الأحد، 1 نوفمبر 2015
ذكر فضائل موسى عليه السلام وشمائله وصفاته ووفاته
قال الله تعالى : واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا [ مريم : 51 - 53 ] . وقال تعالى : قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي [ الأعراف : 144 ] . وتقدم في " الصحيحين " ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : لا تفضلوني على موسى ، فإن الناس يصعقون يوم القيامة ، فأكون أول من يفيق ، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش ، فلا أدري أصعق فأفاق قبلي ، أم جوزي بصعقة الطور . وقدمنا أن هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب الهضم والتواضع ، وإلا فهو صلوات الله وسلامه ، عليه خاتم الأنبياء ، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة قطعا جزما لا يحتمل النقيض . وقال تعالى : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط إلى أن قال : ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما [ النساء : 163 ، 164 ] . [ ص: 210 ] وقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها [ الأحزاب : 69 ] .
قال الإمام أبو عبد الله البخاري : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا روح بن عبادة ، عن عوف ، عن الحسن ، ومحمد ، وخلاس ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن موسى كان رجلا حييا ستيرا ، لا يرى جلده شيء; استحياء منه ، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل ، فقالوا : ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده; إما برص وإما أدرة وإما آفة وإن الله ، عز وجل ، أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى ، فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ، ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها ، وإن الحجر عدا بثوبه ، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول : ثوبي حجر ، ثوبي حجر . حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا ، أحسن ما خلق الله وبرأه مما يقولون ، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه ، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا ، أو خمسا قال : فذلك قوله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها وقد رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن شقيق ، وهمام بن منبه ، عن أبي هريرة به ، وهو في [ ص: 211 ] " الصحيحين " من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عنه به ورواه مسلم من حديث عبد الله بن شقيق العقيلي عنه .
قال بعض السلف : كان من وجاهته أنه شفع في أخيه عند الله ، وطلب منه أن يكون معه وزيرا ، فأجابه الله إلى سؤاله ، وأعطاه طلبته ، وجعله نبيا; كما قال : ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ثم قال البخاري : حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة ، حدثنا الأعمش ، سألت أبا وائل ، قال : سمعت عبد الله قال : قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما ، فقال رجل : إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله . فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه ، ثم قال يرحم الله موسى ، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر وكذا رواه مسلم ، من غير وجه ، عن سليمان بن مهران الأعمش به . ،
وقال الإمام أحمد : حدثنا أحمد بن حجاج ، سمعت إسرائيل بن يونس ، عن الوليد بن أبي هاشم مولى لهمدان ، عن زيد بن أبي زائد ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : لا يبلغني أحد عن أحد شيئا ، [ ص: 212 ] فإني أحب أن أخرج إليكم; وأنا سليم الصدر قال : وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مال فقسمه ، قال : فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه : والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ، ولا الدار الآخرة ، فثبت حتى سمعت ما قالا . ثم أتيت رسول الله فقلت : يا رسول الله إنك قلت لنا : لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا ، وإني مررت بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا ، فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشق عليه ، ثم قال : دعنا منك ، فقد أوذي موسى أكثر من ذلك فصبر وهكذا رواه أبو داود ، والترمذي ، من حديث إسرائيل ، عن الوليد بن أبي هاشم به ، وفي رواية للترمذي ، ولأبي داود ، من طريق الحسين بن محمد ، عن إسرائيل ، عن السدي ، عن الوليد به . وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه .
وقد ثبت في " الصحيح " في أحاديث الإسراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بموسى ، وهو قائم يصلي في قبره . ورواه مسلم عن أنس .
