه وسلم أول الهجرة ، نخس بهما الحويرث هذا ، الجمل الذي هما عليه ، فسقطتا إلى الأرض ، فلما أهدر دمه قتله علي بن أبي طالب . قال : ومقيس بن صبابة ، لأنه قتل قاتل أخيه خطأ بعدما أخذ الدية ، ثم ارتد مشركا ، قتله رجل من قومه يقال له : نميلة بن عبد الله . قال : وسارة مولاة لبني عبد المطلب ولعكرمة بن أبي جهل ، لأنها كانت تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بمكة .

قلت : وقد تقدم عن بعضهم أنها التي تحملت الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة ، وكأنها عفي عنها أو هربت ثم أهدر دمها . والله أعلم . فهربت حتى استؤمن لها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنها ، فعاشت إلى زمن عمر فأوطأها رجل فرسا فماتت . وذكر السهيلي أن فرتنى أسلمت أيضا .

قال ابن إسحاق : وأما عكرمة بن أبي جهل ، فهرب إلى اليمن ، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام ، واستأمنت له من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه ، فذهبت في طلبه ، حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأسلم .

وقال البيهقي : أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الفقيه ، [ ص: 561 ] أنبأنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، أنبأنا أحمد بن يوسف السلمي ، ثنا أحمد بن المفضل ، ثنا أسباط بن نصر الهمداني ، قال : زعم السدي ، عن مصعب بن سعد ، عن أبيه ، قال : لما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين ، وقال : " اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة " . وهم عكرمة بن أبي جهل ، وعبد الله بن خطل ، ومقيس بن صبابة ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح . فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة ، فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر ، فسبق سعيد عمارا ، وكان أشب الرجلين ، فقتله ، وأما مقيس فأدركه الناس في السوق فقتلوه ، وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم قاصف ، فقال أهل السفينة لأهل السفينة : أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا . فقال عكرمة : والله لئن لم ينج في البحر إلا الإخلاص فإنه لا ينجي في البر غيره ، اللهم إن لك علي عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه ، أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريما . فجاء فأسلم ، وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله . بايع عبد الله . فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا ، كل ذلك يأبى ، فبايعه بعد ثلاث ، ثم أقبل على [ ص: 562 ] أصحابه فقال : " أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله ؟ " فقالوا : ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك ، هلا أومأت إلينا بعينك ؟ فقال : " إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين " . ورواه أبو داود والنسائي من حديث أحمد بن المفضل به نحوه .

وقال البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو العباس الأصم ، أنبأنا أبو زرعة الدمشقي ، ثنا الحسن بن بشر الكوفي ، ثنا الحكم بن عبد الملك ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم فتح مكة إلا أربعة ، عبد العزى بن خطل ، ومقيس بن صبابة ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وأم سارة ، فأما عبد العزى بن خطل فإنه قتل وهو متعلق بأستار الكعبة . قال : ونذر رجل من الأنصار أن يقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح إذا رآه ، وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة ، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع له ، فلما بصر به الأنصاري اشتمل على السيف ، ثم أتاه فوجده في حلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل يتردد ويكره أن يقدم عليه ، فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده فبايعه ، ثم قال للأنصاري : " قد انتظرتك أن توفي بنذرك " . قال : يا رسول الله ، هبتك ، أفلا أومضت إلي ؟ قال : " إنه ليس للنبي [ ص: 563 ] أن يومض " . وأما مقيس بن صبابة فذكر قصته في قتله رجلا مسلما بعد إسلامه ، ثم ارتداده بعد ذلك . قال : وأما أم سارة فكانت مولاة ، لقريش ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فشكت إليه الحاجة ، فأعطاها شيئا ، ثم بعث معها رجل بكتاب إلى أهلمكة . فذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة .

وروى محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، أن مقيس بن صبابة قتل أخوه هشام يوم بني المصطلق ، قتله رجل من المسلمين وهو يظنه مشركا ، فقدم مقيس مظهرا للإسلام ليطلب دية أخيه ، فلما أخذها عدا على قاتل أخيه فقتله ، ورجع إلى مكة مشركا ، فلما أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه قتل وهو بين الصفا والمروة .

وقد ذكر ابن إسحاق والبيهقي شعره حين قتل قاتل أخيه ، وهو قوله :


شفى النفس من قد بات بالقاع مسندا     يضرج ثوبيه دماء الأخادع
وكانت هموم النفس من قبل قتله     تلم وتنسيني وطاء المضاجع [ ص: 564 ]
قتلت به فهرا وغرمت عقله     سراة بني النجار أرباب فارع
حللت به نذري وأدركت ثؤرتي     وكنت إلى الأوثان أول راجع
قلت : وقيل : إن القينتين اللتين أهدر دمهما كانتا لمقيس بن صبابة هذا ، وإن ابن عمه قتله بين الصفا والمروة . وقال بعضهم : قتل ابن خطل الزبير بن العوام ، رضي الله عنه .

قال ابن إسحاق : حدثني سعيد بن أبي هند ، عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب أن أم هانئ ابنة أبي طالب قالت : لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة فر إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم . قال ابن هشام : هما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية بن المغيرة . قال ابن إسحاق : وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي ، قالت : فدخل علي أخي علي بن أبي طالب فقال : والله لأقتلهما . فأغلقت عليهما باب بيتي ، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة ، فوجدته يغتسل من جفنة ، إن فيها لأثر [ ص: 565 ] العجين ، وفاطمة ابنته تستره بثوبه ، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى ، ثم انصرف إلي ، فقال : " مرحبا وأهلا بأم هانئ ، ما جاء بك ؟ " فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي فقال : " قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت فلا يقتلهما .

وقال البخاري : ثنا أبو الوليد ، ثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى قال : ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى غير أم هانئ ، فإنها ذكرت أنه يوم فتح مكة اغتسل في بيتها ، ثم صلى ثماني ركعات . قالت : ولم أره صلى صلاة أخف منها ، غير أنه يتم الركوع والسجود .

وفي " صحيح مسلم " من حديث الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سعد بن أبي هند أن أبا مرة مولى عقيل حدثه أن أم هانئ بنت أبي طالب حدثته أنه لما كان عام الفتح ، فر إليها رجلان من بني مخزوم فأجارتهما ، قالت : فدخل علي علي فقال : أقتلهما . فلما سمعته أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة ، فلما رآني رحب ، وقال : " ما جاء بك ؟ " قلت : يا نبي الله ، كنت أمنت رجلين من أحمائي ، فأراد علي قتلهما . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " . ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى [ ص: 566 ] غسله فسترت عليه فاطمة ، ثم أخذ ثوبا فالتحف به ، ثم صلى ثماني ركعات سبحة الضحى .

وفي رواية : أنها دخلت عليه وهو يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب ، فقال : " من هذه ؟ " قالت : أم هانئ . قال : " مرحبا بأم هانئ " . قالت : يا رسول الله ، زعم ابن أمي علي بن أبي طالب أنه قاتل رجلين قد أجرتهما . فقال : " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " . قالت : ثم صلى ثماني ركعات ، وذلك ضحى فظن كثير من العلماء أن هذه كانت صلاة الضحى . وقال آخرون : بل كانت هذه صلاة الفتح . وجاء التصريح بأنه كان يسلم من كل ركعتين . وهو يرد على السهيلي وغيره ممن يزعم أن صلاة الفتح تكون ثمانيا بتسليمة واحدة ، وقد صلى سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن في إيوان كسرى ، ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين . ولله الحمد .

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبيد الله بن [ ص: 567 ] عبد الله بن أبي ثور ، عن صفية بنت شيبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس ، خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته ، يستلم الركن بمحجن في يده ، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ، ففتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان ، فكسرها بيده ثم طرحها ، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف له الناس في المسجد .

وقال موسى بن عقبة : ثم سجد سجدتين ، ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها ودعا بماء فشرب منها وتوضأ ، والناس يبتدرون وضوءه ، والمشركون يتعجبون من ذلك ، ويقولون : ما رأينا ملكا قط ولا سمعنا به - يعني مثل هذا - . وأخر المقام إلى مقامه اليوم وكان ملصقا بالبيت .

قال محمد بن إسحاق : فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة فقال : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو موضوع تحت قدمي هاتين ، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ففيه الدية مغلظة ، مائة من الإبل ، أربعون منها في [ ص: 568 ] بطونها أولادها ، يا معشر قريش ، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ، الناس من آدم وآدم من تراب " ثم تلا هذه الآية : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى الآية كلها ( الحجرات : 13 ) . ثم قال : " يا معشر قريش ، ما ترون أني فاعل فيكم ؟ " قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم . قال : " اذهبوا فأنتم الطلقاء " . ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده ، فقال : يا رسول الله ، اجمع لنا الحجابة مع السقاية ، صلى الله عليك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أين عثمان بن طلحة ؟ " فدعي له فقال : " هاك مفتاحك يا عثمان ، اليوم يوم بر ووفاء .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن ابن جدعان ، عن القاسم بن ربيعة ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ، وهو على درج الكعبة : الحمد لله الذي صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا فيه مائة من الإبل وقال مرة أخرى : مغلظة فيها ، أربعون خلفة في بطونها أولادها ، ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية ودم ودعوى - وقال مرة : ومال - تحت قدمي هاتين ، إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت ، فإني أمضيتهما لأهلهما على ما كانت . وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث علي بن زيد بن [ ص: 569 ] جدعان ، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن الغطفاني ، عن ابن عمر به .

قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل البيت يوم الفتح ، فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم ، ورأى إبراهيم ، عليه السلام ، مصورا في يده الأزلام يستقسم بها ، فقال : قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام ، ما شأن إبراهيم والأزلام ؟! ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ( آل عمران : 67 ) . ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان ، أنبأنا عبد الرحمن ، عن موسى بن عقبة ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : كان في الكعبة صور ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب أن يمحوها ، فبل عمر ثوبا ومحاها به ، فدخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيها منها شيء . وقال البخاري : حدثنا صدقة بن الفضل ، ثنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أبي معمر ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح ، وحول البيت ستون [ ص: 570 ] وثلاثمائة نصب ، فجعل يطعنها بعود في يده ، ويقول : " جاء الحق وزهق الباطل ، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد . وقد رواه مسلم من حديث ابن عيينة

وروى البيهقي ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح مكة ، وعلى الكعبة ثلاثمائة صنم ، فأخذ قضيبه فجعل يهوي به إلى الصنم ، وهو يهوي ، حتى مر عليها كلها .

ثم من طريق سويد ، عن القاسم بن عبد الله ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة وجد بها ثلاثمائة وستين صنما ، فأشار إلى كل صنم بعصا وقال : " جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا فكان لا يشير إلى صنم إلا ويسقط من غير أن يمسه بعصاه . ثم قال : وهذا وإن كان ضعيفا ، فالذي قبله يؤكده .

وقال حنبل بن إسحاق : أنبأنا أبو الربيع ، عن يعقوب القمي ، ثنا جعفر بن أبي المغيرة ، عن ابن أبزى قال : لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، جاءت عجوز شمطاء حبشية تخمش وجهها ، وتدعو بالويل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 571 ] تلك نائلة ، أيست أن تعبد ببلدكم هذا أبدا .

وقال ابن هشام : حدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس أنه قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته ، فطاف عليها ، وحول الكعبة أصنام مشدودة بالرصاص ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول : " جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا " فما أشار إلى صنم في وجهه إلا وقع لقفاه ، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه ، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع ، فقال تميم بن أسد الخزاعي :


وفي الأصنام معتبر وعلم     لمن يرجو الثواب أو العقابا
وفي " صحيح مسلم " عن شيبان بن فروخ ، عن سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي هريرة ، في حديث فتح مكة قال : ، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه ، وطاف بالبيت ، وأتى إلى صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه ، وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوس ، وهو آخذ بسيتها ، فلما أتى على الصنم ، جعل يطعن [ ص: 572 ] في عينه ويقول : " جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا " فلما فرغ من طوافه أتى الصفا ، فعلا عليه ، حتى نظر إلى البيت ، فرفع يديه وجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو .

وقال البخاري : ثنا إسحاق بن منصور ، ثنا عبد الصمد ، ثنا أبي ، ثنا أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة ، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة ، فأمر بها فأخرجت ، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل ، عليهما السلام ، وفي أيديهما من الأزلام ، فقال : " قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط " . ثم دخل البيت ، فكبر في نواحي البيت ، وخرج ولم يصل . تفرد به البخاري دون مسلم .

وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الصمد ، ثنا همام ، ثنا عطاء ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وفيها ست سوار ، فقام إلى كل سارية ، ودعا ولم يصل فيه . ورواه مسلم ، عن شيبان بن فروخ ، عن همام بن يحيى العوذي ، عن عطاء به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا هارون بن معروف ، ثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، أن بكيرا حدثه عن كريب ، عن ابن عباس ، أن رسول الله [ ص: 573 ] صلى الله عليه وسلم حين دخل البيت وجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم ، فقال : " أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ، هذا إبراهيم مصورا ، فما باله يستقسم ؟! . وقد رواه البخاري والنسائي من حديث ابن وهب به .

وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، أخبرني عثمان الجزري ، أنه سمع مقسما يحدث عن ابن عباس قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فدعا في نواحيه ، ثم خرج فصلى ركعتين . تفرد به أحمد .

وقال الإمام أحمد : ثنا إسماعيل ، أخبرنا ليث ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في البيت ركعتين .

قال البخاري : وقال الليث : ثنا يونس ، أخبرني نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته ، مردفا أسامة بن زيد ، ومعه بلال ، ومعه عثمان بن طلحة ، من الحجبة ، حتى أناخ في المسجد ، فأمره أن يأتي بمفتاح الكعبة ، فدخل ومعه أسامة بن زيد [ ص: 574 ] وبلال وعثمان بن طلحة ، فمكث فيه نهارا طويلا ، ثم خرج فاستبق الناس ، فكان عبد الله بن عمر أول من دخل ، فوجد بلالا وراء الباب قائما ، فسأله : أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأشار له إلى المكان الذي صلى فيه . قال عبد الله : فنسيت أن أسأله كم صلى من سجدة .

ورواه الإمام أحمد ، عن هشيم ، ثنا غير واحد وابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت ومعه الفضل بن عباس ، وأسامة بن زيد ، وعثمان بن طلحة ، وبلال ، فأمر بلالا فأجاف عليهم الباب ، فمكث فيه ما شاء الله ، ثم خرج . قال ابن عمر : فكان أول من لقيت منهم بلالا ، فقلت : أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : هاهنا بين الأسطوانتين .

قلت : وقد ثبت في " صحيح البخاري " وغيره ، أنه صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة تلقاء وجهة بابها من وراء ظهره ، فجعل عمودين عن يمينه ، وعمودا عن يساره ، وثلاثة أعمدة وراءه ، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ، وكان بينه وبين الحائط الغربي مقدار ثلاثة أذرع .

قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل [ ص: 575 ] الكعبة عام الفتح ومعه بلال ، فأمره أن يؤذن ، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة ، فقال عتاب : لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا ، فيسمع منه ما يغيظه . فقال الحارث بن هشام : أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته . فقال أبو سفيان : لا أقول شيئا ، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصا . فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " قد علمت الذي قلتم " . ثم ذكر ذلك لهم . فقال الحارث وعتاب : نشهد أنك رسول الله ، ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول : أخبرك .

وقال يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، حدثني والدي ، حدثني بعض آل جبير بن مطعم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة أمر بلالا ، فعلا على الكعبة على ظهرها ، فأذن عليها بالصلاة ، فقال بعض بني سعيد بن العاص : لقد أكرم الله سعيدا إذ قبضه قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب قال : قال ابن أبي مليكة : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن يوم الفتح فوق الكعبة ، فقال رجل من قريش للحارث بن هشام : ألا ترى إلى هذا العبد أين صعد ؟! فقال : دعه ، فإن يكن الله يكرهه ، فسيغيره [ ص: 576 ] .

وقال يونس بن بكير وغيره ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا عام الفتح فأذن على الكعبة ليغيظ به المشركين .