وفي " الصحيحين " من رواية قتادة ، عن أنس عن مالك بن صعصعة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه مر ليلة أسري به ، بموسى في السماء السادسة ، فقال له جبريل : هذا موسى فسلم عليه . قال : [ ص: 213 ] فسلمت عليه . فقال : مرحبا بالنبي الصالح ، والأخ الصالح . فلما تجاوزت بكى; قيل له : ما يبكيك؟ قال : أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي وذكر إبراهيم في السماء السابعة . وهذا هو المحفوظ ، وما وقع في حديث شريك بن أبي نمر ، عن أنس ، من أن إبراهيم في السادسة ، وموسى في السابعة ، بتفضيل كلام الله فقد ذكر غير واحد من الحفاظ ، أن الذي عليه الجادة ، أن موسى في السادسة ، وإبراهيم في السابعة ، وأنه مسند ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ، ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم . واتفقت الروايات كلها على أن الله تعالى لما فرض على محمد صلى الله عليه وسلم ، وأمته ، خمسين صلاة في اليوم والليلة ، فمر بموسى ، قال : " ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فإني قد عالجت بني إسرائيل قبلك أشد المعالجة ، وإن أمتك أضعف أسماعا ، وأبصارا ، وأفئدة " فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله ، عز وجل ، ويخفف عنه في كل مرة ، حتى صارت خمس صلوات في اليوم والليلة . وقال الله تعالى : هي خمس ، وهي خمسون أي; بالمضاعفة فجزى الله عنا محمدا صلى الله عليه وسلم خيرا ، وجزى الله عنا موسى ، عليه السلام ، خيرا .
وقال البخاري : حدثنا مسدد ، حدثنا حصين بن نمير ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ، فقال : عرضت علي الأمم ، ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق ، [ ص: 214 ] فقيل : هذا موسى في قومه هكذا روى البخاري هذا الحديث هاهنا مختصرا .
وقد رواه الإمام أحمد مطولا فقال : حدثنا سريج ، حدثنا هشيم ، حدثنا حصين بن عبد الرحمن ، قال : كنت عند سعيد بن جبير ، قال : أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت : أنا . ثم قلت : أما إني لم أكن في صلاة ولكن لدغت . قال : وكيف فعلت؟ قلت : استرقيت . قال : وما حملك على ذلك؟ قال : قلت حديث حدثناه الشعبي ، عن بريدة الأسلمي ، أنه قال : لا رقية إلا من عين ، أو حمة ، فقال سعيد - يعني ابن جبير - : قد أحسن من انتهى إلى ما سمع . ثم قال : حدثنا ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عرضت علي الأمم ، فرأيت النبي ومعه الرهط ، والنبي معه الرجل ، والرجلين ، والنبي وليس معه أحد; إذ رفع لي سواد عظيم فقلت : هذه أمتي . فقيل : هذا موسى وقومه ، ولكن انظر إلى الأفق . فإذا سواد عظيم ، ثم قيل : انظر إلى هذا الجانب . فإذا سواد عظيم فقيل : هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا ، يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل فخاض القوم في ذلك فقالوا : من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب؟ فقال بعضهم : لعلهم الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم . وقال بعضهم : لعلهم الذين ولدوا في الإسلام ، ولم يشركوا بالله شيئا قط . وذكروا أشياء ، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ما هذا الذي كنتم تخوضون فيه؟ فأخبروه بمقالتهم ، فقال : هم الذين لا يكتوون ، ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ، فقام عكاشة بن محصن الأسدي ، فقال : أنا منهم يا رسول الله؟ قال : أنت منهم ، ثم قام آخر فقال : أنا منهم يا رسول الله؟ فقال : سبقك بها عكاشة . وهذا الحديث له طرق كثيرة جدا ، وهو في الصحاح والحسان ، وغيرها ، وسنوردها إن شاء الله تعالى في باب صفة الجنة ، عند ذكر أحوال القيامة وأهوالها . وقد ذكر الله تعالى موسى ، عليه السلام ، في القرآن كثيرا ، وأثنى عليه ، وأورد قصته في كتابه العزيز مرارا ، وكررها كثيرا ، مطولة ، ومبسوطة ، ومختصرة ، وأثنى عليه بليغا . وكثيرا ما يقرنه الله ، ويذكره ، ويذكر كتابه مع محمد صلى الله عليه وسلم ، وكتابه كما قال في سورة " البقرة " : ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون [ البقرة : 110 ] . وقال تعالى : الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام [ آل عمران : 1 - 4 ] . وقال تعالى في سورة " الأنعام " : وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون [ الأنعام : 91 ، 92 ] . [ ص: 215 ] فأثنى تعالى على التوراة ، ثم مدح القرآن العظيم مدحا عظيما ، وقال تعالى في آخرها : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون [ الأنعام : 154 ، 155 ] . وقال تعالى في سورة " المائدة " : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [ المائدة : 44 ] . إلى أن قال : وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه [ المائدة : 47 ، 48 ] . الآية . فجعل القرآن حاكما على سائر الكتب غيره ، وجعله مصدقا لها ، ومبينا ما وقع فيها من التحريف والتبديل ، فإن أهل الكتاب استحفظوا على ما بأيديهم من الكتب ، فلم يقدروا على حفظها ، ولا على ضبطها وصونها ، فلهذا دخلها ما دخلها من تغييرهم وتبديلهم; لسوء فهومهم ، وقصورهم في علومهم ، ورداءة قصودهم ، وخيانتهم لمعبودهم ، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة ، ولهذا يوجد في كتبهم من الخطأ البين على الله وعلى رسله ، ما لا يحد ولا يوصف ، وما لا [ ص: 217 ] يوجد مثله ولا يعرف . وقال تعالى في سورة " الأنبياء " : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون [ الأنبياء : 48 - 50 ] . وقال الله تعالى في سورة " القصص " : فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين [ القصص : 48 ، 49 ] . فأثنى الله على الكتابين ، وعلى الرسولين ، عليهما السلام ، وقالت الجن لقومهم : إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه [ الأحقاف : 30 ] . وقال ورقة بن نوفل لما قص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خبر ما رأى من أول الوحي ، وتلا عليه : اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم [ العلق : 1 - 5 ] . قال سبوح سبوح ، هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران .
وبالجملة فشريعة موسى ، عليه السلام ، كانت عظيمة ، وأمته كانت أمة كثيرة ، ووجد فيها أنبياء ، وعلماء ، وعباد ، وزهاد ، وألباء ، وملوك ، وأمراء ، وسادات ، وكبراء ، لكنهم كانوا فبادوا وتبدلوا ، كما بدلت شريعتهم ، ومسخوا قردة وخنازير ، ثم نسخت بعد كل حساب ملتهم ، وجرت عليهم خطوب وأمور يطول ذكرها ، ولكن سنورد ما فيه مقنع لمن أراد أن يبلغه خبرها ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة وعليه التكلان .======================= ذكر وفاته ، عليه السلام
قال البخاري في " صحيحه " : ( وفاة موسى ، عليه السلام ) : حدثنا يحيى بن موسى ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاووس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : أرسل ملك الموت إلى موسى ، عليه السلام ، فلما جاءه صكه ، فرجع إلى ربه ، عز وجل ، فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ، قال : ارجع إليه ، فقل له يضع يده على متن ثور ، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة . قال : أي رب ثم ماذا؟ قال : ثم الموت ، قال : فالآن . قال : فسأل الله عز وجل أن يدنيه من الأرض المقدسة ، رمية بحجر ، قال أبو هريرة : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " : فلو كنت ثم لأريتكم قبره ، إلى جانب الطريق ، عند الكثيب الأحمر .
قال : وأنبأنا معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه . وقد روى مسلم الطريق الأول من حديث عبد الرزاق به . ورواه الإمام أحمد من حديث حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار ، عن أبي هريرة مرفوعا ، وسيأتي .