وقال محمد بن سعد ، عن محمد بن عبيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي إسحاق ، أن أبا سفيان بن حرب بعد فتح مكة كان جالسا ، فقال في نفسه : لو جمعت لمحمد جمعا . فإنه ليحدث نفسه بذلك ، إذ ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين كتفيه وقال : " إذا يخزيك الله " . قال : فرفع رأسه ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على رأسه ، فقال : ما أيقنت أنك نبي حتى الساعة .

قال البيهقي : وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إجازة ، أنبأنا أبو حامد أحمد بن علي بن الحسن المقرئ ، أنبأنا أحمد بن يوسف السلمي ، ثنا محمد بن يوسف الفريابي ، ثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي السفر ، عن ابن عباس قال : رأى أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي والناس يطئون عقبه ، فقال بينه وبين نفسه : لو عاودت هذا الرجل القتال . فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ضرب بيده في صدره فقال : " إذا يخزيك الله " . فقال : أتوب إلى الله ، وأستغفر الله مما تفوهت به [ ص: 577 ] .

ثم روى البيهقي من طريق ابن خزيمة وغيره ، عن أبي حامد ابن الشرقي ، عن محمد بن يحيى الذهلي ، ثنا محمد بن موسى بن أعين الجزري ، ثنا أبي ، عن إسحاق بن راشد ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب قال : لما كان ليلة دخل الناس مكة ليلة الفتح ، لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا ، فقال أبو سفيان لهند : أترين هذا من الله ؟ قالت : نعم ، هذا من الله . قال : ثم أصبح أبو سفيان فغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قلت لهند : أترين هذا من الله ؟ قالت : نعم ، هذا من الله " . فقال أبو سفيان : أشهد أنك عبد الله ورسوله ، والذي يحلف به ما سمع قولي هذا أحد من الناس غير هند .

وقال البخاري : ثنا إسحاق ، ثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، أخبرني حسن بن مسلم ، عن مجاهد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة ، لا تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، ولم تحلل لي إلا ساعة من الدهر ، لا ينفر صيدها ، ولا يعضد شوكها ، ولا يختلى خلاها ، ولا تحل لقطتها ، إلا لمنشد " فقال العباس بن عبد المطلب : إلا الإذخر يا رسول الله ، فإنه لا بد منه [ ص: 578 ] للقين والبيوت . فسكت ثم قال : " إلا الإذخر فإنه حلال .

وعن ابن جريج ، أخبرني عبد الكريم - هو ابن مالك الجزري - عن عكرمة ، عن ابن عباس بمثل هذا أو نحو هذا . ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم . تفرد به البخاري من الوجه الأول ، وهو مرسل ، ومن الوجه الثاني أيضا .

وبهذا الحديث وأمثاله استدل من ذهب إلى أن مكة فتحت عنوة ، وللوقعة التي كانت في الخندمة ، كما تقدم وقد قتل فيها قريب من عشرين نفسا من المسلمين والمشركين ، وهي ظاهرة في ذلك ، وهو مذهب جمهور العلماء . والمشهور عن الشافعي أنها فتحت صلحا ، لأنها لم تقسم ، ولقوله صلى الله عليه وسلم ليلة الفتح : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل الحرم فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن وموضع تقرير هذه المسألة في كتاب " الأحكام الكبير " إن شاء الله تعالى .

وقال البخاري : ثنا سعيد بن شرحبيل ، ثنا الليث ، عن المقبري ، عن أبي شريح العدوي ، أنه قال لعمرو بن سعيد ، وهو يبعث البعوث إلى مكة ائذن [ ص: 579 ] لي أيها الأمير ، أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح ، سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به ، إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ، ولا يعضد بها شجرا ، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم . وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب . فقيل لأبي شريح : ماذا قال لك عمرو ؟ قال : قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح ، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ، ولا فارا بخربة . وروى البخاري أيضا ومسلم ، عن قتيبة ، عن الليث بن سعد به نحوه .

وذكر ابن إسحاق أن رجلا يقال له : ابن الأثوع . قتل رجلا في الجاهلية من خزاعة يقال له : أحمر بأسا . فلما كان يوم الفتح قتلت خزاعة ابن الأثوع وهو بمكة ، قتله خراش بن أمية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر خزاعة ، ارفعوا أيديكم عن القتل ، لقد كثر القتل إن نفع ، لقد قتلتم رجلا لأدينه [ ص: 580 ] .

قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي ، عن سعيد بن المسيب قال : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع خراش بن أمية قال : " إن خراشا لقتال .

وقال ابن إسحاق : وحدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي شريح الخزاعي العدوي قال : لما قدم عمرو بن الزبير مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير ، جئته فقلت له : يا هذا ، إنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة ، فلما كان الغد من يوم الفتح ، عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا فقال : " يا أيها الناس ، إن الله قد حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام من حرام الله إلى يوم القيامة ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ، ولا يعضد فيها شجرا ، لم تحلل لأحد كان قبلي ، ولا تحل لأحد يكون بعدي ، ولم تحلل لي إلا هذه الساعة ، غضبا على أهلها ، ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب ، فمن قال لكم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قاتل فيها . فقولوا : إن الله قد أحلها لرسوله ، ولم يحلها لكم . يا معشر خزاعة ، ارفعوا أيديكم عن القتل فلقد كثر إن نفع ، لقد قتلتم قتيلا لأدينه ، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين ، إن شاءوا فدم قاتله ، وإن شاءوا فعقله " . ثم ودى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي قتلته خزاعة ، فقال عمرو لأبي شريح : [ ص: 581 ] انصرف أيها الشيخ ، فنحن أعلم بحرمتها منك ، إنها لا تمنع سافك دم ، ولا خالع طاعة ، ولا مانع جزية . فقال أبو شريح : إني كنت شاهدا ، وكنت غائبا ، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ شاهدنا غائبنا ، وقد أبلغتك ، فأنت وشأنك .

قال ابن هشام : وبلغني أن أول قتيل وداه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح جنيدب بن الأكوع ، قتلته بنو كعب ، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة ناقة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، عن حسين ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : لما فتحت مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كفوا السلاح ، إلا خزاعة عن بني بكر " . فأذن لهم حتى صلى العصر ، ثم قال : " كفوا السلاح " . فلقي رجل من خزاعة رجلا من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام خطيبا فقال - فرأيته وهو مسند ظهره إلى الكعبة قال - : " إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم ، أو قتل غير قاتله ، أو قتل بذحول الجاهلية وذكر تمام الحديث ، وهذا غريب جدا ، وقد روى أهل السنن بعض هذا الحديث ، فأما ما فيه من أنه رخص لخزاعة أن تأخذ بثأرها من بني بكر إلى العصر من يوم الفتح ، فلم أره [ ص: 582 ] إلا في هذا الحديث وكأنه - إن صح - من باب الاختصاص لهم مما كانوا أصابوا منهم ليلة الوتير . والله أعلم .

وروى الإمام أحمد ، عن يحيى بن سعيد ، وسفيان بن عيينة ، ويزيد بن هارون ومحمد بن عبيد ، كلهم عن زكريا بن أبي زائدة ، عن عامر الشعبي ، عن الحارث بن مالك بن البرصاء الخزاعي ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم فتح مكة : لا تغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة ورواه الترمذي ، عن بندار ، عن يحيى بن سعيد القطان به ، وقال : حسن صحيح .

قلت : فإن كان نهيا ، فلا إشكال ، وإن كان نفيا ، فقال البيهقي : معناه على كفر أهلها .

وفي " صحيح مسلم " من حديث زكريا بن أبي زائدة ، عن عامر الشعبي ، عن عبد الله بن مطيع ، عن أبيه مطيع بن الأسود العدوي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم إلى يوم القيامة . والكلام عليه كالأول سواء .

قال ابن هشام : وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة ودخلها ، [ ص: 583 ] قام على الصفا يدعو وقد أحدقت به الأنصار ، فقالوا فيما بينهم : أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها ؟ فلما فرغ من دعائه قال : " ماذا قلتم ؟ " قالوا : لا شيء يا رسول الله . فلم يزل بهم حتى أخبروه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " معاذ الله ، المحيا محياكم ، والممات مماتكم .

وهذا الذي علقه ابن هشام قد أسنده الإمام أحمد بن حنبل في " مسنده " فقال : ثنا بهز وهاشم ، قالا : حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، وقال هاشم : حدثني ثابت البناني ، ثنا عبد الله بن رباح ، قال : وفدت وفود إلى معاوية أنا فيهم وأبو هريرة ، وذلك في رمضان ، فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام . قال : وكان أبو هريرة يكثر ما يدعونا - قال هاشم : يكثر أن يدعونا - إلى رحله . قال : فقلت : ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي ؟ قال : فأمرت بطعام يصنع ، ولقيت أبا هريرة من العشاء . قال : قلت : يا أبا هريرة ، الدعوة عندي الليلة . قال : أسبقتني ؟! - قال هاشم : قلت : نعم - قال : فدعوتهم فهم عندي . قال : فقال أبو هريرة ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار ؟ قال : فذكر فتح مكة . قال : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل مكة . قال : فبعث الزبير على إحدى المجنبتين ، وبعث خالدا على المجنبة الأخرى ، وبعث أبا عبيدة على الحسر ، وأخذوا بطن الوادي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته . قال : وقد وبشت قريش أوباشها [ ص: 584 ] . قال : قالوا : نقدم هؤلاء ، فإن كان لهم شيء كنا معهم ، وإن أصيبوا أعطيناه الذي سئلنا . قال أبو هريرة : فنظر فرآني فقال : " يا أبا هريرة " . فقلت : لبيك رسول الله . فقال : " اهتف لي بالأنصار ، ولا يأتيني إلا أنصاري " . فهتفت بهم ، فجاءوا فأطافوا برسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم ؟ " ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى : " احصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا " . قال : فقال أبو هريرة فانطلقنا ، فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء ، وما أحد منهم يوجه إلينا منهم شيئا . قال : فقال أبو سفيان : يا رسول الله ، أبيحت خضراء قريش ، لا قريش بعد اليوم . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن " . قال : فغلق الناس أبوابهم . قال : وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت . قال : وفي يده قوس ، آخذ بسية القوس . قال : فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه . قال : فجعل يطعن بها في عينه ويقول : جاء الحق وزهق الباطل . قال : ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت ، فرفع يديه ، فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه . قال : والأنصار تحته . قال : يقول بعضهم لبعض : أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته . قال أبو هريرة وجاء الوحي ، وكان إذا جاء لم يخف علينا ، فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى [ ص: 585 ] يقضي . قال هاشم : فلما قضى الوحي رفع رأسه ، ثم قال : " يا معشر الأنصار ، أقلتم : أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته ؟ " قالوا : قلنا ذلك يا رسول الله . قال : " فما اسمي إذا ؟! كلا ، إني عبد الله ورسوله ، هاجرت إلى الله وإليكم ، فالمحيا محياكم والممات مماتكم " . قال : فأقبلوا إليه يبكون ويقولون : والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله ورسوله . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم وقد رواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة ، زاد النسائي : وسلام بن مسكين ، ورواه مسلم أيضا من حديث حماد بن سلمة ، ثلاثتهم عن ثابت ، عن عبد الله بن رباح الأنصاري نزيل البصرة ، عن أبي هريرة به نحوه .

وقال ابن هشام : وحدثني - يعني بعض أهل العلم - أن فضالة بن عمير بن الملوح ، يعني الليثي ، أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح ، فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفضالة ؟ " قال : نعم ، فضالة يا رسول الله . قال : " ماذا كنت تحدث به نفسك ؟ " قال : لا شيء ، كنت أذكر الله . [ ص: 586 ] قال : فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : " استغفر الله " . ثم وضع يده على صدره ، فسكن قلبه ، فكان فضالة يقول : والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه . قال فضالة : فرجعت إلى أهلي ، فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت : هلم إلى الحديث . فقال : لا . وانبعث فضالة يقول :


قالت هلم إلى الحديث فقلت لا     يأبى عليك الله والإسلام
أوما رأيت محمدا وقبيله     بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بينا     والشرك يغشى وجهه الإظلام
قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، قال : خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن ، فقال عمير بن وهب : يا نبي الله ، إن صفوان بن أمية سيد قومه ، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر ، فأمنه يا رسول الله ، صلى الله عليك . فقال : " هو آمن " . فقال : يا رسول الله ، فأعطني آية يعرف بها أمانك . فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل فيها مكة ، فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب في البحر ، فقال : يا صفوان ، فداك أبي وأمي ، الله الله في نفسك أن تهلكها ، هذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جئتك به ، قال : ويلك! اعزب عني فلا تكلمني . قال : أي صفوان ، فداك أبي وأمي ، [ ص: 587 ] أفضل الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك ، عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك . قال : إني أخافه على نفسي . قال : هو أحلم من ذلك وأكرم . فرجع معه حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال صفوان : إن هذا يزعم أنك قد أمنتني . قال : " صدق " قال : فاجعلني بالخيار فيه شهرين . قال : " أنت بالخيار أربعة أشهر .

ثم حكى ابن إسحاق ، عن الزهري أن فاختة بنت الوليد امرأة صفوان ، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة بن أبي جهل [ أسلمتا ] وقد ذهبت وراءه إلى اليمن ، فاسترجعته فأسلم ، فلما أسلما أقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتهما بالنكاح الأول .

قال ابن إسحاق : وحدثني سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قال : رمى حسان ابن الزبعرى وهو بنجران ببيت واحد ما زاد عليه :


لا تعدمن رجلا أحلك بغضه     نجران في عيش أحذ لئيم
فلما بلغ ذلك ابن الزبعرى ، خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ، وقال حين أسلم :


يا رسول المليك إن لساني     راتق ما فتقت إذ أنا بور [ ص: 588 ]
إذ أباري الشيطان في سنن ال     غي ومن مال ميله مثبور
آمن اللحم والعظام لربي     ثم قلبي الشهيد أنت النذير
إنني عنك زاجر ثم حيا     من لؤي وكلهم مغرور
قال ابن إسحاق : وقال عبد الله بن الزبعرى أيضا حين أسلم :


منع الرقاد بلابل وهموم     والليل معتلج الرواق بهيم
مما أتاني أن أحمد لامني     فيه فبت كأنني محموم
يا خير من حملت على أوصالها     عيرانة سرح اليدين غشوم
إني لمعتذر إليك من الذي     أسديت إذ أنا في الضلال أهيم
أيام تأمرني بأغوى خطة     سهم وتأمرني بها مخزوم
وأمد أسباب الردى ويقودني     أمر الغواة وأمرهم مشئوم
فاليوم آمن بالنبي محمد     قلبي ومخطئ هذه محروم
مضت العداوة وانقضت أسبابها     ودعت أواصر بيننا وحلوم [ ص: 589 ]
فاغفر فدى لك والداي كلاهما     زللي فإنك راحم مرحوم
وعليك من علم المليك علامة     نور أغر وخاتم مختوم
أعطاك بعد محبة برهانه     شرفا وبرهان الإله عظيم
ولقد شهدت بأن دينك صادق     حق وأنك في العباد جسيم
والله يشهد أن أحمد مصطفى     مستقبل في الصالحين كريم
قرم علا بنيانه من هاشم     فرع تمكن في الذرا وأروم
قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له .

قلت : كان عبد الله بن الزبعرى السهمي من أكبر أعداء الإسلام ، ومن الشعراء الذين استعملوا قواهم في هجاء المسلمين ، ثم من الله عليه بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الإسلام والقيام بنصره والذب عنه .

========== بعثه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جذيمة من كنانة

قال ابن إسحاق : فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف ، عن أبي جعفر محمد بن علي قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيا ، ولم يبعثه مقاتلا ، ومعه قبائل من العرب ، سليم بن منصور ومدلج بن مرة ، فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة ، فلما رآه القوم أخذوا السلاح ، فقال خالد : ضعوا السلاح ، فإن الناس قد أسلموا .

قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بني جذيمة قال : لما أمرنا خالد أن نضع السلاح ، قال رجل منا - يقال له : جحدم - : ويلكم يا بني جذيمة ، إنه خالد ، والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار ، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق ، والله لا أضع سلاحي أبدا . قال : فأخذه رجال من قومه ، فقالوا : يا جحدم ، أتريد أن تسفك دماءنا ؟ إن الناس قد أسلموا [ ص: 599 ] ووضعت الحرب ، وأمن الناس . فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه ، ووضع القوم سلاحهم لقول خالد .

قال ابن إسحاق : فحدثني حكيم بن حكيم ، عن أبي جعفر قال : فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك ، فكتفوا ثم عرضهم على السيف ، فقتل من قتل منهم ، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء ثم قال : " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد .

قال ابن هشام : حدثني بعض أهل العلم أنه انفلت رجل من القوم ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل أنكر عليه أحد ؟ " فقال : نعم ، قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة ، فنهمه خالد ، فسكت عنه ، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب ، فراجعه فاشتدت مراجعتهما ، فقال عمر بن الخطاب أما الأول يا رسول الله ، فابني عبد الله ، وأما الآخر [ ص: 600 ] فسالم مولى أبي حذيفة .

قال ابن إسحاق : فحدثني حكيم بن حكيم ، عن أبي جعفر ، قال : ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال : " يا علي ، اخرج إلى هؤلاء القوم ، فانظر في أمرهم ، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك " . فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال حتى إنه ليدي ميلغة الكلب ، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه ، بقيت معه بقية من المال ، فقال لهم علي حين فرغ منهم : هل بقي لكم دم أو مال لم يود لكم؟ قالوا : لا . قال : فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا نعلم ولا تعلمون . ففعل ، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر ، فقال : " أصبت وأحسنت " . ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه ، حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه يقول : " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد " ثلاث مرات .

قال ابن إسحاق : وقد قال بعض من يعذر خالدا : إنه قال : ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حذافة السهمي وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد [ ص: 601 ] أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم من الإسلام . قال ابن هشام : قال أبو عمرو المديني : لما أتاهم خالد بن الوليد قالوا : صبأنا صبأنا . وهذه مرسلات ومنقطعات .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، ثنا معمر ، عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن ابن عمر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني - أحسبه قال - جذيمة . فدعاهم إلى الإسلام ، فلم يحسنوا أن يقولوا : أسلمنا . فجعلوا يقولون : صبأنا صبأنا . وجعل خالد بهم أسرا وقتلا . قال : ودفع إلى كل رجل منا أسيرا ، حتى إذا أصبح يوما أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره . قال ابن عمر : فقلت : والله لا أقتل أسيري ، ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره . قال : فقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا له صنيع خالد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ورفع يديه : " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد " مرتين . ورواه البخاري والنسائي من حديث عبد الرزاق به نحوه .

قال ابن إسحاق : وقد قال لهم جحدم لما رأى ما يصنع بهم خالد : يا بني جذيمة ، ضاع الضرب ، قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه . قال ابن إسحاق : وقد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف - فيما بلغني - [ ص: 602 ] كلام في ذلك ، فقال له عبد الرحمن : عملت بأمر الجاهلية في الإسلام ؟ فقال : إنما ثأرت بأبيك . فقال عبد الرحمن : كذبت ، قد قتلت قاتل أبي ، ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة . حتى كان بينهما شر ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " مهلا يا خالد ، دع عنك أصحابي ، فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ، ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته .

ثم ذكر ابن إسحاق قصة الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، عم خالد بن الوليد ، في خروجه هو وعوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة ، ومعه ابنه عبد الرحمن ، وعفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ، ومعه ابنه عثمان في تجارة إلى اليمن ، ورجوعهم ومعهم مال لرجل من بني جذيمة كان هلك باليمن ، فحملوه إلى ورثته ، فادعاه رجل منهم يقال له : خالد بن هشام . ولقيهم بأرض بني جذيمة فطلبه منهم قبل أن يصلوا إلى أهل الميت ، فأبوا عليه ، فقاتلهم فقاتلوه ، حتى قتل عوف والفاكه وأخذت أموالهما ، وقتل عبد الرحمن قاتل أبيه خالد بن هشام ، وفر منهم عفان ومعه ابنه عثمان إلى مكة ، فهمت قريش بغزو بني جذيمة ، فبعثت بنو جذيمة يعتذرون إليهم بأنه لم يكن عن ملأ منهم ، وودوا لهم القتيلين وأموالهما ، ووضعوا الحرب بينهم .

يعني فلهذا قال خالد لعبد الرحمن : إنما ثأرت بأبيك . يعني حين قتلته بنو جذيمة ، فأجابه بأنه قد أخذ ثأره وقتل قاتله ، ورد عليه بأنه إنما ثأر [ ص: 603 ] بعمه الفاكه بن المغيرة حين قتلوه وأخذوا أمواله ، والمظنون بكل منهما أنه لم يقصد شيئا من ذلك ، وإنما يقال هذا في وقت المخاصمة ، فإنما أراد خالد بن الوليد نصرة الإسلام وأهله ، وإن كان قد أخطأ في أمر ، واعتقد أنهم ينتقصون الإسلام بقولهم : صبأنا صبأنا . ولم يفهم عنهم أنهم أسلموا ، فقتل طائفة كثيرة منهم وأسر بقيتهم ، وقتل أكثر الأسرى أيضا ، ومع هذا لم يعزله رسول الله صلى الله عليه وسلم بل استمر به أميرا ، وإن كان قد تبرأ منه في صنيعه ذلك ، وودى ما كان جناه خطأ في دم أو مال ، ففيه دليل لأحد القولين بين العلماء في أن خطأ الإمام يكون في بيت المال لا في ماله . والله أعلم . ولهذا لم يعزله الصديق حين قتل مالك بن نويرة أيام الردة ، وتأول عليه ما تأول حين ضرب عنقه واصطفى امرأته أم تميم ، فقال له عمر بن الخطاب : اعزله ، فإن في سيفه رهقا . فقال الصديق : لا أغمد سيفا سله الله على المشركين .

وقال ابن إسحاق : حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس ، عن الزهري ، عن ابن أبي حدرد الأسلمي قال : كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد ، فقال فتى من بني جذيمة ، وهو في سني ، وقد جمعت يداه إلى عنقه برمة ، ونسوة مجتمعات غير بعيد منه : يا فتى ، فقلت : ما تشاء ؟ قال : هل [ ص: 604 ] أنت آخذ بهذه الرمة ، فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضي إليهن حاجة ، ثم تردني بعد ، فتصنعوا بي ما بدا لكم ؟ قال : قلت : والله ليسير ما طلبت . فأخذت برمته فقدته بها ، حتى وقفته عليهن فقال : اسلمي حبيش على نفد العيش :


أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم بحلية أو ألفيتكم بالخوانق     ألم يك أهلا أن ينول عاشق
تكلف إدلاج السرى والودائق     فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معا
أثيبي بود قبل إحدى الصفائق     أثيبي بود قبل أن تشحط النوى
وينأى الأمير بالحبيب المفارق     فإني لا ضيعت سر أمانة
ولا راق عيني عنك بعدك رائق     سوى أن ما نال العشيرة شاغل
عن الود إلا أن يكون التوامق
قالت : وأنت فحييت عشرا ، وتسعا وترا ، وثمانيا تترى .

قال : ثم انصرفت به ، فضربت عنقه ، قال ابن إسحاق : فحدثني أبو فراس [ ص: 605 ] بن أبي سنبلة الأسلمي ، عن أشياخ منهم ، عمن كان حضرها منهم ، قالوا : فقامت إليه حين ضربت عنقه فأكبت عليه ، فما زالت تقبله حتى ماتت عنده .

وروى الحافظ البيهقي من طريق الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق ، أنه سمع رجلا من مزينة يقال له : ابن عصام . عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية قال : إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا قال : فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وأمرنا بذلك ، فخرجنا قبل تهامة ، فأدركنا رجلا يسوق بظعائن ، فقلنا له : أسلم . فقال : وما الإسلام ؟ فأخبرناه به ، فإذا هو لا يعرفه ، قال : أفرأيتم إن لم أفعل ، ما أنتم صانعون ؟ قال : قلنا : نقتلك . فقال : فهل أنتم منظري حتى أدرك الظعائن ؟ قال : قلنا : نعم ، ونحن مدركوك . قال : فأدرك الظعائن فقال : اسلمي حبيش قبل نفاد العيش . فقالت الأخرى : اسلم عشرا ، وتسعا وترا ، وثمانيا تترى ، ثم ذكر الشعر المتقدم إلى قوله :

وينأى الأمير بالحبيب المفارق
. ثم رجع إلينا فقال : شأنكم . قال : فقدمناه ، فضربنا عنقه . قال : فانحدرت الأخرى من هودجها ، فحنت عليه حتى ماتت .

ثم روى البيهقي من طريق أبي عبد الرحمن النسائي ، ثنا محمد بن علي [ ص: 606 ] بن حرب المروزي ، ثنا علي بن الحسين بن واقد ، عن أبيه ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فغنموا ، وفيهم رجل فقال لهم : إني لست منهم ، إني عشقت امرأة فلحقتها ، فدعوني أنظر إليها نظرة ، ثم اصنعوا بي ما بدا لكم . قال : فإذا امرأة أدماء طويلة ، فقال لها : اسلمي حبيش قبل نفاد العيش . ثم ذكر البيتين بمعناهما . قال : فقالت : نعم فديتك . قال : فقدموه فضربوا عنقه ، فجاءت المرأة فوقعت عليه ، فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت ، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر ، فقال : أما كان فيكم رجل رحيم ؟ .
========== فصل في مدة إقامته عليه السلام ، بمكة لا خلاف أنه ، عليه الصلاة والسلام ، أقام بقية شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر ، وهذا دليل من قال من العلماء : إن المسافر إذا لم يجمع الإقامة فله أن يقصر ويفطر إلى ثمانية عشر يوما في أحد القولين ، وفي القول الآخر ، كما هو مقرر في موضعه .

قال البخاري : ثنا أبو نعيم ، ثنا سفيان ( ح ) وحدثنا قبيصة ، ثنا سفيان ، عن يحيى بن أبي إسحاق ، عن أنس بن مالك قال : أقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرا نقصر الصلاة . وقد رواه بقية الجماعة من طرق متعددة ، عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي البصري ، عن أنس به نحوه .

ثم قال البخاري : ثنا عبدان ، ثنا عبد الله ، أنبأنا عاصم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوما يصلي ركعتين . ورواه البخاري أيضا من وجه آخر - زاد البخاري : وحصين [ ص: 610 ] كلاهما - وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، من حديث عاصم بن سليمان الأحول ، عن عكرمة ، عن ابن عباس به . وفي لفظ لأبي داود : سبع عشرة .

وحدثنا أحمد بن يونس ، ثنا أبو شهاب ، عن عاصم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : أقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة . وقال ابن عباس : فنحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة ، فإذا زدنا أتممنا .

وقال أبو داود : ثنا إبراهيم بن موسى ، ثنا ابن علية ، ثنا علي بن زيد ، عن أبي نضرة ، عن عمران بن حصين قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح ، فأقام ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين ، يقول : يا أهل البلد صلوا أربعا فإنا سفر وهكذا رواه الترمذي من حديث علي [ ص: 611 ] بن زيد بن جدعان وقال : هذا حديث حسن صحيح .

ثم رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة . ثم قال : رواه غير واحد ، عن ابن إسحاق ، لم يذكروا ابن عباس .

وقال ابن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، ومحمد بن علي بن الحسين ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد الله بن أبي بكر ، وعمرو بن شعيب ، وغيرهم قالوا : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة ليلة .====
   
=========صل مبايعة النبي الناس يوم الفتح

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، ثنا ابن جريج أنبأنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، أن محمد بن الأسود بن خلف أخبره أن أباه الأسود رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع الناس يوم الفتح . قال : جلس عند قرن مسقلة ، فبايع الناس على الإسلام والشهادة . قال : قلت : وما الشهادة ؟ قال : أخبرني محمد بن الأسود بن خلف أنه بايعهم على الإيمان بالله ، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله . تفرد به أحمد وعند البيهقي : فجاءه الناس ، الكبار والصغار ، والرجال والنساء ، فبايعهم على الإسلام والشهادة .

وقال ابن جرير ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام ، فجلس لهم - فيما بلغني - على الصفا ، وعمر بن الخطاب أسفل من مجلسه ، فأخذ على الناس السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا . قال : فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء ، وفيهن هند بنت عتبة [ ص: 617 ] متنقبة متنكرة بحديثها ، لما كان من صنيعها بحمزة ، فهي تخاف أن يأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحدثها ذلك ، فلما دنين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبايعهن قال : " بايعنني على أن لا تشركن بالله شيئا " فقالت هند : والله إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه على الرجال . قال : " ولا تسرقن " . فقالت : والله إني كنت أصبت من مال أبي سفيان الهنة بعد الهنة ، وما كنت أدري أكان ذلك علينا حلالا لي أم لا ؟ فقال أبو سفيان ، وكان شاهدا لما تقول : أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وإنك لهند بنت عتبة ؟ ! " قالت : نعم ، فاعف عما سلف ، عفا الله عنك . ثم قال : " ولا تزنين " فقالت : يا رسول الله ، وهل تزني الحرة ؟! ثم قال : " ولا تقتلن أولادكن " . قالت : قد ربيناهم صغارا ، وقتلتهم ببدر كبارا ، فأنت وهم أعلم . فضحك عمر بن الخطاب حتى استغرب ، ثم قال : " ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن " . فقالت : والله إن إتيان البهتان لقبيح ، ولبعض [ ص: 618 ] التجاوز أمثل . ثم قال : " ولا تعصينني " . فقالت : في معروف . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر : " بايعهن واستغفر لهن الله ، إن الله غفور رحيم فبايعهن عمر ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء ، ولا يمس إلا امرأة أحلها الله له ، أو ذات محرم منه .

وثبت في " الصحيحين " عن عائشة ، رضى الله عنها ، أنها قالت : لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط . وفي رواية : ما كان يبايعهن إلا كلاما ويقول : إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة .

وفي " الصحيحين " عن عائشة ، أن هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل شحيح ، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني ، فهل علي من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه ؟ قال : " خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك .

وروى البيهقي ، من طريق يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، أن هند بنت عتبة قالت : [ ص: 619 ] يا رسول الله ، ما كان مما على وجه الأرض أخباء أو أهل خباء - الشك من ابن بكير - أحب إلي من أن يذلوا من أهل أخبائك - أو خبائك - ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل أخباء - أو خباء - أحب إلي من أن يعزوا من أهل أخبائك - أو خبائك - . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وأيضا والذي نفس محمد بيده " . قالت : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل مسيك ، فهل علي حرج أن أطعم من الذي له ؟ قال : " لا ، إلا بالمعروف ورواه البخاري ، عن يحيى بن بكير بنحوه ، وتقدم ما يتعلق بإسلام أبي سفيان .

وقال أبو داود : ثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : لا هجرة ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا ورواه البخاري ، عن عثمان بن أبي شيبة ومسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن جرير . [ ص: 620 ]

وقال الإمام أحمد : ثنا عفان ، ثنا وهيب ، ثنا ابن طاوس ، عن أبيه ، عن صفوان بن أمية أنه قيل له : إنه لا يدخل الجنة إلا من هاجر . فقلت له : لا أدخل منزلي حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله . فأتيته فذكرت له فقال : لا هجرة بعد فتح مكة ، ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا تفرد به أحمد .

وقال البخاري : ثنا محمد بن أبي بكر ، ثنا الفضيل بن سليمان ، ثنا عاصم ، عن أبي عثمان النهدي ، عن مجاشع بن مسعود قال : انطلقت بأبي معبد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه على الهجرة ، فقال : مضت الهجرة لأهلها ، أبايعه على الإسلام والجهاد فلقيت أبا معبد فسألته ، فقال : صدق مجاشع . وقال خالد ، عن أبي عثمان عن مجاشع ، أنه جاء بأخيه مجالد .

وقال البخاري : ثنا عمرو بن خالد ، ثنا زهير ، ثنا عاصم ، عن أبي عثمان قال : حدثني مجاشع قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخي بعد يوم الفتح فقلت : يا رسول الله ، جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة ، قال : " ذهب أهل [ ص: 621 ] الهجرة بما فيها " فقلت : على أي شيء تبايعه ؟ قال : " أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد فلقيت أبا معبد بعد ، وكان أكبرهما سنا ، فسألته ، فقال : صدق مجاشع .