[ ص: 222 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا الحسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا أبو يونس ، يعني سليم بن جبير ، عن أبي هريرة - قال الإمام أحمد : لم يرفعه - قال : جاء ملك الموت إلى موسى ، عليه السلام ، فقال : أجب ربك . فلطم موسى عين ملك الموت ، ففقأها ، فرجع الملك إلى الله ، فقال : إنك بعثتني إلى عبد لك لا يريد الموت . قال : وقد فقأ عيني ، قال : فرد الله عينه ، وقال : ارجع إلى عبدي ، فقل له : الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة ، فضع يدك على متن ثور ، فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بها سنة ، قال : ثم مه؟ قال : ثم الموت ، قال : فالآن يا رب ، من قريب . تفرد به أحمد ، وهو موقوف بهذا اللفظ .
وقد رواه ابن حبان في " صحيحه " ، من طريق معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال معمر : وأخبرني من سمع الحسن ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكره ، ثم استشكله ابن حبان ، وأجاب عنه بما حاصله : أن ملك الموت ، لما قال له هذا لم يعرفه; لمجيئه له على غير صورة يعرفها موسى ، عليه السلام ، كما جاء جبريل ، عليه السلام ، في صورة أعرابي ، وكما وردت الملائكة على إبراهيم ولو في صورة شباب ، فلم يعرفهم إبراهيم ولا لوط أولا ، وكذلك موسى لعله لم يعرفه لذلك ولطمه ففقأ عينه; لأنه دخل داره بغير إذنه ، وهذا موافق لشريعتنا في جواز فقء عين من [ ص: 223 ] نظر إليك في دارك بغير إذن . ثم أورد الحديث من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : جاء ملك الموت إلى موسى ليقبض روحه ، قال له : أجب ربك . فلطم موسى عين ملك الموت ، ففقأ عينه وذكر تمام الحديث - كما أشار إليه البخاري - ثم تأوله على أنه لما رفع يده ليلطمه قال له : أجب ربك . وهذا التأويل لا يتمشى على ما ورد به اللفظ ، من تعقيب قوله : أجب ربك . بلطمه ، ولو استمر على الجواب الأول ، لتمشى له . وكأنه لم يعرفه في تلك الصورة ، ولم يحمل قوله هذا على أنه مطابق; إذا لم يتحقق في الساعة الراهنة أنه ملك كريم; لأنه كان يرجو أمورا كثيرة كان يحب وقوعها في حياته; من خروجه من التيه ، ودخولهم الأرض المقدسة ، وكان قد سبق في قدر الله ، أنه ، عليه السلام ، يموت في التيه ، بعد هارون أخيه ، كما سنبينه إن شاء الله تعالى ، وقد زعم بعضهم أن موسى ، عليه السلام ، هو الذي خرج بهم من التيه ، ودخل بهم الأرض المقدسة . وهذا خلاف ما عليه أهل الكتاب ، وجمهور المسلمين . ومما يدل على ذلك ، قوله لما اختار الموت : رب ، أدنني إلى الأرض المقدسة ، رمية بحجر . ولو كان قد دخلها ، لم يسأل ذلك ، ولكن لما كان مع قومه بالتيه ، وحانت وفاته ، عليه السلام ، أحب أن يتقرب إلى الأرض التي هاجر إليها ، وحث قومه عليها ، ولكن حال بينهم وبينها القدر ، رمية بحجر ، ولهذا قال [ ص: 224 ] سيد البشر ، ورسول الله إلى أهل الوبر والمدر : فلو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، حدثنا ثابت ، وسليمان التيمي ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : لما أسري بي ، مررت بموسى ، وهو قائم يصلي في قبره ، عند الكثيب الأحمر . ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به .