وقال البخاري : ثنا محمد بن بشار ، ثنا غندر ، ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن مجاهد ، قال : قلت لابن عمر : أريد أن أهاجر إلى الشام . فقال : لا هجرة ، ولكن جهاد ، انطلق فاعرض نفسك ، فإن وجدت شيئا وإلا رجعت . وقال أبو النضر : أنا شعبة ، أنا أبو بشر ، سمعت مجاهدا قال : قلت لابن عمر ، فقال : لا هجرة اليوم - أو بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - . . . مثله .

حدثنا إسحاق بن يزيد ، ثنا يحيى بن حمزة ، حدثني أبو عمرو الأوزاعي ، عن عبدة بن أبي لبابة ، عن مجاهد بن جبر ، أن عبد الله بن عمر قال : لا هجرة بعد الفتح .

وقال البخاري : ثنا إسحاق بن يزيد ، أنا يحيى بن حمزة ، أنا الأوزاعي ، عن عطاء بن أبي رباح قال : زرت عائشة مع عبيد بن عمير ، فسألها عن الهجرة [ ص: 622 ] فقالت : لا هجرة اليوم ، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله عز وجل ، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، مخافة أن يفتن عليه ، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام ، فالمؤمن يعبد ربه حيث يشاء ، ولكن جهاد ونية .

وهذه الأحاديث والآثار دالة على أن الهجرة - إما الكاملة أو مطلقا - قد انقطعت بعد فتح مكة ، لأن الناس دخلوا في دين الله أفواجا ، وظهر الإسلام وثبتت أركانه ودعائمه ، فلم تبق هجرة ، اللهم إلا أن يعرض حال يقتضي الهجرة بسبب مجاورة أهل الحرب ، وعدم القدرة على إظهار الدين عندهم ، فتجب الهجرة إلى دار الإسلام ، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء ، ولكن هذه الهجرة ليست كالهجرة قبل الفتح ، كما أن كلا من الجهاد والإنفاق في سبيل الله مشروع ومرغب فيه إلى يوم القيامة ، ولكن ليس كالإنفاق ولا الجهاد قبل الفتح ، فتح مكة . قال الله تعالى : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى الآية ( الحديد : 10 ) .

وقد قال الإمام أحمد : ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري الطائي ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لما نزلت هذه السورة إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [ ص: 623 ] ( النصر : 1 - 3 ) . قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها ، وقال : الناس حيز وأنا وأصحابي حيز وقال : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية . فقال له مروان : كذبت . وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت قاعدان معه على السرير ، فقال أبو سعيد : لو شاء هذان لحدثاك ، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه ، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة . فرفع مروان عليه الدرة ليضربه ، فلما رأيا ذلك قالا : صدق . تفرد به أحمد .

وقال البخاري : ثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فكأن بعضهم وجد في نفسه ، فقال : لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ؟ فقال عمر : إنه ممن قد علمتم . فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم . فما رئيت أنه أدخلني فيهم يومئذ إلا ليريهم ، فقال : ما تقولون في قول الله عز وجل : إذا جاء نصر الله والفتح فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا . وسكت بعضهم فلم يقل شيئا ، فقال لي : أكذاك تقول يا ابن عباس ؟ فقلت : لا . فقال : ما تقول ؟ فقلت : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 624 ] أعلمه له ، قال : إذا جاء نصر الله والفتح فذلك علامة أجلك ، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا قال عمر بن الخطاب : لا أعلم منها إلا ما تقول . تفرد به البخاري . وهكذا روي من غير وجه ، عن ابن عباس أنه فسر ذلك بنعي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أجله . وبه قال مجاهد وأبو العالية والضحاك وغير واحد كما قال ابن عباس وعمر بن الخطاب ، رضي الله عنهما .

فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد : ثنا محمد بن فضيل ، ثنا عطاء ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما نزلت : إذا جاء نصر الله والفتح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعيت إلي نفسي . بأنه مقبوض في تلك السنة . تفرد به الإمام أحمد ، وفي إسناده عطاء بن أبي مسلم الخراساني ، وفيه ضعف ، تكلم فيه غير واحد من الأئمة ، وفي لفظه نكارة شديدة ، وهو قوله بأنه مقبوض في تلك السنة ، وهذا باطل ، فإن الفتح كان في سنة ثمان في رمضان منها ، كما تقدم بيانه ، وهذا ما لا خلاف فيه . وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة ، بلا خلاف أيضا . [ ص: 625 ]

وهكذا الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني ، رحمه الله : ثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي ، ثنا أبي ، ثنا جعفر بن عون ، عن أبي العميس ، عن أبي بكر بن أبي الجهم ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس قال : آخر سورة نزلت من القرآن جميعا : إذا جاء نصر الله والفتح فيه نكارة أيضا ، وفي إسناده نظر أيضا ، ويحتمل أن يكون أنها آخر سورة نزلت جميعها كما قال . والله أعلم . وقد تكلمنا على تفسير هذه السورة الكريمة بما فيه كفاية ، ولله الحمد والمنة .

وقال البخاري : ثنا سليمان بن حرب ، ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن عمرو بن سلمة - قال لي أبو قلابة : ألا تلقاه فتسأله فلقيته فسألته - قال : كنا بماء ممر الناس ، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس ؟ ما هذا الرجل ؟ فيقولون : يزعم أن الله أرسله وأوحى إليه كذا . فكنت أحفظ ذاك الكلام ، فكأنما يغري في صدري ، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح ، فيقولون : اتركوه وقومه ، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق . فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم ، وبدر أبي قومي بإسلامهم . فلما قدم قال : جئتكم والله من عند النبي حقا ، قال : صلوا [ ص: 626 ] صلاة كذا في حين كذا ، وصلاة كذا في حين كذا ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم ، وليؤمكم أكثركم قرآنا فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني ، لما كنت أتلقى من الركبان ، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين ، وكانت علي بردة إذا سجدت تقلصت عني . فقالت امرأة من الحي : ألا تغطون عنا است قارئكم ؟ فاشتروا ، فقطعوا لي قميصا ، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص . تفرد به البخاري دون مسلم ==


غزوة ذات السلاسل =غزوة الفتح الأعظم وكانت في رمضان سنة ثمان
= ميقات خروج النبي==نزول النبي بمر الظهران== ما قيل من الشعر يوم الفتح==بعث خالد بن الوليد لهدم العزى== فيما حكم به صلى الله عليه وسلم بمكة============ذكرها الحافظ البيهقي هاهنا قبل غزوة الفتح ، فساق من طريق موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من مشارف الشام في بلي ، وعبد الله ومن يليهم من قضاعة - قال عروة بن الزبير : بنو بلي أخوال العاص بن وائل - فلما صار إلى هناك خاف من كثرة عدوه ، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده ، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين الأولين ، فانتدب أبو بكر وعمر في جماعة من سراة المهاجرين ، رضي الله عنهم أجمعين ، وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح . قال موسى بن عقبة : فلما قدموا على عمرو قال : أنا أميركم ، وأنا أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستمده بكم . فقال المهاجرون : بل أنت أمير أصحابك ، وأبو عبيدة أمير المهاجرين . فقال عمرو : إنما أنتم مدد أمددته . فلما رأى ذلك أبو عبيدة ، وكان رجلا حسن الخلق لين الشيمة ، قال : تعلم يا عمرو أن آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال : إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا وإنك إن عصيتني لأطيعنك . [ ص: 496 ] فسلم أبو عبيدة الإمارة لعمرو بن العاص .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الإسلام ، وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بني بلي ، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يستألفهم بذلك ، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له : السلاسل . وبه سميت تلك الغزوة ذات السلاسل . قال : فلما كان عليه وخاف ، بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده ، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين ، فيهم أبو بكر وعمر ، وقال لأبي عبيدة حين وجهه : " لا تختلفا " . فخرج أبو عبيدة ، حتى إذا قدم عليه قال له عمرو : إنما جئت مددا إلي . فقال له أبو عبيدة : لا ، ولكني على ما أنا عليه ، وأنت على ما أنت عليه . وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا ، هينا عليه أمر الدنيا ، فقال له عمرو : أنت مددي . فقال له أبو عبيدة : يا عمرو ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لي : " لا تختلفا " . وإنك إن عصيتني أطعتك . فقال له عمرو : فإني أمير عليك ، وإنما أنت مدد لي قال : فدونك . فصلى عمرو بن العاص بالناس .

وقال الواقدي : حدثني ربيعة بن عثمان ، عن يزيد بن رومان ، أن أبا عبيدة لما آب إلى عمرو بن العاص ، فصاروا خمسمائة ، فساروا الليل والنهار [ ص: 497 ] حتى وطئ بلاد بلي ودوخها ، وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه قد كان بهذا الموضع جمع ، فلما سمعوا بك تفرقوا ، حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلي وعذرة وبلقين ، ولقي في آخر ذلك جمعا ليس بالكثير ، فاقتتلوا ساعة ، وتراموا بالنبل ، ورمي يومئذ عامر بن ربيعة وأصيب ذراعه ، وحمل المسلمون عليهم فهربوا ، وأعجزوا هربا في البلاد وتفرقوا ، ودوخ عمرو ما هناك ، وأقام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا مكان صاروا فيه ، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم ، فكانوا ينحرون ويذبحون ، ولم يكن في ذلك أكثر من ذلك ، ولم تكن غنائم تقسم .

وقال أبو داود : ثنا ابن المثنى ، ثنا وهب بن جرير ، ثنا أبي ، سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عمرو بن العاص ، قال : احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك . قال : فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ " قال : فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت : إني سمعت الله يقول : ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما [ ص: 498 ] ( النساء : 29 ) فضحك نبي الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا .

حدثنا محمد بن سلمة ، ثنا ابن وهب ، ثنا ابن لهيعة وعمرو بن الحارث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ، أن عمرو بن العاص كان على سرية . فذكر الحديث بنحوه ، قال : فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم صلى بهم . فذكر نحوه ، ولم يذكر التيمم . قال أبو داود : وروى هذه القصة عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، وقال فيه : فتيمم .

وقال الواقدي : حدثني أفلح بن سعيد ، عن ابن عبد الرحمن بن رقيش ، عن أبي بكر بن حزم قال : كان عمرو بن العاص حين قفلوا ، احتلم في ليلة باردة كأشد ما يكون من البرد ، فقال لأصحابه : ما ترون ؟ قد والله احتلمت ، فإن اغتسلت مت . فدعا بماء فتوضأ ، وغسل فرجه وتيمم ، ثم قام فصلى بهم ، فكان أول من بعث عوف بن مالك بريدا ، قال عوف : فقدمت [ ص: 499 ] على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السحر وهو يصلي في بيته ، فسلمت عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عوف بن مالك ؟ " فقلت : عوف بن مالك يا رسول الله . قال : " صاحب الجزور ؟ " قلت : نعم . ولم يزد على هذا بعد ذلك شيئا ، ثم قال : " أخبرني " . فأخبرته بما كان من مسيرنا ، وما كان من أبي عبيدة وعمرو ، ومطاوعة أبي عبيدة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح " . قال : ثم أخبرته أن عمرا صلى بالناس وهو جنب ومعه ماء ، لم يزد على أن غسل فرجه وتوضأ ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدم عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله عن صلاته ، فأخبره فقال : والذي بعثك بالحق ، إني لو اغتسلت لمت ، ولم أجد بردا قط مثله ، وقد قال تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يبلغنا أنه قال شيئا .

وقال ابن إسحاق : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن عوف بن مالك الأشجعي قال : كنت في الغزوة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص ، وهي غزوة ذات السلاسل ، فصحبت أبا بكر وعمر ، فمررت بقوم وهم على جزور قد نحروها ، وهم لا يقدرون على أن يعضوها ، وكنت امرأ جازرا ، فقلت [ ص: 500 ] لهم : تعطوني منها عشيرا على أن أقسمها بينكم ؟ قالوا : نعم . فأخذت الشفرة ، فجزأتها مكاني ، وأخذت منها جزءا فحملته إلى أصحابي ، فاطبخناه وأكلناه ، فقال أبو بكر وعمر : أنى لك هذا اللحم يا عوف ؟ فأخبرتهما فقالا : لا والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا . ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما منه ، فلما أن قفل الناس من ذلك السفر ، كنت أول قادم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجئته وهو يصلي في بيته فقلت : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته . فقال : " أعوف بن مالك ؟ " فقلت : نعم ، بأبي أنت وأمي . فقال : " صاحب الجزور ؟ " ولم يزدني على ذلك شيئا هكذا رواه محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عوف بن مالك ، وهو منقطع بل معضل .

قال الحافظ البيهقي : وقد رواه ابن لهيعة وسعيد بن أبي أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن ربيعة بن لقيط ، عن مالك بن هدم ، أظنه عن عوف بن مالك ، فذكر نحوه ، إلا أنه قال : فعرضته على عمر فسألني عنه ، فأخبرته فقال : قد تعجلت أجرك . ولم يأكله . ثم حكى عن أبي عبيدة مثله ، ولم يذكر فيه أبا بكر ، وتمامه كنحو ما تقدم [ ص: 501 ] .

وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، ثنا يحيى بن أبي طالب ، ثنا علي بن عاصم ، ثنا خالد الحذاء ، عن أبي عثمان النهدي ، سمعت عمرو بن العاص يقول : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش ذات السلاسل ، وفي القوم أبو بكر وعمر ، فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلا لمنزلة لي عنده . قال : فأتيته حتى قعدت بين يديه ، فقلت : يا رسول الله ، من أحب الناس إليك ؟ قال : " عائشة " . قلت : إني لست أسألك عن أهلك . قال : " فأبوها " قلت : ثم من ؟ قال : " عمر " قلت : ثم من ؟ حتى عدد رهطا ، قال : قلت في نفسي : لا أعود أسأل عن هذا .

وهذا الحديث مخرج في " الصحيحين " من طريق خالد بن مهران الحذاء ، عن أبي عثمان النهدي ، واسمه عبد الرحمن بن مل ، حدثني عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل ، فأتيته فقلت : أي الناس أحب إليك ؟ قال : " عائشة " قلت : فمن الرجال ؟ قال : " أبوها " قلت : ثم من ؟ قال : " ثم عمر بن الخطاب " فعد رجالا . وهذا لفظ البخاري . وفي رواية : قال عمرو : فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم .  =====                                                                     بسم الله الرحمن الرحيم غزوة الفتح الأعظم وكانت في رمضان سنة ثمان

وقد ذكرها الله تعالى في القرآن في غير موضع ، فقال تعالى : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى الآية ( الحديد : 10 ) . وقال تعالى : إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ( النصر )

وكان سبب الفتح بعد هدنة الحديبية ما ذكره محمد بن إسحاق ، حدثني الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه جميعا قالا : كان في صلح الحديبية أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل ، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل ، فتواثبت خزاعة وقالوا : نحن ندخل في عقد محمد وعهده . وتواثبت بنو بكر وقالوا : نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم . فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرا ، ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلا ، بماء يقال [ ص: 509 ] له : الوتير . وهو قريب من مكة ، وقالت قريش : ما يعلم بنا محمد ، وهذا الليل وما يرانا أحد . فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح ، وقاتلوهم معهم ، للضغن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن عمرو بن سالم ركب عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير ، حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره الخبر ، وقد قال أبيات شعر ، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشده إياها :


لاهم إني ناشد محمدا حلف أبيه وأبينا الأتلدا     قد كنتم ولدا وكنا والدا
ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا     فانصر رسول الله نصرا أعتدا
وادع عباد الله يأتوا مددا     فيهم رسول الله قد تجردا
إن سيم خسفا وجهه تربدا     في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا     ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لي في كداء رصدا     وزعموا أن لست أدعو أحدا
فهم أذل وأقل عددا     هم بيتونا بالوتير هجدا
وقتلونا ركعا وسجدا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت يا عمرو بن سالم . فما برح رسول الله [ ص: 510 ] صلى الله عليه وسلم حتى مرت بنا عنانة في السماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب . وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز ، وكتمهم مخرجه ، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره ، حتى يبغتهم في بلادهم .

قال ابن إسحاق : وكان السبب الذي هاجهم ، أن رجلا من بني الحضرمي ، اسمه مالك بن عباد ، من حلفاء الأسود بن رزن خرج تاجرا ، فلما توسط أرض خزاعة ، عدوا عليه ، فقتلوه وأخذوا ماله ، فعدت بنو بكر على رجل من بني خزاعة فقتلوه ، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بني الأسود بن رزن الدئلي - وهم منخر بني كنانة وأشرافهم ، سلمى وكلثوم وذؤيب - فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم . قال ابن إسحاق : وحدثني رجل من الدئل قال : كان بنو الأسود بن رزن يودون في الجاهلية ديتين ديتين .

قال ابن إسحاق : فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك ، إذ حجز بينهم الإسلام ، فلما كان يوم الحديبية ، ودخل بنو بكر في عقد قريش ، ودخلت [ ص: 511 ] خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت الهدنة ، اغتنمها بنو الدئل من بني بكر ، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة ثأرا بأولئك النفر ، فخرج نوفل بن معاوية الدئلي في قومه ، وهو يومئذ سيدهم وقائدهم ، وليس كل بني بكر تابعه ، فبيت خزاعة وهم على الوتير - ماء لهم - فأصابوا رجلا منهم ، وتحاوزوا ، واقتتلوا ، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح ، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا ، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم ، فلما انتهوا إليه ، قالت بنو بكر : يا نوفل ، إنا قد دخلنا الحرم ! إلهك إلهك . فقال كلمة عظيمة : لا إله اليوم ، يا بني بكر أصيبوا ثأركم ، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم ، أفلا تصيبون ثأركم فيه ؟! ولجأت خزاعة إلى دار بديل بن ورقاء بمكة ، وإلى دار مولى لهم يقال له : رافع .

وقد قال الأخزر بن لعط الدئلي في ذلك :


ألا هل أتى قصوى الأحابيش أننا     رددنا بني كعب بأفوق ناصل [ ص: 512 ]
حبسناهم في دارة العبد رافع     وعند بديل محبسا غير طائل
بدار الذليل الآخذ الضيم بعدما     شفينا النفوس منهم بالمناصل
حبسناهم حتى إذا طال يومهم     نفحنا لهم من كل شعب بوابل
نذبحهم ذبح التيوس كأننا     أسود تبارى فيهم بالقواصل
هم ظلمونا واعتدوا في مسيرهم     وكانوا لدى الأنصاب أول قاتل
كأنهم بالجزع إذ يطردونهم     قفا ثور حفان النعام الجوافل
قال : فأجابه بديل بن عبد مناة بن سلمة بن عمرو بن الأجب ، وكان يقال له : بديل بن أم أصرم ، فقال :


تعاقد قوم يفخرون ولم ندع     لهم سيدا يندوهم غير نافل
أمن خيفة القوم الألى تزدريهم     تجيز الوتير خائفا غير آيل
وفي كل يوم نحن نحبو حباءنا     لعقل ولا يحبى لنا في المعاقل [ ص: 513 ]
ونحن صبحنا بالتلاعة داركم     بأسيافنا يسبقن لوم العواذل
ونحن منعنا بين بيض وعتود     إلى خيف رضوى من مجر القنابل
ويوم الغميم قد تكفت ساعيا     عبيس فجعناه بجلد حلاحل
أأن أجمرت في بيتها أم بعضكم     بجعموسها تنزون إن لم نقاتل
كذبتم وبيت الله ما إن قتلتم     ولكن تركنا أمركم في بلابل
قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم يشد في العقد ويزيد في المدة .

قال ابن إسحاق : ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة ، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما أصيب منهم ، ومظاهرة قريش بني بكر عليهم ، ثم انصرفوا راجعين ، حتى لقوا أبا سفيان بعسفان ، قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشد العقد ، ويزيد في المدة ، وقد رهبوا للذي صنعوا ، فلما لقي أبو سفيان بديلا قال : من أين أقبلت يا بديل ؟ وظن أنه قد [ ص: 514 ] أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي . قال : فعمد أبو سفيان إلى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففته ، فرأى فيه النوى ، فقال : أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا . ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فدخل على ابنته أم حبيبة ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته ، فقال : يا بنية ، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عني ؟ فقالت : هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنت مشرك نجس ، فلم أحب أن تجلس على فراشه . فقال : يا بنية ، والله لقد أصابك بعدي شر . ثم خرج فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه ، فلم يرد عليه شيئا ، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما أنا بفاعل . ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه ، فقال عمر : أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! فوالله لو لم أجد لكم إلا الذر لجاهدتكم به . ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب ، وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعندها حسن ، غلام يدب بين يديهما ، فقال : يا علي ، إنك أمس القوم بي رحما ، وأقربهم مني قرابة ، وقد جئت في حاجة ، فلا أرجعن كما جئت خائبا ، فاشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ويحك أبا سفيان ! والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه . فالتفت إلى فاطمة فقال : يا بنت محمد ، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس ، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ فقالت : والله ما بلغ بني ذلك أن يجير بين [ ص: 515 ] الناس ، وما يجير أحد على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي ، فانصحني ؟ قال : والله ما أعلم شيئا يغني عنك ، ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ، ثم الحق بأرضك . فقال : أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا ؟ قال : لا والله ما أظن ، ولكن لا أجد لك غير ذلك ، فقام أبو سفيان في المسجد ، فقال : أيها الناس إني قد أجرت بين الناس . ثم ركب بعيره فانطلق ، فلما أن قدم على قريش قالوا : ما وراءك ؟ قال : جئت محمدا فكلمته ، فوالله ما رد علي شيئا ، ثم جئت ابن أبي قحافة ، فوالله ما وجدت فيه خيرا ، ثم جئت عمر فوجدته أعدى العدو ، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم ، وقد أشار علي بأمر صنعته ، فوالله ما أدري هل يغني عنا شيئا أم لا ؟ قالوا : بماذا أمرك ؟ قال : أمرني أن أجير بين الناس ففعلت . قالوا : هل أجاز ذلك محمد ؟ قال : لا . قالوا : ويحك! ما زادك الرجل على أن لعب بك ، فما يغني عنا ما قلت . فقال : لا والله ما وجدت غير ذلك .

فائدة ذكرها السهيلي ، تكلم على قول فاطمة في هذا الحديث : وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم . على ما جاء في الحديث : ويجير على المسلمين أدناهم قال : وجه الجمع بينهما ، بأن المراد بالحديث من يجير واحدا أو نفرا يسيرا ، وقول فاطمة فيمن يجير عدوا من غزو الإمام [ ص: 516 ] إياهم ، فليس له ذلك . قال : كان سحنون وابن الماجشون يقولان : إن أمان المرأة موقوف على إجازة الإمام ، لقوله لأم هانئ : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ . قال : ويروى هذا عن عمرو بن العاص ، وخالد بن الوليد ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز أمان العبد . وفي قوله عليه الصلاة والسلام : ويجير عليهم أدناهم ما يقتضي دخول العبد والمرأة . والله أعلم .

وقد روى البيهقي من طريق حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قالت بنو كعب :


لاهم إني ناشد محمدا     حلف أبينا وأبيه الأتلدا
فانصر هداك الله نصرا أعتدا     وادع عباد الله يأتوا مددا
وقال موسى بن عقبة في فتح مكة : ثم إن بني نفاثة من بني الدئل أغاروا على بني كعب ، وهم في المدة التي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش ، وكانت بنو كعب في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت بنو نفاثة في صلح قريش ، فأعانت بنو بكر بني نفاثة ، وأعانتهم قريش بالسلاح والرقيق ، واعتزلتهم بنو مدلج ، ووفوا بالعهد الذي كانوا عاهدوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي بني الدئل رجلان هما سيداهم ، سلم بن الأسود ، وكلثوم بن الأسود ، ويذكرون أن ممن أعانهم صفوان بن أمية ، وشيبة بن عثمان ، وسهيل بن عمرو ، فأغارت بنو الدئل على بني عمرو ، وعامتهم - زعموا - نساء وصبيان وضعفاء [ ص: 517 ] الرجال فألجئوهم وقتلوهم حتى أدخلوهم إلى دار بديل بن ورقاء بمكة ، فخرج ركب من بني كعب حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكروا له الذي أصابهم ، وما كان من قريش عليهم في ذلك ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ارجعوا فتفرقوا في البلدان " . وخرج أبو سفيان من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتخوف الذي كان فقال : يا محمد ، اشدد العقد ، وزدنا في المدة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ولذلك قدمت ؟ هل كان من حدث قبلكم ؟ " فقال : معاذ الله ، نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية ، لا نغير ولا نبدل . فخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى أبا بكر فقال : جدد العقد ، وزدنا في المدة . فقال أبو بكر : جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم . ثم خرج فأتى عمر بن الخطاب فكلمه ، فقال عمر بن الخطاب : ما كان من حلفنا جديدا فأخلقه الله ، وما كان منه متينا فقطعه الله ، وما كان منه مقطوعا فلا وصله الله ، فقال له أبو سفيان : جزيت من ذي رحم شرا . ثم دخل على عثمان فكلمه ، فقال عثمان : جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم اتبع أشراف قريش يكلمهم ، فكلهم يقول : عقدنا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما يئس مما عندهم ، دخل على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمها ، فقالت : إنما أنا امرأة ، وإنما ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال لها : فأمري أحد ابنيك . فقالت : إنهما صبيان ، وليس مثلهما يجير . قال : فكلمي عليا [ ص: 518 ] . فقالت : أنت فكلمه ، فكلم عليا ، فقال له : يا أبا سفيان ، إنه ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتات على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار ، وأنت سيد قريش وأكبرها وأمنعها ، فأجر بين عشيرتك . قال : صدقت ، وأنا كذلك . فخرج فصاح : ألا إني قد أجرت بين الناس ، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد . ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، إني قد أجرت بين الناس ، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد ولا يرد جواري . فقال : " أنت تقول يا أبا حنظلة ؟ ! " فخرج أبو سفيان على ذلك ، فزعموا - والله أعلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أدبر أبو سفيان : " اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم ، فلا يرونا إلا بغتة ، ولا يسمعوا بنا إلا فجأة " . وقدم أبو سفيان مكة ، فقالت له قريش : ما وراءك ؟ هل جئت بكتاب من محمد أو عهد ؟ قال : لا والله ، لقد أبى علي ، وقد تتبعت أصحابه ، فما رأيت قوما لملك عليهم أطوع منهم له ، غير أن علي بن أبي طالب قد قال لي : لم تلتمس جوار الناس على محمد ، ولا تجير أنت عليه وعلى قومك ، وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقها أن لا يخفر جواره ؟ فقمت بالجوار ، ثم دخلت على محمد ، فذكرت له أني قد أجرت بين الناس ، وقلت : ما أظن أن تخفرني . فقال : " أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة ؟ ! " فقالوا مجيبين له : رضيت بغير رضا ، وجئتنا بما لا يغني عنا ولا عنك شيئا ، وإنما لعب بك علي ، لعمر الله ما جوارك بجائز ، وإن إخفارك عليهم لهين . ثم دخل على امرأته فحدثها الحديث فقالت : قبحك الله من وافد قوم ، فما جئت بخير . قال : ورأى رسول الله [ ص: 519 ] صلى الله عليه وسلم سحابا فقال : " إن هذه السحاب لتبض بنصر بني كعب " فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يمكث بعدما خرج أبو سفيان ، ثم أخذ في الجهاز ، وأمر عائشة أن تجهزه وتخفي ذلك ، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد أو إلى بعض حاجاته ، فدخل أبو بكر على عائشة ، فوجد عندها حنطة تنسف وتنقى ، فقال لها : يا بنية ، لماذا تصنعين هذا الطعام ؟ فسكتت ، فقال : أيريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو ؟ فصمتت ، فقال : يريد بني الأصفر ؟ - وهم الروم - فصمتت قال : فلعله يريد أهل نجد ؟ فصمتت قال : فلعله يريد قريشا ؟ فصمتت قال : فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : يا رسول الله ، أتريد أن تخرج مخرجا ؟ قال : " نعم " . قال : فلعلك تريد بني الأصفر ؟ قال : " لا " . قال : أتريد أهل نجد ؟ قال : " لا " . قال : فلعلك تريد قريشا ؟ قال : " نعم " . قال أبو بكر : يا رسول الله أليس بينك وبينهم مدة ؟ قال : " ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب ؟ قال : وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بالغزو ، وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش ، وأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على الكتاب ، وذكر القصة كما سيأتي .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر ، عن عروة ، عن عائشة أن أبا بكر دخل على عائشة ، وهي تغربل حنطة ، فقال : ما هذا ؟ أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز ؟ قالت : نعم فتجهز ، قال : وإلى أين ؟ قالت : ما سمى لنا شيئا ، غير أنه قد أمرنا بالجهاز [ ص: 520 ] .

قال ابن إسحاق : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة ، وأمر بالجد والتهيؤ ، وقال : " اللهم خذ العيون والأخبار ، عن قريش ، حتى نبغتها في بلادها فتجهز الناس ، فقال حسان يحرض الناس ، ويذكر مصاب خزاعة :


عناني ولم أشهد ببطحاء مكة     رجال بني كعب تحز رقابها
بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم     وقتلى كثير لم تجن ثيابها
ألا ليت شعري هل تنالن نصرتي      سهيل بن عمرو حرها وعقابها
وصفوان عود حز من شفر استه     فهذا أوان الحرب شد عصابها
فلا تأمننا يا بن أم مجالد     إذا احتلبت صرفا وأعصل نابها
ولا تجزعوا منها فإن سيوفنا     لها وقعة بالموت يفتح بابها ===                                                              فصل ميقات خروج النبي

قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس قال : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره ، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري ، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان ، فصام وصام الناس معه ، حتى إذا كان بالكديد ، بين عسفان وأمج أفطر ، ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين - وقال عروة بن الزبير : كان معه اثنا عشر ألفا . وكذا قال الزهري وموسى بن عقبة - فسبعت سليم ، وبعضهم يقول : ألفت سليم - وألفت مزينة ، وفي كل القبائل عدد وإسلام ، وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد . وروى البخاري ، عن محمود ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري نحوه .

وقد روى البيهقي من حديث عاصم بن علي ، عن الليث بن سعد ، عن عقيل ، عن الزهري ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، أن [ ص: 526 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة الفتح في رمضان . قال : وسمعت سعيد بن المسيب يقول مثل ذلك ، لا أدري أخرج في ليال من شعبان فاستقبل رمضان ، أو خرج في رمضان بعدما دخل ؟ غير أن عبيد الله بن عبد الله أخبرني أن ابن عباس قال : صام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الكديد - الماء الذي بين قديد وعسفان - أفطر ، فلم يزل يفطر حتى انصرم الشهر . ورواه البخاري ، عن عبد الله بن يوسف ، عن الليث ، غير أنه لم يذكر الترديد بين شعبان ورمضان .

وقال البخاري : ثنا علي بن عبد الله ، ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ، فصام حتى بلغ عسفان ، ثم دعا بإناء فشرب نهارا ليراه الناس ، فأفطر حتى قدم مكة . قال : وكان ابن عباس يقول : صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر ، وأفطر ، فمن شاء صام ، ومن شاء أفطر .

وقال يونس : عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفرة الفتح ، واستعمل على المدينة أبا رهم كلثوم بن الحصين الغفاري ، وخرج لعشر مضين من رمضان ، فصام وصام الناس معه ، حتى أتى الكديد - ماء بين عسفان وأمج - فأفطر ، ودخل مكة مفطرا ، فكان الناس يرون أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الفطر ، وأنه [ ص: 527 ] نسخ ما كان قبله .

قال البيهقي : فقوله : خرج لعشر من رمضان . مدرج في الحديث ، وكذلك ذكره عبد الله بن إدريس ، عن ابن إسحاق . ثم روى من طريق يعقوب بن سفيان ، عن حامد بن يحيى ، عن صدقة ، عن ابن إسحاق ، أنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر مضين من رمضان سنة ثمان .

ثم روى البيهقي من حديث أبي إسحاق الفزاري ، عن محمد بن أبي حفصة ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : كان الفتح لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان . قال البيهقي : وهذا الإدراج وهم . إنما هو من كلام الزهري .