وقال السدي ، عن أبي مالك ، وأبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة ، قالوا : ثم إن الله تعالى أوحى إلى موسى : إني متوف هارون ، فائت به جبل كذا وكذا . فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل ، فإذا هم بشجرة لم تر شجرة مثلها ، وإذا هم ببيت مبني ، وإذا هم بسرير عليه فرش ، وإذا فيه ريح طيبة ، فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه ، أعجبه ، قال : يا موسى ، إني أحب أن أنام على هذا السرير . قال له موسى : فنم عليه ، قال : إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي . قال له : لا ترهب ، أنا أكفيك رب هذا البيت ، فنم . قال : يا موسى ، بل نم معي فإن جاء رب هذا البيت ، غضب علي وعليك جميعا فلما ناما ، أخذ هارون الموت ، فلما وجد حسه ، قال : يا موسى ، خدعتني . فلما قبض ، رفع ذلك البيت ، وذهبت تلك الشجرة ، ورفع السرير [ ص: 225 ] به إلى السماء ، فلما رجع موسى إلى قومه ، وليس معه هارون قالوا : فإن موسى قتل هارون ، وحسده حب بني إسرائيل له . وكان هارون أكف عنهم وألين لهم من موسى ، وكان في موسى بعض الغلظة عليهم ، فلما بلغه ذلك قال لهم : ويحكم ، كان أخي أفتروني أقتله؟ فلما أكثروا عليه ، قام فصلى ركعتين ، ثم دعا الله فنزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض ، ثم إن موسى ، عليه السلام ، بينما هو يمشي ويوشع فتاه ، إذ أقبلت ريح سوداء ، فلما نظر إليها يوشع ظن أنها الساعة ، فالتزم موسى وقال : تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبي الله ، فاستل موسى ، عليه السلام من تحت القميص ، وترك القميص في يدي يوشع ، فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل وقالوا : قتلت نبي الله؟ فقال : لا والله ما قتلته ولكنه استل مني . فلم يصدقوه وأرادوا قتله . قال : فإذا لم تصدقوني فأخروني ثلاثة أيام . فدعا الله ، فأتى كل رجل ممن كان يحرسه في المنام فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى ، وإنا قد رفعناه إلينا ، فتركوه ، ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى ، إلا مات ، ولم يشهد الفتح . وفي بعض هذا السياق نكارة وغرابة . والله أعلم .
وقد قدمنا أنه لم يخرج أحد من التيه ممن كان مع موسى ، سوى يوشع بن نون ، وكالب بن يوفنا ، وهو زوج مريم أخت موسى وهارون ، وهما الرجلان المذكوران فيما تقدم اللذان أشارا على ملأ بني إسرائيل بالدخول عليهم ، وذكر وهب بن منبه أن موسى ، عليه السلام ، مر بملأ من الملائكة يحفرون قبرا ، فلم ير أحسن منه ، ولا أنضر ولا أبهج ، فقال : يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر؟ [ ص: 226 ] فقالوا : لعبد من عباد الله كريم ، فإن كنت تحب أن تكون هذا العبد ، فادخل هذا القبر ، وتمدد فيه ، وتوجه إلى ربك ، وتنفس أسهل تنفس . ففعل ذلك فمات ، صلوات الله وسلامه عليه فصلت عليه الملائكة ، ودفنوه . وذكر أهل الكتاب وغيرهم أنه مات وعمره مائة وعشرون سنة .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أمية بن خالد ، ويونس ، قالا : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال يونس : رفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كان ملك الموت يأتي الناس عيانا قال : فأتى موسى ، عليه السلام ، فلطمه ، ففقأ عينه ، فأتى ربه ، فقال : يا رب عبدك موسى فقأ عيني ، ولولا كرامته عليك لعنفت به " وقال يونس : " لشققت عليه " . " قال له اذهب إلى عبدي ، فقل له : فليضع يده على جلد - أو مسك - ثور ، فله بكل شعرة وارت يده سنة . فأتاه فقال له ، فقال : ما بعد هذا؟ قال : الموت ، قال : فالآن " . قال : فشمه شمة ، فقبض روحه قال يونس : " فرد الله عليه عينه ، وكان يأتي الناس خفية " وكذا رواه ابن جرير ، عن أبي كريب ، عن مصعب بن المقدام ، عن حماد بن سلمة به ، فرفعه أيضا والله تعالى أعلم .
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)