ثم روى من طريق ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهري قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح - فتح مكة - فخرج من المدينة في رمضان ومعه من المسلمين عشرة آلاف ، وذلك على رأس ثماني سنين ونصف سنة من مقدمه المدينة ، وافتتح مكة لثلاث عشرة بقين من رمضان .

وروى البيهقي من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن [ ص: 528 ] عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان ومعه عشرة آلاف من المسلمين ، فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر ، فقال الزهري : وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث قال الزهري : فصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان . ثم عزاه إلى " الصحيحين " من طريق عبد الرزاق والله أعلم .

وروى البيهقي من طريق سعيد بن عبد العزيز التنوخي ، عن عطية بن قيس ، عن قزعة بن يحيى ، عن أبي سعيد الخدري قال : آذننا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان ، فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفطر ، فأصبح الناس شرجين ، منهم الصائم ومنهم المفطر ، حتى إذا بلغنا المنزل الذي نلقى العدو فيه ، أمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعون .

وقد رواه الإمام أحمد ، عن أبي المغيرة ، عن سعيد بن عبد العزيز ، حدثني عطية بن قيس ، عمن حدثه ، عن أبي سعيد الخدري قال : آذننا [ ص: 529 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان ، فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفطر ، فأصبح الناس منهم الصائم ومنهم المفطر ، حتى إذا بلغ أدنى منزل تلقاء العدو ، أمرنا بالفطر ، فأفطرنا أجمعون .

قلت : فعلى ما ذكره الزهري من أن الفتح كان يوم الثالث عشر من رمضان ، وما ذكره أبو سعيد من أنهم خرجوا من المدينة في ثاني شهر رمضان ، يقتضي أن مسيرهم كان بين مكة والمدينة في إحدى عشرة ليلة .

ولكن روى البيهقي ، عن أبي الحسين بن الفضل ، عن عبد الله بن جعفر ، عن يعقوب بن سفيان ، عن الحسن بن الربيع ، عن ابن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، ومحمد بن علي بن الحسين ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وعمرو بن شعيب ، وعبد الله بن أبي بكر وغيرهم قالوا : كان فتح مكة في عشر بقيت من شهر رمضان سنة ثمان .

قال أبو داود الطيالسي : ثنا وهيب ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح صائما حتى أتى كراع الغميم ، والناس معه مشاة وركبانا ، وذلك في شهر رمضان ، فقيل : يا رسول الله ، إن الناس قد اشتد عليهم الصوم ، وإنما ينظرون إليك [ ص: 530 ] كيف فعلت . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء فرفعه ، فشرب والناس ينظرون ، فصام بعض الناس وأفطر البعض ، حتى أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن بعضهم صائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أولئك العصاة . وقد رواه مسلم من حديث الثقفي والدراوردي ، عن جعفر بن محمد .

وروى الإمام أحمد من حديث محمد بن إسحاق ، حدثني بشير بن يسار ، عن ابن عباس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان ، فصام وصام المسلمون معه ، حتى إذا كان بالكديد دعا بماء في قعب وهو على راحلته ، فشرب والناس ينظرون ، يعلمهم أنه قد أفطر ، فأفطر المسلمون . تفرد به أحمد .
===========================                                              فصل نزول النبي بمر الظهران

ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مر الظهران ، نزل فيه فأقام ، كما روى البخاري عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، ومسلم عن أبي الطاهر ، عن ابن وهب كلاهما ، عن يونس ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن جابر قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران نجتني الكباث ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " عليكم بالأسود منه فإنه أطيب " . قالوا : يا رسول الله ، أكنت ترعى الغنم ؟ قال : " نعم ، وهل من نبي إلا وقد رعاها ؟ [ ص: 534 ] .

وقال البيهقي : عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن سنان بن إسماعيل ، عن أبي الوليد سعيد بن مينا قال : لما فرغ أهل مؤتة ورجعوا ، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسير إلى مكة ، فلما انتهى إلى مر الظهران نزل بالعقبة ، فأرسل الجناة يجتنون الكباث ، فقلت لسعيد : وما هو ؟ قال : ثمر الأراك . قال : فانطلق ابن مسعود فيمن يجتني . قال : فجعل أحدهم إذا أصاب حبة طيبة قذفها في فيه ، وكانوا ينظرون إلى دقة ساقي ابن مسعود وهو يرقى في الشجرة فيضحكون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعجبون من دقة ساقيه ؟ فوالذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد وكان ابن مسعود ما اجتنى من شيء ، جاء به وخياره فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال في ذلك :


هذا جناي وخياره فيه إذ كل جان يده إلى فيه
وفي " الصحيحين " عن أنس قال : أنفجنا أرنبا ونحن بمر الظهران ، فسعى القوم فلغبوا ، فأدركتها فأخذتها ، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها ، وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها أو فخذيها فقبله .

وقال ابن إسحاق : ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران ، وقد عميت [ ص: 535 ] الأخبار عن قريش ، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يدرون ما رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعل ، وخرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب ، وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء ، يتحسسون الأخبار ، وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به .

وذكر ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بين يديه عيونا خيلا يقتصون العيون ، وخزاعة لا تدع أحدا يمضي وراءها ، فلما جاء أبو سفيان وأصحابه أخذتهم خيل المسلمين ، وقام إليه عمر يجأ في عنقه ، حتى أجاره العباس بن عبد المطلب ، وكان صاحبا لأبي سفيان .

قال ابن إسحاق : وقال العباس حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران : قلت : واصباح قريش ، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه ، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر . قال : فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء ، فخرجت عليها حتى جئت الأراك ، فقلت : لعلي أجد بعض الحطابة ، أو صاحب لبن ، أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم عنوة . قال : فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له ، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان ، وأبو سفيان يقول : ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا [ ص: 536 ] عسكرا! قال : يقول بديل : هذه والله خزاعة حمشتها الحرب . قال : يقول أبو سفيان : خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها . قال : فعرفت صوته فقلت : يا أبا حنظلة . فعرف صوتي ، فقال : أبو الفضل ؟ قال : قلت : نعم . قال : ما لك ، فدى لك أبي وأمي ؟ قال : قلت : ويحك يا أبا سفيان ! هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ، واصباح قريش والله . قال : فما الحيلة ، فداك أبي وأمي ؟ قال : قلت : والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك . قال : فركب خلفي ورجع صاحباه - وقال عروة : بل ذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما ، وجعل يستخبرهما عن أهل مكة وقال الزهري وموسى بن عقبة : بل دخلوا مع العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال ابن إسحاق : قال : فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا : من هذا ؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا : عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم . حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال : من هذا ؟ وقام إلي ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال : أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد . وزعم عروة بن الزبير أن عمر وجأ في رقبة أبي سفيان ، وأراد قتله فمنعه منه العباس .

وهكذا ذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن عيون رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 537 ] أخذوهم بأزمة جمالهم ، فقالوا : من أنتم ؟ قالوا : وفد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلقيهم العباس ، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحادثهم عامة الليل ، ثم دعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، فشهدوا ، وأن محمدا رسول الله ، فشهد حكيم وبديل ، وقال أبو سفيان : ما أعلم ذلك . ثم أسلم بعد الصبح ، ثم سألوه أن يؤمن قريشا ، فقال : " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن - وكانت بأعلى مكة - ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن - وكانت بأسفل مكة - ومن أغلق بابه فهو آمن .

قال العباس : ثم خرج عمر يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة ، فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء قال : فاقتحمت عن البغلة ، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر ، فقال : يا رسول الله ، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد ، فدعني فلأضرب عنقه . قال : قلت : يا رسول إني قد أجرته . ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه ، فقلت : والله لا يناجيه الليلة دوني رجل . فلما أكثر عمر في شأنه . قال : قلت : مهلا يا عمر ، فوالله أن لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف . فقال : مهلا يا عباس ، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم ، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اذهب به يا عباس إلى [ ص: 538 ] رحلك فإذا أصبحت فأتني به " . قال : فذهبت به إلى رحلي ، فبات عندي ، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ؟ " فقال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد . قال : " ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ " قال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا . فقال له العباس : ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، قبل أن تضرب عنقك . قال : فشهد شهادة الحق فأسلم . قال العباس : فقلت : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر ، فاجعل له شيئا . قال : " نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن - زاد عروة : " ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن " . وهكذا قال موسى بن عقبة عن الزهري - ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن " . فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا عباس ، احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل ، حتى تمر به جنود الله فيراها .

وذكر موسى بن عقبة ، عن الزهري أن أبا سفيان وبديلا وحكيم بن حزام كانوا وقوفا مع العباس عند خطم الجبل ، وذكر أن سعدا لما قال لأبي سفيان : اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة . فشكى أبو سفيان إلى [ ص: 539 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزله عن راية الأنصار ، وأعطاها الزبير بن العوام ، فدخل بها من أعلى مكة وغرزها بالحجون ، ودخل خالد من أسفل مكة فلقيه بنو بكر وهذيل ، فقتل من بني بكر عشرين ومن هذيل ثلاثة أو أربعة ، وانهزموا فقتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد .

قال العباس : فخرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه . قال : ومرت القبائل على راياتها ، كلما مرت قبيلة قال : يا عباس ، من هؤلاء ؟ فأقول : سليم . فيقول : ما لي ولسليم . ثم تمر به القبيلة فيقول : يا عباس ، من هؤلاء ؟ فأقول : مزينة . فيقول : ما لي ولمزينة . حتى نفدت القبائل ، ما تمر به قبيلة إلا سألني عنها ، فإذا أخبرته قال : ما لي ولبني فلان . حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء وفيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ، فقال : سبحان الله! يا عباس ، من هؤلاء ؟ قال : قلت : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار . قال : ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة ، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما . قال : قلت : يا أبا سفيان ، [ ص: 540 ] إنها النبوة ، قال : فنعم إذن . قال : قلت : النجاء إلى قومك . حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن . فقامت إليه هند بنت عتبة ، فأخذت بشاربه فقالت : اقتلوا الحميت الدسم الأحمس ، قبح من طليعة قوم . فقال أبو سفيان : ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم ، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن . قالوا : قاتلك الله ، وما تغني عنا دارك ؟ قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن . فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد .

وذكر عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بأبي سفيان قال له : إني لأرى وجوها كثيرة لا أعرفها ، لقد كثرت هذه الوجوه علي . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنت فعلت هذا وقومك ، إن هؤلاء صدقوني إذ كذبتموني ، ونصروني إذ أخرجتموني " . ثم شكى إليه قول سعد بن عبادة حين مر عليه فقال : يا أبا سفيان ، اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كذب سعد ، بل هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ، ويوم تكسى فيه الكعبة .

وذكر عروة أن أبا سفيان لما أصبح صبيحة تلك الليلة التي كان عند [ ص: 541 ] العباس ، ورأى الناس يحشحشون للصلاة ، وينتشرون في استعمال الطهارة خاف وقال للعباس : ما بالهم ؟ قال : إنهم سمعوا النداء ، فهم ينتشرون للصلاة . فلما حضرت الصلاة ورآهم يركعون بركوعه ، ويسجدون بسجوده قال : يا عباس ، ما يأمرهم بشيء إلا فعلوه! قال : نعم ، والله لو أمرهم بترك الطعام والشراب لأطاعوه .

وذكر موسى بن عقبة ، عن الزهري ، أنه لما توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلوا يتكففون ، فقال : يا عباس ، ما رأيت كالليلة ولا ملك كسرى وقيصر .

وقد روى الحافظ البيهقي ، عن الحاكم وغيره ، عن الأصم ، عن أحمد بن الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، حدثني الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، فذكر هذه القصة بتمامها كما أوردها زياد البكائي ، عن ابن إسحاق منقطعة . فالله أعلم . على أنه قد روى البيهقي من طريق أبي بلال الأشعري ، عن زياد البكائي ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله ، عن ابن عباس [ ص: 542 ] قال : جاء العباس بأبي سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال . فذكر القصة ، إلا أنه ذكر أنه أسلم من ليلته قبل أن يصبح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " . قال أبو سفيان : وما تسع داري ؟ فقال : " ومن دخل الكعبة فهو آمن " . قال : وما تسع الكعبة ؟ فقال : " ومن دخل المسجد فهو آمن " . قال : وما يسع المسجد ؟ فقال : " ومن أغلق عليه بابه فهو آمن " . فقال أبو سفيان : هذه واسعة .

وقال البخاري : حدثنا عبيد بن إسماعيل ، ثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه قال : لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فبلغ ذلك قريشا ، خرج أبو سفيان بن حرب ، وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء ، يلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران ، فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة ، فقال أبو سفيان : ما هذه ؟ كأنها نيران عرفة ! فقال بديل بن ورقاء : نيران بني عمرو . فقال أبو سفيان : عمرو أقل من ذلك . فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوهم فأخذوهم ، فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأسلم أبو سفيان ، فلما سار ، قال للعباس : " احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين " . فحبسه العباس ، فجعلت القبائل تمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان ، فمرت كتيبة فقال : يا عباس من هذه ؟ قال : هذه غفار . قال : ما لي ولغفار . ثم مرت جهينة فقال [ ص: 543 ] مثل ذلك ، ثم مرت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك ، ومرت سليم فقال مثل ذلك ، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها فقال : من هذه ؟ قال : هؤلاء الأنصار ، عليهم سعد بن عبادة معه الراية . فقال سعد بن عبادة : يا أبا سفيان ، اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الكعبة . فقال أبو سفيان : يا عباس ، حبذا يوم الذمار . ثم جاءت كتيبة ، وهي أقل الكتائب ، فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وراية رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الزبير بن العوام ، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان قال : ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة ؟ فقال : " ما قال ؟ " قال : كذا وكذا . فقال : " كذب سعد ، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ، ويوم تكسى فيه الكعبة " وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز رايته بالحجون قال عروة : وأخبرني نافع بن جبير بن مطعم ، قال : سمعت العباس يقول للزبير بن العوام : هاهنا أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز الراية ؟ قال : نعم . قال : وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء ، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من كدى فقتل من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان ، حبيش بن الأشعر ، وكرز بن جابر الفهري [ ص: 544 ] .

وقال أبو داود : ثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا يحيى بن آدم ، ثنا ابن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب ، فأسلم بمر الظهران ، فقال له العباس : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر ، فلو جعلت له شيئا ؟ قال : " نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق بابه    ==========)=)====فصل ما قيل من الشعر يوم الفتح

قال ابن إسحاق : وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف ، من بني سليم سبعمائة ، ويقول بعضهم : ألف . ومن بني غفار أربعمائة ، ومن أسلم أربعمائة ، ومن مزينة ألف وثلاثة نفر ، وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من تميم وقيس وأسد . وقال عروة والزهري وموسى بن عقبة : كان المسلمون يوم الفتح الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفا . فالله أعلم .

قال ابن إسحاق : وكان مما قيل من الشعر في يوم الفتح قول حسان بن ثابت


عفت ذات الأصابع فالجواء إلى عذراء منزلها خلاء [ ص: 591 ]     ديار من بني الحسحاس قفر
تعفيها الروامس والسماء     وكانت لا يزال بها أنيس
خلال مروجها نعم وشاء     فدع هذا ولكن من لطيف
يؤرقني إذا ذهب العشاء     لشعثاء التي قد تيمته
فليس لقلبه منها شفاء     كأن خبيئة من بيت رأس
يكون مزاجها عسل وماء     إذا ما الأشربات ذكرن يوما
فهن لطيب الراح الفداء     نوليها الملامة إن ألمنا
إذا ما كان مغث أو لحاء     ونشربها فتتركنا ملوكا
وأسدا ما ينهنهنا اللقاء [ ص: 92 ]     عدمنا خيلنا إن لم تروها
تثير النقع موعدها كداء     ينازعن الأعنة مصغيات
على أكتافها الأسل الظماء     تظل جيادنا متمطرات
يلطمهن بالخمر النساء     فإما تعرضوا عنا اعتمرنا
وكان الفتح وانكشف الغطاء     وإلا فاصبروا لجلاد يوم
يعز الله فيه من يشاء     وجبريل رسول الله فينا
وروح القدس ليس له كفاء     وقال الله قد أرسلت عبدا
يقول الحق إن نفع البلاء     شهدت به فقوموا صدقوه
فقلتم لا نقوم ولا نشاء     وقال الله قد سيرت جندا
هم الأنصار عرضتها اللقاء     لنا في كل يوم من معد
سباب أو قتال أو هجاء     فنحكم بالقوافي من هجانا
ونضرب حين تختلط الدماء     ألا أبلغ أبا سفيان عني
مغلغلة . فقد برح الخفاء     بأن سيوفنا تركتك عبدا
وعبد الدار سادتها الإماء     هجوت محمدا فأجبت عنه
وعند الله في ذاك الجزاء [ ص: 593 ]     أتهجوه ولست له بكفء
فشركما لخيركما الفداء     هجوت مباركا برا حنيفا
أمين الله شيمته الوفاء     أمن يهجو رسول الله منكم
ويمدحه وينصره سواء     فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمد منكم وقاء     لساني صارم لا عيب فيه
وبحري لا تكدره الدلاء
قال ابن هشام : قالها حسان قبل الفتح .

قلت : والذي قاله متوجه ، لما في أثناء هذه القصيدة مما يدل على ذلك ، وأبو سفيان المذكور في البيت هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب .

قال ابن هشام : وبلغني عن الزهري أنه قال : لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء يلطمن الخيل بالخمر ، تبسم إلى أبي بكر ، رضي الله عنه .

قال ابن إسحاق : وقال أنس بن زنيم الدئلي ، يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعي - يعني لما جاء يستنصر عليهم ، كما تقدم - :


أأنت الذي تهدى معد بأمره     بل الله يهديهم وقال لك اشهد
وما حملت من ناقة فوق رحلها     أبر وأوفى ذمة من محمد [ ص: 594 ]
أحث على خير وأسبغ نائلا     إذا راح كالسيف الصقيل المهند
وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله     وأعطى لرأس السابق المتجرد
تعلم رسول الله أنك مدركي     وأن وعيدا منك كالأخذ باليد
تعلم رسول الله أنك قادر     على كل صرم متهمين ومنجد
تعلم بأن الركب ركب عويمر     هم الكاذبون المخلفو كل موعد
ونبوا رسول الله أني هجوته     فلا حملت سوطي إلي إذن يدي
سوى أنني قد قلت ويل ام فتية     أصيبوا بنحس لا بطلق وأسعد
أصابهم من لم يكن لدمائهم     كفاء فعزت عبرتي وتبلدي
وإنك قد أخفرت إن كنت ساعيا     بعبد بن عبد الله وابنة مهود [ ص: 595 ]
ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا     جميعا فإن لا تدمع العين أكمد
وسلمى وسلمى ليس حي كمثله     وإخوته وهل ملوك كأعبد
فإني لا دينا فتقت ولا دما     هرقت تبين عالم الحق واقصد
قال ابن إسحاق : وقال بجير بن زهير بن أبي سلمى في يوم الفتح :


نفى أهل الحبلق كل فج     مزينة غدوة وبنو خفاف
ضربناهم بمكة يوم فتح الن     بي الخير بالبيض الخفاف
صبحناهم بسبع من سليم     وألف من بني عثمان واف
نطأ أكتافهم ضربا وطعنا     ورشقا بالمريشة اللطاف
ترى بين الصفوف لها حفيفا     كما انصاع الفواق من الرصاف
فرحنا والجياد تجول فيهم     بأرماح مقومة الثقاف
فأبنا غانمين بما اشتهينا     وآبوا نادمين على الخلاف [ ص: 596 ]
وأعطينا رسول الله منا     مواثقنا على حسن التصافي
وقد سمعوا مقالتنا فهموا     غداة الروع منا بانصراف
وقال ابن هشام : وقال عباس بن مرداس السلمي في فتح مكة :


منا بمكة يوم فتح محمد     ألف تسيل به البطاح مسوم
نصروا الرسول وشاهدوا آياته     وشعارهم يوم اللقاء مقدم
في منزل ثبتت به أقدامهم     ضنك كأن الهام فيه الحنتم
جرت سنابكها بنجد قبلها     حتى استقام لها الحجاز الأدهم
الله مكنه له وأذله     حكم السيوف لنا وجد مزحم
عود الرياسة شامخ عرنينه     متطلع ثغر المكارم خضرم
وذكر ابن هشام في سبب إسلام عباس بن مرداس ، أن أباه كان يعبد صنما من حجارة يقال له : ضمار . فلما حضرته الوفاة أوصاه به ، فبينما هو [ ص: 597 ] يوما يخدمه إذ سمع صوتا من جوفه وهو يقول :


قل للقبائل من سليم كلها     أودى ضمار وعاش أهل المسجد
إن الذي ورث النبوة والهدى     بعد ابن مريم من قريش مهتدي
أودى ضمار وكان يعبد مرة     قبل الكتاب إلى النبي محمد
قال : فحرق عباس ضمارا ، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم . وقد تقدمت هذه القصة بكمالها في باب هواتف الجان ، مع أمثالها وأشكالها ، ولله الحمد والمنة ===============بعث خالد بن الوليد لهدم العزى

قال ابن جرير : وكان هدمها لخمس بقين من رمضان عامئذ .

قال ابن إسحاق : ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى ، وكانت بيتا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر ، وكان سدنتها وحجابها من بني شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم ، فلما سمع حاجبها السلمي بمسير خالد بن الوليد إليها علق سيفه عليها ، ثم اشتد في الجبل الذي هي فيه وهو يقول :


أيا عز شدي شدة لا شوى لها على خالد ألقي القناع وشمري     أيا عز إن لم تقتلي المرء خالدا
فبوئي بإثم عاجل أو تنصري
قال : فلما انتهى خالد إليها هدمها ، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد روى الواقدي وغيره أنه لما قدمها خالد لخمس بقين من رمضان فهدمها ، ورجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما رأيت ؟ قال : لم أر [ ص: 608 ] شيئا . فأمره بالرجوع ، فلما رجع خرجت إليه من ذلك البيت امرأة سوداء ناشرة شعرها تولول ، فعلاها بالسيف وجعل يقول :


يا عز كفرانك لا سبحانك     إني رأيت الله قد أهانك
ثم خرب ذلك البيت الذي كانت فيه ، وأخذ ما كان فيه من الأموال ، رضي الله عنه وأرضاه ، ثم رجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : تلك العزى ولا تعبد أبدا .

وقال البيهقي : أنبأنا محمد بن أبي بكر الفقيه ، أنبأنا محمد بن أبي جعفر ، أنبأنا أحمد بن علي ، ثنا أبو كريب ، عن ابن فضيل ، عن الوليد بن جميع ، عن أبي الطفيل قال : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة ، وكانت بها العزى ، فأتاها ، وكانت على ثلاث سمرات ، فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : ارجع فإنك لم تصنع شيئا فرجع خالد ، فلما نظرت إليه السدنة وهم حجابها ، أمعنوا هربا في الجبل وهم يقولون : يا عزى خبليه ، يا عزى عوريه ، وإلا فموتي برغم . قال : فأتاها خالد ، فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها ، تحثو التراب على رأسها ووجهها ، فعممها بالسيف حتى قتلها ، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : تلك العزى .=============           ] فصل فيما حكم به صلى الله عليه وسلم بمكة من الأحكام

قال البخاري : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ح ) وقال الليث : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة قالت : كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد أن يقبض ابن وليدة زمعة ، وقال عتبة : إنه ابني . فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في الفتح ، أخذ سعد بن أبي وقاص ابن وليدة زمعة ، فأقبل به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل معه عبد بن زمعة ، فقال سعد بن أبي وقاص : هذا ابن أخي عهد إلي أنه ابنه . قال عبد بن زمعة : يا رسول الله ، هذا أخي ، هذا ابن زمعة ولد على فراشه . فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن وليدة زمعة ، فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هو لك ، هو أخوك يا عبد بن زمعة ، من أجل أنه ولد على فراشه " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " احتجبي منه يا سودة لما رأى من شبه عتبة بن أبي وقاص . قال ابن شهاب : قالت عائشة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 614 ] الولد للفراش وللعاهر الحجر قال ابن شهاب : وكان أبو هريرة يصرح بذلك . وقد رواه البخاري أيضا ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، جميعا عن قتيبة ، عن الليث به . وابن ماجه من حديثه ، وانفرد البخاري بروايته له من حديث مالك ، عن الزهري .

ثم قال البخاري : ثنا محمد بن مقاتل ، أنبأنا عبد الله ، أنا يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني عروة بن الزبير ، أن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه . قال عروة : فلما كلمه أسامة فيها ، تلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " أتكلمني في حد من حدود الله ؟ " فقال أسامة : استغفر لي يا رسول الله . فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : " أما بعد ، فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق [ ص: 614 ] فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " . ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها ، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت ، قالت عائشة : كانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد رواه البخاري في موضع آخر ، ومسلم من حديث ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة به .

وفي " صحيح مسلم " من حديث سبرة بن معبد الجهني قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة عام الفتح حين دخل مكة ، ثم لم يخرج حتى نهانا عنها وفي رواية فقال : ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة وفي رواية في " مسند أحمد " و " السنن " أن ذلك كان في حجة الوداع . فالله أعلم .

وفي " صحيح مسلم " عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يونس بن محمد ، عن عبد الواحد بن زياد ، عن أبي العميس ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ، [ ص: 615 ] عن أبيه أنه قال : رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في متعة النساء ثلاثا ، ثم نهانا عنها .

قال البيهقي : وعام أوطاس هو عام الفتح ، فهو وحديث سبرة سواء .

قلت : من أثبت النهي عنها في غزوة خيبر قال : إنها أبيحت مرتين وحرمت مرتين ، وقد نص على ذلك الشافعي وغيره . وقد قيل : إنها أبيحت وحرمت أكثر من مرتين . فالله أعلم . وقيل : إنها إنما حرمت مرة واحدة ، وهي هذه المرة في غزوة الفتح . وقيل : إنها إنما أبيحت للضرورة . فعلى هذا إذا وجدت ضرورة أبيحت ، وهذا رواية عن الإمام أحمد ، وقيل : بل لم تحرم مطلقا ، وهي على الإباحة . هذا هو المشهور عن ابن عباس وأصحابه وطائفة من الصحابة ، وموضع تحرير ذلك في " الأحكام "

الأربعاء، 2 ديسمبر 2015

 فصل إخبار النبي صلى الله عليه وسلم باستشهاد جعفر وصاحبيه==حديث فيه فضيلة عظيمة لأمراء هذه السرية
===فصل في فضل هؤلاء الأمراء الثلاثة زيد وجعفر وعبد الله ، رضي الله عنهم=حديث فيه فضيلة عظيمة لأمراء هذه السرية
=======

قال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر ، عن أم عيسى الخزاعية ، عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب ، عن جدتها أسماء بنت عميس قالت : لما أصيب جعفر وأصحابه ، دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد دبغت أربعين منا ، وعجنت عجيني ، وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم ، قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ائتني ببني جعفر " . فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه ، فقلت : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، ما يبكيك ، أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء ؟ قال : " نعم ، أصيبوا هذا اليوم " قالت : فقمت أصيح ، واجتمع إلي النساء ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال : " لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما ، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم وهكذا رواه الإمام أحمد من حديث ابن إسحاق ، ورواه ابن ماجه من طريق محمد بن إسحاق ، ، وعن عبد الله بن أبي بكر ، عن أم عيسى ، عن أم عون بنت محمد بن جعفر ، عن أسماء ، فذكر الأمر بعمل الطعام . والصواب أنها أم [ ص: 440 ] جعفر وأم عون

وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، ثنا جعفر بن خالد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر قال : لما جاء نعي جعفر حين قتل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " اصنعوا لآل جعفر طعاما ، فقد أتاهم أمر يشغلهم أو : أتاهم ما يشغلهم وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة عن جعفر بن خالد بن سارة المخزومي المكي ، عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر ، وقال الترمذي : حسن .

ثم قال محمد بن إسحاق : حدثني عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : لما أتى نعي جعفر ، عرفنا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن . قالت : فدخل عليه رجل ، فقال : يا رسول الله ، إن النساء عنيننا وفتننا . قال : " ارجع إليهن فأسكتهن " قالت : فذهب ثم رجع ، فقال له مثل ذلك . قالت : وربما ضر التكلف . يعني أهله . قلت : قال : " فاذهب فأسكتهن ، فإن أبين فاحث في أفواههن التراب " . قالت : وقلت [ ص: 441 ] في نفسي : أبعدك الله ، فوالله ما تركت نفسك ، وما أنت بمطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : وعرفت أنه لا يقدر على أن يحثي في أفواههن التراب انفرد به ابن إسحاق من هذا الوجه ، وليس في شيء من الكتب .

وقال البخاري : ثنا قتيبة ، ثنا عبد الوهاب ، سمعت يحيى بن سعيد قال : أخبرتني عمرة قالت : سمعت عائشة تقول : لما قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة ، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الحزن . قالت عائشة : وأنا أطلع من صائر الباب - شق - فأتاه رجل فقال : أي رسول الله ، إن نساء جعفر . وذكر بكاءهن ، فأمره أن ينهاهن . قالت : فذهب الرجل ، ثم أتى فقال : والله لقد غلبننا . فزعمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فاحث في أفواههن من التراب " قالت عائشة ، رضي الله عنها : فقلت : أرغم الله أنفك ، فوالله ما أنت تفعل ، وما تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم من العناء وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن عمرة ، عنها [ ص: 442 ] .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وهب بن جرير ، ثنا أبي ، سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد ، عن عبد الله بن جعفر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا ، استعمل عليهم زيد بن حارثة ، وقال : " إن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر ، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة " . فلقوا العدو ، فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل ، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل ، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه ، وأتى خبرهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الناس ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : إن إخوانكم لقوا العدو ، وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد ، ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد ، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد ، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ، خالد بن الوليد ، ففتح الله عليه " . قال : ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ، ثم أتاهم فقال : " لا تبكوا على أخي بعد اليوم ، ادعوا لي ابني أخي " . قال : فجيء بنا كأننا أفرخ ، فقال : " ادعوا لي الحلاق " فجيء بالحلاق ، فحلق رءوسنا ، ثم قال : " أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب ، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي " ثم أخذ بيدي فأشالها وقال : " اللهم اخلف جعفرا في أهله ، بارك لعبد الله في صفقة يمينه " . قالها [ ص: 443 ] ثلاث مرات . قال : فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا ، وجعلت تفرح له ، فقال : " العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة ورواه أبو داود ببعضه ، والنسائي في السير بتمامه من حديث وهب بن جرير ، به وهذا يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام ، ثم نهاهم عنه بعدها .

ولعله معنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد ، من حديث الحكم ، عن عبد الله بن شداد ، عن أسماء ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها لما أصيب جعفر : " تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت تفرد به أحمد . فيحتمل أنه أذن لها في التسلب ، وهو المبالغة في البكاء وشق الثياب ، ويكون هذا من باب التخصيص لها بهذا ، لشدة حزنها على جعفر أبي أولادها ، وقد يحتمل أن يكون أمرا لها بالتسلب ، وهو المبالغة في الإحداد ثلاثة أيام ، ثم تصنع بعد ذلك ما شاءت ، مما يفعله المعتدات على أزواجهن ، من الإحداد المعتاد . والله أعلم . ويروى [ ص: 444 ] : " تسلي ثلاثا " . أي تصبري ثلاثا ، وهذا بخلاف الرواية الأخرى . والله أعلم .

فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، ثنا محمد بن طلحة ، ثنا الحكم بن عتيبة ، عن عبد الله بن شداد ، عن أسماء بنت عميس قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر فقال : " لا تحدي بعد يومك هذا فإنه من أفراد أحمد أيضا ، وإسناده لا بأس به ، ولكنه مشكل إن حمل على ظاهره ، لأنه قد ثبت في " الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميتها أكثر من ثلاثة أيام ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا فإن كان ما رواه الإمام أحمد محفوظا ، فتكون مخصوصة بذلك ، أو هو أمر بالمبالغة في الإحداد هذه الثلاثة أيام كما تقدم . والله أعلم .

قلت : ورثت أسماء بنت عميس زوجها بقصيدة تقول فيها :


فآليت لا تنفك نفسي حزينة عليك ولا ينفك جلدي أغبرا     فلله عينا من رأى مثله فتى
أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
ثم لم تنشب أن انقضت عدتها ، فخطبها أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، فتزوجها ، فأولم ، وجاء الناس للوليمة ، فكان فيهم علي بن أبي طالب [ ص: 445 ] ، فلما ذهب الناس استأذن علي أبا بكر ، رضي الله عنهما ، في أن يكلم أسماء من وراء الستر ، فأذن له ، فلما اقترب من الستر نفحه ريح طيبها ، فقال لها علي ، على وجه البسط : من القائلة في شعرها :


فآليت لا تنفك نفسي حزينة     عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
قالت : دعنا منك يا أبا الحسن ، فإنك امرؤ فيك دعابة . فولدت للصديق محمد بن أبي بكر ، ولدته بالشجرة بين مكة والمدينة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ذاهب إلى حجة الوداع ، فأمرها أن تغتسل وتهل ، وسيأتي في موضعه ، ثم لما توفي الصديق ، تزوجها بعده علي بن أبي طالب ، وولدت له أولادا ، رضي الله عنه وعنها وعنهم أجمعين .=============================

أما زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة الكلبي القضاعي ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن أمه ذهبت تزور أهلها ، فأغارت عليهم خيل بلقين فأخذوه ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد . وقيل : اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ، فوهبته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة ، فوجده أبوه ، فاختار المقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعتقه وتبناه ، فكان يقال له : زيد بن محمد . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبا شديدا ، وكان أول من أسلم من الموالي ، ونزل فيه آيات من القرآن ، منها قوله تعالى : وما جعل أدعياءكم أبناءكم ( الأحزاب : 4 ) وقوله تعالى : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ( الأحزاب : 5 ) وقوله تعالى : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ( الأحزاب : 40 ) وقوله : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها [ ص: 449 ] الآية ( الأحزاب : 37 ) . أجمعوا أن هذه الآيات أنزلت فيه ، ومعنى أنعم الله عليه أي بالإسلام ، وأنعمت عليه أي بالعتق ، وقد تكلمنا عليها في " التفسير " .

والمقصود أن الله تعالى لم يسم أحدا من الصحابة في القرآن غيره ، وهداه إلى الإسلام ، وأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزوجه مولاته أم أيمن ، واسمها بركة ، فولدت له أسامة بن زيد ، فكان يقال له : الحب بن الحب ، ثم زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش ، وآخى بينه وبين عمه حمزة بن عبد المطلب ، وقدمه في الإمرة على ابن عمه جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة ، كما ذكرناه .

وقد قال الإمام أحمد ، والإمام الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة - وهذا لفظه - : ثنا محمد بن عبيد ، عن وائل بن داود ، سمعت البهي يحدث أن عائشة كانت تقول : ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم ، ولو بقي بعده لاستخلفه . ورواه النسائي ، عن أحمد بن سليمان ، عن محمد بن عبيد الطنافسي ، به . وهذا إسناد جيد قوي على شرط الصحيح ، وهو غريب جدا . والله أعلم [ ص: 450 ] .

وقال الإمام أحمد : ثنا سليمان ، ثنا إسماعيل ، أخبرني ابن دينار ، عن ابن عمر ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا ، وأمر عليهم أسامة بن زيد ، فطعن بعض الناس في إمرته ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل ، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إلي ، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده .

وأخرجاه في " الصحيحين " عن قتيبة ، عن إسماعيل - هو ابن جعفر بن أبي كثير المدني - عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر فذكره . ورواه البخاري من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه . ورواه البزار من حديث عاصم بن عمر ، عن عبيد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، ثم استغربه من هذا الوجه .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : ثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد ، حدثني أبي ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : لما أصيب زيد بن حارثة ، جيء بأسامة بن زيد ، فأوقف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخر ، ثم عاد من الغد فوقف بين يديه فقال : " ألاقي منك اليوم ما لقيت منك أمس وهذا الحديث فيه غرابة . والله أعلم [ ص: 451 ] .

وقد تقدم في " الصحيحين " أنه لما ذكر مصابهم وهو ، عليه الصلاة والسلام ، فوق المنبر ، جعل يقول : " أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب ، ثم أخذها سيف من سيوف الله ففتح الله عليهم " . قال : وإن عينيه لتذرفان . وقال : " وما يسرهم أنهم عندنا وفي الحديث الآخر أنه شهد لهم بالشهادة ، فهم ممن يقطع لهم بالجنة .

وقد قال حسان بن ثابت يرثي زيد بن حارثة وابن رواحة :


عين جودي بدمعك المنزور واذكري في الرخاء أهل القبور     واذكري مؤتة وما كان فيها
يوم راحوا في وقعة التغوير     حين راحوا وغادروا ثم زيدا
نعم مأوى الضريك والمأسور     حب خير الأنام طرا جميعا
سيد الناس حبه في الصدور     ذاكم أحمد الذي لا سواه
ذاك حزني له معا وسروري [ ص: 452 ]     إن زيدا قد كان منا بأمر
ليس أمر المكذب المغرور     ثم جودي للخزرجي بدمع
سيدا كان ثم غير نزور     قد أتانا من قتلهم ما كفانا
فبحزن نبيت غير سرور
وأما جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أكبر من أخيه علي بعشر سنين ، وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين ، وكان طالب أسن من عقيل بعشر سنين ، أسلم جعفر قديما ، وهاجر إلى الحبشة ، وكانت له هنالك مواقف مشهورة ، ومقامات محمودة ، وأجوبة سديدة ، وأحوال رشيدة ، وقد قدمنا ذلك في هجرة الحبشة ، ولله الحمد . وقد قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر فقال عليه الصلاة والسلام : ما أدري بأيهما أنا أسر ، أبقدوم جعفر ، أم بفتح خيبر ؟ وقام إليه واعتنقه وقبل بين عينيه ، وقال له يوم خرجوا من عمرة القضية : أشبهت خلقي وخلقي فيقال : إنه حجل عند ذلك فرحا . كما تقدم ذلك في موضعه . ولله الحمد والمنة . ولما بعثه إلى مؤتة جعله في الإمرة مصليا - أي ثانيا - لزيد بن حارثة ، ولما قتل وجدوا فيه بضعا وتسعين ما بين ضربة بسيف ، وطعنة برمح ، ورمية بسهم ، وهو في ذلك كله مقبل غير مدبر ، وكانت قد [ ص: 453 ] قطعت يده اليمنى ثم اليسرى وهو ممسك اللواء ، فلما فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك . فيقال : إن رجلا من الروم ضربه بسيف فقطعه باثنتين . رضي الله عن جعفر ولعن قاتله ، وقد أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه شهيد ، فهو ممن يقطع له بالجنة . وجاء في الأحاديث تسميته بذي الجناحين .

وروى البخاري ، عن ابن عمر أنه كان إذا سلم على ابنه عبد الله بن جعفر يقول : السلام عليك يا ابن ذي الجناحين . وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب نفسه ، والصحيح ما في " الصحيح " عن ابن عمر . قالوا : لأن الله تعالى عوضه عن يديه بجناحين في الجنة . وقد تقدم بعض ما روي في ذلك .

قال الحافظ أبو عيسى الترمذي : حدثنا علي بن حجر ، ثنا عبد الله بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة وتقدم في حديث أنه ، رضي الله عنه قتل وعمره ثلاث وثلاثون سنة . وقال ابن الأثير في " الغابة " : كان عمره يوم قتل إحدى وأربعين سنة . قال : وقيل غير ذلك .

قلت : وعلى ما قيل : إنه كان أسن من علي بعشر سنين يقتضي أن [ ص: 454 ] عمره يوم قتل تسع وثلاثون سنة ، لأن عليا أسلم وهو ابن ثمان سنين على المشهور ، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة ، وهاجر وعمره إحدى وعشرين سنة ، ويوم مؤتة كان في سنة ثمان من الهجرة . والله أعلم . وقد كان يقال لجعفر بعد قتله : الطيار . لما ذكرنا ، وكان كريما جوادا ممدحا ، وكان لكرمه يقال له في حياته : أبو المساكين لإحسانه إليهم .

قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا وهيب ، ثنا خالد ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة قال : ما احتذى النعال ولا انتعل ، ولا ركب المطايا ، ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب . وهذا إسناد جيد إلى أبي هريرة ، وكأنه إنما يفضله في الكرم ، فأما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه ، وأما أخوه علي ، رضي الله عنهما ، فالظاهر أنهما متكافئان ، أو علي أفضل منه .

وإنما أراد أبو هريرة تفضيله في الكرم ، بدليل ما رواه البخاري ، ثنا أحمد بن أبي بكر ، ثنا محمد بن إبراهيم بن دينار أبو عبد الله الجهني ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة أن الناس كانوا يقولون : أكثر أبو هريرة وإني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني حين لا آكل الخمير ، ولا ألبس الحرير ، ولا يخدمني فلان وفلانة ، وكنت ألصق بطني بالحصباء من [ ص: 455 ] الجوع ، وإني كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي ، كي ينقلب بي فيطعمني ، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب ، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته ، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها . تفرد به البخاري .

وقال حسان بن ثابت يرثي جعفرا :


ولقد بكيت وعز مهلك جعفر     حب النبي على البرية كلها
ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي     من للجلاد لدى العقاب وظلها
بالبيض حين تسل من أغمادها     ضربا وإنهال الرماح وعلها
بعد ابن فاطمة المبارك جعفر     خير البرية كلها وأجلها
رزءا وأكرمها جميعا محتدا     وأعزها متظلما وأذلها
للحق حين ينوب غير تنحل     كذبا وأنداها يدا وأقلها
فحشا وأكثرها إذا ما يجتدى     فضلا وأبذلها ندى وأبلها [ ص: 456 ]
بالعرف غير محمد لا مثله     حي من احياء البرية كلها
وأما ابن رواحة ، فهو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج أبو محمد - ويقال : أبو رواحة . ويقال : أبو عمرو - الأنصاري الخزرجي ، وهو خال النعمان بن بشير ، أخته عمرة بنت رواحة ، أسلم قديما وشهد العقبة ، وكان أحد النقباء ليلتئذ لبني الحارث بن الخزرج ، وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر ، وكان يبعثه صلى الله عليه وسلم على خرصها كما قدمنا ، وشهد عمرة القضاء ، ودخل يومئذ وهو ممسك بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقيل : بغرزها . يعني الركاب - وهو يقول :


خلوا بني الكفار عن سبيله
الأبيات ، كما تقدم . وكان أحد الأمراء الشهداء يوم مؤتة كما تقدم ، وقد شجع المسلمين للقاء الروم حين اشتوروا في ذلك ، وشجع نفسه أيضا حتى نزل بعدما قتل صاحباه ، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهادة ، فهو ممن يقطع له بدخول الجنة . ويروى أنه لما أنشد النبي صلى الله عليه وسلم شعره ، حين ودعه ، الذي يقول فيه :


فثبت الله ما آتاك من حسن     تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنت فثبتك الله قال هشام بن عروة : فثبته الله حتى قتل شهيدا ودخل الجنة [ ص: 457 ] .

وروى حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، أن عبد الله بن رواحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسمعه يقول : " اجلسوا " . فجلس مكانه خارجا من المسجد ، حتى فرغ النبي من خطبته ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " زادك الله حرصا على طواعية الله وطواعية رسوله .

وقال البخاري في " صحيحه " : وقال معاذ : اجلس بنا نؤمن ساعة .

وقد ورد الحديث المرفوع في ذلك ، عن عبد الله بن رواحة بنحو ذلك ، فقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، عن عمارة ، عن زياد النميري ، عن أنس قال : كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول : تعال نؤمن بربنا ساعة . فقال ذات يوم لرجل ، فغضب الرجل فجاء فقال : يا رسول الله ، ألا ترى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يرحم الله ابن رواحة ، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة وهذا حديث غريب جدا .

وقال البيهقي : ثنا الحاكم ، ثنا أبو بكر ، ثنا محمد بن أيوب ، ثنا أحمد [ ص: 458 ] بن يونس ، ثنا شيخ من أهل المدينة ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن رواحة قال لصاحب له : تعال حتى نؤمن ساعة . قال : أولسنا بمؤمنين ؟ قال : بلى ، ولكنا نذكر الله فنزداد إيمانا .

وقد روى الحافظ أبو القاسم اللالكائي ، من حديث أبي اليمان ، عن صفوان بن سليم ، عن شريح بن عبيد ، أن عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول : قم بنا نؤمن ساعة فنجلس في مجلس ذكر . وهذا مرسل من هذين الوجهين ، وقد استقصينا الكلام على ذلك في أول " شرح البخاري " . ولله الحمد والمنة .

وفي " صحيح البخاري " عن أبي الدرداء قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في حر شديد ، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة رضي الله عنه وقد كان من شعراء الصحابة المشهورين ، ومما نقله البخاري من شعره قوله في رسول الله صلى الله عليه وسلم :


وفينا رسول الله يتلو كتابه     إذا انشق معروف من الفجر ساطع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه     إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا     به موقنات أن ما قال واقع [ ص: 459 ]
وقال البخاري : حدثنا عمران بن ميسرة ، ثنا محمد بن فضيل ، عن حصين ، عن عامر ، عن النعمان بن بشير قال : أغمي على عبد الله بن رواحة ، فجعلت أخته عمرة تبكي : واجبلاه ، واكذا ، واكذا . تعدد عليه ، فقال حين أفاق : ما قلت شيئا إلا قيل لي : أنت كذلك ؟ !

حدثنا قتيبة ، ثنا عبثر ، عن حصين ، عن الشعبي ، عن النعمان بن بشير قال : أغمي على عبد الله بن رواحة ، بهذا ، فلما مات لم تبك عليه .

وقد قدمنا ما رثاه به حسان بن ثابت مع غيره .

وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من مؤتة مع من رجع ، رضي الله عنهم :


كفى حزنا أني رجعت وجعفر     وزيد وعبد الله في رمس أقبر
قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم     وخلفت للبلوى مع المتغبر
وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية ما رثي به هؤلاء الأمراء الثلاثة من شعر حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، رضي الله عنهما وأرضاهما ===========حديث فيه فضيلة عظيمة لأمراء هذه السرية

وهم ، زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن رواحة ، رضي الله عنهم .

قال الإمام العالم الحافظ أبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازي ، نضر الله وجهه ، في كتابه " دلائل النبوة " - وهو كتاب جليل - : حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي ، ثنا الوليد ، ثنا ابن جابر ، ( ح ) وحدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ، ثنا الوليد وعمرو - يعني ابن عبد الواحد - قالا : ثنا ابن جابر ، سمعت سليم بن عامر الخبائري يقول : أخبرني أبو أمامة الباهلي ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان ، فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلا وعرا فقالا : اصعد . فقلت : لا أطيقه . فقالا : إنا سنسهله لك . قال : فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة ، فقلت : ما هؤلاء الأصوات ؟ فقالا : عواء أهل النار . ثم انطلقا بي ، فإذا [ ص: 463 ] بقوم معلقين بعراقيبهم ، مشققة أشداقهم ، تسيل أشداقهم دما ، فقلت : ما هؤلاء ؟ فقالا : هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم " . فقال : خابت اليهود والنصارى . قال سليم : لا أدري أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم من رأيه " ثم انطلقا بي ، فإذا قوم أشد شيء انتفاخا ، وأنتن شيء ريحا ، كأن ريحهم المراحيض ، قلت : من هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء قتلى الكفار . ثم انطلقا بي ، فإذا بقوم أشد شيء انتفاخا ، وأنتن شيء ريحا ، كأن ريحهم المراحيض . قلت : من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الزانون والزواني . ثم انطلقا بي ، فإذا بنساء تنهش ثديهن الحيات ، فقلت : ما بال هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهن ألبانهن . ثم انطلقا بي ، فإذا بغلمان يلعبون بين بحرين ، قلت : من هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء ذراري المؤمنين . ثم أشرفا بي شرفا ، فإذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم ، فقلت : من هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء جعفر بن أبي طالب ، وزيد بن حارثة ، وعبد الله بن رواحة . ثم أشرفا بي شرفا آخر ، فإذا أنا بنفر ثلاثة ، فقلت : من هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء إبراهيم ، وموسى ، وعيسى عليهم السلام ، وهم ينتظرونك .